الرئيسية / رواية / خليج الفيل

خليج الفيل

خليج الفيل

رواية

صبري هاشم

 

 

اسم المؤلف : صبري هاشم

عنوان الكتاب : خليج الفيل

الجنس الأدبي : رواية

الطبعة الأولى : دار المدى

 

                     حبيبتي

                     نسيت وصيّة

                     إنّ الوردة الحمراء

                     في كأس جنوني

                     هدية                    

                     لك

 

                                  صبري

 

 

استحوذ الشعاع على ذاكرة المدن عندما رسا زورق ليليّ الملامح على صخرة ناتئة في خليج الفيل * . رسا قبيل اشتداد هاجرة ليطلق من جوفه شبحاً متعباً نحو آفاق مكتظة الأسئلة .

لم يكن البشارة المحفورة على لوح الغيب . لم يكن الرحمة الهابطة من صلاة الملائكة . لم يكن القدر المنقذ من سطوة البؤس . لم يكن شيئاً من هذا القبيل . كان مسافراً قذفه رحم المسافة إلى صهيل الشواطئ المتمردة ، بعد أن ألمَّ ، به وبصرّته التي لم تفارق كتفه الكليلة ، ضيق أرضيّ . تطلع بصمت إلى صفحة السماء ومضى حذر الخطى عبر شعاب المدينة المكبلة برائحة البحر الموغل في زرقة بالغة .

 

* * *

 

أمام لوحة استلاب الوقت المضطربة توقف حائراً .. ضجراً إزاء لا أُبالية الشموس . غاب في زمن اقتلع التيه جذر رؤاه وانطفأ وهجه .

استحضر المسافة .. هاله مشهدها .. كانت أبشع المسافات على الاطلاق ، وكانت أفظع من رياح الموت . نزف جرح الذاكرة :

جاءت البداية ملتفة بنسيج الخيبة .. جاءت أكفّ صغيرة كانت قد امتلأت بأدمع الوداع . جاءت وجوه غيبها الضباب وأبعدتها العواصف .. جاء الملح العدواني المندفع مع أنفاس الموج ، محاصراً روحه .. جاء الخوف ممتطياً ظهر اللحظة . مازال حائراً .. تساءل : من أين تبدأ الدورة ؟ . زُفّ التحدي على أجنحة طيور مندثرة السلالة وهجست نفسه : تقدم .. تقدم .. ربما وجدت غلاف الكون منفطراً .

حين تقدم مصطفى الشيخ علي من بوّابة فندق البحّارة الخارج من أردان البحر ، مارس كبحاً على نشاط الذاكرة وقمعاً على ثرثرة طفل الحنين المنفلت في صدره . تقدم باحثاً عن نَبْع كريم ، فردوسيٍّ .. تقدم متلهفاً لمعانقة كأس مُبرّدة تروي جفافه .. تقدم ومازالت في الداخل بقية من أنفس تتشرب الدهشة التي تتسع لها الحدق .

انتبذ زاوية في بار الفندق العامر بالصمت والترقب .. احتل زاوية مفتوحة على الهدير واليود والأسرار . عبّ جرعة أنسته آلام مشواره الطويل . أطلّ من شرفة تهويمته على نقاء المدى .. داهمه الملح القادم في الصحوة .. تكلس في جفنيه . لهثت أنفاس في أذنه ، لعلها أنفاس مدير الفندق .

قال : بها تطهر أيها القادم من الأسفار البعيدة .. تطهر بسيدة الصفاء لكي لا تندم عليها بعد حين ، فهذه الكأس الشفّافة لا تهجر مَنْ كان بها شغوفاً إلاّ إذا نسيتها الأمكنة وضلّت السبيل إليها الشفاه . هذه الساحرة ستُطرد إلى دنيا النسيان حين تتضافر عليها الأزمنة . تطهر قبل أن نصبح نهباً للأزمنة المعتوهة التي تلغي ماضينا وتفتك بحاضرنا . إنها قادمة لا محال برفقة السَوْرة الغضوب .

ثمل مصطفى .. هتف لنفسه : إنها بداية سيئة في مدينة تزحف إلى حتفها في وضح النهار .. فبأيّ الظلال ستحمي جسدها من جحيم السماء وبأيّ تربة سترمم جدران السكينة كي تبسط سطوتها على النفوس ؟

نهض مصطفى .. ترنح .. وضع كفّه على كتف الرجل . قال : خذني إلى قيلولتي فما أعظم حاجتي لهجعة .. دلني على وسادتي لكي أتابع مسار حلمي . لكن لِمَ اتساع الأحداق ؟ .. تساءل . تفرس وجه الرجل . أجاب على سؤاله : ربما لاتساع مساحة الفجيعة . مضى إلى حيث تنهض غرفة على أنين البحر وتمتص مصل أحزانه . مضى غارقاً في سكرة .. مضى وكان اللهاث يمطره :

   ” عند أعالي خمول الليل ستُنقر دفوف عالية الإيقاع فجاءة .. وستنشق سماء عدن عن كتلة ضوء هائلة .. ستذهل سكانها وربما سترهبهم حتى الموت حين يتقاطر منها عشق سماوي على هيئة حبيبات هلامية حارقة ما تلبث أن تتشكل أنهاراً لا قرار لها .. حينئذ سينطفئ الوقت وسيختلط الليل بالنهار ، ثم يحصد الموت الحركة ولن يبقى غير كتلة الضوء الدامعة للهلام وأهل عدن الموتى أو في عدادهم ” *                                    

* * *

 

هذا الصباح نشيد ثقيل الوقع ، غامض المعنى . صباح مشعّ لم يمارس عذوبة عذرية بالقدر الذي مارس فيه اغتصاباً بدوياً وقحاً . لم ينس مصطفى الشيخ علي أنه نام عشرين ساعة متواصلة ، ثقيلة ، بدون كوابيس ولا اختناقات رغم ارتفاع حرارة جو الغرفة ورائحة اليود المتسللة عبر النوافذ المطلّة على الميناء . فضّ صرّته وأخرج منها حزمة أوراق ربما هي كنزه الوحيد ، ثم

ألقى نظرة هادئة إلى البحر المستسلم لفتوّة خالدة قبل مغادرته الغرفة إلى مطعم الفندق الذي كاد أن يكون فارغاً إلاّ من بعض الزبائن على وشك الخروج . دنا منه رجل الفندق ملقياً تحية الصباح ومضيفاً : بدا الأمر جلياً من أن غربة أفردت جناحيها على هامتك . لقد نمتَ طويلاً على ما أظن ؟ . نعم كنت ُمتعباً وأشكر لك صنيعك لو أرشدتني إلى سبيلي . استجاب الرجل الذاهل الموشك على الخاتمة وظلّ بعدها ساهماً .. ربما يقرأ في سفر بعيد أو يناجي بذرة أُلقيت في أرض يباب لم تكتشف بعد .

عندما همّ بالخروج لم ينس مصطفى الشيخ علي أن يسأل الرجل عن اسمه تودداً وفاتحة لبداية علاقة جديدة قد تدوم أو تتضافر عليها الأيام فتكتسحها شأنها في ذلك شأن الشواهد المطمورة تحت الرمال .

* * *

هذه حاقّة المسافة .. والرياحين التي أُجِّل اقتطافها نزعت للتدثر بالشوك البريّ خوفاً من فزع الرمل . هذه صرخة مزلزلة لغيمة هرمت سترتجف لها فرائص المدى .. والمدن التي جُنّت وأطعمت حليبها والتي نثرت في الذرى بذور عشقها ماتت شوقاً لرضيعها مذ تخطفه صدر فاجر .

إنّ كل المدن طاهرة إلاّ واحدة .. وكل السهام بريئة إلاّ مَن يمنح نزيفاً . هذه فضلة كبد حوت كان قد تفسخ في الأعماق ، فيما حورية في الحلم تتوسد الفجيعة وتواصل النشيج . نشيج أشبه بتمزق الضجيج .. نشيج أشبه بانحسار موج بعد عنفوان .

فأيّ الصدور هي الأقرب للنحيب .. وأيّ الأفئدة هي الأقرب للاختراق ، يتوجس ، ولو في ظلام ليل حالك ، السبيل إلى شرايينها ؟

تلك فاتنة عصفت في فروة رأس مقدسة هي أعهر عاهرات الأرض بلا منازع .. لهيب يسري في عروقها ووجدانها .. مرجل يغلي في دواخلها .. ضحك رمادي يتصدرها أينما وضعت بيضاً وأينما فقست موتاً . نهارات سوداء تزقزق لطيور نارية حجرتها الدعوات المريبة .. والسماء حقل كبريت ملتهب .. وصباح عدن يستضيف الشمس ، كل الشمس فيدبّ كسولاً ، بينما مصطفى الشيخ علي مازال مترنحاً في الطريق ما بين فندق البحارة ومحطة الباصات . حركة إنسانية كسولة لا توحي بشيء على الإطلاق ، ربما لا معنى لها .. أشجار لا يخترق عفتها وصراخ سكونها غير نعيق أسراب الغربان السود . آلاف من الغربان مُدرعة بالعناد والتحدي ، تشارك الناس في كل شيء .. تقاسمهم الأرصفة والطرقات .. الساحات والبنايات .. الهموم والأسرار . غربان تأتي على أيّ حياة لطائر وداب . إنها المحتل الوحيد الذي يجوب سماء عدن بطمأنينة تامة .

هبطت الشمس على الهام ولم يأت بعد الباص .. هبطت مثقباً حرارياً عدواني النزعة .. فكل الشموس حالمة الطلعة إلاّ شمس عدن .. كل الشموس ترمم جدران النفوس إلاّ شمس عدن .. كل الشموس آلهة معبودة إلاّ هذه الحدقة النافثة للحمم .

جوقة من أطفال المدارس تمارس نشاطاً فذّاً في أغنية مهداة للرب المتفجر شهوة .. نسوة يبحرن في زوارق الصباح ، بحثاً عن صيد ينحرنه على أبواب الصلاة . رجال يفترشون خيباتهم ويملؤون سلالاً من العثرات بعد أن جفّت بحارهم . ألسنة مندلقة على شفاه ناشفة .. صدور تنتفض مثل عصافير محترقة ، محاولة الهروب من أقفاصها تحت سحر الدروع الملفوفة بعباءات القهر المباركة .. سياط من نار جهنم تلهب الأجساد صاعدة نازلة على إيقاع السبيّ والاستلاب .. مجانين عراة هم أكثر إثارة للكبت الأنثوي والكوّة المسموح من خلالها الاطلاع على غرائب الأشياء .. جمل ٌ يقص على ناقته سيرة الدلافين ويجتر خزين ذكرياته مراراً ، ويكذب كذباً مدوراً . طائفة من الأقراش تحلب إناث سمك القد وتضع الخاثر في أكواز فخارية مغطاة بقشور السمك العربي وحراشف لأجناس مدللة .. شِباك جمعت كلّ الأفخاذ التي تهورت ، وتمردت وأرادت ملامسة عفّة خيام اللحى في دائرة الفضيحة * .. صيادون عادوا من صيدهم ، الذي بدئ مع الفجر أو في آخر الليل ، بشباك غيظهم المزدحمة بحلمات وأثداء كواعب ، سمراء ووردية فات أوان إحيائها .. قرف يعتصر الأرواح وغثيان يمزق أمعاء مصطفى الذي مازال منتظراً .

صرخ التمزق في داخله : أهذه عدن وقد ألبسوها العمامة جهاراً بعد خنق وليدها ** !؟ .. عدن المحتفى بموتها منذ الولادة .. عدن التي قاتلت وقاومت جبروت وحوش البحر *** وخناجر غزو الصحراء دفاعاً عن فسقها وخروجها على إرادة السماء **** .. أجل هذه عدن الممتدة من خياشيم الأسطورة حتى ذقن اللحظة ، تتبرج بالزهد وتستميل لطف الأضرحة .

جففّ عرقه بمنديله عند مجيء الباص وصعد بغثيانه وأسفه وكل الصور التي احتشدت في تلك اللحظة .

ما أذلّ الركوع أمام محّارة زاهية لعوب !

ما أذلّ الركوع أمام سيوف من خشب !

ما أذلّ المراكب حين تعجز عن الإبحار ! .. ستمضي حزينة إلى حتفها تلك التي تختزل زمن الشيخوخة بليلة واحدة .. بساعة واحدة أو تنسف الأفئدة .

غيظ تزبَّد على شدقي الجفاف .. بريق قدح من عيني التعب .. أسف تجلّى في أرواح منكسرة ففاض ألم الحنين على وهج المسافة . أسئلة متلاحقة صارت أساساً للهتاف .. أسئلة كثيرة وجهت إليه من قبل موظف دائرة العمل .

صاح بوجهه :

هكذا أنا كما تراني بهذه الثياب وإن شئت فعارياً .. لا زيادة في جعبتي غير هذه الأوراق اللعينة .

وكيف دخلت البلد ؟ .. سأله الموظف

أجاب : من البحر بما اتسع .

في السّرِّ أم في العلن ؟

لا أفهم ، لكنني وصلت قبيل اشتداد هاجرة .

تخابث الموظف وقتاً كافياً لإثارته واستفزازه قبل سقوط حيلته .. بعدئذ أمره بالجلوس متظاهراً طيبة ودماثة أخلاق بل ونصيحة ومهما كان الأمر فأن أوراقه قد سويت بعد ساعة على أن يستلم عملاً وسكناً بعد ثلاثة أيام .

نور يطلّ على خيمة يأسه .. نور قادم من زاوية قصية في جدار المصادفة يمتلئ به روحه .. مفارقة ندية تبلل أرض جدبه الذي كاد أن يقضي عليه . لم يكن مصدقاً أنّ عملاً يأتي بهذا اليسر . خرج من عند الموظف ممتلئاً غبطة . التهمت قدماه المسافة ما بين دائرة العمل ومركز كريتر فيما راحت الشمس تصب وابلاً من جحيم ومازال في جيبه ما تيسر من مال لسد رمقه بضعة أيام قادمة . خفّت أوجاع نفسه الحائرة ، فدلف إلى حانوت بيع المرطبات ومنه إلى مكتبة بيع الكتب القديمة . ابتاع كتاباً .. تصفحه برفق ومضى إلى حيث طريق عودته .. نحو الفندق .

عند وصوله وجد العم فضل صالح مدير الفندق يسقي حشائش الحديقة بخرطوم الماء ، فحياه على طريقته :

طاب نهارك يا عم فضل .

ابتسم الرجل

أضاف :

نحن أبناء البراءة التي هزمت الوقيعة نحو أعالي البرِّ فماتت ظمأً . نحن مَنْ مزقت الريح ثيابهم وصاروا في رابعة النهار عراةً ، ثم سخروا من أستار عطشى للعريِّ . طاب نهارك يا عم فضل .. أنا جائع ولا تسدّ جوعي كل أطباق المعمورة . أتدري أنّ على أرضنا معدةً لن تشبع ولو جاءت علينا جميعاً وأنها لن ترتوي ولو شربت دماءنا جميعاً . فسبحان مَن خلق لها فكوكاً بملايين الأضراس وجداراً بملايين العضلات ومخارج ضخمة للفضلات وخلقها شرهة، فاعلة ليل نهار ، ثم خطى بجوعه إلى غرفته .. ارتمى على فراشه واستسلم لسحر القيلولة .

* * *

” لا ترحل يا حبيبي فقد رحلت كل الأطياف والطير الزاجل عادت بالأنباء : إنّ الموت على الأرض سواء بسواء . لا ترحل حبيبي عن غيضة غادر الكرى أجفانها وهفت بالشوق إليك .. ووجهي بلون المصائب ينشدّ إلى رأس المسافة . لا ترحل يا نغماً مُدهشاً اهتزت له وجدان الشاطئ وترنمت به حورياته .. لا ترحل فالسنيبلة التي لامستها انحنت عليك حزناً .. لا ترحل ، فإنْ رحلت مَنْ يصب وجده في إناء الليل ومَنْ يردع وحوش الوحدة إذا ما كشر الموت على الأبواب ؟ . هنا ساقية تجردت من عنفها اكراماً لأقدامنا التي تدلت ذات صباح… هنا سدرة رقصت ذوائبها فرحاً لضحكاتنا التي صدحت في الآفاق .. والشرفات التي ألفتها صلّت لمحنتها أمام صليب الذاكرة . أترحل وهنا كل الأسماء .. كل الأشياء ؟ لا ترحل يا حبيبي . أترحل ؟ ماذا سأقول لعينيّ إذا ما اشتاقتا قامتك وشفتيّ إذا ما تحرقتا لشفتيك وذراعيّ إذا ما انطلقتا في فراغ . أُذكرك .. بِمَ ؟ بالبيت الآمن الذي شيدته يداك .. بحجره المتراقص بهجة عند قدومك .. بباحته الضاحكة في كل الأوقات .. بالطفل العابث بحوض الماء .. بأريج خميلتنا إذا ما اشتهت شمساً .. بنوافذ مفتوحة لعصافير تأتي من أعالي الجنان . بِمَ ؟ بالسمر الشتوي ودفء الفضيلة .. بنسمات الصيف وأسراب الطير المهاجر .. بلون السماء إذا ما اشتدت زرقتها .. بالأرض إذا ما تهتك صدرها وإذا ما تقحلت .. بالنهر العظيم ومراكبه التي لا تكف عن الغناء . بِمَ ؟

لا ترحل حبيبي فكل السيوف التي جُردت من غمودها ستثلم قبيل ناصيتك والرؤى الشريرة ستبطل على أعتاب فجر . أُذكرك ؟ أنا التي اغترفت من بريق عينيك بريقاً لعيونها وجمعت العالم في حدقتيها اللتين شقتا الظلام . أُذكرك ؟ لا تفز من قيلولتك فزعاً فلست هذا ما أريد “.

لكن مصطفى فزّ مرتعباً .. مختنقاً ، وبعد هنيهة مُدمدماً : ستلاحقني الأطياف ما دمت أرى العالم مجتمعاً في عينيك اللتين شقتا الظلام .

* * *

في المطعم وجد العم فضل يتأمل قطعة من السمك في صحن حيرته .. جلس قبالته .. بادره :

ـ لم تدم قيلولتك ؟

ـ كابوس انسلّ من ثوب طيف جميل .

ـ قاومته ؟

ـ أكبر من طاقتي .. تراب الأزقة السعيدة ، المرحة يطوف في حجرتي ويملأ أنفي .. أشم طيبه في كل الأمكنة وغالباً ما يعبق في ثيابي .

ـ تعطر به ولا تستسلم له .

ـ لم أُجبل من حجر عنيد .

ـ القِ شيطان حنينك في قاع مظلم فالعالم أرحب من هيجان بحار الألم والحياة أوسع من ناقوس الذاكرة . خُذ غداءك وانصرف بعده إلى حيث تقيل الحسناوات على رمال الشاطئ ، فهناك ستنسى جَردك القديم وسوف ينصلح عطبك الروحي ولو لبعض الوقت . هيا بلا تقاعس يا صاحبي فنحن لم نخلق للحزن وحده .

كان العم فضل مصمماً على انتزاع همّه وصادقاً في دعوته التي اجبرته على تناول بعض طعامه ، ثم همّا بالخروج بعد أن استبدل فضل مئزره وقميصه .

* * *

الشارع نهر أبخرة تنفثه فوهات الرماد ، لا لون له ولا أبعاد . الظلُّ حلم للناشدين الجنان . جبل أجرد مطعون الكبرياء يطلّ بعنف لوثته على العباد ، يتوعد المراكب اللائبة في الخليج قصاصاً . ريح سموم تمزق الأجساد بأنياب كلاب مسعورة . أشجار معطوبة النفس مستلبة البهجة . أسراب من نوارس الشاطئ تتشكل حلزوناً في سماء صارخة الزرقة .

مرّا بتهويمة خليج الفيل . هتف مصطفى لنفسه : من هنا تبتدئ المسافة ومن هنا يتناسل الزمن . لكن أين الصخرة ؟ صرخ حينما فوجئ بعدم وجود الصخرة . أين الصخرة ؟ .. انتبه فضل صالح الذي كان يجاوره ، ثم أطلق سؤالاً فزعاً ، حائراً : ماذا ؟ .. أجابه : الصخرة اختفت .. انشقّ قاع البحر وابتلع الصخرة . لا ، رحلت .. لا شئ .. لا شئ .. فالصخرة غادرت موضعها . لم يفهم الرجل شيئاً .. لم يلح بالسؤال واكتفى بدهشة خدرته لبعض الوقت ، فأيّة صخرة غادرت وأيّة صخرة اُبتلِعت ؟ فهذا الخليج كما هو منذ الأزل .. منذ هجرة البراكين لا صخرة مغادرة و لا صخرة قادمة .. وليس للمراكب به شأن .. وَرَدَه الطير آمناً ، والحيتان عاشرت قيعانه معاشرة   العشاق .. أما رماله الطيبة الندية ، النقية ، كانت ولمّا تزل شاهدةً على زهده وتقواه .. فأيّ خرف تلبسك يا مصطفى .. أيّ جنون ؟ . اكتفى الرجل بمحاكاته النفس دون أن يلتفت صوب مصطفى الذي كان غارقاً في صمته .. لائذاً بذهوله .

* * *

الساحل المكتظ الأجساد يصرخ من جميع أفواهه شهوة .. أجساد نحاسية اللمعان تصطلي بنار الفضيلة .. رمال تضطرب وتثور حين ملامسة تماثيل العاج لها .. صهيل برونزي ، قمحي الذبذبات يطوق خصر الرجولة ويحاصر حوضها .. حوافر أفراس هائجة تقدح شرراً .. مقاعد مسترخية بأدب جمّ .. جحافل مُدرعة بصدور حادّة النفور .. أفخاذ ناعمة ، رجراجة أشهى من الاشتهاء .. عرق ناضح ألذّ من كل مُسكرات الكون .. مؤخرات تفتك بلباس البحر وتحيله خيوطاً زاهية . أجانب وأجنبيات هبطوا مَقثأةً في إحدى   فراديس الرب .. وعول تطارد غزلانها الشاردة صوب الماء .. يمنيات يلوذن بدروعهن خوفاً من سحر فحولة البحر فتلتصق الدروع على بطون ضامرة وكعوب ناطحة .. البحر الشبق يتغزل علانية فيرعد ، يزبد ويفور شهوة .. ومن البعيد يتراءى الفيل ملقياً خرطومه في الأعماق .. الشمس ترسل روحاً شريراً يلطم الجباه .

ـ من أين جاءوا ؟ سأل مصطفى .

أجاب فضل :

ـ من بلاد شتّى .. من الشرق بما اختزن من أسرار .. ومن شرق أوربيٍّ مألوف الرائحة .. يأتون بنفحة من نفحات عطره التي سرعان ما تعبق في سماء بحارنا الصفراء .. صحارينا التي لا ترحم حتى إبلها .. يأتون بوجوه الأُلفة ويملؤون الأرض ضجيجاً . فراشات جميلة تطرز عتمة أيامنا .. انظر تلك المرمورة الراقصة ألم تكن حورية من حوريات الجليد النائي ، ما الذي دفع بها إلى لهيب رمالنا المشتعلة لولا هاجس العمل ؟ وذات يوم ستندلق أحشاء الساحل حزناً على فراق هؤلاء .. سيصرخ صرخة أسيفة على أرواح غادرته منكسرة وسنصرخ معه : إنَّ السماء تستهدفنا بغيظها .

اشرب يا صاحبي .. اشرب بكل ما استطعت من قدرة كي لا تختزن النفوس فلا خيار غير خيار الجنون ولا صحوة غير صحوة الموت .

صبّ فضل في كأسيهما شراباً مثلجاً وأردف : هذه صلاتنا أن أردنا الصلاة فلا تيمم ولا خبل . هذه أجنحتنا أن شئنا الطيران في الأعالي القصية .. اشرب وانس خيبات المسافة .. امعن الرؤية بزغب الأجساد الهلعة حتى تطفر عيناك من محجريهما فتلك أصنام العبادة ، وهذا أقصى اللذّة .. أقصى حدود المسموح وما دونه فاغضض الطرف .

الشمس في أعتى اضطرامها والرجل الشيخ ينتزع من استشراس بواطنه المتلظية بهجة .. ربما لأجل التخفيف من شدة كرب ضيفه الغريب أو لمواجهة حادة مع العبث الدنيوي بعبثٍ أمرّ منه .. لم يكن ببهجته صادقاً بقدر ما كان عابثاً ، متمرداً وغاضباً في ذات الوقت ، وقد حدس مصطفى فورة دواخله وتيقن أكثر حينما اهتاج منادياً على شخص ملتحٍ أنيق الثياب مصفف الشعر ودعاه بخازوق الزهد ، فبينما الرجل يتقدم من مجلسهما بادره متسائلاً :

ـ ما الذي حملك إلى مفسقة يا سيد الفجّار ؟

ـ لأزجي بعض الوقت .

ـ وهنا يا تيس المساجد ؟

ابتسم الرجل فيما استمر هجوم فضل على شكل أسئلة ساخرة .. متلاحقة :

ـ سمعت أنّ امرأتك هجرتك ؟

ـ أنا مَن طلقها .

ـ لماذا ؟

ـ تخونني في المنام .. امرأة كثيرة الاحتلام بصوت مسموع .

ـ تخونك في المنام أم أنّ لك مفسأةً ضخمة زكمت أنفها ؟ فلِمَ لا تسأل نفسك عن خياناتك لها يا أقذر الزناة ؟

مأثرة رائعة .. شجاعة نادرة بددت رائحة شبح الوضاعة .. عاصفة باردة هزت أركان العجرفة أطلقها العم فضل في الفضاء الرحب .. لم يصمد الخسيس إزاء سخريته وتعنيفه فترك المكان قبل أن يحتل مقعداً .. ولم يتعرف عليه مصطفى الذي ظلّ صامتاً حيال غرابة الحقيقة فأضيفت إلى حيرته حيرة : امرأة تخون في المنام .. ! . امرأة تتنهد .. تتأوه .. تصيص .. تضاجع .. ترهز بعنف .. تهزُّ سرير الزوجية بقوة فرج ضحوك .. مستهتر . كل هذا وهي إلى جواره خامدة . لم يدرك اللغز ولا مغزاه . ماذا في الأمر ؟ لا شيء ! فكل ما يحدث خارج حدود الإرادة .. الصحوة ، ولكن لِمَ تقف على أحلامها حارساً ؟ مَن حرّم الأحلام المخضبة بالوجد ؟ . همس لنفسه : تلك مضيعة .. متاهة في أروقة معتمة ، قذرة . تجرد من لباسه وبقي بلباس البحر . صاح : عم فضل اتبعني فالبحر أنقى من كل قراد الدنيا .. اتجه صوب البحر .. توغل بعيداً .. اعتلته موجةٌ .. اعتلى موجةً .. اندس بين كنوز ذهبية .. فتح تحت الماء عينيه ، لبطت حوريةٌ ، نفر نهدُ خطأً أو تعمداً . تبعه فضل بسروال قصير .. أخذه البحر إلى أحضانه بحنو عجيب .. ضجّ الماء .. تمترس الظلّ خلف الجبل معلناً انكسار الوقت .. غام وجه الشمس .. انحنت موجةٌ ثم مدت لسانها تعباً .. هل تعب الموج ؟

 

* * *

لم يبق من أصيل اليوم سوى نثار حمرة باهتة .. ولم يبق في عراء الساحل سوى ثمالة من رحيق أنثوي هادئ .. والفيل يبعث عن بُعدٍ تحية   الوداع . خرجا من شوق الماء وقد آن أوان العودة .

كانت متعة صافية . هكذا أوجز فضل فسحة ساعات طيبة مرّت ، ولهث لهاثاً شديداً لا يخلو من لذة وفرح .

في طريق العودة أُستفزت ذاكرة الرجل وتألقت حينما راح يُعدد الأمكنة التي تبدت طللاً : هنا تفتق حقد القبائل ليبتكر موتاً جديداً .. وهنا سُفحت دماء بريئة .. ومن هنا بدأت الحرب الأهلية * ، التي لم تدم طويلاً ، لتمهد لغزو سماوي .. وهنا تطاحنت خناجر الضغينة لتحزّ رؤوساً متأملة .. وهنا احترقت طيور مغردة بقذائف مازحة ، مداعبة .. حينئذ كنّا في أمس الحاجة لتغريدها .. وهناك أيضاً وعلى مقربة من سماحة البحر ونبله نزف شريان الطفولة فَنَهر الدم صوب الماء .. وهنا وهناك نصبت العقارب كمائنها لمهد ** أرجحته الرياح حتى إذا ما هوى مزقته اللسعات .. وكان الوقت وقتاً لحصاد بشري بيعت محاصيله في أسواق بعيدة . لقد أجبت على سؤالك : لِمَ اتساع الأحداق ؟ وهذه مجرد إضافة من سقط متاع الذاكرة ليس إلاّ .

ألف دهشة تفجرت في عيني مصطفى ، فتمزقت غشاوة المساء السميكة .. ظلّ يجتر رؤى بانوراما الموت المتجلية في ذاكرة صادقة .. أمست المشاهد واقعاً يهدد الأمكنة كلما خطف زمن بمئزر الوقيعة .. ومن هنا تصادمت

 

الرغبات وأرتال النمل المدرعة بوحشية القتل . قاء على اسفلت الطريق كل عبارات التبجيل التي ترعرعت في حوض الأكذوبة أو التي نشأت في جداول الوهم .

طفح الحنين في صدره عندما حدّق في الفراغ المتكتل على هام الجبل .. لا فرجة يخترقها أنينه المرسل في الآفاق .. عالم مغلق كانغلاق القبور .. جنيات منافقة تحرس أبواب المسافة .. أعاد ما سمعه بصوت هادئ ، حزين . فرّت ديدان جرحه من مشجب الصمت .. اغتسل بنزيف روحه المسفوح على آنية التيه المسطحة ليتطهر من آثام ندمه .. أيّ دمعة شفيفة ، رقراقة ستدق مسماراً في نعش البداية .. اهتزت في مخيلته صور كان يعتبرها ثابتة وتزحلقت من على جدران الأسف كلّ لوحات الرطانة المُعبرة .

أشرفا على الفندق مثلما اشرف على نهاية المشهد ومثلما أشرقت في تلك اللحظة ذكرى خلوة آمنة .. ذكرى قفزت من صرّة متاعه الزهيد ، فاقتنص طيفها الممتع ليداعبه ويطوح به في فضاء مساء ثقيل .. يُسائله الطيف   فيجيب .. يغمره حباً فيلوذ بأحضانه .. يعاند فيلين ، حتى إذا ما انقضى الوقت وغالبه الكرى وسقطت حجته على مدرج المسافة .. يردد الطيف : أما هدّك سفر كما هدّني الحنين .؟

عندئذ يفرّ من مرجل دواخله ويترك أبواب الشوق مفتوحة : ليد تمتدّ في الظلام هي الأرق العابث بالوسائد .. لمارد يتحنجل على أورام جفنيه .. لدثاث ندى الوجد حين يُداف جسدٌ في أسرة البلايا .. لقيح تولد في جرح زورق البداية . يهمس : لا تُعْصِب الجُرحَ .. لا فائدة ، فقد مرّت عليه مئة سنة ضوئية .. فحين نزل الجرفَ ، انجرف الطينُ ، انحسر الماءُ ، جفّ العشبُ وشبّت نار الرحيل . والليلة أتوصل عدنَ بطيب النخل ؟ كم تستغرق من الوقت كي تجاورهما ؟ . انزع حشرجة من صدر مترع بالحبِّ وصل بها ما بين الماء وبين الملح . عبرت خطى الليل هضبة أفعوانه ولم تفتر دمعةٌ .. نقرت أمٌّ على نافذة مغلقة ونادت بصوت واهن أضاعته الجدران ما بين أنين ومطر : استيقظ يا ولدي لقد أحرقتنا الصواعق . اقتلعته الضراعة ولكن بعد فوات الأوان . ضرّجتها صفرة الوداع . صرخ طفل اليتم بوجه السيل ولاذ بأحضان مشبعة الخوف .

لن أترك نافذة مغلقة ولو هبّت رياح المحيطات بأكملها .. لن أدع باباً مُرَتَجه ولو زحفت كل بطون الشرّ . هكذا قرر فيما بعد .. والليلة يتلاعب تيّار الهواء في أركان وحشته .. فإذا ما هدر البحرُ ثم زمجر ريحٌ واصطفقت بابٌ ، عاود فتحها .

تغبّش وجه الليل ولم يَنم .. هدرت أبواق المراكب معلنة ساعة الرحيل .. شبحٌ خطر في الظلام .. لمحه ثانية .. نده :

ـ عم فضل أما زلت مستيقظاً ؟

ـ أجل لقد غادرَ عيني الوسنُ .

ـ هاجمتك أجنّة السهاد إذن .

تقدم الرجل من عتبة الباب .. أضاء في الداخل مصباحاً.. قرّب من فراشه كرسياً وأضاف : أنا يا مصطفى قليل النوم و ليس للشيخوخة شأن في هذا وإنما كوابيسي اللعينة غالباً ما تفزعني .. لقد فقدت ولديّ الرائعين ، اللذين كانا بعمر الورد ، إبّان الحرب الأهلية ، وماتت أمهما في أثر مقتلهما .

ـ والآن تصارع وحدتك ؟

ـ ليس تماماً فابنتي الوحيدة المتبقية ، تقيم على مرمى حجر من هنا ، مع بعلها وثلاثة من الأبناء .. يتفقدونني باهتمام وغالباً ما أحضر مقيلهم . لم يبلغ حزني وأسفي على ما فقدت درجة غضبي وحنقي على ما آلت إليه الحال .. فالسعي إلى المكروه يكلل رأس الواقع ، والسيل القادم أعنف من زلزال . لن أدخلك هذا الجو المشحون ، المشبع بالألم ، فلا أشك من أنك ستتعب . سأدعك تتغلب على ملكوت الأرق لترقد ما تبقّى من الليل .. أطفأ سيجارته وانسحب مودعاً ، تاركاً لمصطفى حيرة ربما ستتبدد قريباً . نداء تمخض عن زيارة خاطفة وصلاة أرخت عناد الجفن فهجم الكرى منقضاً على بقية صحوة .

 

* * *

 

حينما أفصح موظف دائرة العمل عن طبيعة الوظيفة التي سيتقلدها مصطفى الشيخ علي وتحديد مكان السكن الذي سيحتله ، كان الاشتراكيون وقتئذ يخيطون أكفان دولتهم الوليدة مثلما يخيطون أكفانهم جمعاً وفرادى وكانوا إلى جانب هذا يراهنون على استمراريتهم من خلل ترميم ما هُدِّم ولكن بعدما أتى الفأر على السدِّ برمته .

 

 

* * *

 

رافقه فضل صالح إلى مسكنه في المعلاّ وأحصيا نواقصها .. بعدئذ عكفا إلى حيث تقع المؤسسة العامة للثروة السمكية التي من المفترض أن يزاول عمله في أحد أقسامها .. التقيا المدير وقدّما له أمر التعيين ، ثم طلب من مصطفى المباشرة في اليوم التالي وهذه فرصة لكي يستكملا النواقص . لم يكن فضل سعيداً ، راضياً بهذا الكرم العدني بقدر ما كان لاعناً الساعة التي جعلته لا يلوي شيئاً . كان صنبور الماء معطوباً وأرضية الحمّام تالفة مما حدى به إلى اصلاحهما بنفسه تفادياً للخسائر التي قد تنجم عن ذلك فيما لو أراد صاحبه استدعاء أخصائي لهذا الغرض ، والتي ستثقل كاهله بالتأكيد .

علاقة طيبة نشأت بينهما رغم قصر الزمن .. علاقة منشؤها نقاء السرائر وصدق النوايا .. دماثة الأخلاق ونبل السلوك ، ففضل الزاحف للستين ليس مستعداً لإقامة أواصر علاقة بالضد من فراسته وبالضد من قيمه الفكرية حيث كان ولمّا يزل مناضلاً وطنياً .. ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن مصطفى الخارج من منبت الموت والذي يحاول دائماً تنكب سبيل الكبوة .. مصطفى الشاب ، المعافى ، ماذا عساه أن يكون فاعلاً لو لم يلتقِ شيخه الجليل ؟

 

* * *

 

حلّ الغروبُ برداءٍ كالحٍ بالٍ واستقر بعجيزته الهائلة ، خارج النوافذ المشرعة ، على عجلة كونية تجره إلى سرادقه رويداً رويداً ، فيما أنجز الإثنان كلَّ شيءٍ وأصلحا كلَّ شيءٍ ولم يَعُد أمامهما غير تناول طعام العشاء الذي أسرع مصطفى إلى تهيئته بخفّة وإتقان .

تفرس فضل وجه صاحبه وأطلق إحدى خيول الإعتراف من أسرها :

ـ البسْ جلداً سميكاً وإلاّ عرضت جسمك للنزيف فعقارب البرِّ البشرية ماكرة حقود .. لدغتها أمضى من سعير ، قد لا تستطيع ردّها ولكن بإمكانك تجنبها . إنها أقسى من حصى الجبال والعطش يولِّد العطش .

أجاب مصطفى مازحاً :

ـ سأبحث عن مدبغة جيدة للجلود .

ـ فليكن .

ردّ فضل وأضاف :

ـ أنا أعني ما أقول .

ساد في الظاهر صمتٌ بينما اغتلى صدر مصطفى حواراً دفيناً :

هذه طلقة واحدة يا عم فضل أصابت سكوني ولا أدري ما سيحدثني نقاء طويتك بعدها .. هذه فرس انطلقت في متاهة الغروب أو انزلقت من رتلها نحو وديان الموت .. بأيّ الصخور سأحتمي من نشّاب يتبعني ويقتفي أثري ؟ .. تلألأت دمعة في مآقيه .. أشاح بها بعيداً عن عيني صاحبه .. أدركه اختناق .. لجأ إلى الحمّام وأدلق جوفه .. تبعه فضل بكأس ماء .. تنفس بعمق . قال الرجل متحسراً : لن تبلغ تمامك بجنح واحدة ولن تسعى إلى النوم متشنجاً .. والحياة إن أقبلت فهي لك وهي ليست راهبة . قاء غيظه . عادا إلى المائدة التي   بردت . لم يأكلا شيئاً .. همَّ فضل بالخروج مودعاً وداعياً له بليلة هانئة ، هادئة .

بعدئذ رتب ما يجب ترتيبه : أنزل محتويات صرته في خزنه قديمة تنهض في زاوية بعيدة عن رأسه .. ألبس الوسادة وجهاً مطرزاً .. علّق صورة مؤطرة ، صغيرة على الجدار المقابل للسرير . غسل من الأواني ما ينبغي غسله .. أخذ دوشاً بارداً وقرر أن ينام مبكراً رغم شحنة الألم .

 

* * *

قارّة من أنين صبت لوعتها في رأسه قبل أن يتعرف على زملائه في العمل .. ينابيع رقراقة رقصت في محجري عينيه كدراً أثناء دخوله القسم . حبل من نسيج فولاذي التف حول رقبته برغبة قاتل . ريح سوداء عصفت بجذور عفّة الصبح وجعلتها عائمة على أديم مستنقع لواط المعمورة .

دونكم هذا الأجنبي .. رتبوا له مكاناً . هكذا أراد رئيس الدائرة فاتحة التعارف .. أدلق سموم حقده فأوجز وأصاب . سخر البعض من جهالته وامتعض البعض الآخر من بداية خرقاء . لحظة قاهرة اختزلت الدهر برمته وجمعته برأس دبوس . ما أوقح اللحظة ؟ . كاد أن يصرخ لستُ أجنبياً لولا نزف دواخله .. عندئذ حالت كل أستار الصمت بينه وبين النطق . فتجهمت الردهة العريضة بوجوهها ومحتوياتها .. انصلب ضوء ، كان سابحاً مسروراً ، على زجاج النوافذ المفتوحة .. تجهم ابتهاج في زرقة السماء .. تجهم وقت كان رائقاً .. رفّ رمش الألفة دهشاً ، فأرخت لجام الوجود وغادرت . ما أقذر السطوة ! ما أجبن السلطان حين يمارس بشاعة ضد رعية عزلاء مستضعفة . تهالك على مقعد قرّبه إليه أحدهم . ترامق الموظفون بنظرات استنكار . حملت إليه احداهن فنجان القهوة الممزوجة بالزنجبيل . قالت : لا تحزن يا سيدي فكلهم خراء . إنهم أتيس من تيوس الجبال ، ثم أكملت : اعتبر نفسك كما لو كنتَ في بيتك والآن دعني أُضمد جرح روحك ونتعارف كما تتوجب لغة التعارف الحضرية ، ثم انبرت مرحة : أنا عاتكة عبد الرب الهاربة من عش الزوجية إلى الأبد والمطاردة إلى الأبد وأنا لا أقول من أنا إلاّ في سوح الوغى وسوف تتأكد بنفسك قريباً ، وهذه المتصعلكة بلقيس شعيب رقيقة المعشر ، شفيفة الملمس ، نارية الطبع لكنها رخوة سهلة القياد ، وثالثتنا سلوى ياسين .. لا تفز ولا تخف من سحر عينيها اللامعتين فهي أرملة منذ حين وعاشقة منذ حين ، طيبة ، صادقة . أما معشركم معشر الرجال ، فهذا الذي أمامك نجيب المحضار مسؤول القسم الثرثار ، لا تنزعج من تفاهة أسئلته أو حشر أنفه في ما لا يعنيه ، إنما من الممكن أن يكون صديقاً طيباً .. وذاك المحشور بين الكراسي هو محمد صائل المسكون بالهمِّ والتأمل والغياب ، والذي سوف لن تراه كثيراً إلاّ وقت تسليم المرتبات .. أما سادسنا فهو مصطفى على حد علمنا.

استغرق الجميع في ضحك متواصل وانفرجت أسارير مصطفى حين خطر شبح الألفة ثانية بدعوة من روحية عاتكة المرحة وروعة طباعها .

رويداً رويداً مُدت جسور الودّ بينهم .. وشيئاً فشيئاً زال السميك من براقع الكلفة وأن لم تسقط جميعها .. آنذاك لم يشعر المحضار بأي غضاضة حينما أسرّ مصطفى :

ـ هنا مختبر للكشف عن مفاسد الدنيا .. مختبر للبحث عن جيف البحار ونقائها .. هنا نعمل بوَلهٍ شديد لترويض الأسماك اللعوب بأية طريقة والبتول منها ، نغويها .. نغازلها .. حتى إذا ما خرجت من تبتلها نسافدها بقوة جبار لا   يرحم .. نطارحها بجسد شبقي مكبوت ولا نتركها إلاّ في غمرة اللذّة حين تكاد أن تزفر زفراتها الأخيرة أو تلبط لبطتها الأخيرة عندئذ تظل أسيرة الشوق تنشد اكتمال الشهوة ومتوسلة الذروة .

ـ ما أفجرك من رجل !

صاحت سلوى وأضافت :

ـ لا يخدعنك هذا يا مصطفى فنحن نحلبها .. نحلب الأسماك ونقيس في ضروعها درجة الوعورة حينئذ نعرف هل هي قادمة من البحر أو من بلاد الجان ؟! أما الذكور ، تدخلت عاتكة : فللأسف نقوم باخصائها ـ أقصد ذكور السمك ـ عندما لا نجد فائدة منها في ظل انبهار رجالنا بفحولتهم التي هي مصدر اللذة والتناسل . إنه تجاوز فظيع ومهول على هدوء الطبيعة وكان من الممكن تركها دون اخصاء وارسال مَنْ يتباهى بفحولته إلى بلاد بلا ذكور .   ـ جربنا هذا …

صاح المحضار وأضاف :

ـ أو تظنين أننا لم نفعل هذا فما غياب محمد صائل الدائم إلاّ لهذا الغرض فعندما أرسلناه للمرة الأخيرة إلى بلاد قصية عاد بلا ذاكرة أو ذكورة .

رددت جدران الردهة صدى أجراس ضحك برئ ، فيما ظلّ مصطفى حائراً أمام غرابة الصورة ، غرابة المنطق الجلي ، الباهر .

لا شك انه بوغت بما سمع من خيال شديد الحساسية .. فبأيِّ قدرة محبوكة المشاهد يتحدث هؤلاء ؟ وبأي لغة عارية تتستر الشموس الخليعة أبداً ؟ هنا تساقط الأصنام الواحد تلو الآخر .. هنا في المختبر تجري عملية نحت   الأشياء ، تدميرها أو انبعاثها إلى الوجود ثانية .. في المختبر/ الردهة ، تُستبعد أجهزة الرؤية وأدوات التشريح حيث كل شيء جلي الأبعاد ، نافر الخلايا .. مخترق البواطن . في المختبر تُرى الأشياء شفافة حتى نخاع العظم .. تُرى بجمالها وقبحها .. بسرها وانكشافها .. بتلوثها ونقائها .. بعكرها وصفائها .

مازال مصطفى أسير الارتياب ، يستدرج الأمل إلى باب وجده وينثلم ، ثم يعيد الكرة دون أن يُمسك بتلابيب القناعة . استغرق في صمته المسيج بالجلالة.. في عزلته المهابة .. في خلوة ندهت للأبواب المكللة بزهر التمرد ، إلى أن شق صوت سلوى الناعم طبلة أذنه حينما صبت دلالها في إناء عميق :

ـ أتدري بماذا تتوحم الأسماك ؟

ـ لا .

ردّ مصطفى .

أجابت :

ـ بثلاثة أرطال من عشق حراري .

عاصفة بدون غبار .. ضربات مساجية سهلة الوقع ، رقيقة الملامسة . ما أترف الجري خلف صوتك يا سلوى ! ما أشهى الانضمام لليونة الجسد ! .. أوجز في دواخله وضلل تعب روحه بمسايرة احتفالية الضحك التي قاربت المهزلة وأوشكت على لا جدواها ، فلا يهمه توحم الأسماك سواء بعشق حراري أو بدفعة قوية من فتوة قضيب مجنون . كل ما يشغله هذا الردح على جثة الغرابة . هل هي غرابة حقيقية فالتة من سلسلة الظلام أم مصطنعة .؟ شغله أكثر صمت محمد صائل الذي يبدو تائهاً في الركن البعيد من المختبر / الردهة والذي لا دور له في التعليق أو الضحك ، فقرر أن يشركه في هذا الجدل العقيم قدر الإمكان بيد أنه ظل معتصماً بصمته .. نائياً بغيبوبته إلى حين خروجه من العمل قبل الأوان ، عند ذاك أطلق اليقين معتذراً ومبحلقاً بوجه مصطفى : ليس ضرباً من خيال ما سمعته فبعد حين سيُمسك بخناقنا ونتوسل الهواء ، والضغط الأسود ولّد رؤانا الصادقة التي سميت انفلاتاً وعهراً ، فلا غرابة ولا دهشة في ما تسمع وترى . هي حقيقتنا نطرحها ترويحاً عن خلجات صدورنا ونُطيّع أية وسيلة لغرض طرحها . لسنا زهّاداً ولا تجّار عفّة والاستقامة المرجوّة منّا لا نقيم لها وزناً حيث نجدها صفة للقضبان التي تُغرس فينا ليل نهار . أجمل الأشياء وأقدرها على خلق الانبهار هي تلك التي تلوّث العقول . هي تلك التي تباغت بسهم يَمِسّ في الحال . هي التي تصدح للعريِّ الذي يشكل أروع حالات الجنون . لذا فأنّ مجانيننا أسعد الكائنات في هذا المنفى الصحراوي . إنهم متألقون .. مبتهجون .. مسالمون . إنهم بلا خلل ، فالخلل تجاوزهم إلى عقول العقلاء الصدئة ، الذين يطالبوننا باستبدال حقائقنا ، وجوهنا ، عقولنا وضمائرنا ، بالمعروف أو بحد الخنجر لا يهم ، فمفهوم الفضيلة لديهم يكمن في الإكثار من حزِّ الرقاب . فمعذرة يا سيدي لهذه البداية الفاسدة . اغفر لي هشاشتي . وداعاً . ثم خرج تاركاً البابَ مفتوحة لاختبار الريح .

***

إلى أعالي الجنون سترحل نفسك العطشى بحثاً عن ناي الولادة الأولى ، لتطرب هذه الأسئلة الغرقى .. بحثاً عن سلّة من جمر الهلوسة لمكابدة نبال الأجوبة .. أو قد تتمرغ نزولاً إلى قدم الصحوة وتلعق صعوداً إلى سرّة التكوين مثل كلب يخاطر بأنفاسه في غمرة الشهوة .. وأنتَ ما أنتَ حينما تتوقف عند حدود انفعال المرايا أو تنتظر انغلاق الدائرة . هل تدخل من روح الرعشة لانتزاع وجع الصدور ؟

كيف ؟ أبملايين الكبوات التي أمامك أم بحصار الصبوات التي تعشش تحت الوسادة وتطاردك ؟ وإذا خسرت جوادك هل تبحث بين الجياد عن شبيه قادر على التحليق ؟ إذن الساحة ساحة حرب والنزال لما يزل مقدساً وإنْ بِعدّة مسالمة . تنبه إلى حيرته . رنين أخرس يطرق جبهته . حريق مازال يحصد آخر الكلمات التي تفجرت من بين شفاه محمد صائل . نسور جائعة تنهش جثة الصمت . عويلاً ساقته البروق في ساعة نازفة . تهاوت بروجُ الزيف في بحر من غثيان . سدت عاتكة منافذ التيه :

ـ ما الذي أسكتك ؟

تنبه إلى ندائها

ـ مَنْ .. أنا ؟

ـ هل كنتَ بيننا أم غادرتَ المكان ؟

ـ تعلقتُ بجنح غيمة .

ـ عدن سماء بلا غيوم .

ـ سنجلب لها غيوماً .

ـ ستأتي بنفسها ذات ليل مضيء .. وستكون شريرة .

ـ وسيدمع الليلُ المضيء من كتلة .

ـ وسوف نغرق .

ـ وسوف لن يبقى غير …

عندئذ قاطعته عاتكة بصوت حزين ، باكٍ ، موزعة نظراتها في ما بينه وبين الحاضرين :

ـ حتى أنتَ علمت يا مصطفى ؟

ـ أجل ، مذ وضعت قدميّ على تراب هذه الأرض .

ـ مَنْ سرّك هذا ؟

ـ شيخ جليل .

لا تكدري ساعة صفو يا عاتكة .

صاحت بلقيس في غمرة المساءلة ، فيما خرج نجيب المحضار من الردهة / المختبر ، لقضاء حاجة أو لعل خروجه كان بقصد الترويح عن النفس لضيقٍ ألمَّ بها .

ـ لا .. لم أقصد ـ قالت عاتكة في غمرة النشيج ـ ولكن غنائية الموت اعتلت سلم البداية وأوحت إلى بدء انغلاق دائرة الوقت بنفسها بعد عام .. عامين .. ليس مهماً فالدورة هي الدورة تبدأ موتاً وتنتهي موتاً .. وهذا السرّ الذي يعرفه اليمانيون مازال حكراً عليهم .

ـ انقذينا من فكرة سوداء صارت حملاً ثقيلاً على الظهور ، وكفاك اعتراكاً على أسرة الرطانة الساخنة فقد أُدميت رهزاً من ثورك الذي لا يمل ولا يشبع .

ـ جازاك الله سخاء دمعة ، فلولا انقضاء الوقت لنسفتُ وديانَ روحك بحديثٍ مؤجل ، فليس بك نعيد مجد سبأ ولكن بفرجك المترهل ، المظلم ، وبسروالك الذي سيحمل على رؤوس الأشهاد مثل راية بالية تتمرغ بها اللحى وتتبارك حين يصبح رمزاً للدمار والخراب وحين ينطلق النعيب المشؤوم من جوفك سيلاً . عندئذ يُنشر الرعب على أسطح المنازل الآمنة . لا فائدة منك يا بلقيس ستبقين مداساً سهلاً عند المداخل أو جلدة قديمة لا قيمة لها تحت وهج الشمس . أسمعتم هذا الفم اللزج وما ينفث من قعره الأجوف غير خيانة بنات جلدتنا المتسامحات مع المدّ الذي سوف ينهبنا ويجتث جذورنا . إنهنَّ يبعن لدانة أجسادهن للقحط المتربص بضعفنا .. للأمراض القادمة من الجبال .. لرعاة مجد الله الغاضب من سيرتنا .. لحماته الحاقدين .. لحميره السائبة في طول الأرض وعرضها ، بحثاً عن مطية للركوب أو إربةٍ من لحم فاسد تتوسدها لليلة أو بضع ليلة . ما أبخس عذاباتنا على يدي هؤلاء الأوباش ، الجهلة ، الذين لا يرون فينا غير مكمن لدناءة نفوسهم وعورة لاستثارة غرائزهم الجسدية ولا يرومون منا غير افتراس أجسادنا وأرواحنا المحطمة . سامحتك الخليقة على وطر كان قد قضيتيه بصمتك معنا .. وعلى ضعف أردتِه لنفسك وما أنتِ بفاقدة الوعي ولا قاصرة السن ، لكنني أذكرك بفسقك وركوعك أمام فحولة زائفة وتضرعك لأجل انتصاب مشوّه .

ـ بُترت شحمتك فلستُ أنا ما تقولين يا عاهرة بل أنتِ يا جفرة الرجال ومراحهم المُدنس ، فسلي خازوق الزهد عن هجرانه لكِ في أول الأصباح .

ـ اقتراني بخازوق الزهد كان قدراً أسود فأنا لستُ لباساً له ولم يكن لباساً لي . فهل استشهدتِ بغيره ؟

ـ أنتِ أعرف بزبائنك يا صانعة اللذات .

سكتت عاتكة ولم ترد ، ربما استنفدت مدخراتها اللغوية .. ربما من الخطابة تعبت أو ربما لم تجنِ فائدة من مسايرة غريمتها على هذا النحو .. وبعد هنيهة سكتت بلقيس هي الأخرى . وهكذا أنفض نزاع نشب فجأة وخمد فجأة ، ولكن ما أثار اهتمام مصطفى في هذا الخلاف هو سكوت سلوى ياسين وعدم تدخلها لصالح أي طرف وهذا ما سوف يحمله على التساؤل عاجلاً أم آجلاً .

في خضم هذا الجو المشحون بصراع صموت دخل المحضار متمهلاً ، متوجساً ومستطلعاً لحدث كان قد وقع .. ثمة سحائب غير مرئية متصاعدة من أرض المعركة لم يدركها المحضار إلاّ بواسطة الشمّ . مكث برهة وكان في غاية الشوق لمعرفة الأسباب الكامنة وراء تلبد السماء . رمى صنارته في بحر ميت فعادت دون صيد يُذكر عندئذ أعلن عن انتهاء يوم عمل حافل بالمفاجآت فخرج مودعاً وخرج الآخرون في أعقابه .

* * *

انفعلت وجنةٌ في وجه شمس الظهيرة .. هاج احتراقٌ . غضبت رقةٌ في لجّة التوحد . غضبت بوجه اليمِّ سفائن لا تنوي الرحيل .. هدر الماء . هل هدر الماءُ أم شهق الموج ؟ توشمت آلام بلغة المنافي .. برك المعلا على احتلام الهجيرة وكان مدرم الشارع يغطُّ في جلال قيلولته .

هتفت وحشته : يا أيتها السماء اللاهبة اقنعي سراباً يمتدُّ إلى نخلتي لكي يبث فيها عطشاً إليَّ .. يا أيها المدى المصلوب في باب الاشتهاء أما رأيتَ حمامةً كانت تنوح على جداري ؟ يا سرّ النماء القادم أَما ألقيتَ على داري سلاماً ؟

لا تستنطق رئة تآكلت وصارت خلايا من رماد ، أو باباً تصرّ جفوةً ، وامضِ لمجزرة العزلة برأس خاوية وجسد بارد .. لدار مثقوبة الجدران ، مهتزة الأركان تجهش بالوحدة ، فمن تحت خمار بلقيس لا تنطلق عصافير الشوق ولا يتورد الأمل . من بين فخذيّ بلقيس تنق ضفادع الليل كي يتلاشى الحلم في منتهى الأسى .

دخل داره ، وكان الوقتُ أسيراً ، مستنجداً بعتمة القيامة .. وكان الحديث حديث لغات الطير اللابد ببرد الظلال .. وكانت النوافذ مشرعةً : لقدوم ملائكة بحقائب السفر . لعودة الفراشات الزاهيات بالأخبار . للمنفيين من أرصفة بلدانهم . للجنون حين يبحث عن ملاذٍ بعد ما عصفت به الجدران وأدماه اسمنت الطرقات . للهيام الفار من يديّ جلاديه . لامرأة سُدت بوجهها الشمس . لطفل بلا مأوى . لفكر تمرد ، علا وسما ، ثم تناوشته أنصال دعاة الفضيلة . لجسدٍ متوحش غدرت به الفلاة . لوجوه أطلقتها المرايا نثاراً فلمّت شظاياها امتثالاً لرغبة المراثي .

ألقى جسماً متحجراً على هشاشة الفراش ورأساً افترستها الأسئلة على أنين الوسادة . تلقفه الغياب دهراً فاختزلت ساعة شؤون الدهر ، ومن خلالها كان الخراب جلياً ، ماضياً ، ولمّا يزل ساكباً دورة أنفاسه في نحر اللحظة ، ومن خلالها كان الحطام أبشع من زلزال .

اشتدت قتامة الساعة فومضت حمرة بين اطباقة جفنيه .. أطبق الاختناق قبضته ومارس ضغطاً عنيفاً على رقبته حتى كادت أن تنفصل عن جسده . نهض باحتقانه إلى الحمّام .. استحم بماء بارد .. مكث قدراً كافياً من الوقت . قال : تطهرْ فالماء سيد النقاء . تذكر فضل صالح . دمدم مع نفسه : لن أزورك اليوم وأفسد عليك صفو خلوتك . زحفت الظلال إلى خياشيم شارع مدرم ونشرت على الأسطح فرحة انتصارها . نقرٌ خجولٌ على الباب . لم يسمعه للوهلة الأولى . أُعيد النقر ثانية . فتح البابَ . دخلت سلوى ياسين . اعتذرت عن المجيء بلا موعد . طيب خاطرها . بادرته :

ـ جئتُ أُلبي احتياجاتك .

ـ لا حاجة أبتغي .

ـ لا تكن خجولاً .

ـ لستُ خجولاً ومتطلباتي بسيطة أستطيع انجازها وحدي .

ـ ما رأيك بما حدث اليوم بين عاتكة وبلقيس ؟

ـ لا أبدي رأياً ولكن استغراباً .

ـ ما هو ؟

ـ لم تكوني طرفاً في النزاع ولزمتِ الصمت ؟

ـ أنتَ واهمٌ ، كنتُ أنتظر من عاتكة أن تأتي أفعالاً جريئة .

ـ مثلاً ؟

ـ أن تمزق لباس بلقيس وتنتف شعر عانتها .

ـ هذا جنون !

ـ ليس جنوناً ويجب أن تثوب إلى رشدها هذه البغي التي استيقظت ذات صباح لتجد ديدان العفة ترعى بين فخذيها . لقد جلدتنا بتدينها وصلاتها حد الإهتراء بينما كانت إلى الأمس القريب تشتم عن بعد روائح الرجال وتهرع خلفها بلعاب مسيل . أين هي من عاتكة الواضحة ، الثابتة في الرأي والموقف والتي عوملت بقسوة قلّ نظيرها وتعرضت للتشويه على لسان زوجها الذي مال هواه في السنة الأخيرة إلى أَمّ المساجد بعد أن أقام الدنيا ولم يقعدها ، كفراً . أيّ ذنب اقترفت عاتكة إذن حينما اقترنت به ؟ وأيّ ذنب يقترف المرء في المنام ؟ فتلك حجة ساقطة في نسيج الإثم منذ انطلاقها . وتلك تهمة تافهة لا تتسرب من باب الرحمة .

ـ وأنتِ متى ترملتِ ؟

ـ مات زوجي .. ابتلعته الحرب الأهلية التي ابتلعت خيرة الرجال . كانت حرباً شريرة ضببت مستقبلنا .

ـ والسر الذي يعرفه اليمانيون ؟

ـ تحدثت عاتكة كفاية عنه وأرجو ألاّ تخوض غمار الحديث فيه ثانية طالما عرفته ، فلستُ قادمةً لأجرّب حنجرتي في باب الخطابة لكنك ستعرف كثيراً عن أصل نشوئه .

رمت ملاءتها على طرف السرير وبقيت بدرع شفاف بهيّ ، ثقبته حلمتان صارختان ، رائعتان .. حربتان قاتلتان . درع ضمّ بطناً يكاد أن يكون بلا أحشاء وعجيزة هائلة الاستدارة ، فيما لمعت عينان سوداوان هما أجمل ما رأى وأجمل ما حوته المحاجر ، ثم واصلت حديثها :

ـ جئت أُلبي حاجة أن لم تكن لك فلي أنا .

ـ لم أفهم .

ـ حين تتفرس في عينيّ الناطقتين ستفهم . حين تطعن بعينيك وسطي الجامح ستفهم ، وحين تقترب من شفتيّ الراجفتين ستفهم . أما فهمت ؟

ـ أجل فهمت يا سلوى ولستُ غبياً ، فتعالي إذن ندرك بحراً في السماء لكي نلعب في أعماقه لعبة الدلافين .. تعالي نصعد قمةً عصية على الاكتشاف أو نهبط مدارات توصلنا إلى الانصهار .. تعالي أعلمك فنون اللبطّ يا سمكة سحرية مشتهاة لا تزفر من الأنف .. تعالي فأنك مهما تقلبتِ .. صعدتِ أو هبطتِ .. ومهما نفختِ وصرختِ ولفضتِ سمومك فأنك لن تدركي غليان أنهاري ولا بئر رحيقي .. تعالي وأقسم إنك بعدها لن تتذوقي طعم عاصفة كعاصفتي ولن تركبي موجاً كموجتي . أقسم إنك ستقولين : انبثقت ساعة القيامة ، وستجدين نفسك في أجمل فردوس كانت الملائكة تتحسر عند أبوابه .. تعالي ولسوف نطير سوية ، فالزوبعة التي يؤججها أسفلنا كافية لأن نُحلّق شهوراً في فضاءات لم تعرفيها سابقاً ولن ترينها لاحقاً . أدخلي دهاليزي العجيبة ولسوف أجزم بأنّ القديسات اللاهيات بتلاوة الصلوات سيكفن عنها وينشغلن بلعابهن الذي سوف يحاصرهن من الأرض إلى الهام .. تعالي إذن يا تفاحة نضجت بين جدران الرخام .. تعالي نحطم التماثيل الطينية الهازئة بنا والتي لم تكن سوى فزّاعة للنفوس .

تعرت سلوى . تجردت مما عليها . كانت جسداً مشبوباً يقدح شرراً وروحاً مهتاجاً . تجرد مصطفى هو الآخر من ثيابه وأعلن حرباً مقدسة .

صاح بها : أنى شئتِ !

التصقا .. تضامّا .. امتزجا .. تعرقا .. تدحرجا . أخذها بعنف جسده . أخذته بعنف كبتها .

لهث : سأعلمك أيّ مسافدة تبتغين .

سافدها بشوق ، اجتاحها اجتياحاً . فتح ثغرة في جدار الغيبوبة .

همس : لن أترجل قبل الهاوية .

ضحكت .. أنّت : لا أشعر بغيرها .

عندئذ كانت الغيبوبة قد عمّت في فوضى المجاسدة .

خرجت سلوى لاهثة ، منهوكة القوى ، لكنها ممتلئة غبطة ، منتشية ، راضية عن نفسها بهذا الفتح المؤزر ، المبارك ، فالارتواء كان شاملاً للروح والجسد . أسعدها أكثر أنها حققت مأرباً بدرجة عالية من السهولة مما يؤكد قدرتها على الاحتفاظ بجاذبيتها رغم المرارة التي لازمتها حيناً . خرجت ممتنة لهذا الغريب الذي روى أرضاً كادت أن تتصحر وبعث الحياة في ساقية كادت أن تجفّ .. كل هذا دون ضجة وفي تمام الكتمان ، على خلافه هو الذي اغتمَّ وانقبض ، فعندما خرجت سلوى كان الليل قد هجم مشهراً تجاسر الأدعية :

ندماً تفضحه عيونُ الليل ، وعيون الليل مرايا . كبوةٌ أفصحت في وعورة الطريق : إنّ الوفاء سليقة النفس . طهارة ذابت في أحواض اللذّة . يا للعار !.. أما ارتدعتَ مقدار ذرة ؟ أما أثنتك ذكرى ؟ أما وفيتَ ؟ .. فأيّ الخطايا ارتكبت في نشوة الانصياع ؟ أيّ النفوس وئدت ؟

فاذهب أيها الملعون جافتك مغفرة وعذبتك غفوة .. اذهب أيها المأفون لا طلع نجمك ولا بورك ليلك .

أفزعه الدعاء ففزّ من صمته صائحاً : ولكن لماذا ؟

* * *

حملة إبادة يشنها الصبح ضد طيور الحنين فيزهق أرواحها ويغتال الظلال، وصبح عدن ليس ككل الأصباح .. لا يطربه جمال حنجرة ولا يغويه صدرٌ راقص ، وفيه تفزّ الغانيات الجميلات * ، هلعاً وخوفاً من انغماسه في صلاةٍ

يستحضر فيها أنفاس قواه الخفية ، فيرحلن عبر مسالك شفيفة إلى سماوات آمنة الأصباح على أمل الظفر بليل هادئٍ ينشرن بين جنباته شوق العودة وهديل المحبة . أما مصطفى الذي أدت لُبَّه الأدعية وجففت انتشاء روحه الصدمات ، فقد راح يجر خطوات سكرى بعناد فطريٍّ إلى مختبر الغرائب وفي رأسه تنشطر الأسئلة وتضطرم .. ومن رأسه تفرّ إلى جهات تظن بقدرتها على منح الأجوبة لكنها تصطدم بخوائها وترتد منكسرة .

يمضي مصطفى في تشتته بين غموض الأشياء وعريها .. بين وداعتها واحترابها .. حتى إذا ما طرق باباً للمساءلة ، استعصت عليه المعرفة واختلطت عليه الرؤى .. وأية رؤى تلك التي تتاخم المخيلة ؟

يحتدم ضجيج قدميه بالقرب من باب المختبر .. يدخل بمهابة الحالم رغم اعتصار فؤاده . يلقي تحية الصباح ويحتل مكاناً مهتزاً بين الوجوه المتمردة إلاّ وجه محمد صائل الذي أصبح غائباً ووجه بلقيس حيادي التقاطيع ، مما يلقي ظلالاً على نزاع لمّا يزل قائماً .

غمزت عاتكة بطرفٍ خفيٍّ ، متطلعة صوب سلوى ياسين وسائلة مصطفى بخبثٍ أنثويٍّ داعر :

ـ كيف قضيت ليلتك يا مصطفى ؟

ـ بين لعنةٍ وطعنةٍ .

ـ ألم تصل مكنون الأشياء ؟

ـ لا ، ولا كُنه النفوس .

ـ إنها تتكشف أمامك طواعية .

ـ مازال الغموض يكتنف بعض جوانبها .

ـ ربما ، ولكن لِمَ العجالة في السعي إلى انتزاع أسرارها ؟

 

صمتَ وفي صدره يتنفس اليقينُ بطاقة خمسين من الرئات السليمة ، من أنّ فضيحة جلية الملامح أضحت نافثة روائحها في سماء المختبر ، وسلوى التي اشتهت مكنون فحولة ، سرّت عاتكة بما حدث البارحة . أتخفي سرّاً عن هذه الرهّازة وعلاقتهما تجاوزت حدود الكتمان ؟ .. ما عاد متأكداً .. ما عاد المكان يسمح باستنطاق هاتين الساحرتين .. ما عاد وجه بلقيس حيادياً .. راح يحتقن غيظاً أو حسداً ، وليس من السهل اجتذابها . هتفت دواخله : بلقيس يا بلقيس ، مهما ركبتك البغضاء ومهما نقّت ضفادع العفّة بين فخذيك ومهما زعقت ورفرفت طيور الشؤم في صدرك ، سأصلك ذات يوم نحس ولو من ثقب في جدار حصنك .. ونجيب المحضار ، الذي أدرك بحاسته الجفوة التي وقعت أمسِ ، ظلّ لائباً ، حائراً ، يعد العدة لتسوية الأمر . خرج من المختبر .. تبعته سلوى . كانت ممتلئة العود ، رخصة البدن ، مبتهجة ، سعيدة بصمتها .. ألقت نظرة ودٍّ على مصطفى وخرجت . فيما راحت عاتكة التي بدأت حواراً فاجراً تصرّ على مواصلته رغم حضور غريمتها :

ـ سكتَّ .. ألم تكن جديرةً بفرز الرحيق ؟

ـ مَنْ ؟

ـ سلوى .

ـ نعم ، ولكن كفّي عن هذا الآن .

وأشار غمزاً لوجود بلقيس .

ـ لا تخف ، فناقة الطهر التي جابت أرض المختبر هزيلة كانت وكريهة الفم .. لا تتوهم براءَتها وهي تتمطق شوقاً لحديثٍ إباحيٍّ .

ـ أما زلتِ حانقة ؟

ـ أبداً ولكنني لا أخفي حقيقتي وخلف وجهي لا تتوارى شياطين الزيف ، بل ترقص ملائكة الحق فرحاً .. ومَن يعيب عليَّ هذا المنطق فليتزحلق من شاهقٍ بأردية غيظه ، فأنا ما عدتُ أتردد في طلب حاجتي متى ما وجدتُ ضرورة لها، ولن أسمح بإراقة ماء وردتيَّ . وردتان هو العمر ، واحدة تخطّ البداية والأخرى تُبجل الخاتمة .. وأية خاتمة سأرتضي ! . لم أسمع عن امرأةٍ ماتت موتاً اسطورياً ، فعادة ما تموت النساء في الحضيض .

ـ العظمة تكمن في تحديد لحظة الموت .

ـ فلأختمها لحظة جنون صادقة .

سكتَ مصطفى .. سكتت عاتكة .. رحل كلٌّ منهما عبر هضبة في   اللاوعي . لعل عاتكة تجد ضالتها في هذا الطقس الفجوري الحاد وتستمد زادها منه دون مبالاة لأيّ مثلبة قد تنجم عنه .. عندئذ تمرّ مروراً صارخاً إلى أعلى القمة لكي تهتف من هنا : إنّ اليقين سيد الرغبات . ومن هناك تبصق على ضآلة الأشياء وتفاهتها ، فلم يَعُد أسرٌ يأسرها ولا خازوق الزهد ولا فرسان الفتوحات الموشومة جباههم بالعار ولم تعُد واحةُ القبيلة قادرة على تدنيس جسدها .. لم تعد إلاّ واحة واحدة تحتضن هذا السحر الدافئ وتذكي فيه جذوة التمرد .. لم تَعُد إلاّ واحة انتجعتها لنفسها على أرض الواقع . ثم سكنتها لتصبح فردوساً مقدساً لها ، تمارس فيه طقوسها متى ما شاءت رغم كل الشوكيات والسُّميات التي تحيطه ورغم كل الأسلحة وعدة التدمير المصوبة نحوه . سكتت عاتكة ولم ترحل بعيداً عن واحتها التي أُريد لها أن تُدَمر وتُبتذل ، لكن أرضها تصلبت وأشجارها تسامقت وتلالها شمخت ، ثم تصدت ، دافعت وقاتلت حتى ارتدّ الغازون إلى سود لياليهم .. وقتئذ تفتقت أنهار حنين ورياحين سلام . سكتت عاتكة ، ربما راحت تضخ أحلامها بقوة آلهة العناد والمقاومة . أما مصطفى فقد حمل عدة الرحيل وسافر سفراً مفترضاً بعيداً ، وفي طريقه نبتت مليون عثرة ، لكنه مضى متوغلاً في أدغال أرض نأت وشعاب طفولة أضاعتها الأرصفة . ولج داراً هاجر سكانها وداهمها الخراب سريعاً ، فرثّت أشياؤها التي لم تُمس وبنت العناكب أستار وهمٍ . دار في زواياها : هنا امتدت يدٌ رحيمة فسوّت إكليل عرس ، وهنا دمعت العيون سعادة لمناغاة طفل ، وفي تلك الزاوية انبجست ينابيع شهد ، وهنا تضرج وجه الأم صفرة . صرخ صرخة خرجت من جوفه : لمَن هذا الدم المسفوح ؟ الدم النازف من جسد حبيب على قلبه لم يتخثر بعد . نحب نحيب الثكالى أمام وحشة الدار وموت الحدائق . انتبه لنفسه . تعثرت عيناه بعينيِّ عاتكة . دخل المحضار بجلبة الصبية . دخل متباهياً بأكياسه ولفافات الورق التي يحملها . سلوى في إثره تحمل إبريقاً ضخماً نسبياً وبضعة أكواب زاهية الألوان . استوى في وقفته .. اصطنع هتافاً جادّاً :

ـ سنأكل بعد ردم الهوّة .

ـ أية هوّة تقصد يا جرب البوادي السود ؟ تساءلت عاتكة .

ـ لا تطربينا بأنغام وهمك . لا تحدثينا عن انسجام كاذب وتفلسفي الأشياء كما لو أنها ضاقت ببريق فحواها . فنحن لم نعُد نمرر رغاء البعير من منخل الغفلة وفي مختبر الفضائح لا تَستُّر على الخلايا المعطوبة مهما صغرت ومنه لا تمرّ أصداف الخرافة ، ثم نادى على بلقيس مستكملاً حديثه : اقتربي يا بلقيس .. اقتربي .. سنتذوق طعم الألفة ونشرب من دفئها ، فالمختبر الذي أقامته الضرورة لا تهد أركانه الأهواء .

أضحى قصد المحضار واضحاً ، عندئذ لم يعد أمام عاتكة أو بلقيس غير المصالحة التي عناها المحضار وتسوية خلافهما الذي نشأ فجأة .

وبعد هنيهة صار له ما أراد ، فتألق بثرثرة محببة للنفوس :

ـ أرسلوا لنا تلالاً من الجثث لغرض تصنيفها وأسموها عينات . أسماك غريبة دخلت سواحلنا . كائنات عجيبة ومقرفة . لا أحد يتصور أشكالها . ربما ستقتل الدهشة من رآها للوهلة الأولى . كائنات بذيول عملاقة وبعضها بمناقير وأجنحة والبعض الآخر منها بحوافر هي حوافر الخيل ذاتها . لقد رأيتُ واحدةً ضخمةً هي من دون أكثر الكائنات جلبت انتباهي . كانت فيلاً في نصفها الأمامي وضفدعاً في نصفها الخلفي .

ضحكت سلوى ضحكةً مجلجلةً وتساءلت مازحة :

ـ أكانت بأصداف وقشور أم ملساء مثل بلقيس ؟

ـ جميعا ملساء .

ـ إذاً هذه مؤامرة سوفيتية !

في تلك الأثناء وجدت بلقيس نفسَها مُسْتَفزةً فانبرت حانقة :

ـ لِمَ لا . إنهم يأخذون صيدنا الجيد ويتركون لنا هذه الكائنات المشوهة . كائنات ممسوخة مثلهم . لقد فعلوها ذات مرّة في وادي حضرموت ، حينما استخرجوا ثلاثة جبال من الذهب وأبحروا بها صوب موسكو بحجة الكشف عنها في مختبراتهم .

عاتكة مرجل يغلي . عاتكة تلوم المحضار على وليمته . قالت في نفسها :

لماذا تدخلت من أجل المصالحة يا محضار يا حمار فهذه المرأة لا تستحق احتراماً . كادت أن تنفجر لولا تدخل مصطفى في الوقت المناسب ، والذي تساءل مندهشاً :

ـ ثلاثة جبال أم ثلاث حَجَرات ؟

تفتقت قرائحُ القوم سخريةً وطاب لهم امتصاص رحيق اللحظة حتى آخر قطرة من دون طعن أو إهانة لبلقيس التي ولجت نفقاً مظلماً وكان عليها التراجع قليلاً قبل المضي في متاهاته . ردّ المحضار في غمرة الضجيج :

ـ لا يا مصطفى .. ثلاث بَعَراتٍ من مسك .

اهتاج القوم ضحكاً بمن فيهم بلقيس ، فيما طربت سلوى لهذا الردح المنسجم الإيقاع والتي كانت سبباً في استفزاز بلقيس . قالت :

ـ لو كانت جبالُنا ذهباً لاشترينا ريو دي جانيرو ونصبناها على ساحل أبين .

ـ أو تحسبينها خياماً ؟ قال المحضار وقد تشنجت عضلات وجهه في غمرة الانجراف نحو وادي الرغبات .. لكي تكتمل لوحةُ الصخبِ في شهقات عاتكة التي تُعتبر استقراءً في تفاصيل تلك اللوحة . عاتكة التي لم تتعقب مسارَ الريح إلاّ متى ما تثنّى الموجُ خجلاً ولم تصب زيتَ قهرها في ضحالةِ كأس غريمتها فاكتفت بالصمت .. صمت يقيها شرّ الكبوات إذا ما هدرت حناجرُ الصحبِ سخرية وإذا ما طفحت الأحقاد في الصدور . فجأةً توقف الهتافُ ، الضجيج . وفجأة خمدَ البريقُ في العيون .

لقد تَعِبَ النشيدُ وغادرَ المنشدون منصات أصواتهم ولم تبق سوى فسحة الأصداء تلف خمول النهاية بأنين واهن رتيب ، بينما مرَّ الوقت متفقداً أخمِرةَ الوجوهِ ، متوارياً خلف قتامة السكون .

* * *

الردهة / المختبر تندحر وحيدة من دون ملائكتها المسالمة التي فرّت من وجه الهجيرة خلف المسافة الممتلئة برحيق منبعث من انتشاء سلوى ، وكانت قد غادرها الفطام وما عادت تتوسل رشفة من ينابيع عشقٍ . المسافة التي امتطى ظهرها وجْدُ مصطفى في خضمِّ انغماره بموج التشتت فأوجزها بجناحين خفاقين ، وبهذين الجناحين سيمضي هازئاً من وحل وحدته ، باحثاً عن ليونة انثوية متفجرة بين صخور صماء ، ربما تدفقت عيناً مُبردة يردها متى ما اشتدّ جدبه وجفّت مياه جوفه ، فحينما تتفاقم الوحدة ويتعطل الزمن في مداره يغدو الإرتواء بهجة تصلح عطوب الروح .

الشمس في أبشع حالات غيظها ، تبدي سلوكاً فظاً لا مجال فيه للمهادنة إزاء بقعة عطشى . قال مصطفى في سّره : إنها تمعن في إذلال هذه الأرض المعذبة ، ودلف من بوّابة فندق البحارة ، ثم إلى غرفة العم فضل الذي كان يهم بالخروج على ما يبدو فعاجله بالتحية :

ـ مساء الخير يا أيها الرجل الطيب . إلى أين في هذه الساعة من الجحيم ؟

ـ كنتُ عازماً على زيارتك . لقد تأخرتَ يومين فرأيتُ أنّ من واجبي السؤال.

ـ وفي هذا الوقت ؟

ـ ألفنا الشمس وتدبغت جلودنا ولم نَخف من هذا الحرّ اللعين ، فخوفنا من أهوال قادمة ستحيل المدن رماداً .

ـ أما زلتَ ترى مستقبلاً مظلماً ؟

ـ نعم .. سنرى رياحاً من هذيان أسود تعصف في رؤوس متأملة ، مسكونة بالحلم . سنرى ألغازاً ، في ضبابية الرؤية ، تُلقى على قارعة البداية لكنها في أتمّ الوضوح وتعرقل مسير ضراوة الأسئلة . سنرى نفياً في حومة الوقت .. إبعاداً قسرياً في حدود الأمكنة .. صيحاتٍ سماويةً تمزق أحشاءَ الوفاءِ وتلغي لوعة الحنين .. فوضى تتصدرها مشية المطاف .. طقساً احتضارياً تدخله عدن مرغمة في أقصى درجات إلهامها .. سنرى أنهاراً من نار تفتت الخطى الغافية على الشواطئ .. قيظاً يهتك أعراف الفصول .. طُرقاتٍ تتضوع بنفحة من عطر التشوش .. أجساداً تتلظى شهوةً وتمضي غباراً يمتصه كبرياء البحر . سنرى أصداءً تبقى ترتد من جدران الهزل وتغور بعيداً في اللُجّة .. دماً رأته النبوءةُ قبلنا يُضرِّج أديم زرقة في قلب السماء .. سنرى طيوراً تخرج من أوكارها فزعاً ثم تردد ابتهالاً يفتّ الأكباد وترحل عبر المحيطات حيث الدُّنى الفسيحة .. سنرى دود الأرض زاحفاً إلى عنق الملاك الجميل التي أسميناها عدن ليفصل رقبتها عن بدنها ، ثم يرعى في جسدها ويتركها روحاً خالداً . هذا ما أراه يا مصطفى وهو خارج قانون الطبيعة بكل تأكيد .

ـ لم تكن متفائلاً .. ولست رائياً ما أنتَ راء . اعذرني يا شيخي الجليل لم أقصد إهانتك في كلِّ الأحوال ولكنك بالغت في تضخيم حجم المأساة .

ـ المأساة واحدة .. المأساة مهما صغرت أو كبرت تبقى هي المأساة وأنتَ ـ مع اعتزازي بك ـ ستبقى أعواماً طويلة تعيش قشور المجتمع ولن تصل إلى جذوره بالغة التشابك إلاّ بعد عناء .. هذا واقعٌ عصيُّ على الفهم . حاول أن تختصم مع كائن مَن كان ، فسوف لن تجد مَن يقف معك ولو كنتَ محقاً ، ستضيع في دهاليز المراوغة .. سوف تُحاك ضدك ألف واقعة . في المختبر يتصدون للغرق بمليون زورق وللغدر بمليون درع ومع هذا يحدث الغرقُ ويأتي الغدرُ في غفلة الزمن .

ـ أنا أسمي ما يحدث في المختبر عبثاً .

ـ رؤية قاصرة .. نعم . عينك لم تقع إلاّ على مرح نجيب المحضار وصمت محمد صائل وصدور الإناث الجميلات وما خلف هذه الرؤية مازال خفياً ، مبهماً .. ما بعد هذه الرؤية مسير شاق وإبحار لست مؤهلاً له الآن . أظنك فهمت ما قصدت إليه .

ـ ربما ولكنني لستُ مضطراً لمجاراتك ما دمت أرى قصوراً في عمل المختبر وقصوراً في طاقته . يمكننا أن نطلق عليه اسم ردهة لتكديس الأشلاء وما عدا هذا فأنه عاجزٌ عن أداء وظيفته المختبرية .

ـ مازالت الرؤية ضبابية .

ـ يأسكم نتيجة منطقية لهذا القصور .

ـ أنا يائس أمام عجزي وهذا شأن شخصي لا يُعمم لكنه لا يمنعني من قراءة الأفق وما يكتنفه من أهوال ، ولن أزحف إلى حتفي مطمئناً أنما أرقص على حطام روحي غضباً ، شموخاً . سأخضب هام شيخوختي بما ينزف من الطعن في اللحظة المجيدة .

ـ أنا آسف على ما أبديت من وجهة نظر في موضوع شائك لا دراية لي به ولم أقصد الإساءة .

ـ لا داع للأسف طالما تحدثتَ حرصاً ولكننا نتحدث عن إرادة كونية لا حيلة لنا على إيقافها مادمنا لسنا قادرين على انتزاع الخيانة من رأس الخائن .

صمت الاثنان وحوصرت فلول الهجيرة بخيول الظلال التي انتشرت في كل الأمكنة .. عندئذ أعلن فضل عن رغبته بالخروج إلى رحاب البحر .. إلى رحاب زرقة عميقة تُطلق طلَّ الغوايةِ وتستدرج المراكب المتفجرة شهوة إلى أحضانها . تدعوها إلى نبذ المرافئ المقيدة بسلاسل اللؤم . مرّا بمتنزه نشوان الرابض بأمان على صدر الميناء . قال فضل : هذا نشوان بن سعيد الحميري* مازلنا نقرّ برجاحة عقله ومازلنا نتغنى بحكمته .. سندخل حضرته ، لنطلّ منها على سماحة البحر لعل البحر يعلمنا الكبرياء ، فما باتت هيبةٌ تضاهي هيبتَهُ ولا تدانيها هيبة كلّ ملوك التاريخ . أنظر هذه القطع المتراقصة فوق سطح اليمِّ أنها من أسطولنا الحربي التي لم توجه إلاّ لصدورنا . أنظر ذاك الهيكل المحترق في المنتصف أنه بقايا سفينة جابت مياه الكون وعادت إلى مسقط رأسها لكي تموت ميتة كريمة بعد أن أدركها المغيب ** ، هكذا يجب أنْ نموت صعوداً نحو السماء كروح السفينة حينما امتطى ألسنة اللهب وسكن العلا . وبشيء من

 

الحزن استدرك فضلُ وتساءل : لكن ماذا سنفعل لو جاء الموت من فوقنا ، من السماء ؟ .. آنذاك سنُقبر مثل عناكب كسيحة ! .

انكسار ينبجس بين الحين والآخر من خلل إيحاءات الرجل الراكن لرؤى هاربة . خيبةٌ تعلن عن نفسها كماء متسرب من ثقب مخفيٍّ ، بينما راح مصطفى يستمع لهدير ألم عاتي الموج ويثقل روحه مُنبثق الأنين . لكنه مازال لائذاً بالصمت متدرعاً به لصدّ هجمات الضعف فيما لو أراد مباغتةً . مازال يحتطب في غابة عمياء أرخى الموت أغصانها وتدلت كما لو كانت معلقة في هواء ساكن دون سيقان تحملها . مازال مبعثراً أمام تجهم الأشياء وضبابية الرؤية رغم كل السطوع الكوني وانكشاف المدى لقافلة الفصول . مازال حائراً أمام طاحونة التيه . ابتلعته الزرقة في أعماقها . دعوة صراخية لاكتشاف أضخم محّارة عرفتها البحار ، وَجَّهها القاع : أدخلْ غياهبها وابحثْ عن اللؤلؤة المقدسة قبل أن يضيعها البحر بين اهتياج موجه في أعنف حالة غضب ستعتريه . مازال مراوحاً ، مطلقاً العنان لمخيلة متعبة تسابق ذاتها . حالة إرسائية مضجرة تشده بعناد نحو كسل المرافئ حيث ذهب النداء في قارب الدوخ وتعثرت المخيلة .

خرج من صمته وأطلق آهةً : سيبقى البحر سيد النقاء .

ـ ماذا تشرب يا عم فضل على شرف النقاء . ؟

ـ أريد انتشاءً يخرجني من لوثة مميتة ، أريد انتشاء نقياً .

ـ قُل شراباً مباركاً بشفاه حور العين !

ـ كما تشاء .

ـ لكن أين .. هنا في نشوان أم في مكان آخر . ؟

ـ ليكن الساحل فضاءنا ومهبطنا . هناك سنهيم على وجه الماء ويرحل الموج بأحلامنا الوجلة التي ما عبرت يوماً حدود الخرائط ، وفي طريقنا سنأخذ متاعنا من شهد الآخرة المنتظرة ونسكبه في جوف الدنيا حتى تهتزَّ أوراكها طرباً ، حيث لا متعة ألذّ وأجمل من ترقيصها عارية . لنأخذ قسطاً من الحرية .. قسطاً في التحليق .

* * *

عمَّ المساء وضجّ الساحل بثرثرات منتشية الأنفاس . تألق فضل بشيخوخته الجليلة . تبددت همومه ، نسيَ انكساره واللحظات اللعينة التي اعتصرت فؤاده. مرّت أنسام ثملة ، مترنحة . هتف رافعاً كأسه للبحر : نشرب نخبك أيها المُبجل ولن نخونك أيها السعيد حتى لو غرقت عدن برمال التاريخ . لن نخونك ولو خانتك الربابنة وأحرقت من جبنها السفن . اشرب يا مصطفى نخب مليكنا الأزلي . اشرب فهذا المنهل أوشك على النضب .

شربا حتى الهزيع الأخير من الليل وكان مصطفى ينصت لهسيس حشرجة قادمة من أعماق الليل .. ربما من صدر البحر .

* * *

كاد الطفل أن يخترق حقلاً ملغوماً

أن يعبر نهراً

يرسم بحراً

يسأل في الليل عن زورق

يبحر

هل جاء الطفل ؟

إذن سيطرق باباً في العتمة

الباب اشتاقت للقبضة

ستُفتح

فُتحت باب القلب لكن الطفل تأخر

خلف الأسوار تأخر

ُاتركْ مداخل الريح مشرعةً

فربما جاء طيف الطفل

أو تمخّض البحر عن زورق

أيقظته اللوعة . أيقظه اشتياق للمهد . لأكفّ أرق من جنح فراشة . لكركرات ضاعت على مدرج المسافة . أيقظته حدقة قدحت من خلل الظلام . أرقته ذكرى امرأة أفجعها الهجرُ . ردد : اشتقت إليكما وانحبست أطيافكما عنّي .

* * *

غادر عينيه الكرى وصار نجمة مسهدة ، لا في تلك الليلة التي أعقبت سهرة الساحل وحسب و أنما في الليالي التالية لها ، حتى إذا ما سئل في الأصباح عن سبب لورم أجفانه ، لم يجب كما يجب أو كما ينبغي وتعمد إدارة دفّة الأجوبة ، وحينما ألحّ الصحب هذا الصباح ، أوجز ما في داخله : لا شيء سوى أنّ الرسائل نزفت عبيرها في الطريق ولم تصل .

ـ ستصل ! هتف المحضار .

ـ وما أدراك ؟

ـ النبوءة .

ـ إذن سأنام ذات ليلة .

ـ الليلة ، ولكن ليس قبل أن نسكر .

ـ سنسكر إذا صدقت النبوءة .

ـ اتفقنا وسيكون موعدنا عندك الليلة .

اعتملت غيرة في صدر سلوى .. غضبت . كيف ستخفي انفعالاً مبرراً ؟ كيف ستخفي رائحة الخصب المُؤجج بحرارة الجسد ؟ كيف ستمحي آثار انهيار مسعاها إلى الذروة ؟ فأية غارة ستشنها بعد ، وأية غنيمة ستعود بها ؟ الليلة استلبها المحضار من ثوب الضحى ولا بدّ من استباق الزمن لتنفيذ الرغبة . هدّأت من فورة غيظها : هذا الحمار لن يكف عن حشر أنفه في ما لا يعنيه .. اختطف موعداً لخمرته وتبدد احتراقي . كيف أقتلعك أيها المسمار الصدئ من لوح الردهة ؟ ثمّت طيبة في القلب ونقاء في السريرة . ثمَّت براءة في السلوك. المحضار رجل طيب ، رددت في صمت ، لكنه لا يدرك جمر اشتهائي . لا يُقدِّر قيمة لقيتي التي لن أُفرط بها ولو تصدعت جدران الردهة . سأذود عنها وأتشبث بهذه الأرض الملساء مثل سيقان بلقيس لكي لا تتوالى السقطات . لن يفهمني أحد حتى عاتكة الرهّازة لم تخرج من قبو عفتها الوطنية وتسمع نباح الكلب المسعور في عمقي . لم تسمع سوى ثغاء الحيوان الاسطوري المسمى خازوق الزهد لتلقم فمه حجراً ذريّاً . عجبي لصبرك يا عاتكة كأنك خُلقت بلا فرج ! .. أما أنا فلا أدري ما أصابني . لا أدري ما حلّ بي منذ حين ؟ لم أسمع غير ذلك النباح ، ولم أحس إلاّ أسناناً تنهش وسطي . آه يا مصطفى إلى متى تغطّ في غيبوبة المسافة ؟ سأنتزعك منها قبل الأوان . سأجعلك تفك أسرار تفتتي ، وسأصهل بين يديك حتى ينحدر الصهيل نحو وديان الأنين . سنأخذ وطراً ، وإن لم يكن كافياً ، في التحليق المُبهج قبل أن تصعقنا السماء ببروقها وتتفتق قريحتها موتاً . لا تأتِ أيها الموت فما عدنا أهلاً لك . لا تأتِ أيها الموت فلا حاجة لنا بك . أرجوك أيها الموت ابتعد قليلاً عنّا .

سلوى تهذي هذياناً خفياً . سلوى لم تسمع نداءات عاتكة التي ابتلعتها جدران المختبر / الردهة ، المزدحمة بهياكل حيوانات مائية . وعاتكة تكرر النداءات فتذوب وسط دهشة الآخرين . وعاتكة تصرخ :

ـ أين أنتِ يا سلوى ؟

تجفل سلوى :

ـ ما بك ؟

ـ لقد جفّ حلقي . أين أنتِ ؟

ـ تأملتُ الموت القادم من أعلى .

ـ ارفعي نخب المحبة .

ـ أية محبة وقد ابتلانا الله بحروب لن تنتهي ، وجعلنا على موعد معها كل أربع أو خمس سنوات حتى صرنا نتوحد والموت .

ـ سوف نتوحد واليمن .

ـ ومتى كان اليمن موحداً . سامحتك النباهة ، فأنا لا أعرف وطناً غير هذا الفرن المتقد الذي اسمه عدن .

ـ نعم هذا عين الصواب ، ولكنك قليلة الحيلة .

ـ قليلة الحَيْل والحِيْلَة .

تدخل المحضار هازئاً :

ـ سوف نسعى إلى تحرير الخرائط من حدودها ثم بالخناجر المعقوفة نزرعها.

وبصوت هادئ رصين أضاف محمد صائل :

ـ لا بل نسعى إلى تحرير المدن من ناسها وننسف الخرائط . نسعى إلى وهدة التيه ونزحف نحوها مثلما يزحف الخائنون إلى خيانتهم . إنّ غرقاً جماعياً في انتظارنا وليس مهماً أن يكون في البحر أو في الرمل .

لم ترد عاتكة في واقع الأمر أن تخوض غمار اليأس ولم تكن تنوي الإفاضة في موضوع كهذا . لقد مجّت كلّ جرعة دخلت فمها وما استمرارها في عمل المختبر / الردهة إلاّ جزءاً من الإحباط العام وليس في وسعها درء غدر العواصف التي أغرقت في عرض البحر أكثر من ثلث زوارق الصيد بأطقمها خلال فترة وجيزة ، وربما ستُغرق عدداً مماثلاً في الفترة القادمة ، وليس في وسعها إعادة أشلاء الكائنات إلى وضعها الطبيعي . فبأيِّ لسان حال سوف تتحدث طالما انتهت إلى قناعة بعدم جدوى فاعلية عمل المختبر / الردهة ، وليس ممكناً البوح بهذه الحقيقة في حضرة الدكتاتور نجيب المحضار الذي يراهن على فحص آخر كائن ممكن أن يحمله زورق إلى حوض التشريح وهو بإيمانه المُبرر يجد في تماسك الجماعة حتمية استمرار فاعلية المختبر ، بينما ترى عاتكة تماسكاً مُرتقاً على طريقة المحضار سيصبح غير ملزم في وقت من الأوقات ، فعلى كل حال لم تكن راغبة في الدخول إلى غابة التفاصيل المعلومة ولم تركن لهدوء مصطنع طالما اتسعت فسحة الضجيج في كل لحظة. لهذا تركت الآخرين يلجون صالة الاسترخاء المميت وأن يتنفسوا المواعظ ويزفروها في دعة . تركتهم حتى يعلن المحضار عن وقت الهزيمة .

 

* * *

لم تأتِ البشائر ونبوءة المحضار امتنعت عن عبور غَمْر الدهشة ولم تبلغ كِفافه . لم تأتِ الرسائل ، ربما جفّ مداد أفئدة أو تشوهت السبلُ . فهل غصَّ بعبرة ؟ أجل وترقرق في صدره شجنُ .

انزوى في ركنه يائساً . لم يأكل شيئاً . لم يأتِ فعلاً ، حتى نشب الغيظ في رأسه مخلباً . عندئذ أطل من النافذة فوجد الله منتشراً . قال : لن تأتي الرسائل ما لم يُفتَضح سرُّ اليمانيين !.

* * *

 

امتثل مصطفى لخيبته . امتثل لرغبات سادية الهوى ، واقتنع أنّ البشارة إن جاءت ستقتلع البابَ . انطرح على فراشه . تابع أشياءه المبعثرة ، التي لم تُرتب كما يجب ، وكان قد تركها في حالة من فوضى لا تتناسب بأية حال من الأحوال والفوضى التي تجتاح العالم . تابع رقّاص ساعة الجدار . أنصت لرفساته المُتعبة . أمسى على تخوم موعد مع النبي المُجرد من نبوءته نجيب المحضار والزنديق الهادئ محمد صائل . سيجتمع الضدان على واحة صافية النبع . ستُقرع كؤوسٌ للمنادمة على شرف نبوءة كاذبة . في وقت تضجّ فيه الفضاءات بنبوءات سوء صادقة . أخذته غيبةٌ : رأى زورقاً مبحراً في أعالي المحيطات . رأى صخرة تتعقبه ربما كانت مشدودة إليه . رأى الفيل يغوص في الأعماق ، ثم يخرج حاملاً على ظهره أجمل حورية تزفها قافلةٌ ضخمة مؤلفة من جميع الكائنات . رأى القارّات يبتعد بعضها عن البعض الآخر في جوٍّ وداعيٍّ مهيب . رأى عواصم البلدان ينهش أكتافَها القرشُ وتتشوه ملامحها. رأى سماء عدن تنشق عن قمر أرجوانيٍّ تتوسطه عينٌ دامعة . رأى الصحراء محمولة على أسنة رماح القبائل . طُرقت البابُ . توقفت الرؤيا . نهض خائر القوى . دخلت سلوى مشبوبة الجسد . هائلة كانت مثل عروسة نهر سحريٍّ . ألقت عباءتها ولم يبق تحت درعها الشفّاف غير أعضاء نحاسية هيجها طوق الفُلِّ حول الرقبة وتاج المشموم على الرأس .

ـ ما الذي أتى بك ؟

ـ غباء المحضار .

ـ ما علاقته في الأمر ؟

ـ الليلة ملك يميني واختطفها مني .

ـ مَن قال ؟

ـ اليوم هو الخميس يا مصطفى .

ـ آه .. حقّاً لقد نسيت . اعذريني على اهمالي ، والآن ؟

ـ نقتطف ثمرةَ الجنّة ونخرج منها .

ـ إلى الأبد ؟

ـ إلى الأبد .

ضحكا ، تضامّا ، تشامّا ، تلاصقا … ابتعدا .

ـ ما بك يا مصطفى ؟

ـ أخاف .

ـ ممَن ؟

ـ من تجاسر الأدعية .

ـ لا تخف وأنا معك ، فليس ثمة أدعية قادرة على التجاسر ، وليس ثمة أوكار للجنِّ ، ليس هنا غير أوهام تعشش في كهوف منسية وسأجتاحها بمشعل من نار احتراقي إن شئت . خذني يا مصطفى وهزني بعنف فلم يعد في الوقت متسعٌ . خذني وليسكت هذا النباح الذي ما عدت أطيقه أنه يؤرقني كما يؤرق الخوف العباد .

خرج من دوخ . من سطوة الوهم . ارتشف من نهر الصدر العميق رحيقاً . فزعت الحلمتان . استنفرتا بوجه الاجتياح . تلاحما ، انصهرا ، تزلزلت من تحتهما الأرض . سقطا في هوّة سحيقة ولم يبق من وجودهما سوى أنَّةٍ منطفئة.

 

* * *

 

عندما أعلن المحضار رغبته في البحث عن فضاء طلق لكي يتسنى للمخيلة أن تعبر تخوم الأفق ، مازالت في فضاء البيت بقية من رائحة أجساد كانت قد تطارحت غراماً ، ومازال رحيقُ اللذةِ مُبدداً في المكان .

لم يُمانع الصحبُ الذين انطلقت بهم سيارته إلى صيرة حيث سيفترشون الأرض بين صخور جرداء وحيث سيكون الأفق منفتحاً على الماء إلى ما لا نهاية . أُنزلت الأمتعة وأرسلت حبيباتُ العرق المتكونة على قناني البيرة المثلجة ، تحية إلى القمر حينما التمعت تحت أشعته . تساءل محمد صائل مازحاً :

ـ لا ندري هل هذا عرق الكادحين أم دموع العذارى ؟

أجاب مصطفى :

ـ سَمِّ ما شئت فهي متلألئة في الحالتين ومقدسة في الحالتين . بعدئذ انتصبت ثلاث قناني من الفودكا الروسية أمام الثالوث الجميل : البحر ، الجبل ، القمر .. ستسحره ، تسكره ، وترقصه . الموج ماض في مداعبة رقيقة لصدور الصخور . الموج لاهٍ في سعادة دائمة . أثار المشهد فضول المحضار الذي عبّ من كأسه وقال : هذه الصخور أسعد من كلّ نساء الأرض . وفي الحال وجّه سؤاله إلى مصطفى :

ـ ماذا قلتَ أيها العاشق ؟

ـ صدقت نبوءةٌ كاذبة .

صُعق الصحبُ للإجابة اللغز وزغردت حنجرة محمد صائل فرحاً . صاح :

ـ لقد أفحمته يا مصطفى .

بينما تحجّر الردُّ في فم المحضار وهو بين الشهقة والدهشة ، أطلق مصطفى مزحةً :

ـ سأنتزع جلدك الليلة مثلما انتزعت الأمل من صدري .

ـ أعترف بخيانة نبوءتي ، لكن دع الليلة تمر بسلام .

ـ لك ما تريد يا محضار شرط ألاّ تتورط ثانية .

ـ كيف لا أتورط وأنا في عنق الزجاجة !

ـ وما عنق الزجاجة هذه ؟

ـ عدن هي عنق الزجاجة . مَن يدخلها مات منفياً . مَن يسكنها بات محاصراً. عدن لعنة على أهلها وأعدائها على حد سواء . لقد علمتنا قراءة الغيب كما علمتنا تلمّس الأشياء .

تدخل محمد صائل :

ـ لكنها ليست بهذا القدر من القسوة وإن كانت عنقَ زجاجة . أفهم من هذا أننا سنذبحها بدعوى أنها غير نافعة .

ـ لا تفهمني خطأً ، أنا لن أستبدل عدن بألف مدينة وما قصدته هو انحباس أحلامنا ورؤانا في قاعها ، وعدن حالة نادرة بين المدن حيث يصبح الاحتفاظ بها ضرباً من خيال مهما طال الزمن ومهما بلغت درجة التخريب أو البناء ، وبين أهلها وأعدائها حالة دائمة من الفرِّ والكرِّ .

ـ هذا هراء . هذا تبرير لانتزاع هويتها أو على الأقل إهمالها .

ـ لو قصدنا انتزاع هويتها أو إهمالها لأهملنا كلّ شيء بما في ذلك المختبر .

ـ ترك المختبر / الردهة بهذه الفاعلية هو مجرد إحساس بالوجود ليس غير .

ـ ربما ولكننا نصرّ عليه ونأمل في تطويره .

ـ إصرار اليائس .

سكت المحضار وفي قرارة نفسه تنجلي الحقيقة المرّة التي استعصت على البوح ، لعله سعى مع الساعين لارتكاب أكبر جريمة بحق المدن البريئة ، لارتكاب أعظم خطيئة عرفتها الشعوب . يا للخطأ القاتل ! . رددت دواخله . سينهض أحمد بن يحيى * من بين ركام التاريخ ويبتلعنا بعد أن أضعفنا أنفسنا

بأنفسنا . يا للهول ! . أنخونك أيها البحر وقد منحتنا الحياة ؟ .. أنخونك أيتها المدن السعيدة بعد الألفة ؟ .. وأنتِ أيتها القلعة الشامخة عَمّن ستدافعين طالما أسلمنا مفاتيح أسرارك لجند الإمام * ؟ . ضاق صدره . اختنق . اتسع البحر ، كان في محجريه شاسعاً . تقدمت قلعة صيرة ** . نزلت من أعلى الجبل . خوّضت في الماء وزحفت نحوه . كانت مظلمة . توارى القمرُ خلف القمة . أطلقت الخمرة مكنون النفوس . صرخ : لن أخونك أيتها الأرض . لن أخونك أيها الماء ولو قاتلتُ بمخالبي . إنهارَ على حافّة صخرة . تشنج وبدأ النشيج .

قال محمد صائل :

ـ سيكون هذا بعد فوات الأوان ، وبعد فوات الأوان أيضاً ستخرج نساء عدن عاريات احتجاجاً على رغبة السماء ، لكن السماء سوف لن تخجل من عوراتهن فتعالجهن بقضبان من نار ، وقتئذ ستُعقم النساء إلى حين تتدرب الأرحام على الإنجاب وتبدأ الأسئلة .

انتصف الليلُ وردد البحر معزوفة وحدته الحزينة . انتصف الليل وتصدرت القلعة قمة شموخها . انتصف الليل وخُسرت النبوءةُ على طاولة الندم ، فسقط الرهان أثناء الجولة .

قال محمد صائل :

ـ لقد تجاوزنا حدود الليل فلنرحل قبل جنونه .

* * *

ظلالاً داكنة من الاكتئاب يلقي الصبح في أحشاء المختبر / الردهة . وكثيراً من الصمت على الوجوه ، والعيون في حالة من الترقّب ، ربما كانت تنتظر حدثاً ما .. حدثاً من أيّ نوع كان . أما مبررات هذه الحالة فأَفهمَها السكونُ المطلق الذي يُغلّف الأشياء . فعندما دخل مصطفى المختبر / الردهة هذا الصباح كان صوت المحضار هادراً ، غاضباً :

انحنِ أيها الصبح بوجه المهلكة . انحنِ أيها البليد إزاء بؤر التخريب التي تنشطر انشطاراً مخيفاً في الليل وتزحف إلى جسدك المتورم ، الثقيل . انحنِ يا مقبرة مُندثرة الشواهد . دع خيولك المتعبة تول الأدبار أمام الكتائب المتوحشة ، المدرعة بالحقد ، فلستَ جديراً بالدفاع عن كرامة الشعاع ولستَ أهلاً للأمانة . أيها الصبح المتعثر بنعيق الغربان ، المُستلَب الوقت ، المهان ، لا نريد إطلالتك المرتجفة ما دمت متخاذلاً ، جباناً . أيها الصبح المُختَرق الإست خُذ شمسك العاهرة واغرب عنّا . فلسنا في حاجة للشموس المتبرجة ولا للأصباح المذعورة . لستَ شهماً ولم تكن نبيلاً أيها الصبح .

كانت أعصاب المحضار حادة التوتر ومن العبث مساءلته ، لكنه ما لبث برهة حتى استدار إلى صحبه :

ـ أسمعتم بالقرار الهمجي القاضي بتجميد عمل المختبر اعتباراً من بداية الشهر القادم وتحويله إلى ردهة لتجميع الأشلاء ريثما يجري التخلص منها ؟

أجاب محمد صائل ببرود :

ـ لم نسمع ، ولكنهم منحوه صفته الحالية .

ـ كيف ؟

ـ لقد فقد فاعليته .

ـ ولكن من الممكن تطويره .

ـ فات الأوان .

ـ أيّ أوان هذا الذي فات . إنك دائماً تردد هذه الأهزوجة المُرّة باسترخاء مصطنع ؟

ـ أقصد أوان الترقيع .

ردّ المحضار متظاهراً برباطة جأش :

ـ لستَ محقاً على أية حال وأستنكرُ استسلاماً رخيصاً ، مذلاً .

في هذه الأثناء تدخلت بلقيس عاتبة :

ـ لقد أخفتنا يا محضار بثورتك وكأن السماء أرسلت طيورها ، فلا طاقة بنا للنزف إذا ما حلّت الفجاءة . شتمت إطلالة أصيلة وهدوءاً شفيفاً دون سائر الأيام .

اعتمل حزن في أعماق عاتكة المتوارية خلف هضاب صمتها وخرجت فورته نقية ، صافية ، شاعرية :

ـ لم يكن هدوءاً . لم يكن نعيماً هذا الذي تتوحل به البشر ، أنما كفّارة   الخطيئة . إنما ندم . إنما انغمار في بركة من جحيم الخيبة . فلتغترف هذه الشعوب اللعينة من نبع اشتهائها ذلّة ولتتبخر من عود اندفاعها طيب الفجائع . سيجفّ ضرعٌ وتفنى لذّةٌ وتسحقُ هامٌ وتُصرع ملّةٌ . فاحصدي أيتها الشعوب الراضية هوانها ، مقدارَ لعقة واجمعي في سلّة الوهم طعم الندامة .

واسترسلت بحزن اشد :

ـ البارحة وقد نسفنا جسد الأسرار ، شوهد زورق في خليج الفيل يجرّ وراءه صخرة . يلج الخليج تارة ويبحر بصخرته بعيداً تارة أخرى .

رجفة تملكت مصطفى . نداء ذهب به ألف مذهب : ربما تحققت رؤيا وقربت نهاية فدنا زورق وعادت صخرة . ربما فحش الدرّ بأصدافه فتهيّض موج واستنكرت زرقة . ربما الخطايا ارتكبتها مدن فسخط نجم وارتحلت رحمة . إيه عاتكة ، قال في سرّه ، أما زاد الشهود أوصاف زورقي ؟ وإذا ما علم فضل فسوف يجزم أنها صخرتي . أيسألني أم يكتم رغبة ؟ لكن فضلاً حين أغاثني لم يستزد مني .

وعاتكة في حزنها ماضية :

ـ تصوروا زورقاً يردف صخرة ! .. زورق من جنِّ ! .. نبأ يثير سخرية وقلقاً . أنصدق ؟ .. أجل ، كيف لا نصدق وقد شهد كلّ من كان بالقرب من خليج الفيل . وأعطوا وصفاً يكاد يكون دقيقاً . قالوا : كان ليليَّ الملامح لكنهم لم يتبينوا ما في جوفه لسرعة انقضاضه وابتعاده . ستصعقكم الدهشة ويهزكم العجب . فلا دهش هنا ولا عجب ، وليست في الواقع أية غرابة طالما جلدته سياط ذلٍّ ونهش الغيب روحه .

ثم التفتت صوب المحضار :

ـ لا تحزن يا محضار ، وصراحة القول إننا لسنا بحاجة إلى مختبر مشلول الحركة معطوب النفس ، ولا جناح علينا إذا ما فقدت الأشياء بريقها وتعطلت دورتها ، ثم تهمشت ورُكنت . لا جناح علينا إذا ما تراشقت الحيتان بنار العداوة وهبطت في السعير . لا تندم يا محضار فلستَ مُداناً ولم تقترف إثماً وإن كانت ثمة خطيئة فهي خطيئة الرجال الأغبياء .

لم ينطق نجيب المحضار . لعل النفس حائرة أمام جدار اللامبالاة الذي شيده الصحب . لم ينطق نجيب المحضار وآثر التوقف عند حافّة هاوية ربما كانت قدراً . دوخته حقيقة المختبر الذي لم يعد كما كان ، وراعه أن يشهد نهاية بائسة لصرح لم يفكر يوماً بانهياره ولم يجعل له بديلاً ، فأيّ معبد تهاوى ، وتحت أية الأحجار طُمر الطموح ؟ .. اندفع خارج الردهة ملتاثاً ، مختنقاً بغيظه .

حالة ارتدادية عمّت المكان فتعطلت لغة التراشق بالعيون وسواها . انكسار سجّل رقماً قياسياً من البغضاء ضد روح المهادنة التي تركزت في قيعان   صلبة . قشعريرة تجلت على ملمس البدن ونبتت حصى قاسية التحدب . وجوه تشكلت غابة سوداء يتجنب القادم التوغل فيها . ارتباك مقسّم الإيقاع لصفوة تشرذمت . الردهة إطار قديم لا روح فيه .

خرج محمد صائل في طقس كدر ومزاج عكر . خرجت عاتكة مترنحة من دوخ . أشرقت عيون بلقيس صفاء بوجه مصطفى . ودعتهما بغنج أنثوي شهيٍّ ثم خرجت مصقولة كتمثال عاجيٍّ . تحسر مصطفى : غباء إن لم أطرق باب الجنة . خلوة حسنة . لم يبق إلاّ هما . قالت سلوى :

ـ سنلتقي الليلة .

ـ لا ، سنلتقي غداً .

ـ ما الفرق ؟

ـ كون ضبابيّ ما بين الليلة والغد ، ومن خلل الضباب قد تُكتشف أرض مازالت مستعصية ، لكنها الأجمل بالتأكيد .

ـ قرأنا عن الضباب ولم نَره * أما أرضك المزعومة فلا وجود لها إلاّ على ظهر مجرة أخرى ، فهل أعطيت سبباً موجباً ؟

ـ سننحلّ الليلة ونتكون غداً .

ـ لم أفهم .

ـ الحزن لا يستنبت في اللبِّ إلاّ خواء وفي الجسد إلاّ انهياراً .

ـ فلنتنشط بجرعة من نقيع زهر الديمومة .

ـ قلت غداً يا سلوى .

ـ سأوافقك بشرط .

ـ ما هو ؟

ـ نرتمي بأحضان الساحل .

ـ كما تشائين .

* * *

هذه أرض أدركت جحيمها قبل سواها فسعت للبحث عن فردوسها دون جدوى . هذه أرض تسلّحت بأفران القيامة على امتداد الفصول فابتلعتها تلك الأفران في غضبة من غضباتها . هذه أرض أُريد لها أن تخرج من قانون الوجود وتغوص في الأعماق أو تُتحف ببرق إلهيٍّ يحيلها خراباً . هذه عدن قضمة البحّار القاتلة فمَن لا يرغب في إزالتها ؟ ومَن يقنع مصطفى بأنْ يصحح زلّة ألقت به إلى هذي القفار ؟

صهرت حرارة الهجيرة إسفلت الطرقات وفرّت الكائنات إلى أوكارها ، فغدا المعلاّ قلاع التواريخ المتدثرة بهزيمتها ، المسكونة بهزال عواء الثعالب ، فحيح الأفاعي ، وزئير الرياح . هبط شارع مدرم في حضيض ذنوبه حتى انكمش على خوائه .

وريداً قطعت الخيبةُ من روح مصطفى المُتعب وظلّ نازفاً . فبين يديه ، حتى النهاية ، سيحمل صراخ طفل تعثر بجدران الفجيعة . وبين ضلوعه سيحمل قلباً متلهفاً لإمحاء المسافة ، وسيجعل من تلك اللهفة غاية . فحين حطَّ الرحال انبجست زهرة حزن وتقيحت أرض ستفرز سمومها بعد حين . وهنا رأى الدهشة مصلوبة في حدقات ستكف عن الرؤية حينما يباغتها ضوء . إذن ستنضح الغرابة آخر قطرة من عرق حشمتها . الغرابة التي تجلّت في أعتى اهتياج صباحي من أصباح المختبر / الردهة ، الذي هُدّ على رأس المحضار ولم يبق منه غير تلال منفرة لأشلاء كانت تتسيد البحر ، أما الفيل الجاثم على وجه الماء فقد هزّ ذيله لتلك الأجساد النحاسية التي باشرت انسحابها ولأجلها سيجنّ الفيل . سيجنّ فضل صالح في هجعته الأخيرة عندما تنزل المقصلة على عنق عشقه . ستطلق الحناجر هتافاً أخيراً يائساً لمحاصرة أفراس الموت القادمة من أعلى . تلك الأفراس الزاحفة نحو أنفاس العباد لتكتمها . فأية السبل ستوحي لمصطفى اتخاذها وأية صهوة ستغريه إذا ما طرب عمق الليل وتفتق نهاراً .

* * *

صدحت حناجر طيور المرارة في سماء فندق البحّارة وهزّ هدير الموج أركانه فارتجّ وتزلزل . هوى وانبعث ، ثم هوى وانبعث وغار في صمت فضل الذي ابتلع الأصوات في غمرة الأسف . فضل المتشبث بجذور عائمة في الفراغ ، اقتلعه النبأ وتاهت الجذور . استفزته أخبار العسف الذي مورس بحق المختبر وأدرك في قراره نقطة النهاية ، فهب لتدارك الأمر ولكن قوة خفية كانت أقدر من إرادته ، ردته على أعقابه منكفئاً بجانب المحضار الذي لم يقلّ عنه غيظاً وحيرة .

سأل فضل المحضار :

ـ متى صدر القرار ؟

ـ أمس واستلمناه اليوم صباحاً ؟

ـ كيف كانت ردود الأفعال ؟

ـ محمد صائل يسترخي تحت سقف الواقعية المملة ولم يحسب حساباً دقيقاً لأبعاد صدور القرار . ربما أدمن اليأس . وبلقيس كما تعلم حيادية الموقف فلا يهمها أن تعمل في مختبر أو في ردهة . لم يبق غير عاتكة وسلوى وهما غير قادرتين على فعل شيء ما بالرغم من كلّ أسفهما .

ـ ماذا عن موقف مصطفى ؟

ـ لم يعطِ رأياً ولم يُطلب منه رأيٌ .

ـ لقد بوغتنا يا محضار .

ـ وأُخِذنا .

ـ وحلّت بداية النهاية .

ـ بداية متوحشة لنهاية مُدمرة .

ـ فما العمل وقد طُعنّا في الصميم ؟

ـ نفتتح ردهة ، مادمنا نعلم الخاتمة ، ونعمل في إطارها .

ـ أسوأ ما في الأمر أننا نعلم الغيب حيث تذهب كلّ أحزاننا وانفعالاتنا وبالتالي اجتهاداتنا وافتراضاتنا سدى ما دمنا ضمن محيط المعلوم .

ـ إنها كبوة مريرة .

ـ لم تكن كبوتنا تلك التي نجني مُرّها ، بل كبوة الرجال الذين اندفعوا وراء أوهامهم .

ـ لكننا مارسنا قسطاً من التهور .

ـ ليس إلى درجة تهميشنا ، ولم ننشد تدميرنا حين أردنا إلغاء حدود الماء واليابسة .

ـ اندفاعنا كان مغامرة أغرقت جميع مراكبنا .

ـ دعك من هذا الألم ، لقد اجترحنا منه ما يكفي لتحميل كل دواب المعمورة بعد أن جنحت ثورتنا في ضحالة مياهها . دعك عن هذا الهم حتى لا نُفوّت على أنفسنا فرصة مقاومة أخطار الزوبعة التي ستثيرها الأحقاد . هيا بنا يا محضار لكي نستأنس بصحبة مصطفى الذي ربما أمسى عاجزاً أمام انهيار المختبر . دعنا نطرد عنه وحشة باتت قدراً .

ـ سيندهش لزيارتنا .

ـ لماذا ؟

ـ لم يكن على دراية بعلاقتنا .

ـ لا عليك سوف يسرّ أكثر .

* * *

تشبعت أنسجة الخلوة بندى أنفاس النهاية وطوّحت بأديمها رياح اليأس ، فانكشفت هشاشتها وبان هزالها . خلوة ما عادت تحمي نفسها من غضب السموم ومداهمة الأشباح ، وما عادت الأستار رادعاً فانتُهكت جهاراً . فأيّ انسجام يبتغي مصطفى مع الذات حين يقف على هول ما حدث ؟ وأية سكينة تلفه حين تُحْذَف الرسائل من شاهق مختومة بأدمع المصائب ؟ ربما تشوق لمعانقة أطياف الورق بعد طول انتظار لكنه لم يتشوق للرؤى المقيدة بسلاسل المهلكة ولم يرد نعيباً مدوياً في فضاء صحوته . ومادامت صلاة القيامة قد طرقت بابه فليس من حيلة غير الدخول في قداستها ، عندئذ سيمكث ذاهلاً حيال حتمية تحقق النبوءة وافتضاح السرّ اليماني ، وعندئذ ستدخل الأرض في مأزق ضيقها وتباري حيرة مصطفى الذي خفقت أجنحة حلمه على هامش الوقت .

قبيل المغيب كادت صرخة روحه أن تمزق أغشية صدره ، لولا قهقهة طفل الذاكرة القادمة من أبعد المجرات . استعجل ارتداء ثوب كبريائه عند سماعه أول طرقة على الباب . فتح للزائرين : لشيخه المتواري خلف هواجسه و للمحضار وقد أعياه الإنكسار . لم يستغرب الزيارة ولم تخنه الفراسة ، لكن سحابة من حزن شفيف تركت برودة آسرة على وجهه .

قال فضل بصوت هادئ رصين :

ـ خرجت أحياء البحر راقصة على ضرب الصنوج وإيقاع الدفوف ، تتقدمها أميراته الجميلات في طلعة مهيبة ، ثم تقدمت تلك الأحياء من رمل الساحل وتجاوزته قليلاً لتنصب خياماً للفرح ، ولما سُئلت عن دوافع فعلها ردّت   الأحياء : إنّ ملك البحار رغب ، في تحدي ملوك الأرض ، أن يقترن بأنثاه علانية أمام فضول البشر . وفي خضمّ الابتهاج هبّت عاصفة اقتلعت الفرح وتاهت الأحياء في ألف سبيل .

عقّب مصطفى بلسان ثقيل :

ـ هذه كانت غلطة الأحياء في اتباع دين الملوك الأغبياء .

تدخل المحضار ساخراً :

ـ ربما ظنّ ملك البحار أنّ التحدي نزهة فجازف بأرواح رعيته .

ـ هبوب العواصف لم يكن مصادفة .

ردّ فضل وأضاف :

ـ بل كان ردّة فعل للرغبة الجهنمية في امتلاك أي شيء أو في سحق كل شيء حتى الذات . رغبة تأججت في صدر الملك والأحياء على حدّ سواء ووجدت سبيلها في الإغارة على حياة البرِّ بقصد النيل منها والحطِّ من قدرها ثم مصادرة فحوى ألقها ، وليس في الأمر ضلال ، فلا الملك ضلل رعيته ولا الرعية ضللت مليكها . رغبة متبادلة في التدمير تجلّت في التحدي السافر المُسند بالصنوج والدفوف . ولما كان عالم البحار أسير الرغبات الدامية ، أمست فرصة البرِّ مبررة للردِّ بأية طريقة .

لم يُعجب مصطفى بهذا الاسترسال فأبدى امتعاضاً خفياً لم يمنعه من الإفصاح عن وجهة نظره :

ـ أمسكت بتلابيب الرغبة وتركت الصراعات في هذا الدهليز المظلم الذي لا يرف فيه جنح الرغبة .

ـ قصدتُ الرغبة التي دلت الأحياء إلى حتفها الأسود في هذه الواقعة الوهمية التي انعكست صورتها في مرآة فضائنا .

ـ وأنتم مَن سيرشدكم إلى حتفكم ؟

ـ رغبتنا القاتلة أيضاً . رغبتنا التي أعطت أولى ثمارها المسمومة بتجميد عمل المختبر .

ـ إنها الخطوة الأولى وستأتي خطوات أخرى قاسية الوقع .

ـ مثلاً ؟

ـ إلغاء الردهة .

ـ مستحيل !

ـ ليس في الأفق مستحيل وقد فضحت الرسائل سرّكم الذي لم يعد سرّاً .

عندئذ سأل المحضار فزعاً :

ـ هل جاءت الرسائل ؟

ـ نعم ، وتحققت نبوءتك .

ـ متى وصلت ؟

ـ هذا اليوم .

ـ إذن صدقت أخبار الزورق والصخرة وصدق الشهود .

ـ لست متأكداً ولكن البحر سيدلي بدلوه في اللحظة الحرجة .

قنط فضل وأطرق رأسه حيث لم يشأ النطق بما كان خفياً وأبت مروءته أنْ يُذكِّر مصطفى بصرخته : إنَّ الصخرة غادرت موضعها .

لم يرد العودة لطرق أبواب الغيبوبة حيث ترك حراس اللاوعي أماكنهم ، وحالت شيم الرجال دون السؤال . هدر الغيظ .. سؤالاً كان : بماذا تنبأتَ أيها الغريب ؟ أبموت الردهة ، بانشقاق السماء ، أم بانفلاق البحر ؟ إذن اقرأ في سطور أكفنا الهرمة حزناً أبدياً . مضى في صمته مشواراً طويلاً وفي زعله دهراً . اعترضه نداء المحضار : أزف وقت الرحيل يا فضل .

* * *

خرج البحر عن كياسته وانزلق في ترنيمة مدٍّ ماجنة : ” هنا شُيدت معابد العشاق ” . ترنّم البحر وباشر المساء صلاة الوجد على جسدين لم يُبطل خفقانهما اللقاء . لم تختلس من رفرفتهما السكينة دفئاً ، ولا من تغريدهما   صيحة . سكبت سلوى في جوف الليل أنيناً :

ـ اترع إنائي قبل أن أقيم معابد التوبة ، فهذا الساحل سيد الغواية .

ـ التحفيني يا سلوى ولا تجفلي من حَدَقِ النجوم فهي راعية .

عبق الطيب بموج الصدر وتبعثرت حبيبات الفُلّ . جُنّ الرمل !

ـ خذني يا مصطفى فلم تَعُدْ أمامنا بقية .

 

* * *

اتركوا هذه الكائنات بموتها تبتهج . اتركوها تخلد آمنة فهي لم تدرك قيامتها بنفسها . دعوها تتفسخ بيننا ولتزكم أنوفنا روائحها الغريبة .

قالت عاتكة بمرارة وانسحب الآخرون في ذهول تام ، تاركين عدداً هائلاً من جثث الأحياء المائية المختلفة التي لم يرَ أيٌّ منهم مثلها من قبل .

وأضافت بنبرة حزينة : إنها تتوسطنا طمعاً في رحمتنا حينما لم نعد نتجاسر عليها أو نُمثِّل بها . اتركوها فليست آثمة على كل حال ، لكن يداً شريرة ألقت بها إلينا في محاولة لاختبار النفوس . أجل ، نفوسنا الطيبة التي أبت أن تكون نصال الموت من وحينا . فليبارك الربّ موتها وليساعدنا على تطهير أرواحنا من رجس لم نرتكبه وليجعل دواخلنا تشعّ نقاء .

وبعد أن أتت عاتكة على خاتمة الكلام خرج محمد صائل من ذهوله :

ـ لكنها جيفٌ بحريّة ووجودها هنا يسمم وجودنا .

ـ ليست هي كذلك . لعلها بحرية المنشأ ولكن بحارنا لم تعرفها من قبل ولم نتعرف عليها .

ـ إذن لابد من إخراجها .

ـ إلى أين ؟

ـ إلى الساحة .

ـ هنا مكانها الطبيعي ، في الردهة .

ـ عندما حولوا المختبر إلى مجرد ردهة لا يعني أن نغور بين الجثث .

ـ بالتأكيد هذا هو المقصود .

ـ هذا تفسير خاطئ .

ـ أبداً هذا هو التفسير المنطقي .

ـ ألم يكن جنوناً ؟

ـ سمِّ ما شئت وتذكّر أنّ المستهدف ليس المختبر بل وجودنا .

ـ لا أصدق أن تكون هذه الجيف بديلاً عنّا .

ـ برغبتنا أو بدونها ستزدحم بها الردهة .

ـ مَن ذا الذي جلبها ؟

ـ لا أدري .

ـ هل المحضار على علم بوجودها ؟

ـ لا أدري .

ـ ماذا سنفعل بها ؟

ـ سنبقي عليها ونسوّي من زيتها سراجاً يضئ ظلمتنا التي ستعمّ ذات يوم . كائنات بريئة ألفنا سواها ونفرنا منها . لماذا ؟ أيّ تبدّل طرأ على حياتنا ؟

ـ ولكنها تتوسطنا ببشاعتها .

ـ سوف نعتاد عليها ونتعايش معها ولا نقبل أن تهزمنا .

تأخر المحضار ونضبت أسئلة محمد صائل الحائرة فانزوى في ركنه لاهثاً ، بينما انسلخت عاتكة من حضورها وغابت في شعاب فردوسها . ذلك الفردوس المؤسس في المخيلة : بغاباته وأنهاره ، بأفيائه وشموسه ، بشواطئه ورماله ، بكرمته وخمرته ، بخمائله ورياضه . فردوس الربّ المثلوم من فراديسه لعاتكة وحدها دون سواها ، يسبح في محجريها ويغويها لمراقصة الدنيا عارية على إيقاع دافئ ساحر ، وكلما أطلت عليه من هضابها وجدته منتظراً حيث لا لعنة سماوية ولا ردهة ولا كائنات مشوّهة ولا كوابيس ولا أسرار مُهلكة ولا طلاسم . ذلك حلمها الأخاذ ، العالق في الذهن والذي لا يقبل بغير الحبّ حدوداً . ولجته بكل زهوها الأنثوي وطافت في أرجائه . استنشقت من عبيره . ارتشفت من خمرته . أكلت من ثماره وطربت لحسن أداء مُغنيه .. ثم أخذها همس فحولة في سكرة آسرة . سكرة ألقت بها إلى محراب جسد مشبوب لا يعرف سبيلاً لمهادنة الأرواح الشبقة . توغلت بعيداً في وعورة السكرة وأدركت سطوة الشهوة الباذخة . اشتدّ الهمس . عظم الأنين . رقصت ملائكة فردوسها لزلزال الجسد فترنحت في لحظة السكون على فراش من زهر التفاح ، احتضن غيبوبتها التي لم تخرج منها إلاّ على صوت المحضار في باب الردهة وكان فزعاً :

ـ أرادوها ردهة ورضخنا للأمر ولكن ما هذه الكائنات المنفرة ، المقززة . مَن ذا الذي جلبها ؟

أجاب محمد صائل في حيرة :

ـ كما ترى وجدناها قبلنا وناقشنا أمرها بعد أن فزعنا كما فزعتَ وذهلنا كما ذهلتَ .

ـ ولم تفكروا بإخراجها . لماذا ؟

ـ فكرنا بإخراجها إلى الساحة ولكن لعاتكة رأياً آخر .

ـ ما هو ؟

ـ قالت إننا سنسوي من زيتها سراجاً يضئ ظلمتنا التي ستعمّ ذات يوم .

ـ هذا هراء . فأنا لم أجد ما هو أشد ظلمة من ظلمتنا التي سادت منذ قرار تجميد عمل المختبر .

لم ترد عاتكة . لم تفسد نشوتها ما دامت على يقين من صدق رؤاها ، وهي على يقين من أنّ المحضار سيرتكب خطأً فادحاً إذا ما قام بإخراج الكائنات من الردهة .

تدخلت بلقيس على طريقتها الاستفزازية موجهة الحديث للمحضار :

ـ لم أرَ متشائماً مثلك يا محضار .

ـ اسكتي يا بلقيس فأنتِ لا تفرقين بين النور والظلمة . بين الظاهر والمستور ، ولا فرق لديك بين الردهة والمختبر .

ـ أتهينني يا محضار ؟

ـ لم أقصد إهانتك بقدر ما أوضح لك حقيقتك . أنتِ تخلطين الأشياء بصورة غريبة .

ثم طلب منهم مساعدته في اخراج الجثث دون أن يترك لبلقيس مجالاً للردّ .

انتبذ مصطفى ناحية بعيدة عن الحضور بعد أن أُخلي المكان من الكائنات المائية وراح يبحث عن حلّ لهذا النفق الذي ولجه مُرغماً . فلم يترك مسلكاً واحداً دون أن يتفحصه بعناية بالغة في محاولة للهرب من هذا الجو المعتم وفي محاولة للانفكاك من هذا الجسم المريض ، حتى تعثر تفكيره بحواجز اليأس وانكسرت شوكة اختراقه فتهالك واهناً . عندئذ فرّت طيور النور من واحة صيده وتشوشت رؤاه . هتفت دواخله : ستخوض غمار المحنة إذن . ستخوضها بصدر مكشوف ورأس مرفوعة دون أن تدع للتكهن مكاناً ، فأنتَ محاصر بالريبة بعد حادثة الزورق والصخرة ، حتى وأن لم يفصح الرجل الطيب فضل صالح عن طويته فأنه سوف لن يصدق أنّ ما جرى في خليج الفيل كان محض إرادة قدرية لا شأن لك بها . اصمد يا مصطفى وإن كنت مجبراً على البقاء ، فوجودك يبدد الظنون ، يُظهر نقاءك ويثبت براءتك وربما كنتَ ذا فائدة . لا تخسر تجربة مشحونة بالغرائبية قد لا تتكرر . فهذه الأرض لا تحبل إلاّ مرة واحدة .. لا تلد إلاّ مرة واحدة .. لا تجهض إلاّ مرة واحدة ، وعليك أن تشهد جميع الأحوال . هذه عدن عصية على الفهم رغم وضوحها . إنها بلقيس في أهوائها أو بلقيس هي . حينئذ تنبه لأنوثة بلقيس :

آه يا بلقيس . أيتها الظبية الجبلية المناكفة ما أشهى الظفر بما تحت أليتك ! . ما أشهى اللآلئ المتراقصة في عينيك السوداوين الواسعتين كليل عدن ! . ما ألذّ الشهد المحبوس في جوف الثغر ! أتمعنين في صمتك ؟. تتغنجين في زعلك ؟ لك الحق فالمحضار لم يحسن التعامل معك . المحضار حيوان مفترس بلا قلب. إنه لم يكتشف عظَمةَ الصَدَفَة الغائصة في موضع مسحور . ربما اكتشف غيرها أما هذه المتوحشة بالذات لا أظنه يعرفها هذا الغبي فهي لا تنادي إلاّ الكرام . لا تنكشف إلاّ للبحّارة الأشداء الذين يركبون اللُجّة ولا ترتعد فرائصهم. تلك هي كامنة في عمق سحيق من جسد بلقيس التي قالت عنها عاتكة إنها سهلة القياد . لا أظن أنها كذلك رغم كل الأغراء الذي تظهره أحياناً والغزل الخفي الذي تمارسه . لكنني أجزم على أنها لم تلبط ، بين يديّ عفريت شبق ، اللبطة الأخيرة بعد .

اعترض خلوته صوت نجيب المحضار الذي جاء هادئاً :

ـ إلى أين غادرتنا بصمتك يا مصطفى ؟

ـ غادرتكم ولم أغادركم .

ـ ما رأيك بردهة فاسدة ؟

ـ لم تكن فاسدة بل أُفسدت .

ـ أبالكائنات التي سدت وجوهنا ؟

ـ ليس للكائنات ذنب بل ذنب الذي أمر بقتلها وإدخالها هنا .

ـ أقسم إنّ يداً ملوثة وراء ما حصل وإنّ نفْساً حاقدة ، مريضة أوعزت بكل هذا .

ـ توقعوا ما هو أفظع من قصة المخلوقات البريئة .

ـ نعم ، هذا صحيح ، نتوقع ما هو أسوأ . لقد صعقتني غرابتها ، فبحارنا لم تعرف مثلها ولم تدخل مياهنا يوماً ولم نسمع عنها أو نعرف أسماءها .

ـ سيجتاحكم ما هو أغرب منها .

ـ ربما ، ولكن على جثة آخر الرجال . لقد ألفنا جميع الأحياء البحرية حتى الشريرة منها كانت قد رُوّضت على أيدينا وأدخلناها المختبر ذليلة ، غير أن هذه الكائنات المخيفة كانت محظوظة لسببين : لموتها أولاً ولتجميد عمل المختبر ثانياً .

ـ على أيّ حال لم يكن الأمر سهلاً .

ـ بالتأكيد . إننا نواجه مصيراً أسود .

سكت الاثنان هنيهة ، بعدها دخل المحضار في حديث جانبيّ مع عاتكة التي كانت بجواره . ربما كان الحديث نوعاً من عتب أو شيئاً من هذا القبيل . أما الشخصية الوحيدة التي لم تدلِ بدلوها وبقيت صامته طيلة كل ذلك الوقت الساخن ، العنيف ، هي سلوى ياسين التي احتفظت بوجه شاحب ، حزين وعينين منكسرتين وكأنها حلمت بنهاية المسافة وانطفاء الوقت فخشيت البوح بما جاش في صدرها أو أسكتها الذعر .

لم يلحظ الآخرون هذا الغياب في غمرة انشغالهم ، حتى مصطفى مكث بعيداً عنها ، معتكفاً في ناحيته ، متمترساً خلف شهوته ـ المؤججة بمحاكاة طيف محّارة غاطسة في جوف مظلم ـ التي أذكى نارها صدر بلقيس النافر ، شبه الخليع ، ولم ينتبه إلى نداء عينيها وهما تختلسان النظر بين الفينة والأخرى ولا لعمق الحزن الذي رشق وجنتيها بماء الذبول . لم ينتبه إلاّ بعد أن ساد سكون . عندئذ ظلّ حائراً : أيكلمها أم تترجم روحه ما تنطق به العيون ؟ ما أتعسني يا سلوى ! . لام نفسه وأضاف : أيّ الأصباح أخذتني في أروقتها ونسيتك ؟ أية زحمة أخرتني عن ندائك ؟ وأية سكة أوهمتني في الوصول   إليك ؟ ما أبشع أن يُحاصر المرء وتحيطه الظنون ! .. ما أرخص النفْس حينما تصبح رهينة ! . أجل يا سلوى أبعدتني الزحمة والكائنات وأشباح الريبة . أبعدتني الأصباح والسكة المَضِلّة . ما بك ؟ ألمٌ ألَمَّ بك ؟ خوف اعتراك ؟ ساعة موت دنت ؟ جياد السماء صهلت ؟ ما بك يا واحة الطيب الحالمة بالخلود ؟ روحي فداك إذا ما حرث صياح الديك وجه الفجر وروحي بين يديك إذا ما جنّ الماء واصطخب ، اجعليها معبراً إلى مبتغاك فهي لائبة تبحث عن قرار وأنتِ القرار إن شئت . أساهمة أنتِ أم شقّت أنهار النزيف طريقاً في صدرك ؟ تعالي واقتلعي قلبي من سجنه واجعليه ينبض على راحتيك كعصفور انقطع به المدى وهوى من عطش . تعالي يا قبلة عشقي وامنحيني نشقة واحدة من نحرك تعيد ترتيب الكون في داخلي .. نشقة همجية تبدد كوابيس ليلي وتمزق أستار   نهاري . تعالي فقد خلعتني الأطياف عن عرشي ونسفت ذكرى .

ما زالت سلوى تنادم حزناً شفيفاً . مازالت تسامر ديدان كهوف المصائب .

مازالت شاحبة حادّة الصمت . مازالت غائرة العينين . مازالت غائبة .

صاح مصطفى بأعلى صوته :

ـ ما بك يا سلوى ؟

وسلوى لم تجب . سلوى لم تسمع النداء . فيما تنبه الآخرون لصرخة مصطفى وتحلّقوا حولها . سألتها عاتكة :

ـ ما بك يا سلوى ؟

لم تجب

ـ أمتوعكة يا سلوى ؟

أجابت بصوت واهن :

ـ لا شيء .. لا شيء .

ـ لا شيء ! كيف وأنتِ شاحبة الوجه ، جامدة ؟

ـ اتركيني ، لستُ متوعكة .

تركتها عاتكة وانفضّ الجمع من حولها على أمل استجابتها ، لكنها نهضت بتؤدة وخرجت دون وداع فخاب الرجاء . حينئذ علّق محمد صائل على إثر خروجها :

ـ صُدمت بما رأت سلوى .

لم يعقب أحد على تعليق محمد صائل بينما تردد صدى وحشة في أرجاء الردهة ممتزجاً بدعوة المحضار لمصطفى الذي كان أكثرهم دهشة . فذهب صوت المحضار بين تجاويف الصدى . آنذاك كرر الدعوة :

ـ سنذهب لزيارة فضل سوية .

 

* * *

منذ أن التقى به للمرة الأولى وحتى ما قبل هذه اللحظة لم يعرفه على هذه الدرجة من الإكتئاب . كان فضل صالح في حال يرثى لها : مهلهل الثياب ، نابت الذقن ، منكسر النظرة ، خافت الصوت ، بطيء الحركة . فبدا للوهلة الأولى متوعكاً لولا تماسكه . بادرهما بأسئلته :

ـ ما أخبار الردهة ؟

ـ أية ردهة تسأل عن أخبارها ؟ أجاب نجيب المحضار

ـ أتريد أن تقول إنها تحولت إلى ساحة نفايات ؟!

ردّ المحضار مستغرباً :

ـ أوضح أكثر بربك .

ـ ماذا فعلتم بالكائنات الغريبة ؟

ـ وما أدراك ؟

ـ لقد رأيتهم بنفسي ينقلونها إلى القسم . كنت مارّاً مروراً عابراً عند المساء وحينما رأيتهم ظللت أرقبهم عن كثب .

ـ مَن هم ؟

ـ رئيس الدائرة وخازوق الزهد وبضعة رجال .

ـ رئيس الدائرة ! ، خازوق الزهد ! ، بضعة رجال ! .

ظلّ يردد نجيب الكلام بينه وبين نفسه بصوت مسموع ، ثم تساءل :

ـ وما علاقة رئيس دائرتنا بخازوق الزهد ؟

ـ لا أعلم .

ـ عجيب !

ثم التفت صوب مصطفى وسأله :

ـ أسمعت ؟ ماذا تفسر هذا ؟

ـ نعم سمعت ولكنني لا أملك تفسيراً واضحاً .

ـ لكن رئيس الدائرة منّا يا فضل .

ـ ضعفت علاقته بنا بعد الحرب الأهلية .

ـ ومع هذا لا أظنه يرتكب حماقة كهذه .

ـ ما المانع إذا ما تحالف مع أعدائنا ؟

ـ ليس مهماً أن يتحالف أم لا . لكن الذي يهمني هو الكائنات . هذه المخلوقات العجيبة من أين جلبوها ؟

ـ كان رجال اسطولكم يصطادونها أحياناً ، فهي نادرة الوجود ، ويعيدونها للبحر بدعوى عدم فائدتها .

ـ بأمر مَنْ يعيدونها ؟

ـ بأمر رئيس الدائرة الذي كان يحول دون وصولها للمختبر .

ـ إذاً كان يعتّم على وجودها ويضلنا .

ـ للأسف هكذا اكتشفنا مؤخراً .

ـ وللأسف بعد فوات الأوان كما يقول محمد صائل دائماً .

ـ أجل يا نجيب ، بعد فوات الأوان .

ثم استدار نحو مصطفى :

ـ وأنتَ ما هو جديدك .

ـ جديدي من جديدكم .

ـ ألم تفكر بالنزوح بعد أن خلعتك الأطياف عن عرشك ؟

ـ لن أشق طريقي إلاّ عبر الزحام .

ـ والرسائل أما خلعت عليك حلّة أسرارها ؟

ـ ولم يجف حبرها بعد .

سكت فضل هنيهة ثم نطق مطرقاً رأسه :

ـ أنتَ أدرى بحالك منّا .

أضاف المحضار مازحاً :

ـ وبحالنا منّا .

احتج فضل :

ـ توّاً بدأ الدخول في صلاتنا . كنتُ أريده أن يبقى في منأى من مصائبنا .

ـ هل يعقل هذا ؟

تساءل مصطفى وأضاف :

ـ أن أعيشكم بلا مصائبكم سأكون جاحداً بكرمكم .

ـ نحن لم نقدم لك شيئاً نستحق عليه الثناء .

ـ الألفة ، الإحساس بالوجود ، المحبة . هذه مفاهيم لا تقدر بثمن .

هزّ فضل رأسه راضياً وقبل أن يجيب نهض المحضار مستأذناً ، ثم تبعه مصطفى مودعاً .

* * *

عدن قيامة هادئة لم يحن فتح فوّهة نارها . ضجيج عرس غرابي يطوف سماءها وينتقل النعيق من شجرة إلى أخرى . جبل يهرش هامته بملل ، ثم يمسح جبهته من عرق كان قد تفصّد عليها منذ انطفاء الحريق في سفينة انتحرت بعد العودة . نساء نضرات يكممن أفواه صدورهن خوفاً من     الزعيق . استرخاء مجّاني في عجيزة هائلة ، يحرِّك شهوة مجنون وينقضّ عليها وسط الطريق . أبخرة تصعد من قلب ميناء التواهي إلى سماء تلهث بزرقة مجسّمة فتغير لونها . موجة تشد وسطها بشريط ملون وترقص على إيقاع هادئ عذب ، رقصة المرافئ ، بين حشد من السكارى في متنزه  التواهي . البحر يرسل خنجراً لطعن تهور الموجة فيذود الحشد عن رعشتها الأخيرة . هياكل عظمية تخرج بأكفانها تصلّي صلاة الجنازة على ضريح الجندي المجهول والجندي ، الذي لم يعد مجهولاً ، يمد لسانه من خلل لهيب الشعلة . أجنبيات ينزعن جلودهن تحت وهج الشمس فيبدَوَن شفافات كحور العين . إله يستظلّ بشجرة تُروى من نبع ملائكي . مصطفى يقئ وجبة خذلانه على اسفلت الطريق .

* * *

ـ كنتِ متعبة وخرجتِ دون وداع .

ـ صدمتني الرؤية .

ـ لماذا جئت إذن ؟

ـ لكي لا أتركك أسير الشك والحيرة .

ـ أجل كنتُ حائراً .

ـ لو لم توافقوا المحضار على إخراج الكائنات .

ـ إذن كنتِ تشاطرين عاتكة الرأي ؟

ـ نعم .

ـ حتى لو عرفتِ أنّ رئيس الدائرة وخازوق الزهد وراء العملية .

ـ هذا أفضل فسوف تتلبسهما التهمة .

ـ والآن ؟

ـ سقطت حجتكم . سينكرون .

ـ آه ، صحيح . اتركينا من هذا ، كيف تشعرين الآن ؟

ـ أفضل .

ـ لكن وجهك مازال شاحباً .

ـ لقد رأيتُ موتي .

ضحكت سلوى :

ـ لستُ خائفة ، أنما صمتك حينها أخافني أكثر . بماذا كنتَ تفكّر ؟

ـ بلا شيء .

ارتمت على صدره

ـ لا تكذب . ألم تفكر ببلقيس ؟

استغرب .. ما أدراها ! . بعد هنيهة أجاب :

ـ بلقيس شهية حقّاً . لقد فكرت بجسدها اللدن ككل الرجال . إنها مثيرة هذه المهرة الجامحة ، والتفكير بوصالها ضرب من خبل .

ـ لماذا ؟

ـ لا يُركن إليها .

ـ وعاتكة ألم تفكر بها ؟

ـ إنني احترم عاتكة لطيبتها ، لذكائها ، لمواقفها الشجاعة واعتبرها أختاً بلا أدنى شك ، فما ضرورة هذه الأسئلة ؟

ـ ثمة غيرة تنهش صدري .

ـ مِمَنْ ؟

ـ من بلقيس بشكل خاص .

ـ لم يصدر منّي ما يبرر غيرتك .

استقامت سلوى في جلستها :

ـ ألم تقل شهية ومثيرة . أعترف أنها كذلك .. لكن أنا …

ـ ما بك أنتِ ؟

ـ ألم أكن كذلك ؟

ضحك مصطفى ضحكة مجلجلة ثم قال بنبرة صافية :

ـ أنتِ المشتهى .

ـ أتجاملني ؟

ـ لستُ منافقاً .

تفرست وجه مصطفى في محاولة لاحتواء صدق مشاعره ، بيد أنه شعر بالإهانة فأشاح وجهه بعيداً عنها . عندئذ أدركت غلطتها . قالت :

ـ سامحني كنتُ مازحة .

ـ أية مزحة تكون مقبولة إذا لم تمس المشاعر .

ـ آسفة ، لن أكرر مثلها .

يدٌ تمتد عند طَفَاف الشمس لتداعب حرير شعاعها فتعود بكنز من قُبل . أفواه تفرّ من أسرها وتحترب حتى إدماء الشفاه . صدور عارية تصطلي بماء كبريتي . وجد لا يطفئ جذوته الأنين . زفرات تتراشق برحيق النرجس . أعمدة رخامية تتمايل ، تلتف وتنكسر بوجه اندفاع الريح . عرق يمضي نحو بحيرات مجهولة . صهيل يجتاح المناطق الوسطى من وديان النماء ، وتفزّ حلمتان على صوت وقع الحوافر فتهتفان مذعورتين : استيقظي يا طيور الجحيم والتهمي هذه الأعضاء المباركة . نقيق مؤنس يتصدر فجور غابة قصية ، ضاحكة . صراخ إنساني يهزّ الجدران ويبتزّ سكون الأشياء . سلوى ترتمي على أرض الغرفة عارية ولم يبق منها غير شهقات متقطعة . مصطفى إلى جوارها يمسك عشَّ الكون . بعد حين تتمتم :

ـ عليَّ ألاّ أرحل . أيحق لي البقاء ؟

ـ لم يحن وقت الإقامة .

ـ ما أسعد عاتكة !

ـ ما علاقة عاتكة بوجودك ؟

ـ ستقيم في كنف محمد صائل .

ـ لم أسمع . متى ؟

ـ قريباً .

نصب الفيل على جبهة الماء فسطاط عزائه وباشر نواحاً . لقد رحل المنشدون وتوقف اللحن . حزن الموج وانكسرت زرقة . فرّت أجساد من حضن الرمل وسادت وحشة . ستبقى وحيداً أيها الفيل . هتف المؤذن . عوّل الفيل . دهراً أمضى في عزلته ، شاكياً ، باكياً . بعدئذ انقطع عن صَلاته ليكتب في الأصباح ملحمة خلوده وعند المساء ينزل البحر يتعقب أثر صخرة تمردت على سلطانه ومرغت هيبته بعار الهزيمة ، لكنه ظلّ شامخاً رغم الجراح . خاطبه فضل : لا تيأس أيها الفيل ، سيحطّ المنشدون رحالهم ثانية وستعزف ألحانهم . ستعود صخرة بعد أن تشبع غريزة الأنثى فيها . ستزدحم ، بالأجساد المباركة ، أحضان الرمل . أيها الفيل ستكتمل ملحمة خلودك حينما تُكتب على أديم الحجر وسينشدها العدنيون .

 

* * *

 

تشبث العدنيون بمدينتهم أكثر من أيِّ وقت مضى وكأنهم استشعروا نداء خفياً أتاهم من أعماقها ، وربما سمعوا صراخ استغاثة فتَّ أفئدتهم فحملوها في حدقات عيونهم . فصارت عدن في نظرهم ، غجرية فاتنة مُلاحقة من قبل جُند آلهة شريرة . صارت أضخم ماسة ضيعتها الأرض خلال دورة هائلة من دورانها . المدينة النبيلة . حانة البحّار المفتوحة على أسفاره في كلِّ الفصول والتي لا يعرف تهويمة إلاّ متى عبّ من كأسها ونهل من نبعها . صارت عدن الغانية المبجلة في الأساطير والراقصة في الجنان ، ورشفة الرحّال إذا ما هدّه الترحال . وكانت عدن الأم الرؤوم التي اغترفوا من ضرعها سواسية . المدينة التي فتحت ذراعيها للضائعين والمنفيين والقادمين من أقصى بقاع الدنيا . تعلّق العدنيون بمدينتهم ونعتوها أجمل النعوت . أسبغوا عليها أجمل الصفات ، أرفعها وأرقها : فهي المعظمة وهي الملكة السعيدة وهي صبية الصبايا وهي النبتة الساحرة التي يقف الإنسان منبهراً إزاء حسنها ، والتي تجتمع على كلمتها ملوك الجان . الزاهية بجبالها وخلجانها وصهاريجها وقلاعها ، وهي جميلة الجميلات وسيدة السيدات في نظر أبنائها الذين شحذوا نصال سيوفهم وبروا نبالهم للدفاع عن كرامتها والوقوف بوجه الهوى السماوي إذا ما تجاوز حدّه وإذا ما فكّر وكلاؤه في الأرض أن يجعلوها منتجعاً شتوياً لرذائلهم وواحة لخستهم وانحطاطهم ودناءة شهواتهم ، ومرتعاً لبذاءات جندهم ، بعد إبادة   أهلها . فقرر العدنيون الاستماتة أمام جحافل الكراهية ، حتى آخر رجل لديه القدرة على المقاومة ، ومن بعدهم فليُنَكِّل مَن أراد بمدينتهم التنكيل ، إلى أن تشتد سواعد الرُّضّع .

 

* * *

تأخرت بلقيس على غير عادتها وانقضّ شهاب القلق على هامة المحضار فظلّ حائراً ، مضطرباً ، باحثاً عن سبيل لاصطياد خيط البداية الموصل إلى مفتتح مناسب للحديث . توتر المحضار . خرج من الردهة عدّة مرات وعاد دون أية مهمة تذكر . توقف مهموماً . قال في نفسه : لعلها كانت على دراية في الموضوع ، ثم استبعد ذلك . أدرك الحاضرون حيرة المحضار فتسابقوا في طرح أسئلتهم . كانت سلوى هي البادئة .

ـ ما الذي يشغل بال المحضار ؟

ـ لا شيء .. لا شيء .

ـ ليس معقولاً . لقد انعقدت حيرة في تصرفك .

ـ أبداً .. أبداً . لستُ حائراً .

ـ إذن اجلس بيننا إنْ لم تكن كذلك .

ـ أنا بينكم ، لكن لا أستطيع الجلوس .

ـ غريب ! ماذا تخفي عنّا يا رجل ؟

ـ ستعرفون في الحال .

ـ ما الذي تتوجب علينا معرفته ؟

ـ أجل ، أجل ، ستعرفون . إنها نزوة القدر .

ـ أية نزوة وأي قدر ؟ تكلم ما بك ؟

في غمرة الدهشة . من خلل ركام الأسئلة ، دخلت بلقيس عبقة . جبنة هائلة منحوتة على هيئة إنسان . كائن مدلل الخطوات . استقرت بعجيزة رجراجة على مقعدها . نفد صبر المحضار . توسط الردهة . تماسك قليلاً ثم تهدّج صوته : الأشياء من حولنا تطلق زفراتها الأخيرة . البحر ما عاد يرفدنا بصيده والوشائج التي ربطتنا به كانت قد تقطعت إبّان انهيار صرحنا ، أقصد حينما دفنّا المختبر حيّاً . الردهة هي الأخرى تحتضر . فقدنا أشياء كثيرة . أسطولنا البحري لم يبق منه سوى زورقين أحدهما معطوب بعد أن تعرض لكوارث متلاحقة . الشيء الوحيد الذي لم نفقد منه كثيراً هو انسجامنا وإنْ خلخلته بعض الهزّات واعتلته بعض الشوائب . لستُ حزيناً ولستُ سعيداً في ذات الوقت . لقد فقدت الأشياء بريقها مثلما فقدت المفردات تألقها ، وسأكون مضطراً أمام هذه الصورة المُضَبَبة أنْ أنقلَ لكم خبراً لا أعلم كيف سيكون وقعه على نفوسكم . لقد استلمتُ هذا الصباح قراراً يقضي بنقل بلقيس إلى صنعاء للقيام بمهمة نجهلها .

سكت المحضار هنيهة . اتسعت أحداق الصحب . ثم أضاف مكملاً حديثه : سنودع بلقيس على مضض ، ونبتهج لزواج عاتكة من محمد صائل . سنفرح بعد رشقة الحزن التي أدمت قلوبنا على أثر تجميد المختبر . إنها ثنائية عجيبة هذه التي بين جنباتنا .. أقصد ثنائية الحزن والفرح .

قاطعته بلقيس بغطرسة وجفوة :

ـ هذا حزن مصطنع ولوك جُمل لا معنى له . أنا سعيدة بنقلي إلى صنعاء ولا أقبل تأبيني على هذه الصورة . أنا مبتهجة وسأحتفل على طريقتي . لقد عرفت بقرار نقلي قبل مدّة من الآن .

فوجئ الآخرون لهذه المقاطعة الوقحة التي لا تنسجم ومشاعر المحضار الفيّاضة بالألم والتي لا تناسب رهبة استماع الصحب لحديثه المفعم بالودِّ . فقرر كلّ منهم في نفسه أنْ لا يمنحها كلمة ثناء واحدة ، ولم يبادر أحد منهم في طرح أمر توديعها ، فقالت سلوى نكاية ببلقيس :

ـ سنجعل عرس عاتكة ومحمد صائل مثلاً يلهج به القاصي والداني . إنها الليلة التي انتظرها بفارغ الصبر لكي أزف فيها عاتكة على يديّ . سأرقص يا أخوتي في ليلة عرسكما رقصاً جنونياً وسأشرك معي نصف بنات عدن .

أجابت عاتكة بودٍّ :

ـ أنا واثقة من شهامتك يا عزيزتي وواثقة من نواياك الطيبة . أنتِ الخير في زمن قلّ فيه الأخيار . أنتِ الضمير الحي في غابة بلا ضمير .

التهبت بلقيس . لسعتها جمرة غيظ في موضع حساس فهيجتها . لم تفتها المناولة الكلامية الذكية ما بين عاتكة وسلوى . اشتعلت . تطاير الشرر من كل خلاياها . قررت التشفي منهما في الحال على أن تبدأ بالحلقة الأضعف التي هي سلوى في كلّ الأحوال . قررت الانتقام منها . أن تمسّها في الصميم وبصورة غير مباشرة . نهضت متثاقلة . دنت من مصطفى وصبت في أذنيه كلاماً مسموعاً ، واضحاً ، غير محمود :

ـ إنْ أردتني فقبِّل قدميّ وإلاّ متّ وحسرة في قلبك على جسدي الذي لم يخلق لأمثالك .

ثم أتت فعلاً إباحياً مقصوداً . رفعت طرف تنورتها إلى أعلى الفخذ وضربت لحمها بباطن كفّها وصرخت :

ـ أُنظر إلى ما حلمت به دهراً . إنه أشهى من كلّ طعام الدنيا وأثمن من كلّ كنوزها ، فأنْ أبيت الركوع ، ندمت ومتّ خائباً .

لم يجب مصطفى . صعقته المفاجأة ولم يحمل ردّاً جاهزاً على هجوم غير متوقع الحدوث . صُعقت الردهة هي الأخرى واهتاجت . جحظت عينا المحضار . نزل من تلّ كياسته وخرج عن مسار هدوئه :

ـ لقد تحملناك كثيراً يا عاهرة وإذا كان لا بدّ من شرّك فنحن أولى به من مصطفى .

ـ أنتم تقبلون الأرض تحت قدميّ مقابل مضاجعة واحدة معي .

عندئذ فلتت أعصاب المحضار تماماً فاستقام صائحاً :

ـ أنتِ فضلة تالفة ، فاسدة . اخرجي .. اخرجي ، فلا بورك خطوك ولا طلع يومك .

خرجت بلقيس دون أن تدرك مرادها في النيل من عاتكة التي كانت مطلوبة أكثر من سواها . فوّت عليها المحضار فرصة التشفّي من غريمتها القديمة وخصمها العنيد . خرجت بلقيس ومازال المحضار مرتعشاً . وضع رأسه بين يديه وساد سكون .

وقت سجدَ للندامة . كؤوس مترعة بالمرارة احتلت ساحة الصمت . رفيف بطلاء أسود لوّث جدران الردهة بدم المعاشرة . أفكار شاردة تعثرت بخوفها . لم يبق من زمن السكون سوى غلالة شفيفة مزقها أنين عاتكة :

ـ لا تحزن يا محضار أنتَ رئة نقية تأبى أن تتنفس سموم فاجرة .

ـ أجبرتني على اقتحام وكرها .

ـ تمادت عن قصد ودراية .

ـ ونالت من براءة مصطفى .

ـ ثم ذهبت بعارها .

ـ لن تذهب بعيداً . ستحوم حولنا .

ـ وستنتقم .

ـ سنقف بوجهها .

ـ لن نقوى على المجابهة .

ـ إيماننا أقوى من مروقها .

ـ ستآخي السماء وتستعديها علينا * .

سكت المحضار .

أية حيلة سيحتال بها على لحظات جائرة ؟ لحظات فصلت رأس خاتمة المطاف عن بدايته وجعلت المحضار في متاهة المسافة المهولة . لحظات دقّت أجراس القطيعة من أعلى أبراجها ، معلنة حرباً ضروساً على كل المفاهيم التي سادت . انفجر العناد في صدر المحضار فتدفق هادراً : لن أترك السُّكّان ولو فُني جسدي ، فهذا الخِبُّ لن يفلَّ من شدّة شكيمتي . لن يحلَّ من قبضتي ، ولن يكثف ديجور ليلتي . وحيداً سأتبع مسير الموج وأصارع التواءها . وحيداً سأجهز على تهور الموج إذا ما اعترض ضجيجي . أيتها اللحظات اللعينة الغاربة لن ترهبني فعلتك فسوف أصل رأس خاتمة المطاف ببدايته ، وسأكون المسافة والمتاهة . أيتها اللحظات الموغلة في غيِّها لن تخيفني أجراس القطيعة

ولن أرتجف للصهيل إذا ما التهم صوتاً فأنا الجلبة التي تنتج الأصوات ، وأنا النفْس المضطربة في جوف المحنة وعلى سطحها . فلتستيقظ غيرة في صدور خالجها الألم . لتتردد على الذاكرة مشاهد الفجيعة والرحيل . ليغادر الهزل كنف الردهة . ليُبدد طيب اللا أبالية الذي تطيب به البعض . ها هي الغرابة تتجلّى للمرة الألف بأبشع صورها وأفرزت لوثة الموقف . اللوثة الملتاعة لمعانقة لحظة تحقق السرّ اليماني . فلتتحطم المراكب التي بايعتنا في غمرة الهيام ونكثت عهدها بعد امتلائها . لتركع الجبال لغيرنا وتحني قاماتها بعد أن نفخنا في شموخها . لتصلب في سماء المساومة أطيارنا المُدللة ، فهنا المفترق ومن هنا تتشعب السبل ، فمَنْ سار في سكتنا المأهولة بالموت لا إثم عليه ومَن انحرف عنها وحاد عنّا ، نجا من كلّ عذاب الضمير . أيتها اللحظات الخسيسة، هنا رهزت بلقيس على أوتادنا وهنا بالت على أحلامنا ، وهنا ناصبتنا العداء وانكشفت حيلتها . فلتبارك هذه الأرض موقفنا وليخضب ترابها بدمائنا .

سكن تدفق المحضار . التفت صوب عاتكة :

ـ أية قيمة ستبقى لوجودنا إذا ما فقدنا عدن ؟

ـ سيبدو الموت هيناً أمام هول ضياعها .

تدخل محمد صائل ومرارة في نفسه :

ـ لن يغمر البحر رؤوس الجبال .

ردّ المحضار :

ـ وإذا ما هلكنا جميعاً ؟

ـ ستحتل الأجنة في الأرحام هام الجبال وتتنفس الأمل .

ـ إذن فلندع أسرارنا في البطون .

ثم توجه بسؤاله لمصطفى الذي غاب عن الحضور .

ـ أمازلت حزيناً ؟

ـ لم أحزن لأجلي .

ـ إذن للحقيقة المرّة التي انكشفت أمامنا .

ـ أجل حزنت لها وللنهار الذي أخفى بين بريقه ليلاً مظلماً .

ـ وفِّر حزنك لمَنْ يستحقه .

ثم صاح المحضار مصطنعاً الفرح :

ـ سنفرح لعرسكما أيها الأصدقاء . أنا ومصطفى سنكون وزراءك أيها الملك .

هتفت سلوى :

ـ وأنا وزيرة الملكة .

انقشعت غمّة . تراجع ضيق وراق مزاج . سأل المحضار :

ـ متى نزفكما ؟

أجاب محمد صائل مبتسماً :

ـ ليلة الجمعة .

ـ لم يبق من الوقت سوى ثلاثة أيام .

ـ سنرتب خلالها ما ينبغي ترتيبه .

ـ خذوا إجازتكم من غد وجهزوا أنفسكم .

ـ سلمتَ يا صاحب الفضائل .

ـ شرط أنْ تنجبوا بنين وبنات .

ـ إذا كثر اللقاح واشتدت الرياح سنطرح توائمَ .

ضحك الجميع . أحمرّ وجه عاتكة . قالت :

ـ سامحك الله يا رجل لقد أخجلتنا .

ردّ محمد صائل مازحاً :

ـ أنخجل من حقٍّ طبيعي ؟

ـ ولكن ليس بهذا الاستعراض الفضائحي .

ـ بهذا أو بغيره . ما الفرق وقد خُلقنا عُراة ؟

ضجّت الردهة بضحك صاف ، نقيٍّ . تنغمت قهقهات سلوى . انقبض صدر عاتكة . قالت متوسلة :

ـ لا تفرطوا بالضحك أرجوكم .

ردّت سلوى مندهشة :

ـ لماذا ؟

ـ خائفة ، أنا خائفة .

ـ ممَن خائفة ؟

ـ لا أدري .

ـ ما الذي جرى ؟

ـ أحسّ شيئاً في صدري يذبحني .

ـ أتشعرين ألماً ؟

ـ لا ، ليس هذا ولكن شيئاً ما أقوى من الألم .

ـ لعله الخوف .

ـ لا أدري .

سأل المحضار :

ـ ما الذي يضايق عاتكة ؟

أجابت سلوى :

ـ تقول إنها تحسّ شيئاً في صدرها أقوى من الألم .

ـ سيزول ، عندما تطرد شبح اليوم تماماً .

قالت عاتكة متحسرة :

ـ سأطرده يا محضار ، وسأطرد معه كل الأشباح الأخرى .

ثم همست لنفسها مواصلة الحديث :

ـ سأطرده مثلما طُردتُ من فردوسي الجميل وتاهت أحلامي في وعورة الطريق ، حيث لم تبق كروم أو خمرة . لم يبق شاطئ أو خميلة ، وحيث هجر الغناء حناجر البلابل . سأطرده والتحف خيانتي التي طردتني لأجلها واحتي الكريمة ، عندئذ تفجرت ينابيعها غضباً بوجهي : اخرجي يا عاتكة لستِ أهلاً للوفاء . خرجتُ مرغمةً ، وكنتُ بين خياري الخطيئة : أنْ أتزوج ثانية لأرتبط بهذه الأرض التي لم أخنها يوماً ، أو أرتمي بأحضان فردوسي نادمة . تناهشتني الخيارات . دختُ ومتُّ ثم أفقت .. نسفت برجي الذي يطلّ على   جنتي .. ارتضيت قيدي وذلتي وتركتُ حريتي تسبح فيها الدُّنى البعيدة . ألم أكن خاطئة ؟ لا أدري . ولكن فاتنة الكون تستغيث في صدري وتسبب آلاماً . حمامة برّية تنوح على سطح بيتي هاض جنحها . ألم أكن مصيبة ؟ لا أدري . لكن روحي خضلة وعودي نضر . سأطرده يا محضار وسأطرد كل هذه الأشباح التي تقاتلني ، وسأنفي نفسي إلى نفسي حتى ساعة الفناء . يومئذ سألتحق بأحلامي التي فُنيت على يدي . سألتحق بها وأرمم ما فسد بيننا . أمنحها الدفء وتمنحني الحياة .

جاء صوت محمد صائل خافتاً ، منكسراً :

ـ كيف أنتِ الآن ؟

ـ لا تخف عليّ ، في أحسن حال .

انصلبت بقية الأسئلة على شفاه الآخرين . أعلن المحضار ساعة الخروج . لامست شفتا سلوى أذن مصطفى . همست : سأجيء الليلة .

 

* * *

لم يبق في نفْس مصطفى من بلقيس شيء . لم يبق غير حطام موقف امْتَهَن وجوده وشلّ تدفق روحه . لم يبق غير صراخ أسود مازال يصمّ أُذنيه . رحلت بلقيس بكامل امتلائها . بكامل تهورها وسفالتها ، ببغضائها وعنيف فجورها . رحلت بلقيس وتركت خواء يعصف بذكرى مكان سُكن بتبتل زائف . رحل معها : عطرها الفوّاح ، جمالها الأخاذ ، دلالها المكتنز شهوة ، بريقها المُدرر لماء الفحولة . زالت حسرة على جسد مشبوب ، كافر . رحلت وانفضّ الصحب عن وليمة الموت المجهزة من مُركّب سموم قاتلة .

على نحيب شارع مدرم المحتدم ، أطلقت الهجيرة آخر صيحة فكتمت أنفاسه . على واجهات السكون ، قيحاً نزفت رئات الطيور بعد أن شققها الجفاف . المعلا استسلم لخيانات إناثه وبدا سعيداً . فضل صالح أطعم الانتظار صبره وظلّ شاحب الوجه ، وأمام مسكن مصطفى كان غائباً في النحيب .    عاجله مصطفى بالسؤال :

ـ متى جئت يا شيخي الجليل ؟

ـ منذ حين . فضّلتُ الانتظار أمام مدرم وتهت في نحيبه .

ـ هل أدمنتَ النواح يا صاحبي ؟

ـ أدمنته أو أدمنني لا أدري .

ـ لماذا جئتَ متحاملاً على وهنك في أوج الهجيرة ؟ ما الذي دفعك للمجيء ؟

ـ الحيرة يا مصطفى .

ـ أية حيرة هذه ، قاتلتها الملائكة ؟

ـ الزورق والصخرة التي تردفته ، عادا للظهور ثانية فجر اليوم في خليج الفيل.

ـ لا حيرة وسط غرابة بسطت سطوتها على الأشياء منذ حين .

ـ ظهورهما المفاجئ أقلق الملأ .

ـ لقد تنبهت باكراً إلى خلِّو الفيل من صخرته وصرختُ حينها دون أن يسمعني أحد .

ـ أجل ، كنتَ سبّاقاً في الكشف عن ضياعها ، وكنتَ أول من افتقدها من بين الخلق ، وكنتُ قد سمعتك صائحاً بلوعة تفت الأكباد . يومئذ لم أُبال ، ربما كنتُ مُغفلاً ، لأنني اعتبرت هتافك ضرباً من هلوسة .

ـ لعلك ظننتَ بي سوءاً إبّان ظهورهما الأول وكأنني كنتُ سبباً وراء اختفائهما.

ـ أبداً ، لم تراودني فكرة سوداء ، حيث كنتُ منبهراً ، إزاء نباهتك ، إنبهاراً كتّفَ بوحي به .

ـ مادامت النبوءة تقترب من التحقق فسوف لن يترك الزورق ولا صخرته ماء الخليج ولن يفارقا جسد الفيل قبل الأوان .

ـ لم أفهم هذه الأُحجيّة .

ـ أقصد أننا اقتربنا من النهاية .

ـ كيف ؟

ـ رحلت بلقيس اليوم ، نُقلت إلى صنعاء .

ـ ماذا ؟!

ـ مثل ما سمعت .

طفرت عينا فضل من محجريهما . صمت صمتاً طويلاً . حاول الذهاب . استوقفه مصطفى متوسلاً :

ـ ابق معي أرجوك . لا تذهب الآن .

ـ لا ، لابدّ من الذهاب . سوف أزور المحضار في الحال .

ـ إذن لا تنسَ فرح عاتكة ومحمد صائل .

 

* * *

طلعة بهية أنعشت المساء بنفحة من عطرها . طلعة مهيبة سجدت لشموخها بواكير الليل . صدرٌ نافر اخترق صمت المعلا باندفاعه . قامة ممشوقة خرجت من حدقة الغسق وانتصبت أمام مصطفى . خمرة سكبتها العيون في كأس اللقاء. شفتان ريانتان غارقتان في شهد النداء : هذه أنا ـ همست سلوى ـ جئتك بغلالة رقيقة دافئة ، مزقها واقترب من واحة سكنها النماء وتفجرت ينابيعُ حنينها . ارتشف ، من هذين النتوئين المنتفضين في نهديّ المتوحشين ، نبيذاً ملائكياً قبل أن يتحرش امتلاؤهما بجوعي . اقترب يا مصطفى فلم تعد في الوقت بقية . اقترب فهذا اللهيب لا ينطفئ إلاّ برشقة من سائل مقدس . ومصطفى يقترب من مكنون كون نضر . يهيم في ليونته . يكتشف من سحره ما لم يكتشفه من قبل . يتوغل في غاباته .. يحطم أسوار قصوره .. يمتص رحيق أزهاره .. يشرف على ضفاف عظيم أنهاره .. يغني أسفاره .. يركب اهتياج موجه ، يرتجف ، يتهاوى ، يغرق ، تنغمر أنفاسه ، يسكب ماء صبابته في جوف محترق . يردد : هأنذا يا سلوى أطلق زفرتي الأخيرة . وسلوى غائبة في نعيم اللذّة ، وسلوى أطلقت هي الأخرى صيحة الذروة . مضت من الوقت فترة . فتحت عينيها . تمتمت :

ـ ألست سعيداً ؟

ـ نعم .

ـ قبلني إذن .

ضحك مصطفى . قبلها . سأل :

ـ ما هذا الطلب ؟

ـ لكي نبقى في عذوبة فعلتنا .

ـ ألم نسكنها ؟

ـ ربما شطّ بك الخيال .

ـ إلى أين ؟

ـ إلى دفء أجمة أخرى .

ـ مازلت مترنحاً في مكاني فكراً وجسداً .

ـ ربما فكرت بما حدث اليوم .

ـ أبداً كان حدثاً لا يستحق التفكير .

ـ وبلقيس ؟

ـ ما شأن بلقيس ؟

ـ كيف استقبلت إهانتها هذا الصباح ؟

ـ لم أكن هدفها المباشر على ما أظن .

ـ نعم ، كنت أنا المستهدفة من فعلتها .

ضحك مصطفى ثم قال :

ـ كانت فضيحة .

قالت سلوى مازحة :

ـ لبلقيس فخذان رائعتان .

ـ وما أدراك ؟

ـ رأيتهما بعينيك .

استغرقا بالضحك . أضافت :

ـ أكرمك الله بعدم رؤية عشّها القذر . قررت عاتكة أن تنتفه لها لولا المحضار الذي أبلى بلاء حسناً .

ـ مازلت حانقة عليها .

ـ نعم أهانتك بلا سبب .

ـ لكنني لستُ غاضباً وربما نسيت ما حدث .

ـ إنْ سامحتها أو نسيت فعلتها فهذا شأنك ، وربما لأنك كنت تتغزل بجسدها أو تمنيته لحظة أما أنا فلن أسامحها .

ـ أنا لم أقل سامحتها وإنما لست حاقداً عليها .

ـ أتنكر أنك كنت تتغنى بجمالها ؟

ـ لم أخفِ هذا عنك ولم أفضلها عليك لحظة واحدة .

ـ أتحبني ؟

ـ كثيراً .

ـ إذن تتزوجني .

ـ لم يحن الوقت المناسب .

ـ متى يطرق الحلم أبوابنا ؟ متى يسيجنا الأمان ؟

ـ سيحين الوقت ، لابدّ من مجيئه .

ـ لا أظن !

* * *

 

من عمق الليل هتف قلب مصطفى : أدخل يا طفل روحي لقد تركت نوافذي مشرعة للحظة تجاهلت أنيني . أعبر قارّات الكون الست وأدخل في وريدي . في تجويف نفسي . آه يا طفل الأزقة ، التي انغمرت في نزيف الذاكرة . أما هَدْهَدَ المهدَ طيرُ المسافة ؟ أما رقّ خاطر وترقرقت دمعة ؟ أين أنتَ يا طفل المتاهة ؟ أنائم أنتَ ؟ أمستيقظ ؟ لقد مدّ الليل عنقَه لسيّاف السكون ، اقتطفه وهاج حزني . أما نتأ جذر شوق الطفل التياعاً لعناق سحابة هامت في الآفاق ؟ متى يرفّ جنحك أمام نوافذ ملّت الانتظار ؟ قالوا : من خربة داهمها الظلام جاء الطفل حاملاً في صدره نبض حنين وعلى كفّه بقية من حنجرة كفّت عن الغناء . انتظرتُ وتأخرتَ . قلتُ ربما تعثّر في الطريق وسيلوي عنق المسافة . يوم .. يومان .. عشرة ، ولم تأتِ . سُحقت عظامي ولم تأتِ . أيها الطفل العابث في منفاي لقد سُلّت رئتاي !

 

* * *

 

هذه الردهة انتزعت لقب سيدة المخاض العسير حينما باحت أسرارها وكتمت سرّ موتها . تفعمت هذا الصباح بأنفاس الوحشة . هذه البئر شهدت عشقاً دامياً هو عشق الأبناء ، المخضّب بحمرة الفجيعة ، للمدن الساهرة حتى طلوع الفجر على طبول عودة الرجال من أحشاء البحر . هذه ردهة لم يبق منها غير رماد الروح . لم يبق غير أركان منصوبة على خواء . الصبح العنيد تمادى في بشاعة عناده . الصبح أبى احتضان الوجوه الأليفة : رحلت بلقيس على ظهر مهر الجفوة . أخذت صلاة العرس قلبي العروسين في خشوع وسجود . لسبب مجهول تغيبت سلوى . لأمر ما تأخر المحضار ، وفي غفلة من الزمن وجد مصطفى نفسه وحيداً . جال بنظره على جدران الردهة ، في فضائها . بدت الأشياء ميتة جميعها . انخلع قلبه . دخل رئيس الدائرة . لم يره منذ حين . سأل عن المحضار وخرج على عجالة . كان جلفاً إلى درجة كبيرة. انقبض صدر مصطفى . صاح في سرّه مخاطباً الردهة : ستصبحين طللاً أيتها السفينة الغارقة ، المثلومة البداية . مهجورة مثلي في بقعة نائية من هذا الكوكب. أيتها الدابة المعطلة الفؤاد ، المعطوبة القوائم ، حان وقت رفستك الأخيرة ، زفرتك الأخيرة . إني أرى رياح الموت زاحفة إلى أنفك ، عابثة بأحشائك . ستصبحين خراباً كقصر فتك به الغزاة ، حطاماً كروح عظيم  مهزوم . أيتها المعدة الهالكة لقد مزّق السرّ المعلن لليمانيين جدران الليل وظلّ حائماً . فجأة تعثر خطاب مصطفى بظلال الوحدة . سكت مطرقاً .

جاء المحضار متدفق اللهفة من فضاء غيابه البعيد . دار في الردهة على عقبيه . لم يرَ غير مصطفى . قال :

ـ أجدك وحيداً يا صقرنا الجريح .

ـ سلوى لم تأتِ .

ـ لماذا ؟

ـ لا أدري .

ـ ما جديد غابتنا المتوحشة ؟

ـ رئيس الدائرة سأل عنك .

ـ ما الذي يريده هذا البوم ؟

ـ لا أعلم ، لكنه كان على عجالة من أمره .

ـ إذن لا يريد شيئاً غير النعيب .

لم يتأخر . خرج مسرعاً للقاء رئيس الدائرة . غاب زمناً قصيراً ، عاد بعده غائراً في انكساره ، لائذاً بذات مهشمة . عاد بطيء الخطى . وقف أمام مصطفى . قال بعميق حزن : لننحت بأيدينا شواهدنا . لنحفر على لوح قواربنا مأساة أسفارنا . لنطمر الطموح وندفن تحت عهر الشعاع ذكرياتنا . فهنا تفجّرت غرائز أبناء جلدتنا حقداً ، وهنا تمزق جسد الحلم . هنا تشوهت صورة الفضيلة وهنا أدمت رغباتنا السنون . فلتكن نهايتنا أشد بريقاً ولتكن أكثر  صخباً . ففي هذه الوهدة توقف رحلنا وأعيا نوقَنا العطشُ . تلاشت ملامح آفاقنا وانقطعت بنا السبلُ . ارحل يا مصطفى عن أرضنا التي لم تعد آمنة . ارحل قبل أن يقتلك الندم ، فنحن آثرنا موتنا على ذلتنا وبلغ مدّ بحارنا أقصى مداه . صمت برهة . ابتلع ريقه ، وكان مصطفى مستغرقاً في دهشته . أضاف المحضار : لقد رأينا دفن المختبر وها نحن نقيم صلاتنا على موت الردهة ، لوحدنا دون صحبنا وسنرى غضبة السماء سوية إنْ قررت البقاء . لقد أُغلقت الردهة يا صاحبي ولم يعد لوجودنا سبب . فلنخرج إلى فضاء آخر ، يضيق أو يتسع ، هذا لا يهم . فلنخرج مادام الضياع قدرنا المكتوب .

خرج مصطفى من صدمته . قال :

ـ إلى أين ؟

ـ لا أدري .

ـ ألم يطرحوا بديلاً ؟

ـ أبداً . لم يفكروا بأيّ بديل .

ـ إذن نضجت لحوم القوم وطاب مذاقها .

ـ ستُلتهم بشراهة وحوش جائعة .

ـ وسيلقى بعظمها إلى البحر .

صمت المحضار لحظة ، ثم قال بمرارة :

ـ فلنختم أبواب ردهتنا بقبلة الوداع .

ـ حقق ما شئت من الرغبات فهي لم تؤذ أحداً .

طبع المحضار قبلة طويلة على باب الردهة . تراجع إلى الوراء . ذرف دمعاً سخياً . قال في غمرة النشيج :

ـ هنا فُنيت أجمل سنوات العمر .

في حالة زهو مسخَ البحرُ أحياءَه وبات طرباً . طعن الظلام كبد السماء والبحر مازال مصرّاً على الغناء . ربما ثمل البحر من كأس فعلته أو أطربه النسيم ، فرفع عقيرته حتى منتهاها ولم ينم ، عندئذ صاحت الخلق : نم يا ملك النشيد الأزلي لقد انفطرت جماجمنا . نم أيها السعيد لقد تعثرت أحلامنا . لكن البحر لم ينم والخلق لم تدرك فعلته .

* * *

على فوّهة الصمت استقر فندق البحّارة بعد أن أوعز لشرفاته مغادرة أسرار البحر . من حجرة أسدلت ستائرها بوجه أنين البحر ، أطلق فضل صالح عصفور جنونه لاجتثاث جذر الذاكرة وأمسى وليد لحظته . تفرس وجه المحضار وقال :

ـ إذاً سُلبت الردهة .

ـ وبلمح البصر .

ـ نبوءة صادقة كانت نبوءة مصطفى .

ـ لم نتوقع ما حدث .

ـ وضع الكائنات الغريبة كان إنذاراً .

ـ لم نأخذ نتائجه بالحسبان . لم نحمله على محمل الجد . اعتقدناه مجرد أذى .

ـ هل أخبرت الآخرين ؟

ـ سلوى فقط . كانت غائبة هذا اليوم وغداً سوف نخبر عاتكة ومحمد صائل .

ـ ماذا ستفعلون ؟

ـ لا نفعل شيئاً ، سنمكث في بيوتنا .

ـ إلى متى ؟

ـ إلى أن تبدأ المواجهة .

ـ إنها بدأت منذ حين .

ـ ليست بالمعنى الذي يجعلنا نشهر أول سيوفنا .

ـ حتى هذه اللحظة .

ـ نعم ، حتى هذه اللحظة .

ـ أنا أرى نقيض رؤيتكم . أرى الأحداث قد تجاوزتنا ولم يبق سوى الموت الذي يتقدم نحونا بخطى واثقة .

ـ ربما كانت رؤية صائبة ولكننا لا نخلّ بشرط الحياة أولاً .

نهض المحضار مستأذناً ومضيفاً :

ـ لا تنسَ عرس صحبنا .

* * *

في الطريق

ما بين عدن وحضرموت

أُقيمت أُرجوحة لطفل الخلوة

أُختلست من سكرة البحر تهويمة

في الطريق ما بين عدن وحضرموت

حلموا ( بمخادر ) النساء الثملة

اللائي يزففن للبحر أعراسه بالدفوف والخضاب

في الطريق ما بين عدن وحضرموت

أسكر النسيم اليمانيين

تحركت الأُرجوحة

تمايل الموج ثملاً

طرب المغني / الهواء

لهث الماء

في الطريق

نُسيت لذّةٌ

 

* * *

 

سُدت الطرقُ فالليلة يرنّ خلخال الشوق على أرض العشق . الليلة تصدح حناجر الغانيات الجميلات بعد عودتهن المباركة من سماء آمنة . الليلة عرس عاتكة التي نثرت على جفنيها أنجم الليل لكي تضيء المدن الغارقة في     الظلام . الليلة عرس عاتكة المنتمية للتراب حد الخبل ، الملتصقة بالشمس حد العشق . الليلة عرس محمد صائل الذي يشمّ الوردة حد جفاف الرحيق ثم يذبل بذبولها .

سُدت الطرق وتنفست رئات مئات الأجساد ، المنضوية تحت سماء السرادق العظيم ، رائحة الوفاء . جاء القوم على أمل استشفاف ما في الحُلم الجميل من دهش . توافدت بنات عدن . توافد شبانها . عبق المسك في كلّ ناحية . تأرّجت صدور الإناث بعد نثيثها . تأججت شهوة الرجال وتجلت في زفرات الأنوف احتراقاً .

سُدت الطرق واتسع حضن المدينة لاحتواء عرس أبنائها : أطلقت مراكب الشاطئ أبواقها فرحاً . رُفعت المشاعل على هام الجبال . تمايلت أعناق الشجر طرباً . ازدحمت الشوارع بالعربات الوافدة من الضواحي . ابتذلت حبّات الفُلِّ نفسها فصارت قلائد على الصدور .. أمست أكاليل على الرؤوس . جوقة من فاتنات الحي أعلنت بداية الصخب . نزلت عاتكة من مركبتها ، كانت ملاكاً رائعاً تحت مسحة الخجل . دارت الأضواء والألوان دورة كونية . إلى جانبها انبثق قمر ومن طفاوته اندفعت مرمورة جبلت من عاج وبريق . ارتدّ الحشد . عُزف لحن سلوى سيدة السحر . تمرّد نغم الآلهة . تسلل فحيح الغواية نحو دورة الأوراك . صار كلّ شيء يمرّ من خلل البهجة خارقاً . كل شيء لم تألفه الرؤية . لم تختزنه الذاكرة . لم تنبضه القلوب . هبط الرقص إلى جحيم الغيبوبة . تفجرت ينابيع المشتهى من بين ليونة الشفاه . سال عرق الإباحة في وديان اللذة ، فارتوت أرواح وامتلأت واحة . اكتحلت عين ورقّت مباسم .

مضى الوقتُ . تجمع الصحب . العرس ماضٍ إلى مداه . الليل سادر في نهر الضجيج الفاجر . الطبل ينهب استراحة الأعضاء . يستفز تراجعها . عدن المدينة المارقة ستدفع ثمن تهورها . عدن العقوق في أعنف معانيه ستتجرع مرارة الندم . لهث اللحن . خرجت مسوخ البحر راقصة . جفل الحشد . تعثر إيقاع وتعطل النقرُ . اندفع صوت : ماذا فعلت أيها المليك بأحيائك ؟ مدَّ البحر لسانه . قال : احترقت غابة الوفاء .

همس فضل : لم نرَ عرساً كهذا ، أنه خاتم الأعراس وشاهدنا على همجية البحر ، لكن لماذا صمت الطبل ؟ لماذا وهن اللحن ؟ صرخ : ليشرق نور الأنامل ، ليزدهر الوترُ .

حُرثت أرض السرادق . جنّت أفخاذ الخلق بعد اهتزاز وتلاصق وارتجاف . تماوجت صدور الإناث ، وثارت أثداء أسكرها الرحيق النازف من ثراء ثمر الفحولة ، فتلاطمت حلمات تهتكت وتاهت في كنز الغموض . استثارت نفحة الطيب غبار الجسد . أشعلت نار الاشتهاء أسرار الرجال . امتزجت أصوات الدفِّ والعود والناي بما تخلل الليل من روائح الغزل .

انتصف الليل ولم تُزف عاتكة . انتصف الليل ولم تنم عدن . المحضار في حيرة بادية ، في ضيق شديد . اقترب منه مصطفى مستفسراً عن سبب انشغاله. أجاب : إنه سمع لغطاً عن زورق غريب اقتحم الخليج واحتلّ جسد الفيل . امتعض مصطفى . هتف لنفسه : إنها المرّة الأخيرة وسيقلع بمَن صدّ عنه الموت . الحفل ينشدّ لإيقاع الرقص المسالم والرقص يتراجع ، الطبل يتراجع ، العزف يتراجع ، التعب ينمو على برد الخلايا . موّال هزيل الذبذبات يخدش الأسماع . تهالك البعض على فوضى الأشياء . تقيأ البعض الآخر من سكره . تفرّق القوم تحت سماء السرادق ، وشيئاً فشيئاً ساد هدوء غير طبيعي .

ما زالت عاتكة تتوسط الحضور ، خجلة النظرات . مازال محمد صائل متلهفاً للحظة الدخول . مازال المحضار ذاهلاً . مازال فضل مصرّاً على استنفار الطبول .. على الحركة التي أمست رماداً .. على دورة الأشياء التي تعطلت .. على ترتيب ضوء النجوم ، الذي أفل بتلاشي النشاط البشري ، في الزوايا . همدت أنفاس البشر ومال الليل نحو الخمول .. مال الليل إلى التدثر بأدغال غابة سوداء .

فجأة قُرعت طبول عالية الإيقاع . اختلّ السكون . إيقاعات قادمة من المدى البعيد .. من أعالي كتف السماء .. من المجرّات القصية .. من جبين الربِّ حيث ما كان . انطفأ الزمن . انطفأت الكواكب وصهلت خيول الظلام . زأر التحدي . انتابت حالة الفزع والخوف دواخل القوم . خرجت جماعات هلعة لملاقاة المجهول . صوبت عيونها إلى السماء المتوعدة بالمذبحة .. إلى أديمها الذي انشقّ عن نور ذريٍّ عمّه جميعاً . تبدد الوقت ، فلم يعد ليلاً . لم يعد نهاراً. لم يعد يُسمّى . النساء غابت في ابتهالات . غارت في الضراعات .   لمَنْ ؟ لإله الموت الغاضب . للسماء الغازية المعادية . سُلبت العقول . سبيت النفوس ، اندحرت أمام الكون الذري السابح في النور أو أمام النور السابح في الكون الذري . مضت من الوقت ساعة عندما راح النور الذري يتجمع ، يتبلور في كتلة ضوء هائلة .

صاح فضل بالحشد الذاهل حدّ الموت . الحشد النابض بالفجيعة : قاتلوها . قاتلوا السماء . أطفئوا كتلة الضوء . لقد تحققت النبوءة المجنونة وسوف نتذوق مرارة السرّ . كان يقبض على الرمل بين كفيه ويرمي به إلى السماء فيرتد نحوه . في خضم التشتت دمعت كتلة الضوء عشقاً سماوياً على هيئة حبيبات هلامية سرعان ما تشكلت أنهاراً لا قرار لها . صعق سكان عدن . أصابهم ذعر . اندفع المحضار صارخاً : اعزلوا المباني عن غضب الهلام . اُتركوه ينحدر إلى البحر . إلى حيث ما شاء . عمل الشبان بأمره . عمل الشيوخ . تقدمهم المحضار في مهمة فتح الثغور نحو البحر . انجرفت بيوت الطين والخشب والصفيح . صارت زاداً لا يُشبع جوع الهوى السماوي . انصهرت أجساد في السَّوْرة . اختفت آثارها . عبث الهلام بأحشاء المدينة . راح فضل يشحذ همم الرجال والنساء على حدّ سواء : قاتلوه .. قاتلوه . قاتلوا الهوى السماوي الذي استهدف براءتنا .. استهدف نبلنا .. ردّوه على أعقابه . الكتلة الضوئية تنفث الحمم .. الأرض تتشقق بأعجوبة . زُلّت قدم المحضار .. جرفه التيار . انطلقت الصيحات : ضاع المحضار .. أذابه الهلام . تعاظمت صورة البطولة . تفجر الغضب . بكى فضل . اندفع محمد صائل ببدلة عرسه إلى قلب اللجّة ، بحثاً عن بقية من محضار ، لكن المحضار دفع حياته ثمناً لمروءته .. ثمناً لمرونته . لا أحد يعرف كم مضى من وقت الواقعة فالزمن كان قد تعطل . مصطفى يؤجج حماس القوم . فضل يذود ببسالة . يستميت في الدفاع عن المدينة رغم شيخوخته . فتح الرجال ثغرة إلى البحر . انتبهت السماء إلى همّة محمد صائل . أرسلت ذعراً . أرسلت أنبوباً من هلام حارق إلى هامته ، اخترقه في الحال . صرخت عاتكة . ألقت إكليلها . مزّقت فستان دخلتها . احتضنها فضل في نشيج لم ينقطع . في تلك الأثناء انتبه مصطفى إلى أن عدد القوم كان قد تناقص إلى درجة مخيفة .. إلى درجة يصبح معها الاستمرار في المقاومة ضرباً من جنون . عندئذ صرخ : إلى الفيل .. إلى الخليج يا فضل وأنتِ يا سلوى .. إلى الفيل يا عاتكة . فهل سمعت عاتكة النداء ؟ عاتكة التي تخلصت من يديّ فضل ونظرت إلى السماء ، لم ترَ بجانب كتلة الضوء غير وجه بلقيس . حينها قررت أن تلتحق بركب مَن رحلوا . صارت طعماً للهلام . فهل أشرق وجه بلقيس ؟ هل انتشى العشق السماوي ؟

 

* * *

على سطح ماء الخليج كان الزورق بالقرب من صخرته لائباً ، واضعاً الفيل في الأسر ، باسطاً سطوته على اختلاج الموج . على سطح الماء ارتمت الوجوه التي فرّت من جحيم السماء .. وبعد عناء استقرت في جوف الزورق . حُلّ وثاق الفيل . أبحر الزورق تاركاً صخرته .

عن صبري هاشم

شاهد أيضاً

240484136

أيام الشارلستون

    اليوم الأول وبينما يلقى محمد شهدى كلمته الحماسية عن خطبة الأمس التى ألقاها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *