الرئيسية / رواية / الدراويش يعودون الى المنفى

الدراويش يعودون الى المنفى

الدراويش يعودون الى المنفى

رواية

 

 

ابراهيم درغوثي

تونس

 

الفهرس

 

قبل البداية

الباب الأول : درويش يشتري قدر حاتم الطائي

الباب الثاني : بدأ الخليقة .

الباب الثالث : سفينة نوح تغادر الميناء .

الباب الرابع : البراق لا يحط في المطار .

الباب الخامس: ملصق دعاية على تفاح تركيا .

الباب السادس : حفل عشاء عند ملك الحيرة.

الباب السابع : بطاقة تفتيش لدى الأنتربول .

الباب الثامن : الثعابين .

الباب التاسع : موجز لجامع كرامات الأولياء

الباب العاشر :   هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء .

الباب الحادي عشر : دريش يعود من المنفى .

الباب الثاني عشر : صاحبة الكهف  .

الباب الثالث عشر : النجوم التي إنكدرت .

بعد النهاية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

” لقد أقض مضجعي منذ الطفولة  ذلك الشيء الذي  نستطيع تسميته باللاعلاني”.

 

شتراوس”

” الأسطورة و المعنى”

 

 

 

 

 

 

 

 

قبل البداية

 

 

 

 

لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الرواية ، لأنه و كما تعلمون ، و منذ أن أحرق الرعاع في مدن و قرى الأندلس كتب إبن رشد و إتهمومه بالزندقة و الكفر و إلى أن حكم ” علماء” الأزهر بحرق كتاب “ألف ليلة و ليلة” في قاهرة المعز في أواخر القرن العشرين بتهمة إفساد الذوق العام و أنا أخاف القلم و القرطاس.

و لكن درويشا هددني بالقتل.

قال : إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شر قتلة ”

و قال: ” سأضعك داخل جلد حمار و أضرم فيك النيران”

قلت : هي أضغاث أحلام

لكن بدني ظل يضطرب طوال ذلك اليوم.

في الليلة الثانية عاود التهديد

قال : “سأضعك في فتح باب و أسد عليك بالجص و الآجر و أنت حيُ”

ثم تدارك معوضا:” الجص و الآجر” بالإسمنت المسلح.

و لكم أن تتصوروا مدى الرعب الذي يمكن أن ينتاب شخصا يبنى عليه داخل حائط بالآجر و الإسمنت المسلح.

تأملوا الحائط وهو يرتفع حد الركبة.

ثم حد الفخذ، فالبطن، فالصدر، فالعنق.

أنظروا الخوف في العينين ،

و التوسل في الشفتين،

و العرق الذي ينز فوق الجبين،

ثم الظلام الأبدي.

تخيلوا معي خزانة في حائط تصبح قبرا بلا شواهد، و لا ” يرقد هنا جثمان المغفور له”…

و لا : “أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي ادخلي جنتي”

و لا سورة الفاتحة و لا يس”.

عندما أفقت من نوم تلك الليلة الثانة، إقشعر بدني، و خفت حد الجنون، و هجرت الفراش حتى الصباح و أنا أتمتم مستعيذا بالله الواحد الأحد القوي الصمد و من كل شياطين الدنيا و الآخرة.

و مر اليوم و أنا على أسوأ حال.

و جاءت الليلة الثالثة.

كنت جالسا على حافة السرير حين دقت ساعة الحائط الثانية بعد منتصف الليل.

قلت لن أضع جنبي على الفراش و لن أمكن درويشا من تعذيبي مرة أخرى.

و دقت ساعة الحائط ثلاث دقات.

و جاء درويش، جلس بجاني على الفراش و قال : “ما رأيك لو أحكي لك هذه الحكاية”

لست أدري كيف سبق لساني قلبي و قلت له: “إحك”

قال :” يحكى عن تعذيب أمير المؤمنين القاهر لمعارضيه أنه كان يأخذ الرجل منهم فيأمر بتقييده ثم يأمر بأن تحشى أذناه وخيشومه  بالقطن و توضع المنافخ في دبره. فإذا صار كالزق المنفوخ و ورمت سائر أعضائه و برزت عيناه ، سد دبره و يضرب في عرقين فوق الحاجبين، فعند ذلك يخرج  منهما الريح و الدم ، و لهما صوت و صفير حتى يخمد و يتلف…”

ثم أضاف : إن لم تكتب حكايتي  صرت القاهر و صرت سجيني”

سامحوني .

لم أقل لكم منذ البداية أن درويشا هو بطل هذه الرواية العجيبة و الغريبة و التي لو كتبت بالإبر على مآقي البصر لكانت عبرة لمن يعتبر، على رأي الست شهرزاد.

و في اليلة الرابعة ، سمعت دقا خفيفا على الباب.

ما رأيك صديقي القارىء ؟ هل أفتح الباب للطارق ؟ سأزيدك إيضاحا : حين سمعت الدق على الباب كان المؤذن يصيح : ( لست أدري هل هو صوته الحقيقي أم هو تسجيل على “كاسيت”) الصلاة خير من النوم يا عباد الله.

–         نعم . إفتح الباب.

–         سأفتحه و ستكون الشاهد.

بالطبع و كما توقعت، و كما في الحكايات الأخرى كان الطارق درويشا.

دفع الباب بأدب ، ثم طلب أن يشرب.

أعطيته كوكا كولا باردة.

شربها (في الصباح وجدت علبة الكوكا كولا فارغة في وسط الغرفة)و ربت على كتفي و طلب مني بهدوء شديد ( و كأنه يطلب شربة ماء) أن نطير إلى مدينة سر من رأى لنحظر محاكمة القرامطة.

قلت مفزوعا :” و ما شاني بالقرامطة؟”

قال : لا أقبل من أحد أن يناقشني في قرار إتخذته”.

ثم مسح على عيني بيده فوجدت نفسي في مدينة سامراء.

في عام 291هـ الموافق لـ903م قبض على صاحب الشامة. وهو أحد قواد القرامطة، فعزم الخليفة على أن يشهره حتى يراه الناس جميعا.

وصلنا إلى المدينة ( أنا و درويش) و مكبرات الصوت تطوف بالشوارع و تدعو الناس إلى حضور عملية الإشهار.

أغلق التجار مستودعاتهم و غادرت النسوة الدور و القصور، و سيق العبيد بالسياط و جاء علية القوم فوق الخيول و البغال و تجمع الخلق (كما في يوم الحشر) في ساحة واسعة.

و جاء “صاحب الشامة” مصلوبا على دقل على ظهر فيل.

صاح حرس الخليفة:

الموت للخائن ؟

عاش مولانا خليفة رسول الله.

عاش أمير المؤمنين قاهر الطغاة و الظالمين.

و سار بين يدي الخليفة الأسرى مقيدين على جمال. و عليهم برانس من حرير بأذناب الثعالب و جلاجل و نواقيس ترن.

و كان بينهم “المطوق” أحد أصحاب القرمطي. وهو غلام لم تنبت لحيته. و قد جعلت في فمه خشبة مخروطة  ألجم بها فمه، ثم شدت إلى قفاه كاللجام لئلا يتكلم.

سألت عن الشاب من يكون.

فقال درويش : “هو طرفة بن العبد. وهو شاعر القرمطي”.

قلت : “و لكن طرفة مات مقتولا في العهد الجاهلي”.

قال : “لقد أحياه صاحب الشامة ليمدحه و يسب بني العباس من السفاح حتى المكتفي ثم ليقتل مرة ثانية معه ثم يعود للحياة مرة أخرى و يلبس صورة معينة بسيسو أو بابلونيرودا”.

ثم أمر المكتفي ببناء دكة إرتفاعها عشرة أذرع  لقتل القرامطة. فقطعت أيديهم و أرجلهم و ضربت أعناقهم واحدة بعد واحدة. و كانت ترى جثثهم و أعضائهم من أعلى الدكة إلى الأرض.

و الحلقة تضيق حول “صاحب الشامة” حتى تكاد تخنقه و تمنع عنه الهواء.

و درويش يسر في أذني : “إذا لم تكتب الرواية سيكون مصيرك هكذا أعود بك إلى القرن الرابع هجري و أصيح : هذا الرجل من القرامطة أضرب عنقه أيها السياف”

ثم قدم “صاحب الشامة”، فقطعت يداه و رجلاه.و أضرمت  نار عظيمة. و أدخل فيها خشب صليب. و كانت توضع الخشبة في خواصره و بطنه وهو يفتح عينيه و يغمضهما حتى خشيى عليه أن يموت فضربت عنقه و رفعت رأسه في خشبة و صلب بدنه على الجسر الأعلى بساحة النصر.

و ظل درويش يهددني في كل ليلة إلى أن مر إلى التنفيذ

إستيقظت ذات صباح  و  إذا يجرح في عنقي ..

جرح كبير..

من الوريد إلى الوريد..

و خياطة الجرح مازالت طرية ..

و بقايا الدم في عنقي،

و على قميص نومي،

و فوق شرارف سريري

قلت : هي نهايتي إذن .

و ترقبت الليلة الموالية …

في الليلة التي تلت ليلة الذبح جاءني درويش و بيده مسدس مطبوع فوق جلده (المسدس مغلق بجلد  تمساح )Made in USA

و قال : “إن لم تكتب الرواية هذه المرة أسكنت في جمجمتك رصاصة أميركية”

قلت : “يا صاحبي أنا لست رجل علم و  أدب. كل ما في الأمر أنني كاتب هاو لي بعض المحاولات في القصة القصيرة و الخواطر التي لم يلتفت إليها حتى  نقاد الدرجة الثالثة”.

قال : “لهذا إخترتك فأنا لست في حاجة إلى واحد من الكتاب ” الجهابذة” لأنني متأكد من أنه سيفسد خططي للقصة . أنا في حاجة إلى واحد من أمثالك  مازال في بداية الطريق . أكيفه حسب إرادتي و أملي عليه ما أريد و أمسح خطه إذا تجاوز الحد و أضربه بالكف و” الشلوت” إذا تمرد على إرادتي . هل تسمع ؟”

قلت : “أسمع، و زيادة”.

قال : “إذن ستكتب الرواية”

قلت : “أكتب و لكن ماذا سأكتب و أنا لا أعرف عن موضوعها شيئا ؟”

قال : “هذا الأمر لا يهمك سأتولى الإملاء و ستتولى النسخ ليس إلا”.

و غاب عني مدة ثلاث ليال، نمت خلالها نوما عميقا من آذان المغرب حتى شروق الشمس.

كنت في تلك الليالي  أنام كالميت و لا أفيق إلا و ناقوس المنبه يرن في اذني فأرمي الغطاء و أثب كالملسوع . ثم يعاودني الهدوء فأتكئ على حافة الشباك و أبتسم لشمس الصباح الجديد.

في الليلة الرابعة من التقويم الجديد نمت كالعادة عند أذان المغرب قلت في نفسي – كما في كل ليلة-: أسبق الظلام إلى الفراش.

أطفأت فانوس الكهرباء و قرأت “آية الكرسي” و غبت عن وعيي ( أريد أن أهمس في آذانكم بأنني كنت في اليالي السابقة أبلع حبات ” دواء” نصحني بها صيدلي  من أصدقائي عندما حكيت له عن الأحلام المزعجة التي كانت تملا رأسي كلما إرتميت على السرير).

في هذه الليلة قلت فالأجرب عدم أكل حبات ” الدواء” خوف الإدمان ودرءا للشبهات. و أنا بطبعي رجل جبان أكاد أخاف من ظلي في بعض الأوقات.

لست أدري كم من الوقت نمت.

لا أجزم بشىء

ما أستطيع تأكيده فقط هو أنني رأيت ” لمبة” الكهرباء مشتعلة فوق رأسي و درويشا جالسا في فضاء الغرفة.

قال : “إستيقظ يا أخي ألم تشبع من النوم ؟”

صفعني كلامه و خبطني كما تخبط رزمة من الهواء البارد الوجه في يوم قر.

و أفقت.

جلست على حافة السرير متحفزا فأشار بيده إلى جهة بالغرفة كانت توجد بها طاولة أستعملها في العادة عند كتابة الرسائل .

رأيت فوق الطاولة  رزما من الكتب المجلدة و السميكة.

قال : “هذه الكتب ستعينك على كتابة الرواية”.

قلت : “ماذا ؟ هل سأقرأ هذا الجبل من الأوراق”؟

قال : “نعم. و في أسرع وقت. ثم لا تخف ساجعلك تقرأ في اليوم الواحد ما كنت تقرأه خلال الشهر و الشهرين” .

و ذاب في الهواء.

في الصباح عندما دق جرس المنبه رميت عني الغطاء والتفت بدون شعور مني ناحية الطاولة.

رايت فوقها رزم الكتب المعروضة تبرق حروفها الذهبية كعيون القطط.

إنتفضت كالملسوع و جريت إلى ركن الغرفة حافي القدمين ، تصفحت الكتب و قرأت عناوينها :

–         القرآن .

–         التوراة .

–         ألف ليلة و ليلة .

–         تاريخ التمدن الإسلامي.

–         عيون الأنباء.

–         مروج الذهب.

–         تاريخ الإسلام .

–         الحضارة الإسلامية  في القرن الرابع هجري.

–         مثنوي جلال الدين الرومي.

–         فوات الوفيات ووفيات الأعيان .

–         البصائر و الذخائر.

–         طواسين الحلاج.

و وجدت داخل علبة مغلقة بالحرير و مزركشة بخيوط الذهب كتابا في مجلدين : جامع كرمات الأولياء للعلامة الشيح يوسف النبهاني نفعنا الله ببركته .

جلب إنتباهي هذا الكتاب فبدأت بقراءته .

كنت أمر على الأسطور بسرعة عجيبة ادهشتني و لم يمض نصف يوم حتى كدت آتي على ذلك الجبل من الورق.

طوال ذلك الوقت لم أحس بالجوع و لا بالعطش . كنت أقرأ بنهم و كانت نسائم تعبق بروائح حسنة تملأ الغرفة. و كنت أحس و كأن نهرا من العسل يجري داخل حلقي إلى أن سقط الظلام فوق الطاولة و لم أعد أميز الحروف.

ساعتها فقط عرفت أنني أمضيت يوما كاملا في المطالعة. قمت خفيفا فأضأت الغرفة و ذهبت إلى المطبخ شويت شريحة من اللحم أكلتها مع قطعة من الخبز و شربت أربعة قوارير جعة و خرجت إلى المدينة.

الأضواء تملأ الشوارع .

و المغازات و المقاهي مكتظة بالزوار كأن الدنيا في عرس . قصدت قاعة سينما و سهرت هناك حتى منتصف الليل ثم عدت إلى شقتي خفيفا كطائر السنونو.

تمددت فوق السرير و نمت.

كم من الوقت مر و أنا نائم ؟

ليلة واحدة ؟

ثلاث ليال .

سبع ليال .

شهر قمري .

ثلاث مائة و تسع سنين (كأصحاب الكهف ) .

ربما…

لكن الأكيد هو أنني عندما أفقت من النوم ذات صباح كان رأسي ثقيلا و كبيرا حتى أنني لم أكد أزحزحه من مكانه .

قمت أترنح.

فتحت النوافذ فدخلت أحزمة الضوء إلى الغرفة و حطت فوق الطاولة . لم أجد الكتب هناك.

جريت إلى الباب . كان الرتاج في مكانه .

عدت مرة اخرى إلى الطاولة فوجدت أوراقا مبعثرة فوقها و بين أرجلها و على أرضية الغرفة حتى أنني في إندفاعي ناحية الباب  دست على بعضها ، فتمزقت .

جمعت الأوراق و رتبتها حسب الفصول و الأبواب .

ثم بدأت أقرأ.

إنهمكت في القراءة صباح ذلك اليوم .

و في الصباحات الموالية.

حصلت لي فكرة على محتوى الأوراق  ، و تذكرت درويش الليالي السابقة .

ما كنت أحلم إذن . و هذه الحكايات هي الرواية التي طلب مني درويش كتابتها.

قد يقول بعضكم ما هذه بالرواية .

إنها كذبة.

خرافة يحكيها حشاش .

والدليل على ذلك هذا الخبط ذات اليمين وذات الشمال حتى أنه يصعب عليك في بعض الأحيان الربط بين ما كنت تقرأه في الصفحات السابقة و الاخرى التي تليها .

و درويش صنيعة الكاتب ، إننا لم نفهمه .

هل هو بهلول كبقية الدراويش العاديين، يكلم الجن و يمشي على الماء و يأكل العقارب و يمتطتي الاسود و يطوي المسافات طي السحاب ام هو نوع جديد من الدراويش ؟

درويش- فدائي يقوم بالأعمال الإرهابية  ، يفجر السفارات و يخطتف الطائرات و الرهائن .

و البقية ، نمرة و طائرات الورق و فرنسوا مارتال و عبدو و إبراهيم الخليل و نمرود و قطر الندى و آدم و البراق و ملك الحيرة و آبار النفط و السياح الأمريكان الخ …

لقد شتت أفكارنا هذه الشخصيات الغريبة، و لم ندر أين نضعها، في الميثيولوجيا أم في الواقع الأغرب من الميثيولوجيا ؟

قد يقول بعضكم هذا و أكثر، و لكنني أقول لكم يا أحبائي إن كل ما في هذه الرواية هو حقيقة الحقيقة.

فيها ما عشته بنفسي و انا أتنفس الهواء و أشرب الماء و آكل و أتغوط و أمارس الجنس .

و فيها ما قصه علي درويش في تلك الليلة أو الليالي التي تلت اطلاعي على المجلدات التي وجدتها  فوق الطاولة .

شئ واحد . أريد أن تعذروني و أنتم تقرؤون هذه القصة .

لا أريد أن تتهموني بالسطو على بعض الكتب التي ذكرتها لكم في بداية هذه الحكاية ، فقد هددني درويش أكثر من مرة عندما طلبت منه إعفائي من نسبة بعض ما ورد في تلك الكتب إلى نفسي. قلت هددني بالقتل و تقطيع أعضائي . فكنت في كل مرة أمتثل لأوامره خوف التنكيل بجسدي و ها أنا أعترف لكم الآن و أنا في كامل مداركي العقلية بذلك لهذا لا تشتكوني إلى لجان المحافظة على التراث الكريم بتهمة السطو و السرقة مع سابق الإضمار و الترصد.

 

“الأسطورة الشعبية تخلق الكون الذي يدفع تلك العناصر التي نسميها إنسانية أو طبيعية أو فوق الطبيعة إلى الإنخراط في لعبة تبادل و تحول هائلة لكنها دقيقة التفاصيل.

الفكر الأسطوري لا يقدم آلهة أو بشرا في وضع من التضاد و التعارض. إنه يؤله الإنساني و يؤنسن الالهي”.

ميشال زيرافا

“الأسطورة و الرواية”

 

 

 

الباب الأول

درويش يشتري قدر حاتم الطائي من “السوبرماركت”

 

حدتني يحي بن عقاب قال :

“رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . إرتفعت أصوات الجن بالنياحة  عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة”.

المسعودي

“مروج الذهب”

 

 

 

 

كان جالسا أمام الموقد ، مادا رجليه تحت القدر، و نيران جهنم تلتهم الرجلين ، تأكل من الحم و العضم ، وهو يتدفأ . يفرك اليد اليمنى  باليسرى ، و يتدفأ متلذذا ، و يضع من حين لآخر قطع الحطب يؤجج بها النيران ، و اللهب يصبح بلون الشمس ، والبخار يتصاعد من القدر ،والرجلان تشتغل فيهما النيران ، ويشتغل في وجهه نور الشمس فيعكسه في كل الإتجاهات .

و يصبح وجهه مرآة تشتعل فيها كل شموس الدنيا.

قيل : هذا درويش العائد من غربته ليلة السادس عشر من الشهر الفائت حين إكتمل القمر في سمائه.

ترك حصانه يرعى في الجبل و جاء إلى هذه الساحة. بات ثلاث ليل بدون طعام ترك الصدقات جانبا: صحون الكسكسي، و قدور المرق ،و البطاطة المقلية ، و البيض المسلوق، و الخبز، و التمر. قال إن الدنيا كانت تأتيه على هيأة عجوز و تحمل إليه في كل ليلة رغيفين و كوز ماء ،و تكنس الساحة،و تسامره حتى أذان الفجر، ثم تذهب.

في اليوم الرابع سأل عن “السوبرماركت” ،نطقه هكذا ،بلكنة أمريكية، فدله على الطريق واحد من الصبية العائدين من المدرسة، و أعطاه العنوان : امش سيدي حتى نهاية هذا الشارع ثم در يمينا و لا تتوقف حتى يتقاطع شارع الحرية مع شارع الإستقلال هناك على يسارك ستجد بناية كبيرة ذات ثلاث طوابق ، إنتبه و أنت تشق شارع الحرية فقد مات هناك خلق كثير.

شكر الصبي ، و أعطاه كيس دنانير ذهبية مرسوم على وجهها صورة الإمبراطور رونالد ريغن ، و مكتوب على قفاها: “ضربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله” .

ومشى في الشارع الطويل إلى أن صفعته البناية ذات الطوابق الثلاثة. وقف أمام الباب البلوري و دهش عندما انفتح الباب وحده و دلف إلى داخل قاحة فسيحة  ملأى بالكؤوس البلورية و السكاكين و الملاعق و أجهزة التلفزيون و الطبخ و الراديوهات و قوارير العجة و “الجوني ولكر” و علب المشروبات الغازية و ثياب الأطفال و اللحم المصبر و قمصان النوم الحريرية الحمراء و الوردية و البنفسجية و مضارب كرة التنس و قدور الألمنيوم في أحجام مختلفة و الكراسي و الطاولات و بنادق صيد . و أحس بالدوار، فأخرج من جرابه كيس الدنانير الذهبية . عد عشرة ، أعطاها للبائع ، و طلب قدرا . قال :”قدر من الألمينيوم من فضلك . هذه القدر الكبيرة” . حول البائع نظراته بين الرجل و الدنانير الذهبية . و اشتعل الذهب في وجهه فبحث عن السلم . ارتقاه مرتعشا. أنزل قدر الألمنيوم الكبيرة . لفها بسرعة . و مدها للرجل. قال درويش : هذه قدر حاتم طيء.

و لم يفهم الرجل قصده . تركه واقفا يحتضن القدر و ذهب إلى “الكاسة”. أخرج من صندوقها قطع نقود نحاسية . عدها و مدها إلى هذا الشاري الغريب الذي يقايض الألمنيوم بالذهب.

و إبتعد وهو يلتفت في كل الإتجاهات …

و عاد درويش إلى الساحة وهو يحمل قدر الألمنيوم ، و وضعها فوق ثلاث صخور، و أشعل النيران في رجليه ، و جلس يطبخ الماء و الحجر. تجمع الأهالي حوله ينظرون . خالطت نظراتهم الدهشة و الخوف تشجع بعضهم إقتربوا أكثر. مدوا أيديهم فما أحسوا بلسعة النار.

قالوا : “نار درويش لا تحترق”.

و تركوه و عادوا إلى منازلهم .

و جاء الصغار. حاموا حول الموقد وجلين  فنداهم ، أو هكذا خيل إلى الصغار. ذهبوا قربه فتناول الجواهر و الدنانير الذهبية من السماء ، وضع الجواهر في كيسه ، و نثر الدنانير في الهواء . تخاطفها الأطفال و طاروا إلى السوق . اشتروا طائرات من ورق و رجعوا إلى الساحة.

أعادوا إلى درويش باقي النقود ، قطع صغيرة من النحاس . قلبها في يده و ضحك.

قال : “سأبني هيكلا ها هنا ، أعلم فيه الأطفال السحر و قيادة الطائرات الورقية ،

و نطير حتى المنتهى ،

حتى المنتهى” .

و مرت أيام.

و مر أسبوع .

و مر شهروشهور.

و مر دهر ،

مرت دهور،

و درويش يترقب مجىء الرجال ،

و الرجال توسدوا نهود النساء، و ناموا.

رأوا درويش يمشي على الماء.

و ناموا.

و رفعوا رؤوسهم مرة فإذا برجل جالس في الهواء و في يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر و درويش يشرب و يقول : “هاكم اشربوا ماء أطيب من المسك ، و أبرد من الثلج، و أحلى من العسل”. و الرجال يقولون : “نار درويش لا تحرق” .

والكلاب ما أعياها النباح .

و الأطفال لم يتعبوا من الجري تحت القمر.

و طائرات الورق مازالت تطير.

و الرجال يقولون : “من يفك عن أطفالنا سحر هذا الساحر” ؟

و يذهبون إلى شيخ القبيلة .

و شيخ القبيلة في خيمته يتنصت لطنين مكيف الهواء .

و الرجال يستأذنون من الحاجب في الملوث بين يدي الشيخ.

و يحرك الحاجب رمحه و يتنحى عن الباب .

و يقول للرجال : “النجدة يا أمير المؤمنين” .

طائرات من ورق يقودها أطفال المدارس – يجرونها من تحت بخيوط من البلاستيك – تطير كل يوم فوق القرية من الصباح إلى المساء . و نحن خائفون يا مولانا أن تقصف الطائرات القرية” .

و يصاب الشيخ برعدة . و ينفجر غضبا : “هاتوا اللاسلكي”.

و يصيح : “الله الله يا خليفة رسول الله أنجد جنود الإسلام بطير من أبابيل” .

و تخفت خشخشة اللاسلكي فيتفرق رجال القبائل . و النيران تشتعل في الموقد تحت قدر الألمنيوم ، و الأطفال يصيحون في الساحة ،

و البرقيات تصل تباعا إلى الخليفة ،

و الكلاب تهر،

و النيران تشتعل في رجلي درويش ،

و الناس يحكون عن أموات القرية الضاحكين على المغتسل . ضحك الأموات فلم يجسر أحد على غسلهم ، فتكدسوا في ثلاجة المستشفى.

و مدرس التاريخ يحكي للأطفال عن إبراهيم الخليل قال : هل تعرفون قصة إبراهيم الخليل يا أولاد ؟”

قالوا : “لا”.

قال : ” جمع النمرود في بابل حطب الدنيا كلها و أشعل نارا أحمى من الشمس و ألقى فيها إبراهيم”.

قالوا : “يا الله ما أقسى قلبه”.

قال : “و خرج إبراهيم من النار و لم تحترق سوى قيوده” .

قالوا : “عجيب “.

قال : “لا تتعجبوا يا أطفالي . و عودوا إلى الساحة . اركبوا طائراتكم ..طائرات الورق ، و طيروا”.

ما أجمل أن يطير الأطفال فوق طائرات من ورق ، حتى المنتهى”

 

 

 

الباب الثاني

بدء الخليقة

 

 

كان السائح  الفرنسي الجنسية فرنسوا مارتال يزور قريتنا مرتين في العام الواحد رحلة الشتاء و الصيف

فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه  مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة  في أيقونات الأدرية القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره – قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا.

*      *     *

فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا إختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . إنتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل .

و كان الفرنسي  ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات “مالوف” و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى…

و كان المنزالمبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي إبن إبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و “رأس الغول” الكلب المهول “مخارق” صاحب واد السيسبان ، و البراق  الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ، و وجه الملاك الذي يزينه ، و هدوج الجازية الهلالية ، و خيول بني هلال ، و ذياب ، و خليفة الزناتي ، و آدم و حواء بعد أن أكلا من تفاح الجنة ، و الحية الراقصة  و قابيل و هابيل ، و كبش الرب النازل  من السماء ، و جبرائيل ، و إسماعيل ، و إبراهيم الخليل ، و ملائكة ترفرف بأجنحة السلام ، و قناديل زيتية ، و مراوح من سعف النخل ، و مكاحل ، و سيوف ، و بنادق من العهد التركي ، و صناديق عرائس ، و مرشات عطور، و حلي فضية ، و قدور من طين  و مشارب من فخار، و تسجيلات لأغاني الأعراس ، و نواح النادبات في المآتم…

البيوت فسيحة و جميلة ، تسر الناظرين ، و بيت  النوم أجمل من كل البيوت الأخرى ، يتوسطه سرير كبير، مذهب الحواشي ، تتدلى على جنباته الشرارف المطروزة بخيوط الحرير، و تحف به من الجانبين طاولتان صغيرتان ، على الأولى “أبجورة ” حمراء ، و فوق الثانية “راديو” قديم من الحجم الكبير.

و عبدو صديق الفرنسي و حارس المنزل عند غيابه ، لا ينفك ينفض الغبار و يمسح التحف و يغني و يسكر فالشراب متوفر دائما في هذا المكان…

*      *     *

عندما جاء فرنسوا مارتال هذا العام إلى القرية ، قام كعاته في كل مرة بزيارة للأحياء القديمة التي يرجع  تاريخ بنائها إلى القرن الخامس عشر.

كان مصحوبا بكلبه ، و بآلة تصوير كبيرة الحجم ،  و بقفة ملأى  بالحلوى ، و بعبدو.

صور الصبيان العائدين من  الواحة على الأحمرة ، حفاة ، يقطر من أنوفهم المخاط و الذياب . و هزته النشوة وهم يتغزلون بمؤخرته ، و يغمزون عبدو بأعين الذئاب ، و يطلقون في الهواء كلاما بذيئا ، فأعطاهم الحلوى ، و رد على نكاتهم بنكات ماجنة.

و مر على العم علي التوكابري صانع المراوح و قفاف السعف و كراسي الجريد ، و حياه ، فباس الشيخ يده ، و تمنى له إقامة سعيدة مع صاحبه عبدو . و ضحك ، فبانت بقية أسنانه النخرة ، و حرك راسه أسفا ، و لسان حاله يقول : ” لماذا كان وصولك إلينا متأخرا كل هذا الوقت أيها الرومي الملعون ؟

وحاول التقاط صور للشابات العائدات من الغدير ، فانهلن عليه سبا وشتما بعد أن غطين وجوههن بالملاءات السوداء ، فطيب عبدو خاطره قائلا :

” لا عليك يا صاحبي  إنهن يخفن الغريب خوفهن من وباء الكوليرا”.

ووقف ككل مرة يصل فيها إلى زقاق البهاليل أمام مبنى قديم تهدمت جدرانه إلا أن يد الفنان الذي أبدع الرسوم و الأشكال الهندسية على الحيطان بالآجر الأبيض و الأحمر و الأصفر و البني ما زالت ماثلة للعيان حتى هذا اليوم . قال : “لو أعرف من يعيد تشكيل هذه الرسوم “الساذجة” و العفوية بهذه الدقة و الحنان لجعلته يسافر معي إلى باريس” .

و صور تلك الرسوم من جهات مختلفة ، و بأضوء مختلفة ، و بعدسات مختلفة، و تحسر على هذه الكنوز الضائعة.

و واصل  طريقه إلى أن حط الرحال  في الساحة العمومية . كانت طائرات من ورق تغطي الساحة . طائراتبيضاء وحمراء وصفراء وبأشكال مختلفة . طائرات على شكل عفاريت ، و أخرى كالثعابين ، و طائرات تشبه الطيور الكبيرة المنقرضة.

و كان درويش هناك ، يشعل النار في رجليه ، و يطبخ الماء و الحجر  قدر “الألمنيوم .             اقترب الفرنسي من الرجل الماد رجليه تحت القدر..

ووقف مدهوشا.

وضع ألة التصوير على الأرض و أقعى ..

فأقعى الكلب بجانبه.

و أقعى عبدو بجانب الكلب.

نظر إلى النيران المشتعلة  في رجلي درويش

أغمض عينيه مرة أولى..

و فتحهما..

ثم أغمضهما مرة أخرى.

و فتحهما .

اقترب أكثر من النار و قرب جمرة من وجهه

“نار درويش لا تحترق” ، قال الرجال .

أحس بلهيب النار يكويه ، فرمى الجمرة أرضا .

رأى النيران تشتعل في حفرة كبيرة ..حفرة في حجم الشمس. حاول أن يتذكر أين رأى تلك الشمس الملتهبة فوق الأرض.

تذكر التوراة…

و تراتيل الأحبار..

و اللحي المتدلية حتى الصدور..

و بابل ..

و إبراهيم الخليل ..

و النمرود ..

و “أنا ربكم الأعلى”.

أنا الخالق ..

الرازق..

المحي..

المميت..

الرحمان..

الرحيم ..

الجبار …

القهار ..

المتكبر ..

والمنجنيق يقذف بإبراهيم وسط اللهب ،

و الهتافات تتعالى حتى السماء :

” حرقوا هذا الدعي..

حرقوه و أنثروا رماده في الجهات الأربع”

وضع رأسه فوق رأس الرجل و حركه  فتحركت الرموش و تجاعيد الوجه أحس بقلبه يدق دقا عنيفا ، و بركبتيه ترتجفان ، و بوزته يخف ، و بدأ يطير. امتطى طائرة ورقية على شكل تنين ، و طار.

طار إلى الأعلى ..

إلى الأعلى حتى المنتهى  .

و من هناك صور درويش مادا رجليه تحت القدر، و النيران تلتهب في  الرجلين ، و بخار الماء يتصاعد من القدر حتى السماء .

قال عندما حط التنين على الأرض : ” شكرا للرب ، اليوم فقط اكتشفت سحر الشرق” .

و سلك طريق العودة إلى البيت ، يتبعه كلبه و عبدو ، و آلة التصوير تتدلى فوق صدره ، و طائرات الورق تملأ السماء ، و الكلب ينبح ، و عبدو يمسك بيد سيده و يقوده إلى الازقة التي خلت من المارة فالشمس حارة ، و نيران بابل مازال لهيبها يصفع الوجوه.

*      *     *

في تلك الليلة ، و بعد أن إستحم فرنسوا ، و تعطر، و تزين بالكحل ، و مضغ السواك ، و لبس غلالة شفافة ، و أطلق الكلب في الحديقة ، و أطفأ أنوار البيت ، و نام مع صديقه عبدو فوق السرير الرحب  الواسع الرحمة ، و الموشحات الأندلسية تأتي من مكان بعيد ، هامسة ،  خافتة  كوقع أقدام الملائكة ..

في تلك الليلة ،  دق الجرس دقات جنائزية ، مرعبة ، تقطر سما. خاف الفرنسي حتى بال على الشراشف البيضاء النظيفة ، و عاود دق الجرس طويلا ، عنيفا ، لا ينتهي ..دقا كعواء الكلاب المسعورة.

قام عبدو ، واتجه نحو الباب ، فتحه بوجل فرأى أمامه درويشا ، تلتهب النيران في رجليه .  حاول الهرب فلم يقدر. صوت من أعماقه ، عويل ذئب مجروح.

قال له : “لن يسمعك الرومي يا صاحبي” و إتجه نحو الخزانة الكبيرة ..الخزانة العجيبة التي تتصدر قاعة الجلوس أخرج منها آلة التصوير و الأشرطة ، و بدأ في إلتهامها شريطا وراء شريط ،و الفرنسي يصيح :

” يا ويلتي” …

أكلني هذا الوحش …

أكل هذا الوحش الشرقي بدء الخليفة .”

 

*     *    *

يروي عن إبن عباس (رضي الله عنه ) أن أول ما خلق الله عز و جل الماء.

و كان عرشه عليه.

فلما أراد ان يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا ، فارتفع الدخان فوق الماء ، فسماه سماء.

ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة.

ثم فتقها فجعلها سبع أضين في يومين : الأحد و الإثنين .

و خلق الأرض  على حوت..

و الحوت في الماء..

و الماء على الصفاء..

و الصفا على ظهرملك..

و الملك على صخرة ..

و الصخرة على الريح ..

فإضطرب الحوت ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى الله عليها الجبال ، فقرت الأرض . و خلق أقوات أهلها و سخرها و ما ينبغي لها في يومين : الثلاثاء الأربعاء . ثم إستوى في السماء وهي دخان ، فقال لها و للأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا : أتينا طائعتين .

فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس..

فجعلها سماء واحدة .

ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين : الخميس و الجمعة.

قال إبن عباس :

و إن السماء الدنيا من زمردة خضراء.

و السماء الثانية من فضة بيضاء.

و السماء الثالثة من ياقوتة حمراء.

و السماء الرابعة من درة بيضاء.

و السماء الخامسة من ذهب أحمر.

و السماء السادسة من ياقوتة صفراء.

و السماء السابعة من نور.

و في السماء السابعة ملائكة قيام على رجل واحدة تعظيما لله لقربهم منه قد خرقت أرجلهم الأرض السابعة فإستقرت أقدامهم على مسيرة خمسمائة عام تحت الأرض السابعة . و رؤوسهم تحت العرش من غير أن تبلغه و هم يقولون : ” لا إله إلا الله ذو العرش المجيد ” فهم إلى ذلك منذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة.

و تحت العرش بحر، منه أرزاق الحيوان يوحي الله إليه فيمطر من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى مكان يقال له ” الأبرم” فتحمله الريح إلى السحاب فتغربله.

و تحت السماء الدنيا بحر من ماء فيه من الدواب مثلما في بحور الأرض مستمسكة بالقدرة.

و إن الله تعالى أسكن ظهر الأرض – لما فرغ من خلقها – الجن قبل آدم فجعلهم من مارج من نار و إبليس فيهم و نهاهم الله أن يسفكوا دم البهائم ، وأن يظهروا المعصية  بينهم ، فسفكوا ، وعدا بعضهم على بعض .

فلما رآهم إبليس لا يقلعون عن ذلك ، سال الله أن يرفعه إلى السماء ، فصار من الملائكة يعبد الله أشد عبادة .

و أرسل الرب إلى الجن – وهم حزب إبليس – قبيلا من الملائكة ، فطردهم إلى جزر البحار.

و قتلوا ما شاء الله منهم.

و جعل الله ” إبليس ” على السماء الدنيا  خازنا

فتوقع في صده كبر ثم شاء الله عز و جل أن يخلق آدم فقال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.

قالوا : ربنا و ما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : تكون له ذرية.

و يفسدون في الأرض .

و يتحاسدون .

و يقتل بعضهم بعضا .

قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ، و يسفك الدماء ، ونحن  نسبح بحمدك و نقدس لك ؟

قال : إني

أعلم

ما

لا

تعلمون.

ثم بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها .

قالت له الأرض : ” إني أعوذ بالله منك أن تنقضني ” فرجع.

و لم يأخذ منها شيئا .

وقال : ” يا رب انها عاذت بك” .

ثم بعث الله ميكائيل، فقالت له مثل ذلك .

فرجع .

و لم ياخذ منها شيئا .

فبعث الله ملك الموت ، فعاذت بالله منه .

فقال : ” و أنا أعوذ بالله أن أرجع و لم أنفذ الأمر. ” فأخذ من تربة : سوداء

وحمراء .

وبيضاء

فلذلك يخرج بنو آدم مختلفين في الألوان .

و سمي آدم لأنه خرج من أديم الأرض

و أوكل الله ملك الموت بالموت.

و جبل آدم و تركه حتى صار طينا لا زبا يلصق بعضه ببعض أربعين سنة ، ثم صوره و تركه بلا روح – من صلصال كالفخار – حتى أتى عليه مئة و عشرون سنة ، فكانت الملائكة تمر به فيفزعون منه . و كان أشدهم فزعا ابليس . كان يمر به فيضربه برجله فيظهر له صوت كظهوره من الفخار.

و كان إبليس يدخله من فيه و يخرج من دبره و يقول : “لأمر ما خلقت “…

فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة :

–         ” اسجدوا لآدم “.

–         فسجدوا.

إلا أبليس أبى و إستكبر و قال : ” يا رب أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين. و النار أشرف من الطين.

و أنا الذي كنت مستخلفا في الأرض.

و أنا الملبس بالريش.

و الموشح بالنور.

و المتوج بالكرامة.

و أنا الذي عبدتك في سمائك و أرضك “.

قال له تعالى :

“أخرج منها فانك رجيم .

إن عليك لعنتي إلى يوم الدين” .

فسأل الله المهلة إلى يوم يبعثون .

فأنظره الله  إلى يوم الوقت المعلوم .

ثم نفخ الله تعالى في آدم من روحه .

ثم خلقت حواء من آدم .

و أسكنا الجنة لثلاث ساعات وهو ربع يوم بمائتي سنة و خمسين سنة من أعوام الدنيا.

و أهبط الله آدم بسرنديب ،

و حواء بجدة ،

و أبليس ببيسان ،

و الحية بأصبهان.

فهبط آدم بالهند على جبل ” الراهون” .

و عليه الورق الذي خصفه من ورق الجنة ، فيبس ، فذرته الرياح ، فانتشر في بلاد الهند .  فقيل إن علة الطيب بأرض الهند من ذلك الورق.

و خصت  أرض الهند بالعود و القرنفل و المسك و سائر الطيب.

و كذلك الجبل لمعت عليه اليواقيت. و كان منه الماس.

و في جزائر بحره السنباذج

و في قعره مغائص اللؤلؤ.

و إن آدم لما أهبط من الجنة ، اخرج منه و معه صرة من الحنطة ، و ثلاثون قضيبا من شجيرات الجنة ، مودعة أصناف الثمار.

فمنها عشرة مما له قشر : وهي الجوز و اللوز و الجلوز- وهو البندق – و الفستق و الخشخاش  و الشاه بلوط و الرانج و الرمان و الموز و البلوط.

و منها عشرة ذات نوى : وهي الخوخ و المشمش و الإجاص و الربط و الغبيراء و النبق و الزعرور و العناب و المقل و الشاملوج  – وهو إسم فارسي و تفسيره ملك الإجاص –

و منها عشرة مما لا قشرة لها ولا حجاب دون طعمها و لا نوى داخلها وهي التفاح و السفرجل و العنب و الكمثرى و التين و التوت و الأترج و القثاء و الخيار و الخروب .

ثم أن آدم  لما أدى الوصية أتته وفاته عليه السلام ، فتوفى يوم الجمعة لستة خلون من نيسيان في الساعة التي كان فيها خلقه .

و كان عمره تسعمائة و ستة و ثلاثين سنة.

و يقال إنه مات عن أربعين الفا من  ولده و لد ولده.

و تنازع الناس من قبره.

فمنهم من زعم أن قبره بمنى في مسجد الخيف .

و منهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قبيس .

و قيل غير ذلك .

و الله

أعلم

بحقيقة

الحال.

 

 

الباب الثالث

سفينة نوح تغادر الميناء

 

” نمرة” بنت عم درويش مغرمة بالخيول و بألعاب الفروسية . و درويش فارس و يحب نمرة . و نمرة زاهدة في الزواج . و درويش راغب فيه أشد الرغبة .

و ما العمل يا درويش ؟

كتب لها الرسائل  المعطرة .

بعث لها بالورد في فصل الشتاء.

أهداها سيارة مرسيدس و ثلاث إماء اشترهن من سوق العبيد. دفع ثمن السيارة مائة ألف دولار أمريكي.

و نمرة مغرمة بالخيول الأنجليزية.

تزورها كل يوم في الإسطبل.

و تطعمها اللوز و الفستق .

و تربت على مؤخراتها  بحنان. و تدفع لفرسانها خصلات من شعرها ، و خواتمها الذهبية.

و درويش يرشي الشعراء بالهدايا  الثمينة ، و بـ “اعطه  يا وزير ألف دينار”

فيكتبون له قصائد غزل ينسبها لنفسه و يدعو الرواة لحفظها.

و نمرة..

نمرة السمراء،

غزال الصحاري،

و ريم البراري ،

يربت فرسان الخيول الأنجليزية على ردفيها بحنان السائس الماهر، و تغادر اسطبل البهائم و بين نهديها بقايا من علف الخيول .

 

*      *     *

و نمرة  تذهب كل مساء للنبع مع البنات .

تحمل الجرة على رأسها.

و تختال كالمهرة ..

و تعمل في الحقل .

تحرث..

و تزرع ..

و تجني المحاصيل ..

و تعود إلى البيت  مهدودة القوى ..

فتأكل الثريد  بالحليب..

و تنام على الأرض.

*      *     *

و درويش

عابر سبيل يطلب شربة ماء .

مجنون يغني على ليلاه.

حمام يهدل.

بدوي يبحث عن ناقة شاردة.

و نمرة لا تلتفت إليه ، فتعتريه  حالات من الجنون القصوى ، فيتخلص من ثيابه و يهيم في الصحراء.

ياكل العشب مع الوحوش.

و ينام تحت النجوم.

ثم يعود إلى رشده فيذهب إلى مصحة طبيب نفساني من أصدقاء العائلة ’ فيعتني به دهرا ، ثم يكتب له وصفة دواء و يوصله بسيارته إلى أهله.

*      *     *

و نمرة تعشق السفر.

و تقتني ملابسها الداخلية من باريس ،

و أحمر الشفاه من هونغ كونغ ،

و كلاسينها من لندرة ،

و سوتياناتها من جزر هاواي ،

و مرآة الزينة من لاهاي،

و عشاقها من بورصة نيويورك.

*      *     *

و درويش يدفع .

يوقع على شيكات و يدفع .

و تسافر نمرة إلى جزر البهاما،

فيشتري درويش كل ليلة قينة.

و يكتري لها فرفة موسيقية،

تعزف العود ،

و تضرب على الدربكة و الأورغ الكهربائي.

و تنثر تحت قدميها الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد السلطان قلاوون.

*      *     *

و نمرة ترعى الغنم ،

و تجمع الحطب  ،

و تحلب النوق ،

و تصنع الفرش و الزرابي ،

و ترفض الزواج من درويش.

و يقول الأهالي : نمرة لا تحب درويش ، يا ويلنا إذا أزفت ساعة زواجهما .

*      *     *

و يصير درويش بائعا جوالا  .  يدفع  عربته   اليدوية ، و يتغنى ببضاعته ، و بأشعار الغزل الرقيقة.

عندي أمشاط من عاج أنياب الفيل.

عندي خواتم من ذهب البحرين .

عندي بخور هندي.

راديوهات.

سيوف.

كاستات.

قلوب آدمية.

فيديوهات.

فول سوداني .

بنادق أوتوماتكية .

أحزمة من جلد التمساح.

بطريات كهرباء.

اشعار عمر إبن أبي ربيعة..

” أهيم إلى “نعم” فلا القلب جامع

ولا الحبل موصول و لا أنت مقصر.

إذا زرت “نعما” لم يزل ذو قرابة

لهـا كلمـا لاقيتـها يتنمـر.

عزيز عليه أن ألم ببيتها

يسر لي الشحناء و البعض يظهر”.

سوتيانات .

أشرطة مسجلة لمادونا .

نواسيات.

خمر بساتين الحيرة.

قمصان نوم .

كحل من باكستان .

غزل مجنون بني عامر.

أشرطة ” سكس” .

معجون أسنان .

قوارير كوكا كولا مثلجة .

قراطيس مخدرات .

حبوب منع الحمل .

عندي صندوق الدنيا .

*      *     *

و تهل الصبايا .

و يهل العيد .

و تغني فيروز .

و ترقص الخيول المطهمة .

و ينفجر الفرح في قلب درويش .

و تمتلىء القرية بالهمس ،

و بالضحكات اللذيذة ،

و تذهب بنت تنادي نمرة : ” تعالي إلى حيث الفرجة و الأشياء الجميلة” ،

و تعطيها رسالة من البائع الجوال الذي لبس صورة درويش فيهرب  الفرح من القرية و نمرة تغلق في وجه البنت أبواب السماوات السبع بالمفتاح.

و تعود البنت إلى البائع الجوال ، فتسمع شقشقة داخل صدره تشبه صوت تحطم البلور.

و يسيل دم درويش فوق قمصان النوم الحريرية ،

و أحزمة جلد التمساح،

و البخور ،

و الفول السوداني ،

و مشابك شعر الرأس ،

و تذوب الإبتسامات،

و تهرب البنات في كل الإتجاهات ،

و يقصف الرعد ،

و ينزل المطر غزيرا على القرية .

و تمتلىء الشوارع بالضفادع النازلة من السماء .

و تفيض الأدوية بالدم..

و تتحول

عربة

البائع

الجوال

إلى

” سفينة” .

و ينزع درويش قناع البائع الجوال..

و يلبس بذلة الربان – قائد السفينة – .

البذلة ذات الشرائط المذهبة .

و ينادي :

” من كل زوجين إثنين “…

و يتدافع الخلق .

” من كل زوجين إثنين “…

و السيارات .

” من كل زوجين إثنين ”  …

و الأحمرة ..

و الفئران ..

و الخنازير…

و البق.

” من كل زوجين اثنين “…

و حقائب ” السمسونايت”..

و أجهزة التلفون الملونة..

و الثلاجات..

و مسابح العوم..

قو قوارير الوسكي..

“منكل زوجين إثنين “…

و عرئس البحر ..

و خدم الخليفة..

و إماء السلطانة ..

” من كل زوجين إثنين “…

و التنوريفور ..

و صافارات السفينة تعوي ..

و درويش ينادي :

يا أولاد الكلب .

” من كل زوجين اثنين “…

و نمرة تردد :

” سأعتصم بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش “…

و ربان السفينة يلوح بماديل الوداع..

و المدعون يمسحون الدموع ..

و أعوان الجمارك يضعون طوابعهم على جوازات السفر ..

و حراس الحدود ببنادقهم القصيرة يدفعون المتطفلين.

و السفينة تقسم الموج شطرين ..

و الصفارات تؤذن :

حي على السفر …

حي على السفر…

 

“كلما رمت الملجىء لهذه الدنيا ، لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس الا بالتأنس”

“حكمة هندية ”

 

كلما سمعت دق الطبول و شقشقة الدفوف و صهيل الخيل و زغاريد النسوة ، خيل إلي أنني عشت في زمن آخر، و في مكان آخر، على ظهر هذه الأرض العجوز.

أين عشت هذه الحياة الأخرى ؟

و متى كان ذلك ؟

لست أدري …

بقيت على هذه الحالة مدة طويلة .. إلى أن كان يوم تذكرت فيه حياتي السابقة كما يتذكر طفل صغير حلما جميلا.

المناسبة : حضرت حفل زفاف قطر الندى من الخليفة المعتضد العباسي.

الزمان : عصر خمارويه بن أحمد بن طولون.

المكان : القطائع من بر مصر .

صداق العروس : ولى الخليفة العباسي ، المعتضد ، خمارويه ، جميع البلاد الممتدة من الفرات إلى برقة. و جعل إليه الصلاة و الخراج و القضاء . و خلع عليه إثنتي عشرة خلعة و سيفا و تاجا و وشاحا.

جهاز العروس : ” حملت معها ما لم ير مثله ، و لا سمع به ، إلا في وقته”:

دكة من أربع قطع من الذهب ،

عليها قبة من ذهب مشبك

و في كل عين من التشبيك قرط ،

كل قرط معلق فيه حبة من الجوهر.

كل حبة من الجوهر لا يعرف لها قيمة.

و مئة هاون من الذهب لدق الطيب.

و ألف تكة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير.

و  قد أمر خمارويه بعد أن فرغ من الجهاز بأن يبنى لبنته على كل مرحلة ، قصر أشبه بالمنزل  أو مكان الأستراحة ،تنزل فيه وهي في طريقها إلى بغداد.

و أعدت هذه القصور بكل ما تحتاج إليه ، فكانت في سفرها ممتعة بجمع وسائل الراحة و أسباب                            الرفاهية  كما لو كانت في قصر أبيها.

جائزة إبن الجصاص الذي عهد إليه بإعداد جهاز العروس : أربعمائة ألف دينار.

و قد أقيمت الحفلات و المآدب بمناسبة هذا الزواج في قصر خمارويه . و إجتمعت النساء في أحسن ملابسهن الحريرية . و ظهرن  أجمل حليهن ، و إرتدت قطر الندى ثوبا من الحرير الأبيض.

ووضع على رأسها إكليل من الذهب ، و طرحه مرصعة بالجواهر ، و على أذنها قرط ثقيل الوزن على شكل حلقة من الذهب ، و في أصابعها الخواتم.

و في معصمها سوار من الذهب المرصع بالجواهر.

و زين وجهها بالأصباغ ، فبدت في أحسن زينة.

و مد السماط ، و زين بالأزهار ذات الرائحة الذكية ، و بالألوان المختلفة.

جلست العروس في صدر السماط.

و جلست أمها عن يمينها و جدتها عن يسارها.

و وضع في طرفي السماط قطعتان كبيرتان من الحلوى .

و نثرت عليه صحاف ملأى بألوان الطعام المختلفة .

و خرجت قطر الندى من قصر أبيها في موكب اخترق مدينة القطائع التي اشترك أهلها في توديع إبنة الأمير، الذي تقدم الموكب ، يحف به حرسه المختار، يلبسون الأقبية ، و يتقلدون السيوف المحلاة بالذهب ، وهو ممتط فرسه الأشهب ، متقلدا سيفا بحمائل ، تكسوه الهيبة ، و يتبعه جيشه من المصريين و الأتراك ، يحملون الدروع و السهام. ومن السودانيين يرتدون الأردية و العمائم السود.

و لما وصلت قطر الندى إلى بغداد ، نزلت في قصر صاعد ، و أقيمت الحفلات ، و دعيت النساء من علية القوم ، و كن يرتدين أفخر الثياب ، و يتزين بأنفس الحلي و مدت الأسمطة و عليها أنواع الطعام على النحو الذي مدت به في مصر، و أخرجت القيان ، و المغنيات.

افلاس : لما وصلت قطر الندى إلى بغداد كان خمارويه في شدة و كرب شديدين بسبب تجهيز إبنته الذي استنفد كل ثروته و ليس أدل على صحة هذا القول من أنه احتاج إلى شمعة فلم يوفق إلى اجادها لوقته.

*      *     *

هل حضرت حقا هذا الحفل ؟

هل قرأت قصته في مخطوط قديم …

هل شاهدت شريطا سنمائيا يحكي عن زواج قطر الندى و أنا في سابع نومة ؟

كل هذه الإحتمالات واردة.

ما أنا متأكد منه فقط ، هو أنني قررت حينها أن يكون حفل زواجي من نمرة ، كعرس قطر الندى.

و طبعت استدعاءات باسم خمارويه التركي و المعتضد العباسي.

و لم أنس ابن الجصاص …

و هل ينسى ابن الجصاص ؟

 

 

 

الباب الرابع

البراق لا يحط في المطار

 

 

أفاق عبدو كعادته باكرا ، تحسس بقعة لطمة البارحة  و أن بصوت خافت ، ثم اغتسل غسلا  كاملا بالماء البارد.

كان دائما يردد : ” الماء البارد طهارة للروح و البدن “.

و صلى

و أخرج سبحة صغيرة من جيبه و راح يسبح …

*      *     *

حين استيقظ فرنسوا مارتال ، كانت العصافير قد شاركت عبدو في تسبيحه . تمطى و تثاءب بصوت عال.

و رسم إشارة صليب .

و رتل صلواته .

و نادى عبدو، فجاء بالقهوة و بغليون ، و بعلبة ثقاب.

ارتشف من القهوة رشفات ، و أشعل الغليون ، و تثاءب من جديد.

اقترب عبدو من السرير، و نظر في عينيه.

كانت دموع البارحة مازالت عالقة بجفونه ، و النحيب مازال يملأ الغرفة ، و يتردد في أرجائها :

” أكل

هذا

الوحش

الشرقي

صور

بدء

الخليقة”

و تتحرك الكتب المرتبة في ركن من أركان بيت النوم : كتب التوراة و الإنجيل و القرآن.

و مجلدات في علم الأديان و في التاريخ القديم .

كتب تحكي عن البابلين..

و الآشوريين ..

و الكلدان ..

و الفينيقيين …

تحكى عن هزائم هنيبعل و تنسى إنتصاراته قرب نهر بو.

و المصريين القدماء  :

” مومياء ” + عرب = “مومياء” + عبد الناصر = “مومياء” + السدات = حرب أكتوبر + عصر الإنفتاح و الصلح الإنفرادي و “طز” في العرب البائدة. و العرب العاربة و العرب المستعربة و الآراميين و الإغريق و مملكة سبأ ،

و داوود ينكح بلقيس بعقد صوري ، و بمباركة الهدهد .

و الصين ،

و الهند ،

و كتاب العبر . و دوركايم  تتلمذ على ابن خلدون و سرق منه علم الإجتماع.

و عصور ما قبل التاريخ .

” و إرم  ذات العماد  التي لم يخلق مثلها في البلاد” .

و عصا موسى التي أكلت ثعابين الحواة.

” و إذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى ؟ ”

قال : ألم تؤمن ؟

قال بلى و لكن ليطمئن قلبي.

قال فخذ أربعة من الطير،

فصرهن إليك ،

ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا .

ثم ادعهن يأتينك سعيا.

و أعلم أن الله عزيز حكيم”.

و أنكيدو ،

و جلجامش ،

و تموز،

و أفروديت ،

و فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد … فصب عليهم ربك

سوط عذاب … ان ربك لبالمرصاد …”

و حمل فرنسوا مارتال آلة التصوير على كتفه ، و خرج . التقى في الطريق بمجموعة من السياح الأمريكان  النازلين لتوهم من حافلة على ملك وزارة السياحة و الإرشاد القومي . رطن معهم بالأنجليزية و اتجهوا إلى ساحة درويش  كان في الطريق قد حدثهم عن ساحر يشعل النيران في رجليه و لا يكتوي بنارها . و وصل الأمريكان إلى الساحة . حمر. سمان . يقطر الشحم من تحت أبطانهم   و من بين أفخاذهم . تحلقوا حول درويش ، و أشبعوه تصويرا.

و أشبعوا الدليل أسئلة عن هذه النيران التي تشتعل في رجلي الرجل و لا تحرقه.

رأى الحيرة تحوم حول الوجوه ، فذكرهم بقصة ابراهيم الخليل والنمرود ، و كيف أن النيران كانت على إبراهيم بردا  و سلاما .

 

قالوا : ذلك رسول الله …

قال : و هذا درويش الله …

و لا قناعهم أكثر، و ربما لا رباكم ،حكى لهم هذه الحكاية:

” مات درويش في مركب فجهز، و أريد القاؤه في البحر، فجف البحر، و أنزلت السفينة ، فحفروا له قبرا ، و دفنوه . فلما فرغوا ، استوى الماء . و ارتفع المركب”.

و قالوا : ” هل هذا الدرويش مجنون ؟”

قال فرنسوا مارتال : ” البارحة أكل صور بدء الخليفة “.

و قال الدليل : ” و ما صاحبكم بمجنون و لكنه الحب “.

*   *    *

ما رأيكم أصدقائي الكرام لو نتكر هذه القصة في هذا المقطع ، و نعود مع قافلة السياح  الأمريكان إلى نزل الأنترناشيونال ، فقد عرض عليهم الدليل مشاهدة شريط سنمائي بالألوان الطبيعية يحكي قصة جنون درويش بعد أن هام حبا بنمرة ، و بعد أن قالت له يوم الطوفان العظيم : ” سأعتصم منك بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش”. و قد راقت الفكرة للسياح ، فوافقوا على العودة مهللين ، مكبرين ،مصفقين كالأطفال الصغار.

سكوت.

سيبدأ الآن عرض شريط :

مجنون الصحراء.

درويش و نمرة

الصورة الأولى : دعاية للحليب الزبادي ..

و قوارير الكوكا كولا كبيرة  الحجم ..

و احتفالات في الشوارع ..

أعلام ..

و شرائط حريرية ملونة ..

و تصفيق ..

و يعيش . يعيش . يعيش.

و يحيا.

و صورة لرئيس دولة زنجبار و قرينته ..

و أطفال المدارس في صفوف طويلة على جنبات الطرق.

– أواه ذكرني أطفال المدارس بطائرات الورق –

و ظهرت رمال الصحراء ،  و صوت الناي..

و نمرة راكبة في هودجها مع خادم سوداء

و مسعود السائس يقود الجمل :

” و سوق و ربص ، آسعد شوشان . سوق و ربص..

سايس جمل للاك حتى تلبس ..

آسعد آشوشان

سوق و هني ، آسعد آشوشان . سوق و هني ..

سايس جمل للاك حتى تحني

أسعد آشوشان .

و الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار بليغ عبد الحليم تعزف ألحانها..

و فرق الموسيقى الشعبية ..

و الطبل و المزمار..

و البواريد تلعلع ..

و زغاريد النساء ..

و الجمل يتمخطر..

إلى أن وصلت قوافل العرس إلى نبع الماء المبارك الخارج من شق في الجبل. شرب الأطفال من ماء النبع ، و شربت النسوة ، و شرب درويش ، و اغتسل ، و مسح على شعره.

و شرب الرجال بعده ، و اغتسلوا .

و نادي عراف القرية نمرة :

طلب منها أن تخرج من الهودج ليغسل لها يديها و وجهها و يباركها.

و يقرأ الحاضرون سورة الفاتحة.

و تنحر الخرفان.

لكن جملها لم يبرك

و عاود العراف النداء ، فقالت له إنها طامث ، و لا تريد له النجاسة ، و طلبت منه أن يبتعد عن النبع المبارك.

و عاود  العراف النداء ، فأخرجت له الخادم قميصا ملطخا بالدم .

قال العراف : ” بكم بعت عفتك يا نمرة ؟

ردت من وراء الحجاب : ” أنا لا أبيعها و لو بمليارات من الدولارات يا سيدي أنا أهب عفتي يا سيدي لم أهوى “.

قال : ” و من وطئك اذن في هذا الهودج ؟”

قالت : ” صاحب هذا الجبل ، يا سيدي العراف ” .

و جلس العراف على ركبتيه ، و أغمض عينيه ، و ضرب الجبل بحجر، فانفلق الصخ . و صاح العراف : زع … زع … زع … يا جمل

قدخل الجمل من الباب المفتوح في الضخر بعروسه  وهو دجه المزدان بالشرائط ، و البالولات الحمراء و الصفراء والزرقاء ، وذاب داخل الجبل .

وهم درويش بالدخول وراءه ، فصده العراف .

قال له :”لقد استجارت  منك بصاحب  الجبل .”

و حاول مرة ثانية فانغلقت الأبواب السبعة في وجهه..

بابا

وراء

باب .

و حاول مرة ثالثة.

صاح : إفتح يا سمسم …

فرددت الأودية صدى صوته : ,, إفتح يا سمسم . إلا أن ابواب الجبل بقيت موصدة .

و تفرق الخلق في الجهات الأربعة. و ضرب طاقم الموسيقى لدرويش سلام تعظيم .

و أطلقت المدافع عشرين طلقة ..

و أمتلأت السماء بالنجوم الإصطناعية .

و عوت صفارات الإنذار.

و قال الأهالي : يا ويلنا من هذا الليل الطويل . سيقتل درويش نفسه .

و شق درويش صدره …

و أشعل النيران في الساحة .

و شوى كبده  فوق النار الملتهبة .

و أطعم منه خمارويه التركي ..

و المعتضد العباسي ..

و ابن الجصاص ..

و الفرس الصاهل امامه …

و الشياطين …

و عزرائيل …

و سائق سيارة العريس …

و مسعود الجمال …

و حادي العيس ..

يا حادي العيس عرج كي أودعهم

يا حادي العيس في ترحالك الاجل …

و الموسيقار بليغ عبد الحليم .

و اكل بعد ذلك قطعة من الطورطة العملاقة .

و أطعم حصانه قطعة أخرى .

و مد السكين لضيوف الشرف .

قال لهم ليأخذ كل منكم كفايته و لا يخجل .

و لحسن اصابعه من بقايا الشوكولاطة . و ثقب بدبوس البالونات التي تزين السيارة المعدة سلفا لنقل العروسين إلى فيلا السعادة .

و أخرج من خرج معلق بجانبه برذغة الحصان قميصا أبيض ، و دنانير ذهبية مسكوكة في دار السكة في عهد الخليفة العثماني سليمان القانوني اعطاها لعجوز جاءت تطلب صدقة لوجه الحي القيوم .

و الظلام يعم القاعة

قاعة عرض الافلام في نزل الانترناشيونال .

و الأمريكان سكوت …

و صوت آلة العرض يتكتك تك..تك..تك ..

و ذهب درويش إلى النبع .

ذهب وحده هذه المرة .

فتطهر ،

و مسح وجهه بالتراب …

و صلى ركعة واحدة ..

و سلم ذات اليمين ..

و سلم ذات الشمال ..

و ذهب إلى أعلى الجبل ..

وقف فوق الصخرة ..

راى القرية تمتد تحت بصره ، لونها أحمر كلون حجارة الجبل .

و الدخان يتصاعد من وسط الواحة و يعلو حتى السماء .

قال : ماذا لو ذهبت مع هذا الدخان إلى السماء …

و ربت على ظهر حصانه، فنبت في الحين الحصان جناحان، ريشهما من كل الالوان .

ريش أجمل من ريش الطاووس .

و استدار وجه الحصان .

صار أجمل من وجه حورية من حوريات الجنة .

عينان سوداوان برموش طويلة ..

و فم يقطر منه الشهد .

و أصبحت الساحة الممتدة تحته مطارا كبيرا .

و البراق يتحفز للطيران

و صوت المكرزفون يردد :

على المسافرين على متن الطائرة القادمة من فرنكفورت الالتحاق بمكاتب جوازات السفر لإتمام الإجراءات القانونية .

تلمس حقيبته الصغيرة .

فيها منامة ،

و ثلاثة كتب :

الحب في زمن الكوليرا لماركيز ..

و المسيح يصلب من جديد لكزانتراكسيس ..

و المحصول الأحمر لخورخي امادو..

و مجلة أدبية ..

و مسودة لرواية غير مكتملة .

و نسخة صغيرة من حربه .

حربة من البرنز المطعم بالفضة .

تحفة .

–       ماذا؟ ماذا قلت ؟ حربة داخل حقيبتك حربة .

–       فتشوه …

تململ السياح الامريكان في قاعة العرض .

–       سيحول وجهة الطائرة .

–       أيلول الأسود.

–       بادريماين هوف .

–       الجيش الجمهوري الإرلندي .

–       الدرب المضيء.

–       أبو العباس .

–       أبو نضال .

–       بدأ الهرج و الصياح .

طلقات نارية ززز…

دم…

فرق مكافحة الإرهاب تحاصر المطار.

سلم نفسك …

مسافرون محتجزون في إحدى القاعات .

الصليب الاحمر الدولي .

سيارات الإسعاف .

وزير الإعلام يتحدث عن إكتشاف كلاشنكوف داخل حقيبة مسافر عربي في مطار دولي .

إذاعات العالم تنقل الخبر.

مفاوضات .

مفاوضات .

مفاوضات .

مفاوضوات.

فاوض.

يفاوض.

مفاوضات .

النساء و الاولاد يغادرون الطائرة .

الرجال المرضى يغادرون الطائرة .

فاوض.

يفاوض .

مفاوض .

مفاوضات.

الإرهابي يسلم نفسه مصحوبا بآلة الجريمة :

حربة من البرونز المطعم بالفضة ،

و الحب في زمن الكوليرا،

و الدم يعود إلى وجوه السائحات الأمريكيات .

وجوه سمينة .

وجوه معطرة .

وجوه يقطر منها السم.

و الهدوء يعود من جديد إلى قاعة العرض.

و العسل يسيل أنهارا من فم الطاووس .

و البراق  يردد: إلى أين يريد سيدي السفر ؟ .

و درويش يرد : إلى الحيرة عند الملك النعمان بن المنذر .

 

 

*     *     *

 

إشتعلت الأضواء في القاعة ..

وتهامس السياح .

تساءلوا عن الحيرة ، و عن النعمان بن المنذر .

جاء الدليل يسعى .

جمعهم حوله و بشرهم :

لا تتساءلوا كثيرا عن الحيرة سنزورها هذا المساء . و هذه بطاقات إستدعاء من الملك النعمان بن المنذر .

قيل إنه سيولم لضيوفه .

سيذبح لهم الف بعير .

قالوا : هي فرصة لا تتكرر مرتين .

قبلنا الدعوة أيها الدليل .

و سنتذوق لحم الجمال .

ما أحلاك  يا لحم الجمل …

سكر .

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس

ملصق دعاية على تفاح تركيا .

 

 

عاد فرنسوا مارتال إلى داره بعد أن حل الظلام . نادى عبدو طلب منه احضار الغليون و الحشيش و الخمر . عاد الخادم يسعى بمائدة عامرة بالحلوى الشامية ، و بأجود أنواع الخمور .

وانصرف للمراقبة .

الاحوال هادئة .

لا خوف و لا هم يحزنون .

و الرجال يصلون تباعا ، و يتجرجرون داخل جبابهم ، و يكركرون برانيسهم الثقيلة ، فالليلة جمعة ، و حلقة الذكر ستبدأ عما قريب .

جذب الفرنسي نفسا من الغليون ، و ترك الهواء مدة طويلة داخل صدره ، ثم أخرجه رويدا رويدا ،و تنهد :

أكل هذا الوحش الشرقي صور بدء الخليفة .

و عاد إلى غليونه يعب منه بشراهة .

***

دقت البنادير و الصنوج و الطبول خفيفة في بادئ الامر .

تحسس الرجال جلودها فوق النار، ثم جربوها مرة أخرى .

رنت الضربات واثقة هذه المرة ، ثم مرروا الجلود ثانية على النار، و نقروها .

طنت في الآذان ،عنيفة ، صارخة من الالم .

و دارت كؤوس الشاي .

و دار الغليون محشوا بالكيف .

و ارتفع صوت الجماعة

 

رخيما                                                                                              حزينا ..

مليئا بالالم .

و أنت الصنوج و خشخشت، و العصيات الرقيقة تنوشها بحدق و خفة .

و رزم الطبل .

و صوت البندير .

و تعالت أصوات المداحين :

مزجت روحك في روحي كما ،

تمزج الخمرة بالماء الزلال .

فإذا مسك شئ مسني .

فإذا انت أنا في كل حال .

و عبق الجو بروائح البخور و الجاوي و العنبر و عود القماري .

و انتشى الفرنسي ، فزاد في كمية الحشيش ، و مرر الغليون إلى حلقة المداحين ، فلهجوا بالعرفان و الثناء ، و ناحوا و رؤوسهم تدور يمنة و يسرة :

أنا من أهوى و من أهوى أنا .

نحن روحان حللنا بدنا .

فإذا أبصرتني أبصرته ،

و إذا أبصرته أبصرتنا .

و قام شيخهم و الزبد يتكدس على شدقيه و بدأ يتكلم بلغة أعجمية . و وقف واحد من الجماعة يرد عليه باللغة نفسها .

خطاب هستيري، تخللته شطحات و رقصات مجنونة إلى أن أغمى على الشيخ، فسكبوا فوق جبهته قارورة عطر …

و بللوا وجهه بماء الورد .

و الفرنسي مازال يشعل النيران في الكوانين، و يرمي فيها بأعواد العنبر و الجاوي و البخور

و تمتد السهرة حتى الفجر .

ثم يغادر أهل الذكر الدار .

و يفتح عبدو الأبواب من جديد لندامى آخر الليل .

و تدور كؤوس الراح .

و يدندن العود نشيطا و الأنامل الرقيقة تدغدغ أوتاره .

و يهزج صوت رخيم تعتعه السكر :

يا رب دعني بلا صلاح .

يا رب ذرني بلا فلاح .

يدي مدى الدهر فوق ردف ،

و راحتي تحت كأس راح .

و يقول الحضور بصوت واحد : آمين

و ترتفع الآهات .

و الفرنسي راقد فوق السرير.

و الشباب يروحون و يجيئون على بيت النوم.

يتهامسون ..

و يتغامزون..

و يدسون الدنانير في جيوبهم

و يعودون إلى دنان الخمر يكرعون منها ، و يحرضون المغنى على الغناء :

يا خليلي قد عطشت وفي

الخمرة ري للحائم العطشان

فاسقياني بين الدنان إلىأن

ترياني كبعض تلك الدنان ،

و اسقياني ، فقد رأيت بعيني

في قرار الجحيم أين مكاني ؟

و يغادر الندامي البيت و الديك يؤذن ، فيغلق عبدو الأبواب ، و يذهب لينام .

و يتحرك فرنسوا مارتال على الفراش..

منهوكا …

فتتحرك الصور المعلقة على جدران البيت أمام السرير ..

صور بدء الخليقة ..

و تمد حواء التفاحة لآدم ..

و تقول : ” كل يا حبيبي هذا التفاح الأحمر ، له رائحة أحلى من المسك هو تفاح مستورد من تركيا .

كل و لا تخف ” .

و تعض التفاحة بأسنانها  البيضاء كالثلج ، تقضم قطعة ، و تمدها لآدم – يقطر منها الرضاب-

و يستعيذ آدم بالله من الشيطان الرجيم ..

و يبسمل ..

و يحوقل ..

و يبوس يد حواء و يطلب منها برفق أن تبعد عنه التفاح.

– هذه الثمرة ممنوعة يا حبيبتي و أكلها حرام علينا …

– لماذا تقول حواء ، وهي معروضة في الاسواق ،وتحت الشجر، وفوق أغصان الحدائق العمومية  .

-هكذا أشاء الرب يا عزيزتي..

ولا تقتنع حواء بكلامه.                                       .                                                                                                                      و تقرب التفاحة من فم آدم.

و يشجعه فرنسوا مارتال : ” لماذا كل هذا الإضطراب يا آدم ؟ كل و لا تخف ، فالتفاح عندنا زهيد ،الثمن وهو ملقى على قارعة الطريق . لماذا يا آدم تحرم نفسك من التفاح ؟

و يلتفت آدم يمنة و يسرة ، و يمسك بالتفاحة في يده.

على التفاحة ملصق صغير يقول إنها مستوردة من تركيا .

و يعض.

و تنغرس أسنانه الحادة في لحم الثمرة ..

و يسيل ماؤها داخل فمه.

– أحلى من العسل –

و يعض بعنف .

يعض بعنف المحروم .

و لا شاهد عل االخطيئة سوى الفرنسي

و يخرج آدم من  الصورة المعلقة على الجدار.

يمشي بخطى خفيفة ..

عريان السوأة .

و حواء تصيح من داخل الصورة :

” عد يا آدم …

عد يا آدم لقد فضحتنا “.

و يبحث آدم داخل خزائن المطبخ عن التفاح

ويفتح الدواليب .

و يملاء حضنه بالثمر المحترم …

و يعود إلى الصورة قبل أن يغلق الرب في وجهه الأبواب.

*      *     *

” فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما و قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

و قاسمهما اني لكما من الناصحين فدلاهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة ، بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة . و ناداهما ربهما ألم أنهاكما عن تلكما الشجرة و أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين.

قالا ربنا ظلمنا أنفسنا و ان لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين .

قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو. و لكم في الارض مستقر و متاع إلى حين” .

قرآن ( سورة الأعراف)

*      *     *

فنادى الرب الاله آدم و قال له أين أنت ؟

فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت . فقال من أعلمك أنك عريان ؟

هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟

فقال آدم للمرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت .

فقال الرب الإله للمرأة ما هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة الحية غرتني فأكلت .

فقال الرب الإله للحية لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم و من جميع وحوش البرية.

و على بطنك تسعين.

و ترابا تأكلين كل أيام حياتك .

و أضع عداوة بينك و بين المرأة.

و بين نسلك و نسلها .

هو يسحق رأسك.

و أنت تستحقين عقبه.

و قال للمرأة تكثيرا أكثر أتعاب حبلك.

و بالوجع تلدين أولادا.

و إلى رجلك يكون اشتياقك ، و يسود عليك.

و قال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك ، و أكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها.

ملعونة الأرض بسببك ” .

العهد القديم ( الاصحاح الثالث )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدراويش يعودون إلى المنفى

 

رواية

 

ابراهيم درغوثي / تونس

 

 

 

الجزء الثاني

 

 

الباب السادس

حفل عشاء عند ملك الحيرة

 

في الساحة ما زال درويش يصب الماء على رجليه، يغرف من سطل بجانبه ، و يهرق النفط على أعواد الحطب..

و الخطب ..

و صور زعماء القبائل المعروضة في الجرائد اليومية . و يضغط البخار على غطاء قدر الألمينيوم ، فيبرك درويش فوقه و يقول :

” لا ! ليس ! الآن مازالت طائراتنا من ورق “… وحول الساحة، و على جنباتها حوانيت تبيع للسياح : الزرابي .. و العقال العربي.. و الأفاعي المحنطة ..

و العقارب المدسوسة في علب صغيرة من الزجاج البراق .

و فراء الثعالب..

و صور الواحات ..

و الجمال ..

و كثبان الرمل ..

و وصلت القافلة….

كان درويش يمد الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد سليمان القانوني إلى الأطفال، و يوصيهم بشراء طائرات ورقية جديدة عندما وصلت قافلة السياح الأمريكان إلى الساحة.

ارتفع رغاء الجمال الباركة ..

و كثر زعيق البدو :

– من هنا  “ميس” من هنا !

– “مستر” انظر ما أجمل هذه الناقة.

– “مسز” تعالي هنا!هذا جمل عبلة زوجة عنترة، فارس بني عبس. العبد الأسود قاتل الأبطال و فالق هامات الرجال . هل تعرفين ” عنترة ” يا سيدتي الجميلة ؟

– نعم ، نعم ، أعرفه هو كلب صاحب الفندق .

و تتعالى الضحكات…

و يصبح الرمل كنار الله الموقدة.

و تبدأ الرحلة.

إلى أين سنذهب هذا اليوم أيها الدليل ؟

لقد زرنا الواحة ، و عيون الماء ، و المتحف ، و حديقة حيونات  الصحراء.

و يرد الجمال قائد القافلة : ” سنزور اليوم مدينة الحيرة.

أنتم ضيوف الملك النعمان”.

و ينوح الحادي بأغنية  لمايكل  جاكسون.

و ” يا حادي العيس في ترحالك الأجل” .

و تسير القافلة.

الجمال يسير برجليه الحافيتين ، يدب فوق الرمل الحارق .

و السائحة الأمريكية على ظهر الجمل في قمة لذتها ، تتحرك يمنة و يسرة فوق السنام.

السنام…

الصاعد…

النازل..

الطالع..

الهابط..

الصاعد…

النازل..

الطالع..

الهابط..

و الجمل يخب …

و الجمال يربت على الفخذين الشقراوين ..

و يمارس العادة السرية جهارا  فيسيل لعابه على الرمل .

و السنام يعلو و يهبط .

و السراب يحول الصحراء إلى سرير كبير .

و تقطر اللذة من عيني السائحة الأمريكية.

و يربت الرجل على فخذيها بحنان ، فلا تخجل .

و القافلة تقترب من مدينة الحيرة ، فتخرج كوكبة من الحرس السلطاني لإستقبالها .

و ترحب بهم الكلاب .

و ينبح الرجال .

و ترفع البنود فوق المباني الحكومية ، و في الساحات العامة . و يصطف الخلق على جنابات الطرق الرئيسية مهللين مكبرين . و تصيح مضخمات الصوت معلنة عن وصول قافلة الأصدقاء ، فيصفق الأطفال الصغار.

و تزغرد النساء.

و يضرب الرجال الدفوف و الطبول.

و يهزون الأعلام ملوحين بها في كل الإتجاهات .

و السياح يصورون هذه المشاهد  التي لم تخطر لهم على بال. و السنام يواصل الصعود و الهبوط حتى قصر الضيافة.

و يمد السماط على الأرض :

جمال مذبوحة.

و رجال مذبوحة.

عفوا … غلطني الوزن .

أقصد :

جمال مذبوحة .

و جمال مذبوحة.

و جمال مذبوحة.

و يفوح الشواء ..

شواء لحم الرجال.

عذرا مرة أخرى  … جعلني الوزن أغلط .

أقصد : فاح شواء لحم الجمال.

و يعبق الجو برائحة التوابل

و يسر سائح  لعجوزه :

” يقال أن لحم الجمل يقوي الرغبة في الجماع”

و تعضه العجوز في شحمة أذنه .

و يصل النعمان بن المنذر، يسبقه الوزراء..

و أرباب الدولة ..

و الحجاب..

و الشعراء..

و الخدم ..

و الحشم ..

و يقرأ الملك خطاب ترحيب على شرف الزوار.

و يلقي شاعر البلاط قصيدا طويلا :

إذا

بلغ

الرضيع

لنا

فطاما

تخر

له

الجبابر

ساجدينا

–       قولوا : ” آمين” .

–       ” آمين يا رب العالمين ” .

و تمتد الأيدي إلى الوليمة تنهش اللحم .

و رغاء الجمال يملأ المكان.

و النعمان يطعم بيديه الشريفتين الحسناء الأمريكية من كبد الجمل .

يضع اللقمة  في فمها ، و يمسح بأصابعه على الشفتين الشمسين الطالعتين في صباح يوم صحو.

و تدور كؤووس الراح.

و “ألا هبي بصحنك  فأصبحينا .

و لا يبقى خمور الأندرينا .

مشعشعة كأن الحص فيها

إذا ما الماء خالطها سخينا ” .

و تخرج القيان من وراء الستائر .

و تتثنى الراقصات .

و تهتز الأرداف و القدود .

و يطرب النعمان ، فيقوم ليرقص بالسيف ، و يطلب من السائحة التي أطعمها كبد الجمل أن تشاركه الرقص .

و يضرب برجليه الأرض  في خفة و عزم.

و  تضرب السائحة برجليها الأرض ضربات خفيفة .

و يدق النعمان الأرض.

و تدق السائحة الأرض .

و يدق الأمريكان الأرض .

و يدق اسماعيل الأرض .

فينفجر الماء نبعا  سلسبيلا.

و أمه هاجر تطوف بين الصفا و المروى.

و بير زمزم عليه

حارس لا ينام

و الصبايا عليه

مثل رف الحمام

و يدق الأمريكان الأرض بأرجلهم ..

يدقون ..

و يدقون ..

و يدقون ..

فتنفلق ..

و يخرج من جوفها الحليب و العسل  فيضعهما الأمريكان في بطونهم ..

طبقة فوق طبقة.

و يخرج من جوفها مارد أسود اللون كريه الرائحة .

يعلو ..

و يعلو ..

و يعلو ..

حتى يبلغ كبد السماء .

و يصيح النعمان :

– ما هذا العمود الأسود يا وزيري ؟

فيرد عليه الوزير :

–       هو الزيت يا ملك الزمان . اكتم السر حتى لا تحسدنا قبائل هوازن و ثقيف.

و تضحك السائحة الأمريكية التي كانت تراقص الملك ، و تقول له ” ما رأيك يا ملكي لو أبادلك هذا الزيت اللزج، الكريه الرائحة بقارورة ، عطر فرنسي ، و سبحة ، و مرسيدس ، و سيوف يمانية،و سرير مذهب الحواشي، و غلالة شفافة من الحرير ؟”

و يرد عليها ملك “الحيرة” :

” أنت ضيفتي ، و نحن كرام . و الضيف لا يرد له طلب “.

*       *     *

في تلك الليلة كبرت مدينة الحيرة صارت أجمل من نيويورك . جاء سنمار. طلب من عمال البناء هدم مباني الطين و الحجر.

و ارتفعت الدوربدون عمد .

و أضاءت فوانيس الكهرباء الشوارع ذات البناءات الشاهقة .

و امتدت الطرقات مستقيمة كالمسطرة.

و انبهرت الجمال بالأضواء.

و خجل خف الجمل من الاسفلت ، فتواري داخل الفيافي .

و أز المطاط فوق الطرقات السريعة.

وعوت الزمامير.

و بنيت العمارات و سط الصحراء تناطح السحاب.

و خرج النعمان وسط حاشيته يتفقد هذا النعيم .

جلس فوق كدس من الرمل ، و بدأ يحفر بيده الإثنتين .

ثم قال وحبيبات الرمل تتطاير في الفضاء  :

” أنفطي حيث شئت فخراجك لي …”

*        *        *

النفط : دهن معدني سريع الإحتراق ، توقد به النار، و يتداوى به . و كان النفط فيما مضى دواء تطلى به الإبل للجرب و الدبر و القردان.

و ذكر ابن سينا فائدته في مداوات أوجاع الوركين و المفاصل و آلام  الأذن و بياض العين و مائها و الربو و السعال و لسع الحشرات.

و النفاطة : سراج النفط يستضاء به.

و النفاطة : أداة من النحاس يرمي فيها بالنفط و النار، استعملها الرشيد في حربه مع الروم لما فتح هرقلة.

*          *          *

و عادت القافلة – قافلة السياح الأمريكان – إلى ساحة الصناعة التقلدية عند الفجر.

كان درويش ما زال يصب من النفط المكرر في سنغفورة على رجليه.

و البخار يصاعد من قدر الألمنيوم.

و السائحة الامريكية تحلم بإعادة  الرحلة فوق الجمل ذي السنام الصاعد ، النازل ، الطالع ، الهابط …

و الجمال يمسح لعابه.

و حوانيت بائعي التحف لا تغلق أبوابها أبدا .

و أضواء كاميرا ” السوبر ثمانية ” تنهمر على وجه درويش الماد رجليه تحت القدر.

و النيران تلتهب و تلتهم الرجلين .

ويا حادي العيس عرج كي أودعهم .

يا حادي العيس ،

في ترحالك

الأجل.

 

 

الباب السابع

بطاقة تفتيش لدى اللأنتربول

 

 

الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح، و يعود إلى الأشكال فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم                   يمرح بالدلال طمعا في الوصول إلى الكمال.

صورة المصباح : علم الحقيقة .

و حرارته : حقيقة الحقيقة .

والوصول إليه: حق الحقيقة .

و الفراش لم يرض بضوئه و حرارته فيلقي جملته فيه.

و الأشكال ينتظرون قدومه فيحذرهم على النظر حين لم يرض بالخبر. و حينئذ فقط ، يصير متلاشيا،متصاغرا ، متطايرا ، فيبقى بلا رسم و لا اسم و لا جسم . فلأي معنى يعود إلى الأشكال ؟

صار من وصل إلى النظر استغنى عن الخبر.

و من وصل إلى المنظور استغنى من النظر “

الحسين بن منصور الحلاج

“كتاب الطواسين”

 

و صار منزل الفرنسي محجا للاهالي، يطوفون حوله، و يتبركون بأحجاره . حتى الكبار : شيوخ القبائل ، و قادة الجند ، و كبار التجار جرتهم رائحة ” الكيف ” إلى هناك، فجاؤوا زرافات و وحدنا، و حطوا الرحال داخل حديقة القصر.

و ترك ” الشيوخ” قراءة القرآن، و قيام الليل، و التهجد، و اتمام الأوراد و جاؤوا يتسولون سجائر الأفيون ، و يشاهدون الأفلام الخليعة ، و يمارسون الجنس مع السائحات ، و السياح الفرنسيس و الألمان و الأمريكان.

و في آخر الليل يقرأ لهم فرنسوا مارتال أشعارا لعمر بن أبي ربيعة  وهم يتبولون فوق الرمل ، و يدوسون بأحذيتهم أحجار الحديقة.

و عبدو يبارك الخارجين من المخادع ، و يرشهم بماء الورد .

و الرؤوس ” المنفوخة  برائحة الكيف تكبر” و العيون تبحلق في الفراغ.

و يمر السمار من الساحة المدسوسة داخل السوق ، فيعترض طريقهم درويش . يسلمون عليه فيبسط لهم كفه الكبيرة.

يصعد الرجال فوق الكف.

شيوخ القبائل و قادة الجند و أصحاب الشرطة يصعدون فوق كف درويش الكبيرة.

يسوي ” الشيوخ” عمائمهم.

و يتفقد كبار التجار جيوبهم.

و يخرج قادة الجند و صاحب الشرطة السيوف اليمانية من أغمادها.

و درويش يبدأ في التضخم . تزداد كفه سعة و ارتفاعا . و يكبر حجم بقية أعضائه إلى أن يصبح كجبل أحد.

و الرجال يحاولون الفرار من فوق الكف ، فتحاصرهم أصابع كالمآذن.

و يؤذن و المؤذنون :

حي على الصلاة .

حي على الفلاح.

فيخرج الشيوخ سجاجيد من الحرير مطوية في جيوبهم ، و يطرحونها فوق الكف ، و يبدؤون في السجود و الركوع.

و الحمد لله رب العالمين ،

و السلام عيكم و رحمة الله و بركاته.

و ينثر التجار الدنانير الذهبية على يمين ” الشيوخ” و على شمالهم ، و يحرك صاحب الشرطة سيفه ، يقتل به مردة الشياطين و كفرة الحان .  و الأصابع الكبيرة تحاصر الساحة و مصابيح السماء ” إنا زينا  السماء الدنيا بمصابيح”  تنطفىء الواحدة وراء الآخرى.

و كف درويش تهصر الأجساد هصرا ، فيسيل العرق ، و تختنق الأنفاس ، و تبدأ الأصابع التي  تتحولت إلى كتل كبيرة من الصخر في رجم الرجال المتكوين وسط الكف ” . وجعلناها رجوما للشياطين” . و الرجال يحرقهم نور الشمس الخارج لتوه من الفرن  فيفيقون من نومهم و قد هدتهم  الشهب و النيزاك ،فيفركون  العيون ، و يركبون الخيول و البخال و السيارات ” المرسيدس” ، و يعودن إلى الأحياء الراقية ، يواصلون النوم و الأحلام.

قال واحد من الشيوخ بعد أيام حين التقى بصاحب الشرطة و بتاجر المجوهرات : ” لقد حلمت حلما رهيبا منذ ثلاث ليال. لقد رأيت طائرات من ورق تحط في ساحة سوق الصناعات التقليدية ، قريبا من درويش، و درويش ، يمسك بالطائرات كما يمسك الصغار بالفراشات”.

و سمعته ينادي الأطفال :

“تعالوا يا أولادي ، تعالو نذهب من هنا قبل أن تحل اللعنة  على هذه القرية” .

و الأطفال يخرجون من الفرش الدافئة ،حفاة ، عراة ، كما ولدتهم أمهاتهم ، فيغطيهم درويش بجناحيه.

كان له جنحان كبيران مزخرفان بألف لون و لون.

و يضم درويش الأطفال إلى صدره ثم يصلي و إياهم صلاة “الوداع”.

و رأيت المطر يهطل مدرارا ، فيغسل رجلي دويش ، و تخمد نار جهنم المشتعلة فيهما منذ الأزل .

و يقوم .

يتكىء على عصاه ، و يفتح الطريق.

و الأطفال يسيرون وراءه.

كان يقول لهم :

” لا تلتفتوا أبدا إلى الخلف ياأولادي حتى لا تتحولوا إلى قردة أو تتخطفكم  الشياطين و تمسخكم تماثيل من الحجر” .

و القرية ، وراءهم تبدأ في الإرتفاع نحو السماء.

ترتفع القرية ببطء شديد كأنها باخرة كبيرة تغادر الميناء في منتصف الليل.

و تبتعد أضواء المنازل.

و تصغر الصورة رويدا رويدا إلى أن تصبح في حجم رأس الإبرة ، ثم تهوي القرية إلى باطن الأرض مفتتة كذرات الرمل و محدثة  دويا رهيبا كأنم شمس تفتت إلى ملايين الأجزاء” .

 

حينما انتهى الشيخ من سرد الحكاية قال له صاحب الشرطة : ” لا تعجب ياصاحبي ، لقد شاهدت نفس الحلم و كأنني كنت نائما في فراشك” .

و قال تاجر المجوهرا ت: ” و أنا أيضا عشت هذا الحلم كأنني واحد منكما” .

و سكتوا مدة طويلة إلى أن قال ” صاحب الشرطة” : ” ما قول نبي  الله يوسف في تفسير هذا الحلم يا شيخنا ؟”

قال الشيخ : ” لقد أستخرت الله في تفسيره منذ أفقت ليلتها مذعورا فما وفقت . و لعل الله يهديني سواء السبيل” .

قال التاجر : ” أنا كفيل بتمويل بحث جامعي حول هذا الحلم” .

و بعث “صاحب الشرطة” في طلب درويش.

بعد حاولي نصف ساعة ، عاد العون السري المكلف بإحضار دويش من ساحة سوق الصناعات التقليدية خائبا . قال إنه  وجد الساحة خالية ، و نار الموقد مطفأة ، و الرماد باردا ، و لا أثر لدرويش.

قال الشيخ : ” و ما العمل الآن ياصاحب الشرطة ؟”

رد صاحب الشرطة : ” لا يهمك يا شيخنا ، سأرسل بطاقة تفتيش عن الرجل إلى كل ” المراكز” الراجعة بالنظر إلى سلطاننا الموقر في عرض الأرض و طولها”.

و تواعدوا على اللقاء.

 

 

الباب الثامن

الثعابين

 

و سرعان ما اخترع خيال أهل التصوف أن في الجنة كراسي يجلس عليها الصوفية و هي تميل بهم و تدور فتكفيهم مؤونة الرقص . و ذلك كما قالوا بأن يبعث الله لأهل الجنة مغاني من الحور العين وتنصب لاهلها المراتب و المساند ، ثم تغني الحور العين بأصوات لم يسمع احسن منها ، و يقول الله لهن أسمعن عبادي الذين نزهوا أنفسهم عن مطربات الدنيا ، و تلذذوا بسماع كلامي و أحاديث الرسول .

فيطرب القوم ويهيمون .

فتقدم الملائكة إليهم كراسي من ذهب . و تقول لهم لا تزعجوا أعضاءكم بالرقص لقد كفى ما تعبتم في الدنيا  بالصلاة و العبادة ، و اجلسوا على تلك الكراسي و هي تميل بكم و تدور .

فيغيبون عن وجودهم من الطرب

 

 

أبو الليث السمرقندي.

قرة العيون و مفرج القلب المحزن .

 

 

وجد صبي هذه الأوراق في الساحة التي عاش فيها درويش ردحا من الزمن .

وجدها في محفظة من جلد الغزال مختومة بالشمع الأحمر ،

و مكتوب عليها بالحبر الصيني ، و بالقلم المغربي :

المرسل :  درويش .

المرسل إليه : فرنسوا مارتال .

منزل رقم  .1990

حي الواحة القديمة .

تنبيه و تحذير :

على واجد هذه اللقطة إيصالها إلى صاحبها مباشرة اليد باليد ، و إلا فإن لعنتي ستحل به آجلا ام عاجلا .

و قد أعذر من أنذر.

***

أخذ الصبي المحفظة…

مخفظة جلد الغزال …

المحفظة المكتنزة .

السمينة .

الملأى حد التخمة .

و طار بها إلى منزلهم.

دق باب السقيفة بعنف .

ضرب الباب بحجر .

ركله برجله …

بيديه ..

بخشبة .

و ظل يضرب بخفة و عنف إلى أن  فتحت له أمه و الخوف ماسك بتلابيبها . إرتمى الطفل في خضنها ، و قال لا تخافي يا أمي . لقد جئتك اليوم بكنز مولانا درويش .

قالت المرأة مرتاعة: أين هو؟

ضرب الولد على صدره و أخرج من بين طيات ملابسه محفظة من جلد الغزال .

فاحت روائح المسك و العنبر في أرجاء البيت .

و دقت أجراس صغيرة داخل جمجمة المرأة المضطربة ، فجلست على الأرض ، ودعت ولدها إلى فض أختام المحفظة .

عندما هم الولد بالمحفظة ، رأت المراة الخطوط تتوهج كالنار.

خافت المرأة ، و اعتراها اضطراب شديد ، و دعت إبنها إلى قراءة هذا الخط الذي تحول إلى ثعابين تتلوى .

قرأ الولد التنبيه : على واجد هذه اللقطة ايصالها إلى صاحبها مباشرة اليد باليد و إلا فإن لعنتي ستحل به آجلا أم عاجلا ، و قد أعذر من أنذر .

و تلوت الثعابين من جديد فوق جلد الغزال ، و أخرجت ألسنتها الرقيقة في وجه المرأة .

رمت المرأة المحفظة على الأرض، و سحبت الولد من يده ،

و أغلقت الباب وراءها بالمفتاح، و قالت : أتركها ( تعني المحفظة) هناك حتى يعود أبوك .

بكى الطفل .

ضرب وجهه بيديه و تلوى على الأرض .

قال دعيني أفتحها . هي ملأى بالدنانير. أريد شراء طائرة من ورق .

ردت أمه بحزم :لا حاجة لنا بطائرات درويش بعد اليوم . صه !

لقد احترقت طائرات الورق . كل الطائرات .

بقي الطفل ينهنه، و الأم تراقب باب الدار عل واحدا من الثعابين يغادر جلد الغزال و يخرج .

إلى أن وصل رب البيت . حكت له زوجته الحكاية و هي تضطرب ، و الطفل يبكي بهدوء .

ضحك الرجل ، و أخذ من يدها مفتاح الدار، وضعه في القفل، و أداره ثم دفع الباب . أمسكت المرأة بولدها و احتضنته . خطا الرجل خطوات داخل الدار . أغمضت المرأة عينيها ، و قالت :

– حاذر الثعابين يا رجل !

رد عليها بصوت هازئ :

– سأطلق عليها عصى موسى يا ست .

و التقط المحفظة . رازها . تبدو ثقيلة و طرية . جسها . و خمن . هي ملأى بالأوراق .

– لا بد  أنها أوراق مالية من فئة العشرين دينارا .

ثروة و رب البيت . أدارها (المحفظة) بين يديه ، و قلبها ذات اليمين و ذات الشمال . رأى الشمع الأحمر ، و الحبر الصيني و التنبيه ، و لقد أعذر من أنذر، و الأوراق المالية ذات العشرين دينارا ،و…..

اقتربت المرأة من الباب المفتوح و قالت : هل قرأت التنبيه ؟ .

رد: قرأته، و سأفتح المحفظة .

و هم بالشمع، فتحركت الثعابين فوق جلد الغزال .

صاحت المرأة فزعة ، و رمى الرجل المحفظة على الأرض.

قالت : دعنا من هذه اللعنة .

قال: لا و الله! لن أدعها ! أنا الآن متعب ، ولكنني غدا سأفض الأختام و أكتشف سر هذه المحفظة .

و أحضرت له زوجته العشاء فتعشى و نام الصبي، فأطفأ جهاز التلفزيون، وسبق زوجته إلى الفراش . تعطر و ترقبها . جاءت من الحمام دافئة . احتضنها، ووضع رأسه بين نهديها . مسح على شعرها . مرر يده على اليتيها . قبلها من فيها . و هم بها .. فما وجد ذكره. إرتاع و صرخ .مرر يده من جديد بين فخذيه، فلم يجد شيئا .

كان مكان الذكر ممسوحا . صوتت المرأة : هي اللعنة يا رجل ، لعنة درويش حلت بنا .

ألم أحذرك،فعاندتني، و ركبت رأسك. سأرمي بهذه  المحفظة خارج البيت الآن ، الآن . و ليس غدا …

كان الرجل مظطربا . وجهه إصفر، و قلبه يدق بعنف، و بين فخذيه ممسوح . أملس كالحائط.

قال لا ترمي بالمحفظة خارج البيت . غدا سيحملها الصبي إلى منزل فرنسوا مارتال .

– نامي الآن و الصباح رباح .

و ناما. ناما تلك الليلة نوما مضطربا ، أثقل من الرصاص .

و جاءتهما الأحلام المزعجة .

طلب درويش من الرجل إيصال اللقطة إلى صاحبها .

و أغلظ له في التهديد .

و أطنب له في الوعيد .

و طلع الصباح .

و نبت ذكر الرجل من جديد بين فخذيه .

و نما إلى أن عاد كما كان ، بل أكبر.

و عاد الحلم بإمتلاك  الثروة يراود الرجل .

و عاد الرجل إلى المحفظة يعالج  شمعها الأحمر .

و عادت الثعابين تخرج أسنانتها الرقيقة في وجه المرأة.

و المرأة تصرخ : ” ارم بهذه اللعنة خارج المنزل” .

و الرجل يكابر .

إلى أن جاء الليل.

ضمر ذكره شيئا فشيئا وهو يراقب ذلك مدهوشا ، جزعا، إلى أن امحى تماما . و المرأة تصرخ : “ارم بهذه اللعنة خارج المنزل يا رجل !” و الثعابين تتراقص فوق جلد الغزال.

قال جازما : “غدا سأحمل بنفسي المحفظة و أرمي بها داخل حديقة ذلك الكافر ” و نام.

و تكررت العملية ستة أيام .

في اليوم السابع رافقت المرأة ولدها حتى منزل فرنسوا مارتال قرعت الجرس و عندما جاء عبدو طلبت منه أن يدعو الفرنسي.

و جاء الفرنسي يختال كالمهرة، فسلمه ولدها المحفظة، و غادر المكان من دون أن يلتفت إلى الوراء.

أمسك الفرنسي بالمحفظة بين يديه، و راح يقرأ خطوط الحبر الصيني.

من درويش إلى فرنسوا مارتال.

…و قد أعذر من أنذر.

قال : ” ماذا يريد مني هذا الوحش الشرقي ؟ ألم يأكل صور بدء الخليقة “؟

و تحسس اللطمة ، و مسح الدموع.

و خار : عبدو ، تعال هنا أيها الوحش الصغير!

جاء عبدو يسعى بين يديه طلب منه أن يحمل المحفظة إلى بيت النوم، و أن يضعها فوق السرير بكل لطف و احترام يليقان بدرويش . لبى عبدو طلبه و عاد إلى مجلسه في الحديقة.

عب الفرنسي نفسا عن غيلونه..

نفسا طويلا..

سمينا .

رأى درويش في هيئة طائر كاسر يحوم حول المنزل . حوم الطائر مدة طويلة ثم حط على رأسه ..

( رأس الكافر )

تململ يمنة و يسرة .

و الطائر جاثم فوق الرأس .

ثقيلا..

رهيبا..

مرعبا.

و عبدو ينادي : ” لقد نمت يا مولاي جالسا على المقعد البارد”

و الطائر يأكل من رأس الفرنسي.

ثقب الجمجمة ، و راح يكرع من المخ.

و المنقار المحدودب يرتفع و يهبط بخفة و رشاقة.

و دخان الغليون المحشو بالكيف يملأ أرجاء الحديقة .

و قام فرنسوا مارتال متثاقلا. ذهب إلى سريره و فض ختم الشمع الأحمر.

بانت الأوراق داخل المحفظة ..

أوراق كثيرة ..

مكتوبة بالحبر الصيني..

و بالقلم المغربي.

أخرج الورقة الأولى و قرأ :

” أنا أكرهك أيها الفرنسي اللعين، و مع ذلك فقد قررت أن اسودعك بعض أسراري.

أعرف أنك مغرم بالنبش داخل دهاليز الذاكرة ، و بالبحث عن صور بدء الخليقة.

و قد قررت قبل الصعود إلى المنتهى أن أترك عندك محفظتي و ما فيها وديعة حتى أعود راكبا على ظل حصاني ”

تحسس الفرنسي المحفظة فامتلأت الدار بروائح الند و العطور الهندية، ثم أفرغها (المحفظة المصنوعة من جلد الغزال ) فوق السرير. كانت ملأى بقصاصات صغيرة من الورق العادي، و من سعف النخل المكتوب  من الجانبين و بورق البردي، و رقائق من جلود مختلفة الأحجام و الأشكال.

كلها مكتوبة من الحد إلى الحد..

حكم هندية ..

و سور قرآن بخط الإمام ” ورش”

و أحاديث نبوية باسانيد مجهولة..

و أشعار لأبي نواس من خمرياته و غلمانياته و زهدياته..

و تاريخ .

الفتنة الكبرى. دم عثمان و قميص عثمان و أصابع نائلة، و سيف ابن ملجم ينغرز بين أضلع الخليفة الرابع..

و معاوية ابن أبي سفيان يقول : أنا كالشعرة إذا شدوا ارخيت ، و إذا أرخوا شددت، و يملأ حجور أصحابه دنانير.

و الوليد  بن  يزيد الأموي يعلق المصحف في شجرة و يرميه بالنبال  .

و المأمون يذبح الأمين .

و “هولاتكو” يعود من جديد فوق طيور من حديد.

و ملوك الطوائف يستنجدون بالكفار لذبح أبناء العم.

و رائحة شواء لحم أبناء العم تصل  تخوم السماء السابعة.

قلت لمولاي الحسن الحفصي : ” لماذا يا مولانا تطلب عون ملك النصارى على أبناء ملتك و أنت أمير المؤمنين بيدك المصحف و السيف” ؟

قال : ” أسكت يا درويش و إلا علقتك على الخازوق “.

قالت له : ” لقد خوزقك التاريخ يا ” مولانا “.

و أسمعته خبرا تحدث به جنود كارلوس الخامس و دونه أحمد بن أبي الضياف في “إتحاف أهل الزمان بملوك تونس و عهد الأمان ” يقول إن خيول الأسبان وطأت المصاحف بجامع الزيتونة، و بالت  فوق وجوه المصلين، و زبلت في وسط المحراب.

و إن مرينز الأسبنيول قتلوا ثلث سكان تونس، و أسروا الثلث، و شردوا الثلث.

قال : ” صبرك عليُ  لقد طلبت منهم  أن يستبيحوا المدينة ثلاثة أيام فقط “.

و غادرني غاضبا، و عيناه المسمولتان بالحديد المحمى ينز رمنهما القيح و الصديد.

و قرأ فرانسوا مارتال قصص الفقراء و المجاذيب، و فضائل مشائخ الصوفية، و كرامات الأولياء و الأقطاب: مولانا القطب الأعظم سيدي محي الدين بن عربي و جلال الدين الرومي و سيدي أحمد بن عروس و محمد الحافي و الحلاج .

قال الفرنسي : ” شكرا للرب هي ذي صورة بدء الخليقة طازجة. هذا مرغوبي الذي سكنت من أجله هذه الصحراء.. قصص المجاذيب و الأولياء”.

و مال على الورق، يقرأ القصص بشبق.

 

 

الباب التاسع

موجز لجامع كرامات الأولياء

 

 

الرجل الذي نظر إلى جثة نفسه بلا رأس

كان بدمشق حرسها الله تعالى شريف ناسخ كتب. و كان هذا الشريف مضادا للشيخ الأكبر سلطان العارفين سيدي محيي الدين بن عربي. و كنت زمنها تلميذا عنده أشرب من نهر عرفانه.

وصادف ان نسخ الشريف كتابا لأحد الوزراء. وكتب فاتحته وخاتمته و أبوابه بالذهب وغيره  من الاصباخ الحسنة، ثم نشر كراريسه بين يديه ليتفرج في صناعته ، و يتفقده قبل دفعه إلى الوزير.

ساعتها ناداني شيخي ( و كان دائم المزاح معي ) و قال لي : هل ترغب في الإطلاع على واحدة من كرامتي يا درويش ؟ “.

قلت : ” بلى  يا شيخي “.

قال : ” اذهب الآن إلى دار الشريف ، و أفسد المخطوط المنشور بين يديه “.

قلت : ” حبا و طاعة يا مولاي “.

و انطلقت نحو الدار. و في غمضة عين كنت فوق رأس الشريف.

رآني واحدا من كلابه معلقا في سقف البيت، فخاف و فر، و رمى في فراره منارة السراج على الكتاب، فافسده جملة.

و عدت إلى شيخي و الغبطة تملأ قلبي.

قال : ” ترقبه اغدا سيمر من أمام دارنا “.

و نام الشريف مملوءا غيضا .

ثم كان كما قال الشيخ. مر من أمام الدار بكرة لليقي بالكتاب في نهر بردي بظاهر باب الفراديس، فناداه محيي  الدين بن عربي و قال له : ” أنانسخت مرة كتابا …”، و حكى جميع ما جرى للشريف.

فخرج الرجل عن طوره ، و غضب  غضبا  شديدا ، و سب الشيخ ، و قال له كلاما جارحا . و الشيخ يضحك و لا يلتفت إلى مقولته .  ثم قال له :” أرني الكتاب لعلي أعرف له دواء”، فقال الشريف :” الثقيل لا يجيء  منه إلا مثله ” ، ثم فتح المنديل ، و أعطى الكتاب للشيخ.

وقال الشيخ :اعطني من وراء الباب من الكناسة حفنة ، ففعل ،فذرها الشيخ على الأوراق .

فقال الشريف : الثقيل لا يجيء منه إلا مثله لقد زدته فسادا يا فاعل يا تارك”.

فقال الشيخ : ” افعل ما كنت تريد من القائه في النهر”، فذهب.

ثم قال لنفسه لعله سحره، ففتحه و نفظه ، فرآه أحسن من حاله عند فراغه منه، فجاء و قال: ” ياكافر لقد أحسنت في سحرك”.

فقال الشيخ و أنت على حالك “، و مد يده و قال : ” لله تعالى رجال يقول أحدهم بسم الله الرحمان الرحيم” و اقتلع رأس الشريف بيده من فوق كتفيه  و صار الشريف ينظر إلى جثة نفسه بلا رأس .

ثم بعد ساعة، قال الشيخ :” و لله تعالى رجال يقول أحدهم باسم الله الرحمان الرحيم هكذا ” ،ورد رأس الشريف إلي جثته. فقال الشريف : ” أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أنك ولي الله ” .

فقال الشيخ : ” و الله ما رددتك إلى الحياة الدنيا إلا حياء من النبي لئلا يعاتبني عن تخلفي عن هدايتك مع نسبتك إليه “.

 

 

الرجل الذي سكب البحر في إبريق .

 

قال درويش : ” كنت إذا أردت أن أعدي بحر النيل يقول لي المعدي : هات الكراء يا شيخ “.

فأقول له : “عندنا الله يا فقير “.

فيعديني .

فأبى علي يوما و قال : ” ما أعطاني ربك كسرة لعيالي، هات النقود يا شيخ “.

فقلت : ” ها الله” .

و طأطأت ابريقا كان معي ، فأخذت ماء البحر كله فيه ، و وقف المركب على الأرض.

فاستغفر المعدي و تاب.

فصببت الابريق في البحر،  فرجع الماء كما كان، ثم قلت للمعدي : ” خذ هذا الإبريق و املأه من ماء البحر”.

فملاه ، فوجده عسلا.

ثم ملأه، فوجه لبنا .

ثم ملأه، فوجده كوكاكولا.

 

 

الرجل الذي يتكلم بالسريانية

 

قال لي شيخي إبراهيم الدسوقي :

” يا درويش ادع بهذا الدعاء و لا تخف شيأ “.

باسم الاله الخالق الأكبر.

وهو حرز مانع مما أخاف منه و أحذر .

لا قدرة للمخلوق  مع قدرة الخالق يلجمه بلجام قدرته .

أحمى حميثا.

أطمى طميثا.

و كان الله قويا عزيزا.

حمعسق حمايتنا.

كهيعص كفايتنا.

و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

و حين سأته عن معنى ” أحمى حميثا/  أطمى طميثا “، أجابني بكونهما سريانيتين، و في كلا العبارتين سر عجيب لا يطيق القلم تبليغه أبدا.

 

 

 

الرجل الذي وضع رجله اليمنى في باب داره بالهند

و الرجل اليسرى على شاطىء الفرات.

 

كنا مرة جلوسا مع شيخي شاه نقشبند رضي الله عنه، في تربة الشيخ رافع ، و نحن ننظر إلى الفرات، إذ لاح على الشاطىء رجل.

فقال الشيخ : ” أترى ذلك الرجل الذي على الشاطىء يا درويش” .

فقلت : ” نعم ” .

قال : ” إنه من أولياء الله تعالى ،  وهو من أصحابي. و قد قصد زيارتي من بلاد الهند. و قد صلى العصر في منزله و توجه إليُ . و قد زويت له الأرض ، فخطى من منزله خطوة واحدة فإذا هو في شاطىء الفرات . وهو يمشي من الفرات إلى هنا تأدبا منه معي. و علامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان، فيقصده و لا يدخل البلد”.

فلما قرب من البلد عرج عنه ، و قصد المكان الذي فيه الشيخ و الجماعة، فجاء و سلم و قال : ” يا سيدي أسألك أن تأخذ عني العهد أن أكون من أصحابك ” .

فقال له الشيخ : ” وعزة المعبود أنت من أصحابي “.

فقال : ” الحمد لله ، لهذا قصدتك “.

و أستاذن الشيخ في الرجوع إلى البلد.

فقال له الشيخ : ” أين أهلك  ؟ ”

فقال : ” في الهند ” .

فقال : ” متى خرجت من عندهم ؟”

قال : ” صليت العصر و خرجت لزيارتك ”

فقال له الشيخ : و أنت الليلة ضيفنا”.

فبات الهندي عند الشيخ و بتنا عنده.

فلما أصبحنا من الغد قال : ” السفر “.

فخرج الشيخ و خرجنا في خدمته لوداعه.

فلما صرنا في الصحراء و أخذ الرجل في وداع الشيخ وضع الشيخ يديه بين كتفيه و دفعه فغاب عنا و لم نره.

فقال الشيخ : ” و عزة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند “.

 

 

 

 

 

الرجل الذي يشعل القنديل بنظره .

 

صليت الصبح وراء شيخي محمد الحنفي وهو جالس في مقعده ، فانطفأ القنديل، فقام  من كان حاظرا ليوقده، فأشار إليه أن أجلس – و كان مشتغلا بورد الصلاة  – فجلس.

ثم جعل الشيخ ينظر إلى القنديل ، و يطيل النظر ، فإذا هو قد توقد، و أضاء أحسن إضاءة.

بعد قليل سمعت الشيخ ينشد في همهة كهمهمة المجوس :

أحبك حبين .. حب الهوى

و حب لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى

فشغلي بذكرك عمن سواكا

و أما الذي  أنت أهل له

فكشفك لي الحجب حتى أراك

 

 

 

 

الرجل الذي اطلع على عواقب الأمور

 

بقيت في خلوتي مرة عشر سنين حتى سمعت هاتفا يقول : ” يا درويش اخرج انفع الناس ” ثلاث مرات،

فقمت و خرجت إلى الزاوية فرأيت على فسقية جماعة يتوظؤون .

فمنهم من على رأسه عمامة صفراء.

و منهم من على رأسه عمامة زرقاء .

و منهم من وجهه وجه قرد .

و منهم من وجهه وجه خنزير.

و منهم من وجهه كالقمر .

فعلمت أنني مطلع على عواقب أمور هؤلاء الناس ، فرجعت إلى خلوتي ، فلم أخرج منها حتى ستر عني ما كشف من احوال الناس.

 

 

 

الرجل الذي تخافه التماسيح

 

خطف تمساح ولدا فجاءت أمه تبكي إلى شيخي الفرغل ، فقال لنقيبيه : ” اذهب إلى الموضع الذي خطفه منه و ناد بأعلى صوتك : ” يا تمساح  تعال كلم الفرغل” .

فخرج التمساح من النهر، و طلع كالمركب ، وهو ماش ، و الخلق بين  يديه ، إلى أن وقف إلى وقف  بباب الدار.

فأمر الشيخ رضي الله عنه الحداد بقلع جميع أسنانه ، و أمره بلفضه من بطنه . فلفظ الولد حيا مدهوشا  . و أخذ على التمساح العهد أن لا يعود لخطف أحد من بلده ما دام يعيش.

و رجع التمساح و دموعه تسيل حتى نزل النهر.

 

 

الرجل الذي أفطر على سماط النبي .

قال درويش :

كنت مرة بماردين في ضيافة مولاي محمد الحافي ، و كان له جماعة من التلامذة و المحبين ، فكثر عليه الإنكار من العامة و من الأمير، فصادف الشيخ مرة الأمير فعاتبه، فقال أنا معذور، و أنت يبدو منك و من أصحابك أشياء يقع الإنكار فيها .  فأرنا شيئا يكون آية ظاهرة حتى نسلم إليكم حالكم.

فقال الشيخ : ” باسم الله أنا أموت الساعة ،و أنت ادفني كيف شئت. و أنا أظهر بعد مئة و خمسين يوما.

فقال الأمير : ” رضيت.

و مات الشيخ لوقته، فقضى حقه ، و جهز له بئرا عميقة عدة  قامات ، و دفنه أسفلها. و عمل عليها ضريحا بحجارة متقنة – عمارة متعنت ، ممتحن ،متعصب ، ثم ردم  البئر، و بنا في أعلاها ضريح خشب .

و رسم عليه رجالا كثيرين لا ينامون بل يسهرون بالنوبة .

فما ظهر الشيخ بعد المدة.

و طلب الأمير الجماعة – و كنت معهم – و انتقم منا بأنواع الاذى . و قال ما أمكن من الشتم و اللعن و غيره ، ثم بعد عشرين يوما  ظهر الشيخ محمد الحافي ، فجاءه الامير في قالب الذلة و الندامة و الإعتذار ،و قال يا سيدي: ما ظهرت في التاريخ الذي عنيته .

فقال الشيخ : في تلك المدة كنت في حبس الله تعالى ، و أما في الزيادة فقد كنت في حبسك .

فقال : صدقت يا سيدي .

ثم استغفر  الله ، و سأل الصفح .  و أكرم الجماعة الذين أهانهم ، و صار من أكبر المحبين.

وعندما زالت عنا الغمة و جاء الفرج، و انبسط الشيخ و الجماعة، قلت : يا مولاي دفناك ضعيفا، و ظهرت سمينا.

فقال لي : ما ذاك إلا من افطاري على بساط النبي صلى الله عليه و سلم ، و الخلفاء الراشدين .

 

 

 

الرجل الذي يقرأ أخبار القلب .

 

سجن أمير تونس جماعة من أهلي . و غلهم بالسلاسل، فجئته مستشفعا في إطلاقهمم فما سمع كلامي، فبقيت متحيرا  و استحييت أن أخبر شيخي أحمد بن عروس بذلك.

ثم عزمت على أن أخبره بالقلب دون اللسان.

فجئت إليه، و أضمنت قصتهم في نفسي، و رجوت الشيخ في خلاصهم ثم توجهت من عنده في تلك الليلة . فما أن ظهر الصباح حتى جئت إلى بيت الشيخ و جلست على دكة. و إذا  بجماعة اللذين كانوا في السجن يسلمون علي  من شباك القاعة. فالتفت إليهم مستغربا، و قلت لهم : من أطلقكم ، و متى جئتم هنا ؟

قالوا : ” خلصنا الله تعالى ببركة سيدي أحمد بن عروس.

قلت : و كيف ذلك ؟

قالوا : إن لنا قصة عجيبة و أحاديث غريبة. و ذلك أنه لما اشتد بنا الكرب الليلة ، و الأغلال في أعناقنا، استغثنا بحظرة الشيخ و استجرنا به.

قال أحدهم : فأخذتني سنة من النوم، فرأيت سيدي ابن عروس و قد جاء إلينا و قال : قوموا و اخرجوا.

فقلت إليه : و كيف المخرج يا سيدي ؟

قال : اتبعوني .

ثم فتحت عيني ، فرأيت الأغلال قد حطت علينا، و رأيت الشيخ خارجا من باب السجن، فقمنا  فقفونا أثره ، فلم نره.

و خفنا أن يرانا أحد من الحراس ، فأخذنا معنا عصا و مضينا، فوجدنا الباب مفتوحا، و الخفراء جالسين بأعتابه، فخرجنا. فلم يلتفت إلينا واحد منهم. ثم سرنا فلم نجد أحدا في الطريق، و الوقت مظلم : حتى وصلنا إلى جامع الزيتونة فسمعنا المؤذن يؤذن الفجر، فدخلنا و صلينا فيه الصبح.

ثم جئنا إلى بيت الشيخ، فوجدناه مفتوحا …

 

 

الرجل الذي شاهد أعضاءه تتفرق على الأرض

 

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته.

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم.

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي.

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي.

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي ، فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي  ،ثم قال لي : ” استغنيت ، فسر إلى بلدك “.

فانكشف لي العالم كشفا  بحيث لا ينحجب عني منه شيء

 

الباب العاشر

هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء ؟

 

عندما ذهب فرنسوا مارتال إلى الخزانة التي تتصدر قاعة الجلوس كانت خطواته مرتبكة، و كان وجهه مصفرا، و شعره مبعثرا في كل الإتجاهات.

رأيته يخرج من درج صغير مسدسه ( قال لي  أكثر من مرة إن هذا المسدس لا يقدر على قتل ذبابة ، و إنه تحفة يزن بها الخزانة) .

لهذا لم أهتم به كثيرا حين رأيته يقلبه بين يديه، وواصلت نفض الغبار من على الكتب، و كنس الأتربة و الرمال التي تكدست على أرضية القاعة.

واصل فرنسوا تقليب المسدس، ثم حشى الخزان برصاصة لست أدري من أين أتى بها ، و قرب الفوهة من صدغه و أطلق النار.

رأيت الرصاصة ترتطم بالجدار، وترتد عنه. ورأيت الدم ينبعث من رأس الرجل كنافورة صغيرة. وانهد الجسم، وارتطم بالأرض محدثا زلزلة دكتني دكا.

لم أدر ماذا أفعل. بقيت واقفا في مكاني مدة دقيقة أو أكثر، ثم جريت خارج البيت . نفخت في الصورثلاث نفخات، و أمسكت حبل الناقوس و بدأت أجره في كل الإتجاهات، فأحدث دويُا رهيبا، و جاء الخلق من كل مكان كأن الأرض قد إنشقت عنهم.

لم أتركهم يدخلون قاعة الجلوس.

أمسكت رمحا في يدي و أشرعته في وجوههم. ( هكذا كان قد أوصاني الفرنسي قبل مماته. قال لي عندما يحين أجلي خذ حربة ، حربة وحشي التي قتل بها حمزة بن عبد المطلب ، واملأ بها الباب ، ولا تترك

المتطفلين يدنسون جسدي، حتى تحظر الملائكة لمحاسبتي على أفعالي في دار الفناء.

أرجوك أن تحظر ساعة الحساب لأنني سأطلبك للشهادة ).

كنت أضحك منه و من هلوساته في ذلك الوقت، و لكني الساعة بدات و بدون شعور مني في تطبيق وصيته.. إلى أن جاءت الشرطة، و حاكم التحقيق ، و فرقة مقاومة الإجرام. أبعدت الحربة عن صدورهم ، و سبقتهم إلى قاعة الجلوس.

قام فرنسوا مرتال و الدم مازال ينز من صدرغه. سلم على الجماعة بأدبه المعهوذ في المناسبات الرسمية ،و طلب منهم أن يمسكوا عن التفتيش عن القاتل وعن طرح الأسئلة ، وعن استجواب الخدم ، والأصدقاء والأحباب لأنه هو الذي قتل نفسه وبواسطة مسدسه الشخصي ، ومع سابقية الإضمار والترصد .

ثم أمر بإحضار القهوة لأعوان الأمن ، وعاد إلى النوم من جديد والدم مازال ينز من صدغه .

شرب الجماعة القهوة التركية ، ثم غادروا المنزل ، فوضعت شرشفا نظيفا على وجه الفرنسي ، وأغلقت باب قاعة الجلوس بالمفتاح ، وخرجت إلى الحديقة .

هبط الليل ثقيلا ، وحط  كتفي  .

لمست بأصابعي كتل الظلام اللزجة ، وتذوقتها بلساني .

كانت الرائحة كريهة رغم عطر الزهور الفائح من كل مكان .

وكنت وحيدا .

صاحب الشرطة اكتفى بسماع أقوال المقتول ، ولم يسألني رأيي .

لماذا لم يشك لحظة واحدة بأنني قد أكون القاتل …

انتابني شعور حاد بالهزيمة ،  فطفقت أبكي .

وغزتني الروائح الكريهة من كل مكان.

و لم أتحرك من فوق المقعد الحجري المنتصب قرب النخلة العجوز التي سكنت هذا المكان منذ ألف عام أو يزيد .

تذكرت أول يوم رأيت فيه الفرنسي و كلبه و آلة التصوير.

كان كهلا و كنت في العشرين.

كان ثلجا ، و كنت ” نار الله الموقدة” .

كان شاطئا ، و كنتت أمواج البحر العاتية.

و تعارفنا بلا مقدمات.

قال : مرحبا .

قلت : مرحبا.

و نطقت ” الراء” ” غينا” لكي أعاكسه. ابتسم و مد لي يده مصافحا و الكلب ينظر باتجاه شزرا.

نهره بلطف، فابتعد بضعة أمتار و أقعى .

قال : أنا طالب لغات شرقية. أتكلم العربية و العبرية و النبطية و السريانية.

و عدُ أكثر من لغة اخرى.

قلت : و أنا أعشق فرنسا.

و ذهبنا للنزهة.

زرنا البلدة القديمة و المقبرة.

و صورنا باب دار البغاء العلني المزخرف بالخط الكوفي.

و ذهبنا إلى السوق. اشترى بعض التحف و عذقا من التمر.

و اشتدت الحرارة ، فقال أنه يدعوني إلى فطور في واحد من أفخر النزل.

أكلنا هنيئا ..

و شربنا مريئا..

و تواعدنا على اللقاء في المساء.

***

رأيت فانوس الكهرباء المعلق في سقف قاعة الجلوس يشتعل و ينطفئ، فلم أعره انتباها. قلت قد أكون ترتكه مشتعلا حين غادرت القاعة.

و الظلام يزداد كثافة ..

و النجوم تذوب في السماء واحدة وراء واحدة..

و فرنسوا مرتال يختار مكان إقامة منزله.

و تجري الدنانير بين أيدي البنائن و النجارين و الحدادين.

و ترتفع الحيطان فوق الهضبة المطلة على الواحة، و تعلو زغاريد النسوة يوم تدشين المنزل، و يمتد ‘السماط” فوق الرمل.

و رجال القرية و أطفالها ياكلون اللحم و الفواكه ، و يشربون الكوكاكولا ، و يتجشؤون ، و يمسحون على البطون الشبعى ، و يشربون الشاي.

و كاميرا الفرنسي لا تتعب من التصوير.

و الكلب البني يتثاءب و يعود إلى النوم.

و عندما هم الفرنسي بمغادرة القرية ، ترك لي شرف حراسة منزله، و دفع أجري مسبقا ،و أجزل العطاء ،و قال إنه سيعود في الشتاء.

سمعت همسا داخل قاعة الجلوس ، و رأيت ظلالا تتحرك.

أحسست برهبة و حاولت مغادرة الحديقة.

رأيت مسامير مدقوقة في الأرض .. مسامير كبيرة الحجم، و رجلاي مربوطتين بسلسلة موصولة بتلك المسامير.

حاولت تكسير أسنان السلسلة ، فما قدرت.

و عاد الضجيج و شيئا كخشخشة المفتاح في قفل الباب يقرع مسمعي.

***

و مرت الأيام رتيبة في منزل الفرنسي.

خلال زياراته التالية جاء معه بصناديق ملأى كتبا.

كان يقرأ بنهم. و يسأل عن أشياء بدت لي تافهة جدا في أول الأمر. كان يسأل عن الخلافات التي تجد بين العائلات ، و عن أسبابها ، و عن أصل العداوات بين القبائل التي تسكن الجهة، و عن الزيجات بين الأقارب ، و عن عدد الصم و البكم في كل فخذ من هذه القبيلة أو تلك. و يقيس أحجام رؤوس الأطفال و يوزع حبوب منع الحمل ، و يشجع الأطفال على مطالعة الكتب الفرنسية ، و يحضر مع الشيوخ حلقات الذكر، و يسجل ملاحظاته على دفاتر صغيرة ، و يهتف كل يوم إلى تونس ، و باريس ، و يملأ جيوبي بالدنانير، و بطني بالوسكي ، و رأسي بالحشيش.

هكذا مرت السنون الأولى إلى أن كان اليوم الذي التقى فيه بدرويش ، فتغيرت كل عاداته.

صار يطلب مني أن أحكم إغلاق الأبواب ، و أن أكون يقضا أناء الليل و أطراف النهار.

و لم يعد ينهر الكلب عندما يشتد نباحه عند الفجر.

و أكثر من طرح الأسئلة على درويش.

و تردد إسمه  في كل المناسبات التي سمعته يهتف فيها إلى باريس.

حكى عن درويش الذي يشعل النار في رجليه.

و عن درويش الذي  يدفع للأطفال ثمن طائرات الورق.

و عن درويش الذي يهزأ من رجال القرية ، و يسب شيوخ القوافل ، و تجار الصناعات التقليدية.

و استحكم العداء بين الفرنسي و بين درويش.

كان فرنسوا مرتال يردد بمناسبة و بدون مناسبة  :”أكل هذا الوحش الشرقي صور بدأ الخليقة”.

و يدفع الهبات لمن يحمل له بعض الأخبارعن حيوات الرجل الحاضرة و الماضية ، و يسجل على الأشرطة خرافات و حكايات الشيوخ و العجائز عن درويش عاش في القرون الخوالي فوق هذه الأرض.

و كان درويش يدفع الدنانير الذهبية للأطفال ، و يحرضهم على صناعة طائرات الورق.

 

***

و اكتشفت الحقيقة ذات يوم عن طريق المصادفة.

***

و انفتح باب قاعة الجلوس خرج فرنسوا مرتال ملفوفا في كنفه و الدم يمز من صدره.

مشى ناحيتى بخطوات ثقيلة. قال وهو يقترب مني .. ” لا تحاول الهرب فلن تقدرعلى ذلك. أريدك أن تدس هذه الكلمات في دماغك : رصاصة واحدة لا تكفي لثقب السماء يا صاحبي “.

و مات.

أعدت جثته التي صارت ثقيلة كأنها قدت  من حديد إلى فراشه ، و مشيت ناحية الباب.

كان جهاز لا سلكي يهتف من مكان بعيد : .. آلو …آلو ..آلو…

و أصداء الصوت تتردد داخل الخزانة العجيبة ذات الأقفال السبعة المغروسة وسط المكتبة التي تتصدر قاعة الجلوس.

 

الباب الحادي عشر

درويش يعود من المنفى

 

الواحة

 

في الغروب السري تسري البنايات الجذوع التي أقامت سقوفا و الزواي التي استقامت شبابيك في حجر الموقد.

هل كانت البيوت خياما أو كلاما عن الرحيل ؟ التقت أشواق صبارة بأوراق كرم ثم ماتت مع الرحيل…

الرحيل .

طولقة

طولقة

ايتها المدينة التي تقهرك الصحراء.

و هندسة الجنسيات المتعددة.

أيتها المشيدة

من الجذع الميت، و الجذع الحي.

أيتها المهاجرة .

        صوب المرابين و الحليب المجفف

        أهاجر إليك

        هجرة الخارجي إلى الباطن

        و أقول : باهية أنت.

تقف الريح عند ” زاوية ” في النخل … بوذية المناسك : من أعلى ضريحا على الوطيئة ؟

من قال : ” الكائنات الحقيقة “.

          ” الأرض بستان ”

و من خط بالمذهب و الأسود تاريخك الجميل الذي ننسى ؟

 إذن فلنقل : سلاما لندخل في التراويح … و لنمت في الأصيل.

        طولقة .

        طولقة .

        في ” الزاوية ” تعيشين،

        و فيك كانت تعيش ” الزاوية “.

        من أزقتك المتربة ،

        و عيون أطفالك

        تقتلعين الرخام

        و تفترشين أرض ” الزاوية “

        تفترشين تربتها ذات الشميم ،

        بسكاكين المقالع

        لماذا ؟

        لماذا ؟

        ربما كنت ميتا حينما جئتك أمشي.

        على خطاي الأخيرات. فهل أنت

        دهشتي ؟

        أم ملاذي ؟

        أم سماواتي  التي لم أجدها مرة ؟

        ربما ؟

        و لكنني أخطو خفيفا على مهاد

        من الأعشاب و السعف و التحول ،

        فلأصمت قليلا عن احتضاري الطويل .

 

سعدي يوسف

ديوان : من يعرف الوردة

 

طولقة : واحة بالجنوب الجزائري شبيهة حد التماثل بالأمكنة التي تقع فيها أحداث هذه الرواية

 

 

 

وجدت نفسي في الصحراء، و الحصان يخب تحتي، و أنا مسلوب الإرادة.

تركت له اللجام ممدودا، فدار ذات اليمين و ذات الشمال، و حمحم يستشيرني .

قلت له ” دونك الطريق يا صاحبي، و لا تشاورني في الأمر.

تناثرت الحصى و الرمل تحت حوافره، و عدا خببا إلى أن طلعت الشمس ” حمراء ” كالخبزة، فتوقف لحظة ينفض عنه العرق و غبار الطريق.

ترجلت .

صليت صلاة الكسوف.

و عاودت السفر.

امتدت الفيافي امامي جرداء.

و عصافير القلب ماتت.

و انا مسلوب الإرادة .

… إلى ان توقف الحصان مرة أخرى.

رأيت قوائمه الأربع  تنغرز في الأرض ،

و تغوص داخل الصخر .

قلت : انتهت النهاية .

و حملت الخرج على ظهري و مشيت .

لم أذق الطعام مدة ثلاثة أيام. في اليوم الرابع تذكرت الخرج و ضعت  يدي داخله فأخرجت تفاحة .

أكلتها .

ثم اردت أن أخرج ثانية فوجدتها إثنتين .

فلم أزل آكل واحدة بعد واحدة و أضع يدي في الخرج ، فأجد إثنين إلى أن تراءت إلى الواحة.

و طار اليمام فوق رأسي .

قصدت زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني .

الزاوية مبنية فوق تلة تطل على القر ية من جميع الجهات . حيطانها كعهدي بها، نظيفة، بيضاء .

وفوق القبة رأس رمح يلمح تحت أشعة الشمس.

عندما اقتربت الزاوية جاءتني أصوات الأطفال رخيمة ، ترتل القرآن :

” إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا …”

رايت البنود خفاقة، و السيوف تمتشقها الزنود السمراء ، و السهام تطير في الهواء.

و الفرسان يملؤون الأرض طولا و عرضا ..

خالد بن الوليد .

و سعد بن أبي وقاص ..

و سيف بن ذي يزن ..

و عنترة العبسي ..

و قطز ..

و بيبرس ..

و المهلهل ..

و ذياب الهلالي ..

و إبراهيم بن محمد علي الألباني ..

و صلاح الدين الأيوبي ..

و جمال عبد الناصر ..

و غيفارا ..

و باتريس لوممبا ..

و …

” لا غالب إلا الله ” ….

قلت للمؤدب عندما سكت الصبيان : ” على من سينصرنا الله نصرا مبينا يا شيخنا ؟ ”

قال : ” على الروم “!

قلت : ” هل عادوا يا شيخنا ؟ “.

قال : ” نعم ، ألم تسمع نشرة الأخبار الصباحية ؟”.

تركت الأطفال يرددون في الزاوية : … و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا.

و ينصرك الله نصرا عزيزا.

و ينصرك الله نصرا عزيزا.

و ينصرك الله نصرا عزيزا.

و نزلت  باتجاه القرية.

القرية صارت مدينة كبيرة. النزل السياحية في كل مكان، و المقاهي و المطاعم و قاعات السينما، و الحنات و الجوامع والمسابح، و الجمال المزركشة بخيوط الحرير .

هل خانتني الذاكرة ؟

ذهبت إلى ساحة السوق الأسبوعية .

وجوه الرجال كالحة.

و الدكاكين ملأى بالسلع.

أشرطة مسجلة لمدونا و هيام يونس و مرسال خليفة و الشيخ إمام والشيخ العفريت و عبد الباسط عبد الصمد.

و ” كاساتات ” فيديو : كرة قدم و فخذا سعاد حسني و ” كاراتي ” و صدر ليلى علوي و مذابح الهنود الحمر..

و علب كوكا كولا تزين الواجهات ..

و تلفزيونات ملونة تبث برامج قنوات فرنسية و أمريكية..

برامج ملتقطة عن طريق الأقمار الصناعية..

و وجوه الرجال كالحة حد الفجيعة.

ماذا يحدث في هذه القرية ؟

أبواب الدكاكين التي تبيع سلعا للسياح مواربة.

و على الحيطان كتابات بخط غليظ.

( الموت للأمريكان)

( يسقط هولاكو المغولي )

و الأفاعي المحنطة، و رؤوس الغزلان المحشية بالقش، و التحف، و كراسي جريدة النخل، و صور كثبان الرمال، و الجمال  يحط فوقها الذباب بتشف، و لا يجد الذباب من يهشه.

و النزل الفخمة خاوية ” ينعق في أرجائها البوم “.

طلبت من الساقي علبة جعة باردة فجاء يسعى .

الخدمات رائعة هذه المرة

من يظنني ؟

تعرفت عليه من النظرة الأولى :

هوذا يهوذا الصغير.

كان في تلك الأيام صبيا أحمر شعر الرأس – يهوذا الصغير – ما كان يشارك الأطفال لعبهم عندما كنت في الساحة أشعل النيران في رجلي و أصنع طائرات من ورق.

طلب مني مرة نقودا. أعطيته درهما فضيا تفرس في صورة الخليفة الناصر لدين الله المرسومة على الدرهم لمدة دقيقة ثم قال : هل معك دولارات ؟

قلت : لا.

قال : فرنكات فرنسية!

قلت : لا.

قال : دتش مارك !

قلت : لا.

قال : جنيهات استرلينية !

قلت : لا

قال : بن ياباني

قلت : لا

قال : و لا ريالات سعودية!

قلت : ما عندي.

قال : إذن ضع درهم الخليفة الناصر لدين الله في استك.

و مضى عبدو وراء الأطفال. خطف من أيديهم خيوط طائرات الورق، و قال : اتركوا اللعب يا أولاد الكلبة و تعالوا نصطد عجائز الألمان و الفرنجة.

و ما عرفني – يهوذا الصغير –

قلت له : ” ماذا يحدث في هذه القرية ؟ “.

قال : ” ألم تسمع نشرات الأخبار ؟ ”

و صمت.

شربت الجعة المثلجة. أفرغت في جوفي كمية كبيرة حتى غطت العلب الفارغة طاولتي و طاولة مجاورة.

ناديت النادل. جاء – يهوذا الصغير – مهرولا.

أعطيته خمس قطع ذهبية ، مصكوكات من العهد الروماني.

صدمته المفاجأة.

نظر في وجهي لحظة.

قلت : عرفني – يهوذا الصغير –

ارتد طرفه إلى المصكوكات الذهبية – رأس يوليوس قيصر – متوجا بالغار.

دس – يوليوس قيصر – في قلبه و استدار .

قلت : ماذا يحدث في هذه القرية ….

رد : دبابات المغول قادمة ،و شيوخ العشائر ما زالوا يتقاذفون بالشتائم و النبال.

و ابتعد.

قلت له : ماذا ستفعل بهذه المصكوكات الذهبية ؟”

قال : سأبيعها لجنود المغول” .

قلت : دسها في استك فلن تصل دباباتهم إلى هذه الصحراء ”

قال : ” سترى”!

و ذهب – يهوذا الصغير – يدس في قلبه رأس يوليوس قيصر المتوج بالغار.

و عاودت تجوالي في السوق.

الوجوه كالحة حد الفجيعة.

و نشرات الأخبار تذاع  كل نصف ساعة.

تحلق الرجال – الأطفال – حول أجهزة الراديو يتابعون الأخبار.

هنا لندن.

هنا صوت أمريكا.

هنا صوت الجماهير.

هنا إذاعة الفاتيكان.

هنا صوت العرب من القاهرة.

هنا أورشليم القدس.

هنا السماء السابعة.

هنا الرياض :

كل مطارات العدو،

و منصات اطلاق الصواريخ بعيدة المدى،

و معامل الأسلحة الكيماوية و البكتريولوجية و الذرية،

و الجسور،

و الدبابات،

و عيون الأطفال الكحيلة ..

دمرتها قواتنا الجوية الباسلة.

ماذا يحدث في هذه القرية ؟

التقتت نحوي الوجوه الكالحة و قال الرجال :

” طائرات الروم هاجمت ببغداد

يا عارنا !

طائرات الروم هاجمت بغداد !

رجعت إلى الزاوية و الشمس تختفي وراء التل، و الظلام يهبط ثقيلا فوق كتفي كالرصاص المذاب.

دفعت الباب الخشبي المزخرف باشكال هندسية و كتابات بالخط الكوفي فأز محدثا نحيبا و صراخا.

حين صمت عواء الباب قصدت صحن الزاوية . صليت ركعتين تحية للمسجد، و جلست تحت سارية ملساء من الرخام.

بعد حوالي ساعة دخل سيدي و مولاي عبد القادر الجيلاني إلى صحن الزاوية . كان يعتمر عمامة خضراء في حجم القبة، و يلبس جبة من الصوف الخشن،  و يمسك في يده سبحة من ذوات الألف حبة.

قال : السلام عيك يا درويش.

قلت : و على ابن بنت رسول الله فاطمة البتول ألف تحية و ألف ألف سلام” .

قال : متى عدت ؟

قلت : ” هذا اليوم يا حبيب رسول الله .

قال : ” هل تعشيت ؟ ”

قلت : ” إن لي عشرين يوما ما أكلت سوى التفاح ، و إني أريد أن تطعمني شهوتي”.

قال : وما شهوتك …

نظرت إلى الجو من خلال شباك صغير وإذا بخمس إوزات طائرات ، قلت : ” أريد أحدها مشوية و رغيفين من بر، وكوز ماء بارد”.

قال الشيخ :” لك ذلك “!

ثم نظر إلى تلك الإوزات و قال : ” عجل بشهوة الرجل ” .

فما أتم كلامه حتى نزلت أحداها بين يديه مشوية.

ثم مد يده إلى حجرين كانا إلى جانبه فإذا هما رغيفان ساخنان من أحسن الخبز منظرا . و اختطف من الهواء كوزا أحمر فيه ماء ، فأكلت ، و شربت ، و حمدت ربي.

و لما انتهيت . قام الشيخ رضي الله عنه فاخذ تلك العظام و ووضعها في يده اليسرى ، و أمر بيده اليمنى عليها وقال :

– ” أيتها العظام المتفرقة و الأوصال المتقطعة اذهبي و طيري بأمر الله تعالى “.

فذهبت إوزة سوية كما كانت، و طارت في الجو حتى غابت عن نظري.

ثم صلى العشاء ، و ذكر الله إلى أن مضى الثلث الأول من الليل، و أنا أنظر إلى الأنوار الساطعة التي تحيط به من كل جانب، و أتعجب في سريري و في علني.

إلى أن سمعته يردد :

المحيط

الرب

الشهيد

الحسيب

الفعال

الخلاق

الخالق

البارىء

المصور

فتضاءلت جثته، و بدأ يرتفع في الهواء رويدا رويدا، و غاب عن بصري.

عند الفجر سمعت : سلام عليكم يا أحباب الله.

قلت : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

قال : ” أما نمت ؟”

قالت : ” بلى” .

قال : ” و أنا عائد الساعة من بغداد”

و قال : ” وصلتها في غمضة عين ، فرأيت ليلها نهارا”.

قلت : ” ماذا يحدث هناك يا مولاي “.

قال : ” رأيت المغول فوق طيور من حديد و النيران تشتعل في كل مكان”.

و أدار زر في جهار راديو صغير.

و أنصت .

و أنصت .

يا جماهير أمتنا العربية …

و غاب الصوت مدة ….

… و بالحروب الشعبية طويلة الأمد أسلوبا…

و غاب الصوت مرة أخرى….

… حتى تحرير فلسطين..

كل فلسطين ..

قلت : ” هذا الراديو يحكي عن تحرير فلسطين”.

فدس الجهاز الصغير في جيب “قمبازه”.

و قال : ” أغرق  الطوفان هذه المرة بلاد ما بين النهرين ، و سيبتلع حوت يونس بعد مدة هذه الأرض العجوز”.

و ذاب كما تذوب قطعة الثلج.

 

 

الباب الثاني عشر

صاحبة الكهف

 

و بعد أن مرت كل هذه الأعوام و الدهورمرور السحاب و أنا كما أنا ما تغير شيء في.

أنا الجميلة دوما.

العاشقة دوما.

المعشوقة دوما.

أنا الحبلي بكل ما تشتهي الأنفس و تلذ الأعين.

أنا التي تعطي و لا تمنن.

أنا التي تجوع و لا تشتكي.

أنا التي …( عفوا لن أقول كل شيء ).

اليوم بعد ان مرت كل هذه الأعوام أرى لزاما علي أن أحكي( أنا شهرزاد السجينة بين دفتي كتاب ” ألف ليلة و ليلة”) ..سأحكي ليلة أخرى نسيها الرواة و لم يدونها الكتبة :

بلغني أيها القارىء السعيد ذو الرأي السديد أن درويشا عاد من السفر ذات يوم من أيام شهر كانون الثاني / يناير.

عاد كما تعود الخيول الجريحة.

ما سال عن أحوالي، و ما زار المغارة التي سكنتها و جملي يوم كان قاب قوسين أو أدنى مني.

أقر اليوم فقط أنه كان ساعتها عزيزا على قلبي، و لكن أسبابا شتى جعلتني أفر منه إلى العزلةداخل المغارة و أرفض أن يتتفخذني.

فلم أفهم مثلا لماذا أركبني ” يوم العرس” هودجا على ناقة، و أحضر في نفس الوقت سيارة مسيدس ترقص فوقها ألوان قوس قزح.

يا الله! قسوت كثيرة أنا الجميلة كنجمة الصبح الطرية ،وهو العاشق الولهان.

أردته أن يختار :

هذه  طريق الجنة، و هذه  طريق النار.

هذه أبواب قلبي موصدة بألف قفل. و هذه المفاتيح في كفي . و هذا الغريب يترصده و يترصدني.

و أنا الحبلي قمحا و زيتونا و عيونا في طرفها حور.

يومها أهداني درويش سيفا مذهبا ، و فرسا ، و كسوة حرير اشتراها من متحف قطر الندى. و كنت أرغب في غير ذلك. كنت أشتهي جواهر باريس و بارودة الغريب.

ما أشقاني به .

و ما أشقاه بقسوتي .

و أنا التي عرفته منذ ألاف السنين. عشنا معا سنوات الصيد في البرية. أكلنا لحم الغزال يقطر منه الدم ، و صورنا في الكهوف المظلمة ، الخيول البرية ، و بقر الوحش ، و طيور السماء.

رشقنا النبال و السهام في قلوب الحيوانات المرسومة في الصخر، و أكلنا لحمها نيُا .

و صلينا للنجوم و الشمس.

رأينا القمر فقلنا هذا ربنا ، فلما أفل قلنا نحن لا نحب الأفلين . ثم شققنا الأرض و زرعناها حبا.

و أنبتنا الحدائق تينا و زيتون و حدائق غلبا.

و ملأنا الأرض ماعزا و خرفانا و جمالا و حميرا و خيولا يقدح الشرر تحت أقدامها.

قلت : لنفسي :

” ما اقسى قلبك يا نمرة ، و درويش يمتطي صهوة الحصان ، و يقطع رؤوس الأعادي ، و يغني :

بلادي

بلادي

بلادي

لك حبي و فؤادي

و أنت تغلقين أبواب الرحمة في وجهه.

و بيننا القصور، و عمرنا المدن و القرى.

بنينا سر من أرى و ملأنا شوارعها بالحدادين و النحاسين ،

و بتجار الأقمشة الرفيعة ..

و بأسواق الذهب..

و بالخمارات ..

و بدور البغاء..

و بالمساجد و المقاهي و التكيات ..

و بزوايا الأولياء..

و درويش يطمع في قلبي و أنا أتمنع .

إلى أن لعلع البارودذات يوم، فدخلنا مدينة سر من رأى و أغلقنا وراءنا أبواب السور، و نمنا مع أصحاب الكهف في مغارتهم.

كممنا كلبهم حتى لا يوقضنا نباحه، و أسبلنا الجفون على العيون ، و نمنا.

و الغرباء وراء الأسوار.

بعد ألف سنة، و كان كلب أصحاب الكهف قد تحول إلى منه يدق جرسه كل ساعة حسب توقيت بيغ بنغ  أفقنا.

خرجنا من المغارة يتقدمنا أصحاب الكهف، فوجدنا القرية كما تركناها :

الأسواق عامرة بالنخاسين ..

و السلاطين جالسون على عروشهم.

فوق رؤوسهم التيجان المرصعة بالدر و الياقوت..

و يمشي بين أيديهم : الوزراء و الكتبة و أصحاب السيف و النطع.

و الغرباء وراء الأسوار.

رأيتهم هذه المرة.

العيون الزرقاء كموج البحر ..

و الخدود يكاد يقطر منها الدم..

و الحديد في أيديهم يلمع و يفرقع كالصواعق .

قلت لدرويش : ” ماذا لو بدلت سيفك ببارودة الغرباء،

و حصانك بواحدة من دوابهم الحديدية ؟”

فأدار وجهه،و تركني معهم وحدي .

سكنني عشقهم حد الوله.

أنا الصحراء و هم قطرات الطل.

حدثت درويش عن جنوني سرا و جهرا.

قلت له إن قلبي بدأ يميل نحوالقطب الآخر، فذهب يستعرض مهاراته في ألعاب الفروسية في الساحة العامة :

الفرس يصهل و يخبط الأرض بحوافره ، و درويش يتمنطق بحزام جلدي فوق  بذلة الصوف الخشنة ، و يكور العمامة فوق الشعر القصير، و الفرس يطير مسابقا الريح ، و درويش من أعلى ظهره يطلق النار من بارودته التركية ، و يلتقط الرايات المغروزة في الرمل.

و أنا الصحراء يا درويش،

و أنت الفارس،

و حصانك ما عاد يغريني  بعد أن سكنني الغرباء

فترتك ، و تركت حفل العرس ، و دخلت المغارة ، و لم اخرج منها إلا بعد أن دقت نواقيس القيامة.

سمعت صوت الإنفجارات التي هزت المدن.

و سمعت زمجرة ” التوماهاوك” و “الباتريوت” و الـ”ب 52″.

جاءتني أصوات الإنفجارات عبر الأثير .

و شممت  رائحة البارود داخل المغارة.

و شم  أصحاب الكهف رائحة  البارود فافاقوا.

تركتهم يبحثون عن أثوابهم و عصيهم ، و تسلحت ببعض الدنانير الذهبية و بكسوتين من الحرير و غادرت القاعة المنحوتة في الصخر.

قلت : افتح يا سمسم أبوابك أنا نمرة بنت المنذر.

فانفتحت الأبواب واحدة وراء واحدة،

و دخلت الشمس من بين الشقوق.

تركت الجبل، و انحدرت نحوالقرية، و أنت تملأ عقلي و قلبي. جلبت الأنظار بكسوتي الغريبة فجرى ورائي الأطفال.

ظنوا أنني سائحة متنكرة في ثياب عربية من بقايا القرون الخوالي، رطنوا معي بالفرنسية و الأنجليزية الإسبانية و الإيطالية.

تحدوني ببعض كلمات من اللاتينية و الإغريقية.

و لم أرد عليهم.

عرضوا علي الجمال الباركة ذات السروج المزركشة، و قادوني إلى الدكاكين التي تبيع السلع التقليدية.

أعجبتني الحلي المصنوعة من الفضة، و لكنني كتمت إعجابي داخل قلبي، و لم أتكلم حتى أعيتهم الحيلة، فهموا بمغادرتي.

شتموا جدودي و انصرفوا.

و لما كاد يبتلعهم الزقاق، ناديتهم بلسان عربي فصيح : تعالوا إلى هنا يا أولاد الزواني أما عرفتهم يا نمرة ؟

عادوا يجرجرون الأقدام، و الحيرة تأكلهم.

قالوا : ” من تكونين يا نمرة ؟”

قلت : حقا ألم تعرفوا أمكم يا أولاد الكلب؟

قالوا : أمنا ماتت منذ ألف عام.

قلت : لقد أحييتني معاهدة الصلح التي أبرمها الرومان مع قرطاج.

حركوا رؤوسهم، و ذهبوا في كل الإتجاهات.

تركوني مع هنيبعل المهزوم.

الخوذة مرمية على الأرض، و الحصان الذي أنهكته ثلوج جبال الآلب واقف تحت ظل شجرة زيتون، و هنيبعل يصرخ : ما هزمني الرومان، لقد هزمني بخل تجارك يا قرطاجة.

و الجنرال الروماني شيبيون يملي شروطه على مجلس أعيان المدينة.

و قرطاجة تستمع لشروط روما و توقع على القرارات الأممية.

القرار الأممي رقم 1 :

عليكم بدفع مليون قطعة ذهبية لضحايا الحرب البونية الثانية.

القرار الأممي رقم 2 :

عليكم بالتخلي لفائدة البحرية الرومانية عن كل سفنكم البحرية.

القرار الأممي رقم3:

عليكم بإعطاء البربر استقلالهم التام.

القرار الأممي رقم 5 :

يمنع منعا باتا على حكومة قرطاجة امتلاك الأسلحة الكيميائية و البكتريولوجية و الذرية والخيول الأصيلة و الفيلة.

القرار الأممي رقم 6

تدعو الأمم المتحدة قرطاجة إلى إغلاق مصانع السيوف و الرماح و النبال و إلى احترام كل القرارات الصادرة عن الهيئات و المنظمات التابعة لها.

و أطفال قرطاجة تحت الحصار يموتون جوعا.

و الرومان يريدون تهديم أسوار المدينة و زرع الملح في شوارعها.

و قد تسمع لو ناديت حيا.

و لكن لا حياة لمن تنادي.

في المساء التقيت بدرويش في زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني.

حدثته عن الجنرال شيبيون الروماني فحدثتني عن الجنرال شوارزكوف. و سكتنا.

عندما اشتد الظلام في الزاوية جاورني كالطيف، و طلب أن يتفخذني.

قلت : لن أهب نفسي لآلة مرتخية منذ ألف عام.

قال : و هذا الغريب الجاثم فوق صدرك و شهيقه يصم أسماع الملائكة في السماء السابعة ؟

قلت : هو مغتصب و أنا السبية.

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 

الباب الثالث عشر

النجوم التي انكدرت

 

كانت ساعة الصفر …

كنت مع الريح وحدي …

و جاءوا إليك من المهمة القفر …

كانوا قراصنة ..و دهاقنة .. و سمسارة …

و صعاليك  حطوا  على القلب أوزارهم …

استغلوا سقوط الفوارس في وصمة الصمت.

داسوا على صرختي.

أشعلوا الماء في جسدي.

راودوني عنك.

و دقوا خناجرهم في ضلوعك.

حزوا جدائل شعرك أودوا  بدفء هواك الذي رسمته الصبايا على رئتي.

آه لو ننتهي.

قبل أن ننحني.

آه لو يشعل الحلم في الذاكرة.

صورا للنجوم التي انكدرت .

يوم أن خضبوا هامة النخلة الباسقة.

محمد العوني

من ديوان ” مملكة القرنفل”

 

قالت : ” سأعود إلى الجبل ”

مشت تحث الخطي و الحجر يقدح شررا تحت رجليها، إلى أن وصلت أمام المغارة.  استرحت مدة دقيقة لتستعيد أنفاسها ثم دقت الباب.

نبح كلب أصحاب الكهف.

قام واحد من الفتية بفتح الباب.

قال : افتح يا سمسم ، فتحرك الحجر .

دخلت نمرة المقصورة المفروشة بالزرابي و الأرائك.

الجو بارد و الحيطان تزينها بعض الرسومات.

الأسرة فوقها شرارف نظيفة.

عدتها :

واحد …

ثلاثة ..

خمسة …

تلعثمت فعاودت العد :

إثنان …..

اربعة …..

ستة

تذكرت …….

سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم .

و يقولون خمسة و سادسهم كلبهم رجما بالغيب

و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم.

قل ربي أعلم بعدتهم .

تركت عد الأسرة.

و عادت تعد ضحايا ملجأ العامرية .

جثة

جثتان

مئة جثة

ألف جثة

ألفان

مليون جثة .

جثة عملاقة رأسها في الخليج و رجلاها في المحيط.

الأجساد المحروقة تفوح منها رائحة اللحم المشوي،

و حيطان الملجأ تشتعل فيها نيران جهنم،

و النسوة يخترن أولادهن من تحت الأغطية و ينهرن الذباب .

– آكل لحم البشر – و يقبلن الوجوه المشوهة و يتفلن في وجه طائرات حامت عاليا فوق الرؤوس.

قالت للفتى : متى عدتم إلى الكهف؟

رد البارحة .

ثم أضاف انت محظوظة لأن إخوتي ناموا منذ حين، و كنت على أهبة النوم حين نبح الكلب .

قالت لماذا تركتم القرية .

–         رفضوا أن يبدلوا دنانيرنا الذهبية بالدولارات، فقررنا العودة إلى الكهف .

–         ما رأيك هل يتسع كهفكم لكل سكان القرية ؟

–         لست أدري !

–         اسمع لدي فكرة أرجوك لا تنم قبل أن أعود.

و خرجت .

ذهبت إلى زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني .

الأطفال مازالوا يرددون:

إنا فتحتا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا …

كان درويش واقفا بباب الزاوية.

حالة الرجل غير عادية قالت في نفسها .

بادرته بالسلام فلم يرد على تحيتها.

عاودت طرح السلام فحرك رأسه .

قالت ما بك يا درويش ؟

قال اليوم رأيت صوري معروضة في كل جرائد العالم :  لوموند و النيويورك تايمز و الديرشبيكل و الاهرام و الواشنطن بوست و الشرق الأوسط و… لم أعد أذكر هذه الأسماء .

و تحت كل واحدة من هذه الصور عبارة “وانتد”، و مكافأة بمليون دولار لمن يعثر على هذا الشخص، أو يدلي بمعلومات تقود إليه .

و قد رأيت يهوذا الصغير يحوم حول الزاوية قبل ساعات ،

قالت: و ماذا قررت ؟

–         لست أدري، لقد كف عقلي عن التفكير منذ أن شاهدت على شاشات التلفزيون طريق البصرة – الكويت المضروب بالنابالم ،

–         كفى يا درويش، و لنفكر و لو مرة واحدة في مصيرنا !

أيقضته دقات حرف النون من غفوته.

–         نعم لنفكر قليلا في مصيرنا. و أنت ماذا تقترحين ؟

–         تذهب معيإلى الجبل

–         أذهب معك إلى الجبل!

–         سأضمن لك مكانك مع أصحاب الكهف !

جفل. ثم تمالك نفسه و تذكر .

–         أم حسبت أن أصحاب  الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا.

إذ آوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا.

فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا .

ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا امدا .

قال : وهل يتسع لنا الكهف جميعا؟

قالت : لا يهمك سأتدبر الأمر.

جلس و ظهره إلى سارية من الرخام اللماع .

كان أغبر الوجه مهموما.

قال ماهزني الغم – كهذه المرة – منذ أن غزا الغول البلاد .

–         ماذا قالت ؟ الوقت يمر سريعا، و قد يعود يهوذا الصغير مصحوبا بصاحب الشرطة .

–         كنت يومها ببغداد، و شاهدت بعيني مصرع الخليفة وولديه، ونهب الأسواق ، و حرق الدور و القصور، و اغتصاب السبايا .

–         كف عن هذا الحديث أيها المجنون، إني أسمع جلبة خارج أسوار الزاوية .

و انتصبت فوق الجدار .

رأت الجند يحملون الرماح و السيوف، و يتسلقون الجبل من الجهات الاربع.

قال : ماذا ترين ؟

–         لقد نسي الجماعة بنادقهم و مسدساتهم و جاؤوا مدججين بالرماح و السيوف “!

–         ” و يهوذا الصغير ؟ ”

–         ” إنه يمسك بلجام حصان  صاحب الشرطة “.

–         ” إذن لقد أزفت ساعة الخلاص “.

كان صاحب الشرطة يصرخ داخل مكبر الصوت :

” سلم نفسك يا درويش.

الجبل محاصر من جميع الجهات .

و لا عاصم لك اليوم .

قالت : ” ما العمل يا درويش ؟

رد  ” لا عليك يا صاحبتي ، الليل سلطان  سيغطينا بجناحه ” .

كان سكان القرية قد خرجوا من منازلهم عند سماعهم لعلعة مكبر الصوت تجمهر الكبار امام حوافر الخيل، و جرى الصغار إلى ساحة سوق الصناعات التقلدية . رأوا درويشا مادا رجليه تحت قدر حاتم الطائي، و النيران تلتهم الرجلين.

فتح لهم صدره  فارتموا في حضنه واحدا وراء واحد.

قالوا : ” متى عدت يا مولانا ؟”

قال : ” و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم :

قال قائل منهم كم لبثتم ؟

قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم.

قل ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه و ليتلطف و لا يشعرن  بكم أحدا “.

و أعطى الأطفال طائرات  من ورق.

جرى  الأطفال قدام الطائرات، فامتلأت السماء بالورق الملون الأحمر و الأخضر و البرتقالي و البنفسجي .

و اشتعلت قناديل السماء.

و عاد مكبر الصوت يولول :

” سلم نفسك يا درويش”.

الجبل محاصر من الجهات الأربع،

و لا عاصم اليوم”.

و تحرك الحجر الصغير تحت حوافر الخيل و أرجل الجنود. و تقدم الرجال نحو قمة الجبل  يحملون المشاعل و الرماح.

قالت نمرة : ” و الآن يا درويش ؟”

قال : ” اصمتي يا صاحبتي”.

و اقتربت أنوار المشاعل من ساحة الزاوية حتى أضاءت وجه درويش.

كانت السكينة قد هبطت على قلبه. و كان مكبر الصوت الذي أصبح الآن قريبا جدا يحرض على التسليم.

قال : ” تعالي يا نمرة سنخرج من الزاوية”.

قالت مدهوشة : ” الآن بعد أن اشتد الحصار”!

قال : ” لا تخافي …”.

دفع باب الزاوية، و أشار بيده إلى الجند، فتحولوا إلى حجارة تحمل الرماح و السيوف،

و صار صاحب الشرطة صنما راكبا على جواد من الجرانيت الأحمر. و نزلا من الجبل تحت الأضواء الكاشفة المنبعثة من المشاعل المرفوعة بأيدي الجنود.

لم يصدق الحشد المتجمهر في السفح أعينهم عندما رأوا درويشا يمسك بيد نمرة و يقودها في الممرات الصعبة.

و صاح يهوذا الصغير : ” ها هو درويش يا صاحب الشرطة “.

أشار إليه باصبعه فتحول في الحين إلى تمثال من الحجر الجيري شاهرا إصبعه في وجه الجبل.

و يتفرق الخلق في كل الإتجاهات،  فصرخ فيهم درويش : ” ملتقانا في ساحة سوق الصناعات التقليدية بعد ساعة من الآن. لا تنسوا سأمسخ من يتغيب منكم قردا أو خنزيرا”.

هجم الهلع على قلوب الرجال، فعادوا إلى منازلهم .

ما وجدوا الأطفال في المنازل.

بحثوا عنهم في كل مكان فما وجدوا لهم أثرا.

حملوا الشيوخ و العجائز و ذهبوا إلى ساحة السوق.

و مر الوقت أثقل من الهم على القلب.

إلى أن بان الفجر.

جاء درويش و نمرة.

خطب في الجمع خطبة لم يبدأها باسم الله.

عند الإنتهاء من الخطبة أمر الجماعة بالمشي وراءه.

مشوا ناحية الجبل إلى أن وصلوا إلى الكهف.

صاحت نمرة : ” افتح يا سمسم ” !

انفلق الصخر و ظهر باب صغير.

أحنى الرجال الرؤوس و دخلوا إلى الكهف.

و دخلت النساء و رائهم.

قالت نمرة للفتى  : ” أما نمت ؟”

قال : ” لم أرد أن أخلف الوعد”،

و دخل درويش وراء الجميع و أغلق باب الحجر”

***

في الخارج أشرقت شمس يوم جديد، فجرى الأطفال في شوارع القرية.

و امتلأت السماء بطائرات الورق.

طائرات بيضاء و زرقاء

 

بعد النهاية

قلت :

سأمضي إلى أرض أخرى

سأمضي إلى بحر آخر.

ستوجد مدينة أفضل من هذه.

كل محاولة من محاولاتي مدانة من قبل القدر.

و قلبي مدفون مثل جثة.

إلى متى سيظل فكري في هذه الأرض الخراب ؟

أينما أدرت عيني .

أينما نظرت .

أرى خرائب حياتي السوداء هنا،

حيث أمضيت سنين عديدة،

مدمرة و ضائعة.

***

لن تجد أرضا جديدة.

لن تجد بحرا آخر.

ستتبعك المدينة

و ستتجول في نفس الشوارع،

و تهرم في نفس الجوار.

و ستشيب في نفس البيوت.

ستصل دائما إلى هذه المدينة .

لا تأمل في أخرى.

فلا سفينة لك

لا طريق.

فما دمت قد دمرت حياتك هنا

في هذه الزاوية الصغيرة

فقد دمرتها في كل مكان آخر

من العالم .

” قسطنطين كافافي ”

 

قفصة – تونس

من كانون الثاني / يناير

إلى حزيران / يونيو

1991

 

dargouthibahi@yahoo.fr

www.arab-ewriters.com/darghothi/

 

عن ابراهيم درغوثي

شاهد أيضاً

240484136

أيام الشارلستون

    اليوم الأول وبينما يلقى محمد شهدى كلمته الحماسية عن خطبة الأمس التى ألقاها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *