الرئيسية / دراسات / حفلة اللوبياء

حفلة اللوبياء

إطلالة جديدة… مع قصة قصيرة أسمها (حفلة اللوبياء) للقاص الكبير فرج ياسين

 

ربما يفارق القروي قريتهُ ويهاجر الى المدينة، وربما يودع البدوي صحراءهُ وأبلهُ ويسكن ضفاف الأنهار، وقد يرحل الشاب عن محلتهُ في أطراف المدينة ليسكن في طرفها الاّخر، لكنهُ يظل يتذكر ويحن الى موطنهُ الاول الذي ترعرع فيه مع أصدقائه وجيرانهُ([1]), فيذكر سوق محلتهُ وأزقتها، حينما كان يلعب ويعبث ويضحك ويتسابق في صغره، ولن ينسَ الوجوه الجميلة لأطفال محلتهُ (بنات– وأولاد) وابتسامتهم ومزاحهم، الأستاذ فرج لن ينسَ المزارع التي كانت قريبة من داره، لم ينسَ الماء العذب الذي كان محط حبهُ وأعجابه، هذهِ أساسيات هذه القصة الجميلة للقاص فرج ياسين موضوع قراّتنا.

صور لنا القاص قصة صبيته ترتاد بيتهُ لزيارة أبنتهُ تصويراً دقيقاً حيث يقول (كلما رأيت هذهِ الصبية، وهي تدلي حقيقبتها المدرسية الملونة على جنبها، وتشمخ برأسها المصرور بحجات. يتوقف انسدا له عند أعلى عنقها البض الطويل).

صور لنا القاص تصوير كامل للصبية وخصوصاً شكلها وهيئتها وكأنهُ يرسم لنا لوحة فنية دقيقة استخدم فيها الألوان الجميلة الزاهية، وهو يدرك هذهِ الاوصاف قد بلغت أعلى مراحل الجمال والعذوبة([2]).

نلاحظ أن الكتاب عندما وصف شكل وهيئة الصبية أعطاها الاوصاف الضرورية فقط, ولم يذهب الى تفاصيل أخرى مثل حالتها في المدرسة، علاقتها مع صديقاتها، فقط أدلى بالأوصاف الذي يحتاجها الحدث، ولم يعطِ شكل بيتها ولا تفاصيل اسرتها، هنا نستطيع أن نقول هذهِ هي الموضوعية والواقعية في الكتابة.

نلاحظ هنا إن العقدة ستبدأ يقول القاص:

(إن عجبي من نفسي هو ما يستوقفني في مرات كثيرة، فلماذا أنا منشغل كل هذا الانشغال)

نلاحظ هنا ظهور الصراع وهو صراع داخلي ينشأ داخل نفس (الكاتب) وتتضح معالمهُ([3]), يبدأ النص (إنهُ أمر محير مجنون، ولاسيما حين أسمع وقع خطواتها وهب تأخذني الى باب الدار في اللحظة التي تقترحها دخيلتي لمرورها اليومي).

نتواصل مع الحدث الذي ينمو في الوسط، و يستمر النص (وحين أمدّ بصري الى التفاصيل الراقصة في جسدها يرد علي التبكيت والوقار فأنقلب راجعاً الى حجرتي في الدار ويستمر الكاتب في الاسترسال بعد هذا الصراع الداخلي حتى يصل الى ترديد عبارة بعد أن أخذته الأضفاثَ الى عالم الطفولة النائي… وصفه بالنائي………… وصفه بالنائي البعيد ومن استقرأنا للقصة حيث الى خمسة وأربعون عام.

وقد صور لنا الكاتب بعض الصور الجميلة لذلك العالم او تلك الصور (وهو يرتدى دشداشة البازا (ملبوس ذلك الجيل) و شعره الهاطل على جبينهُ وهو يمارس هوايته المفضلة اللعب (مع الجراء, او مع القطة, او مع العصفور).

ويستمر الصراع الداخلي داخل نفس الكاتب ثم يلتقي بصديق له يسأله عن أصول تلك العائلة, وهناك تتشابك الاحداث داخل نفس([4]), الكاتب تارة يحلم وتارة يستذكر  و تمر الاحداث كالشريط السينمائي في مخيلته, وعندما يعجز يتساءل عن سبب هذهِ العاطفة الجياشة التي كادت ان تكون كالتنور المسعر ويتبين السبب فيه, اي ان الكاتب عندما دفع بملامح شخصية (الطالبة) في مرحلة البداية كان يعرف انها ستلتقي مع العقدة التي حدثت والصراع الداخلي, اي ان معطيات البداية تلاقت في مرحلة الوسط([5]),……. ويتسأل هو عن سبب هذا الصراع الدائم بين تلك العواطف الجياشة وعمره وسلوكه الذي ارهقه كثيراً.

وكذلك هذا التناقص لا يساعد على تطور عاطفته و ميوله باتجاهها بشكل متلاحق وسريع ويستمر بالقول: (حتى توصلت الى معرفة جذرها العائلي وزعمت ربما اعرف والدها منذ طفولة……).

ثم يحدث تشابك آخر أو صراع آخر داخلي عندما تتلاقي ملامح الشخصية مع بعضها البعض و تكون القصة([6]).

ما الذي يحدث لهذا الصراع (في الاحلام اللاحقة رأيتني العب في الزقاق مع ثلة من الاطفال بنين و بنات……) وفي كرة حلمية أخرى (أقبلت الفتاة الصغيرة ذاتها وجلست قبالتي……الخ) نهضت فرعاً, وجلت في اركان الدار دون هدي, تتصاعد الاحداث وتتشابك لدى القاص ويحتدم الصراع الداخلي([7]), ويخرج لنا الكاتب مجموعة من الصور الجميلة ذات المعاني العالية (صورة البخار المتصاعد……..المارد الثلجي الذي يجعل منه رمز يأخذ.

ويعطب معه في الكلام ………..يذهب به الى مملكة النسيان.

يتنقل الكاتب ويصور لنا صورة جميلة اخرى في محطته الآخرة من هذهِ القصة وكيف ينقل لنا أحداث (ستة أطفال أو سبعة أكبرنا فتاة في العاشرة……….. أخبرتنا بعد الغروب بقليل, بأننا سوف نقيم حفلة لمناسبة العيد).

وينقل لنا تفاصيل تلك الحفلة ببساطة وسهولة صور متلاحقة وجميلة, وكيف يجري جمع اللوبيا وطبخها بفصيحة قد قصت من وسطها, وما تتخللها من غناء ومرح وتجاذب اطراف الحديث…….. ومن خلال هذا العرض يصور لنا تلك الفتاة الشقراء الناعمة ويرسم لنا سيناريو كامل بالصورة الرائعة و كيف تبادلا المشاعر بالنظرات والإيماءات.

الحبكة في هذهِ القصة محكمة, وهنا نرى الفن الرائع للقاص في ترتيب الاحداث, ولو قرأنا القصة بتمعن لوجدنا كيف كان يسوق الاحداث بترتيب متقن, حيث ان الاحداث كلها كانت تتلاحك وتتابع ووصلت الى نقطة التنوير برقي وحرفية([8]).

فالكاتب في البداية وضع لنا الملامح والسمات والعقدة والتصادم الداخلي في نفس بطل الرواية (جميل داود), تصوير هذا الصراع وهندستهُ بشكل رائع كنسيج عنكبوت.

اعتمد القاص على السرد الدقيق و كان متمكن بذلك, واتضحت الوحدة القوية بين البناء و النسيج في هذهِ القصة بشكل يثير الاعجاب والدهشة, سمعتها و هي تقول: انت السيد جميل عابد؟! اجبت انا هو, فردت قائلة: امي تسلم عليك و تقول لك هل تذكر حفلة (اللوبياء) هنا تكاملت الاحداث واصطدمت بملامح الشخصية بهذهِ القصة اكتمل([9]).

اللغة ملائمة للشخصيات تماماً (لكن ما حصل أحدث  دوياً هائلاً في قلبي, اذ رأيتها وهي ترنو إلي مبتسمة فتوقفت و تلقيت منها تحية المساء, وانا فأغر الغم) جاءت بسيطة وسهلة ومن الجدير بالذكر ان هذا الحوار في الحوارات القصيرة, والسرد هو الغالب في اثارة الاحداث ولكن الرغم قصر الحوار كان جميلاً جداً, ورائعاً عبر عن جوانب الشخصية.

الوصف كان مميزاً ودقيقاً, وصف (البنت) بطلة القصة بالأوصاف التي تحتاجها القصة, ولم يأخذنا الى أوصاف لا نحتاجها؛ فنحن في حاجة فقط الى معرفة جوانب التأمل والفلسفة الخاصة بالسيد (جميل عابد), وبمعرفة ان  بطلة الرواية (تعشق الحياة) ويكفينا  ذلك فلا نحتاج الى معرفة ما هو أكثر, كان بديعاً جداً عندما اسهب في وصف تبادل النظرات وكيف تتقاطع من فوق اللهيب والدخان, لان المكان هنا كان له دور البطولة وسيطرة على تفاصيل القصة ويجيب على التساؤلات التالية اين وقع؟ في منطقة الحارة في تكريت, متى وقع؟ في الخمسينات من القرن الماضي وأحداثه تدور ما بين الليل والنهار, لِم وقع؟ الحنين الى الماضي مع عبق الحاضر.

وهنا نقول ان الحدث كالفعل والشخصية كلاهما يخدم المعنى الذي تصح معالمه في اجزاء القصة (حفلة اللوبياء واكتمل كلام بطلة الرواية (امي تسلم عليك و هل تذكر حفلة اللوبياء)).

لقد عرض لنا القاص الشخصية و عواطفها, وعقب على تصرفاتها بشكل شروط القصة القصيرة وعناصرها, لقد ظهرت بشكل رائع وهذا ما سرنا جداً وجعلنا نعبر بهذهِ الكلمات البسيطة عن هذهِ القصة, نقول: حسبنا اجتهدنا, وهذا ما لدينا, ونسأل الله التوفيق لكاتبنا ولقرائنا ولنا أجمعين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سفانة شعبان الصافي

 

 

باسل مولود يوسف التكريتي
                                

 

 

([1]) د. عناد غزوان: النقد الموضوعي، مطبعة الأنوار، بغداد، 1971، ص19.

([2]) المصدر نفسهُ، ص31.

([3]) د. عناد غزوان: مكانة القصيدة العربية, محاضرات كلية التربية, مطبعة ديالى, بغداد, 2012, ص43.

([4]) علي جواد طاهر: النقد الادبي, دار المعرفة, بغداد, 1976, ص79

([5]) المصدر نفسه, ص81.

([6]) المصدر نفسه, ص79.

([7]) خولة كريم ياسين: دراسة تحليلية لقصة المومياء للقاص علي سرمد, جامعة كركوك, 1989, ص9.

([8]) د. كريم عبد الوائلي: محاضرات كلية تربية, مطابع ديالى, بغداد, 2004, ص45.

([9]) عناد غزوان: قراءات في الشعر الحديث, بحث منشور في مجلة جامعة, بغداد, 1981, ص28.

عن admin

شاهد أيضاً

unnamed-jpg-54689870102564081

تحليلُ قصيدة “بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ”! بقلم الناقد د. عبد المجيد جابر اطميزة

تحليلُ قصيدة “بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ”! للشاعرة آمال عوّاد رضوان بقلم الناقد د. عبد المجيد جابر اطميزة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *