الرئيسية / دراسات / قصة الندبة

قصة الندبة

عن سلسلة ثقافة ما بعد الاعصار وبعد تفكير عميق في اختيار بعض الأعمال الأدبية لإجراء بعض القراءات النقدية, واختيارنا في هذا الموضوع (قصة الندبة) للقاص رياض جابر, ولابد من الإشارة إلى أن هذهِ القصة شيقة؛ صاغتها ذاكرة حرفية تتقن الصنعة جيداً, فهي تندرج ضمن مفهوم (حكاية مغلفة) وقد قدمنا قراءة خاصة منها عن الراوي العليم الكلي وكما يلي:-

اتبع الكاتب نظام السرد الموضوعي في هذهِ القصة, حيث كان مطلعاً على كل شيء, حتى الأفكار السرية للأبطال, وتميز هذا السرد لهذهِ القصة بوجود (السارد المستقل عن المواقف والوقائع المروية)([1]), حيث لم يتمكن القاص من تفسير الأحداث فقط وإنما وصفها وصفاً محايداً كما رآها مع الاستحضار إلى أذهان الأبطال في مخيلة القاص.

يقول الراوي:

(الغرفة الباردة الظلماء… لا شيء في أنحائها يشعرها بالوحدة… وهي تطوي مرفقها حول لفافته القطنية الدافئة… عيناه تومضان بابتسامة مازحة يلمع فيها بقايا ضوء باهت ينسل من النافذة العالية التي تتوسط الغرفة… كفهُ الصغير, يحاول احتواء ثديها وهو يمج حليبها الدافق بلا توقف… تمسح ندى سحنته العاجية بأطراف أصابعها فيغرق رأسه الصغير بين أضلاعها)([2]).

من خلال معاينتنا للنص لاحظنا استخدامه لضمير الغائب (هو, ويعد أبسط الصيغ في الكتابة)([3]), وأن اللغة البسيطة في هذهِ القصة (الندبة) قد أنشأت نظاماً زمنياً مركزاً على الماضي المبهم موجهاً؛ لكي يثبت حاضر الشخص الذي يتكلم([4]), فالسارد قائم على اتخاذ موقف خلف الأحداث التي سردها.

ويرى رولان بارت بأنه (يعد الوسيلة الأولى للاستيلاء على القارئ بالطريقة التي يريدها).

استخدم هذا السرد (الموضوعي) لأنه ترك الحرية للقارئ يفسر ما يحكي لهُ, بوصفه سرداً إخبارياً بحتاً, كما ظهر مفهوم الراوي الكلي العلم المهيمن على مصادر الأحداث, فنقل الأحداث يتطلب من الراوي أن يكون مطلعاً عليها (طائراً يحلق فوق جميع الشخوص والأحداث ويعطي القارئ ما يراه مناسباً)([5]).

يقول الراوي:

(جسده المسجى وسط بقعة الدم الكبيرة ما عاد يتحمل كل هذا الألم, وعيناه المبتلتين ما زالتا تبحثان عن حلم ضائع)([6]).

كان الراوي في هذهِ القصة قد احتل موضعاً متقدماً في الأحداث وقد كان عالماً بكل شيء, وبالزوايا الخارجية أيضاً وقد أحاط بالفضاء العام للشخصية القصصية (البطل), وبالرؤيا الداخلية التي تنبثق من أعماق الذات الساردة, وقد كانت لديه القدرة على استيطان شخصية الشهيد والغوص في دواخلها وأسرارها, تمكن أيضاً من كشف الأسباب والعلل والروابط التي تصل بعضها بالبعض الآخر, فأحالت البنية القصصية لهذهِ القصة (البقعة) إلى العمق والتأثير, مما جعل الأسلوب المصاحب له أسلوباً تحليلياً واهتم بالظواهر أكثر من البواطن([7]).

يقول الراوي:

(لا جراح في جبينهُ… ونتوءات لحيته الحليقة ظلت سليمة, ماذا لو كلمتهُ الآن…؟

سأقول لهُ كلاماً كثيراً لم أقله من قبل؟

تعال إلي أخي تعال… ما زلت أسمع صداك وأنت تناديني: هل احضرتم الكفن والعطر…؟)([8]).

يقول الراوي:

(لازالت تأن في وعيها المفرط بالخوف عليه كلمات زوجة عمه: الله كم هو جميل…؟ ليت لي ولد مثله…)([9]).

نهضت البنية السردية للحدث القصصي على مفهوم الراوي العليم الذي يهيمن بصورة مباشرة على الحدث القصصي من زوايا نظر مختلفة, وهيمنة الراوي العليم تبرز من خلال وصفه لأفعال الشخصيات مثل: البطل الشهيد…, الأم, الأقرباء, أهل المدينة, كما تتجلى في مواقف الشخصيات تجاه الآخر.

فالأم تحتضن ابنها بين ضلوعها, تسقيه من رحيق قلبها, حليباً طهوراً, وهو موقف سردي محكم وتسلسل بطريقة منطقية, الابن يلتف حول صدر أمه, وهو فعل قائم على مشروعية الحنان العظيم للأم, هذهِ الصورة الأولى التي رسمها لنا الراوي وهو استحضار الماضي وصوره الجميلة, والحاضر المرير هو تداخل مميز جداً بين صورتين تكاد تكون رائعة تمكن القاص من توظيفها, باستخدام التكثيف العالي, ببلاغة محكمة.

أما المعلومات التي تخص قراءتنا للغة القصة هذهِ فهي تتلخص بما يلي:

  1. نبدؤها بالعنوان الذي كان حاضراً وواضحاً في جميع صور المشهد المؤلم.
  2. استخدم الراوي صوراً كثيراً, منها: الطفولة, المشهد المؤلم, صور الحاضرين أثناء تصوير مشهد الموت, صورة الأخ مع الجثمان, فضلاً عن الأم والأب.
  3. بساطة الألفاظ ومعانيها ودقة اختياره لها, فضلاً عن توظيفها الصحيح الملائم للمفردة.
  4. أجاد في استعمال المعنى الحقيقي لـ (حشرجة أنفاسه) إجادة بليغة, فكانت الصورة واضحة ومفهومة.
  5. المشهد بجميع أحداثه مؤثر جداً, أبكاني حَقّاً؛ لأنني أعلم أنه كتبه في حق أخيه الشهيد (رحمه الله), فكان صادقاً في ما نقله, لأن الشاعر عاش معاناته, واقع تلك الأحداث, فلله درّه فيما نقله لنا, على الرغم من بساطة العبارات التي كتبها, إلاّ أنّه أوجز فأجاد.
  6. كلمة (تنداح) لا أدري هل لها أصل لغوي؟ لأني لم أسمع بها أو حتى أقرأها في طيات الكتب التي قرأتها. قوله: (أطار روحي) و(تدوس بقعه) لم يكن موفقاً في اختيارها مما أضعف النص.
  7. أغنية الطفولة فيها أخطاء ولا أدري هل هي مطبعية أم لم يتأكد منها, إذ أن الأصل (دللول يا الولد) لأنه منادى ومن حقه النداء أن ينادى بأحد حروف النداء, فضلاً عن قوله: (عيل وساكن الجول) والاصح (عليل) من العلة والمرض, والمعنى الدعاء على العدو بالمرض والوباء.

 

 

 

من خلال دراستنا لهذهِ القصة استنتجنا ما يلي:

استطاع القاص رياض جابر أن يبني حدثها بازاحات فنية, من أمثلتها تقديم الأحداث عن طريق السرد المشترك, فعلى الرغم من قلة تواجده إلا أنه أظهر سرداً فنياً يتوخى غرضاً جمالياً واضحاً, وقد نوعه لنا القاص عن طريق صيغ عرض الحدث بوصف مميز, وحواراً فتح فيه الأحداث عن طريق حديث المتحاورين.

هذهِ قراءتنا ونترك المجال للسادة النقاد والقراء ليدلوا بدلوهم مع تمنياتنا بالتوفيق…………….

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

باسل مولود يوسف

 

  سفانة شعبان الصافي

 

Basil.Iraq00@gmail.com   Safanaalsafy@gmail.com

 

([1]) ينظر حميد الحمدان: بنية النص السردي (من منظور النقد الأدبي), ط2, المركز الثقافي العربي, ص47.

([2]) ينظر رولان بارت: مدخل إلى التحليل البنوئي للقصة, ص74.

([3]) ينظر عبد الملك مرتاض: بحث في تغذية السرد.

([4]) ينظر رولان برت: درجة الصفر للكتابة, ترجمة: محمد برادة, ص52.

([5]) ينظر رولان برت: درجة الصفر للكتابة, المصدر السابق, ص53.

([6]) رياض الجابر: المصدر السابق, ص104.

([7]) ينظر حميد الحمدان: المصدر السابق, ص49.

([8]) رياض الجابر: المصدر السابق, ص104.

([9]) ينظر المصدر نفسه, ص105.

عن admin

شاهد أيضاً

1

ومضة ادبية عن قصيدة (حصة في فن الشعر ) بقلم الناقد محمد رضوان

اولا- النص :- حصةٌ في فـنِّ الشِّعر **************** قصيدة لــ صابر حجازي قال الشيخ : …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *