الرئيسية / قصة قصيرة / نيران : قصة قصيرة

نيران : قصة قصيرة

انه عبث , مجرد محاولة عبثية لا اكثر ! سعي نحو اللاجدوى , لا قيمة لكل ما اقوم به الان , بل لا قيمة لوجودي بالاساس . السعي من المكان نحو اللامكان هي المحاولة المثلى لوضع حد لكل هذا الهراء , كما هي المحاولة الاسهل . منذ ان جاء بي العدم الى هذه الحياة وانا اسعى جاهدا لتفسير معنى وجودي في هذا العالم لكن دون جدوى . الم , معاناة , بكاء , موت . اهناك شيء غير ذلك ؟ نوبات السعادة ما هي إلا محطات استراحة يتخذها الالم ليعود من جديد اكثر قوة من ذي قبل .
تعال ايها الموت الحلو . هيا تعال . فما حياتنا سوى مقطوعة حزينة من مقطوعات يوهان باخ تبدأ بمزاج سيء وتنتهي بالبكاء , تعال وعد بي الى العدم . ايها الالم .. ان كنت لم تشبع فها هي فرصتك الان , حاول ان تشبع تضورك الازلي الذي لم يشبع قط . ايها السكون .. احجز لي مقعدا فيك فما عاد لصخب القلب من مكان . اريد ان اكون كما كنت .. عدم !
انقطع هذيان سمير بدخول اثنان من المسعفين المتطوعين من اصحاب المكتبات القريبة , محاولين انتشاله من مكانه المحاط بألسنة اللهب .
وقف سمير من كرسيه محدودب الظهر امام منضدة تفصله عنهم تحتوي على عدد من الكتب مرصوفة الى احدى جوانبها ويتوسطها كوبا من الشاي لم يتبقى منه سوى القليل وقنينة ماء ممتلئة الى النصف والى اليمين قليلا هناك منفضة سجائر ممتلئة بعدد من الاعقاب مختلفة الانواع . وصار يقول بصوت شاحب مستسلم :
– دعوني .. فها انا اقف على قدمي , انا على ما يرام وسأخرج حينما يحن الوقت .. دعوني استمتع بأحتراق ما تبقى من اثار دوستويفسكي وتولستوي , دعوني ارى بقايا سارتر ونيتشه وهي تحترق . لقد ماتوا جسديا وها هم يموتون مرة اخرى . سيصبحون عدم وسيموتون في ذاكرة الناس . اتعلمون ما كانت تحتويه مكتبتي هذه ؟ انه تاريخ من استحالت اجسادهم تراب . وها هو تاريخهم يحرقه شخص ناقم على هذا الواقع القذر , انه يفجر نفسه طمعا بواقع اخر اكثر سعادة . هو يتوهم اليس كذلك ؟ لكنه حسنا فعل , اذ ساعدنا في اثبات ان هذا الواقع قذر حقا , كما ساعدنا على الرحيل منه . هيا اخرجوا فأنا لست بحاجة لكم . فانا اجدر بمساعدة نفسي وتخليصها من هكذا واقع . سأخرجها في الوقت المناسب .
صاح احد المسعفين وهو يسحبه من يده :
– ماذا تقول يا رجل , هل جننت ؟ النيران تلتهم المكتبة وستصل اليك خلال ثواني معدودات . احمد الله انه جعلك من الناجين فقد توقعنا بأنك لم تنجو , كون السيارة المفخخة انفجرت قريبا من مكتبتك , كما ان اصحاب المكتبات القريبة منك افضلهم مصاب بعدد من الجروح والحروق . احمد الله يا رجل ودعك من هذا الكلام عديم المعنى وهلم معنا الى الخارج .
فيما اضاف الاخر :
– هيا بسرعة هناك الكثيرين بحاجة الى ان نساعدهم .. شارع المتنبي يحترق .. وا اسفاه على ما يجري !
دفع سمير يد المسعف عنه بعنف واخذ يقول :
– اين هو الله من كل ما يجري وجرى , لماذا لا يثبت وجوده وقوته بإيقاف معاناتنا ! اننا نتألم منذ زمن . نحن نرى الالم كل يوم لكننا لم نرى الله ! اتراه هو من يتقصد تعذيبنا ام هو عديم المبالاة لما يجري .. اين هو الله ؟
صرخ احد المسعفين بوجهه :
– حرام . انت رجل كبير في السن وشعرك اشيب . ما تقوله الحاد وكلام بغيض لا يخرج من رجل بمثل سنك .
حصلت ضجة وارتفع صوت الصراخ في الخارج واستطرد المسعف قائلا بصوت اعلى :
– هيا يا رجل لا تضيع وقتنا .
ان سمير لا يريد الخروج , فقد ضل يقاوم محاولات الشاب لإنقاذه من الموت محترقا وسط اكوام الكتب والرفوف التي قضت عليها نيران الانفجار الذي حصل , اذ جلس على كرسيه وتشبث به بقوة , ممتنعا عن القيام منه حتى صرخ المسعف الاخر مستاءا :
– دعك من هذا المجنون .. انه كافر ويريده الله ان يجرب النار قبل ان يستقبله في جهنم .
ليرد رفيقه بنبرة قاسية :
– مت , فالتذهب الى الجحيم .
خرج الاثنان من المكتبة مسرعين , فيما بقيت النيران تستعر في بعض زواياها وهي اخذه بالتوسع بأتجاه الزوايا الاخرى والى حيث يضع سمير مكتبه , كما ضل الاخير جالسا غير مبالي لما قالاه وغير مبالي لتلك النار التي تقترب منه وتلسعه بلهيبها كلما مرت الثواني اكثر . نظر الى صف الكتب المرصوف فوق المنضدة وسحب اول كتاب منه وهو بعنوان افكار للكاتب الايطالي جاموكو ليوباردي . اخذ يحدق الى الغلاف مستذكرا النص الذي قرأه قبل ساعة من حدوث الانفجار :
“ليس الموت مساءة , فهو يحرر الانسان من جميع السوء , وسوية مع الخير , ينزع منه ايضا الرغبات .. الشيخوخة سيئة الى اقصى الحدود , لانها تسلب الانسان كل اشكال المتعة , تاركة له الشهوات , ومعها جميع الالام . رغم ذلك , يخشى الناس الموت , ويفضلون الشيخوخة” .
اعاد سمير الكتاب الى مكانه ثم اخذ نفسا عميقا واخذ يحدق الى صف الكتب رافعا حاجبيه المبعثرين كما لو انه يحدق الى شخص ما تكلم كلاما للتو فيه شيء من الاستغراب , ليقول بعدها :
– شيخوخة ! لقد تجاوزت الاربعين من العمر ولم اجد اي شكل من اشكال المتعة التي تتحدث عنها يا ليوباردي ! لكنك على صواب , الكثيرون يرون في كل هذا الالم متعة , انهم اما جاهلون او ملحدون وجوديون , يحاولون ان يسبغوا حياتهم قيمة او متدينون ينتظرون فردوسهم العظيم . الملحدون يرون ان هذه الحياة هي جنتهم , لذلك تراهم يسعون بكل السبل ليعيشوها على افضل نحو , وان يكونوا سعداء بأكبر قدر ممكن متحدين شتى انواع الالم . اما المتدينون فيرون ان كل البلاء الذي ينزل عليهم والآلام ما هي الا اختبار من عند الله ليختبر ايمانهم وقوة صبرهم , او ما هي الا عقاب دنيوي يبتليهم به الله لما جنت عليه انفسهم من آثام ومعاصي ليجنبهم ربهم عقاب الاخرة الذي يعتقدون به فيدخلهم الجنة الخالية من شتى اصناف الالم . لذلك تجدهم كلاهما الملحدون والمتدينون مستمتعون بشتى انواع الالم حتى بلوغ الشيخوخة , لا احد منهم يريد ان يموت قبل اوانه . اما انا فلا اريد ان ابلغ تلك المرحلة , فلا انا من اولئك الجاهلون الذين لا يعون حجم السوء والتحدي عديم الجدوى في هذا العالم ليعيشوا حياتهم كالانعام , لا هم لديهم غير اشباع بطونهم . ولا انا من الملحدين الوجوديين , اسعى لإعطاء هذا الالم مسحة من الجمال وأعيش بسعادة مزيفة اخدع بها نفسي , ولا انا من اولئك الذين يؤمنون بوجود تلك الجنة المزعومة التي سيدخلهم اليها الله عندما يتحملون البلاء الذي ينزله عليهم . انا عدمي وارى ان لا قيمة لهذا الوجود اصلا , لا قيمة لحياتنا بالمجمل , ما الذي يدفعنا ان نعيش بألم ونحن مصيرنا الموت , ذلك النوم الابدي لوعينا والتحلل والانحسار لأجسادنا البالية التي لا تقوى على اضعف الكائنات وأصغرها .
حاصرت النيران مكتب سمير بالكامل وصارت عملية الخروج من المكتبة عملية بالغة الصعوبة وبدأ العرق يتصبب منه بغزارة كما اخذ شعور الاعياء يسيطر عليه . سحب الكتاب من جديد ورماه نحو النار واضاف :
– هذا هو مصيرك .
اخرج من الدرج قنينة ويسكي متوسطة الحجم كان قد اطاح ببعض منها في وقت سابق , فتح غطاء القنينة واخذ يشرب بسرعة مذهلة حتى افرغ كل ما تحتويه دفعة واحدة . ثم قام برميها بأتجاه النار ايضا واخذ يصرخ ضاحكا :
– هيا ايها الالم .. هيا .. انا مستعد للواقعة الاكبر .. انها ترويك .
اخذ يضحك بهستيرية ثم اغمض عينيه وصار ينتظر الموت مستذكرا خلال هذا الوقت بضع من محطات حياته : الفقر والمعاملة السيئة من قبل ابويه اثناء فترة طفولته , الجيش والحرب اثناء مرحلة الشباب , الجوع والتعب اثناء سني الحصار التي مرت على العراق , الدمار والحياة المزرية والآلام التي حصلت بعد الغزو الامريكي , حيث قُتل ولديه الوحيدين , احدهما قُتل ابان فترة الحرب الطائفية والأخر قُتل بانفجار استهدف احد الاسواق الشعبية . اقتربت منه النار اكثر وبدأ لهيبها يحرقه . لم يصرخ من اول وهله لكن ما ان التفت النار حوله وبدأ جلده بالاحتراق نهض من كرسيه ورمى بنفسه على الارض واخذ يرافس ويتلوى ويصيح من شدة الالم :
– انقذوني .. النجدة .. انا احترق .. لا اريد ان اموت .
اخذ الظلام يحيط به , ما عاد يشعر بأي شيء , اختفى شعور الالم عنده ثم اختفى هو نهائيا .
لقد خرج سمير من المكتبة . لقد اخرج نفسه في الوقت المناسب كما اراد في البداية وتحقق ما كان يصبو اليه , لقد تحول الى عدم وخرج من مكتبته رماد …

عن منار عبدالهادي

شاهد أيضاً

16521755_192596947886203_2126747376_n

إيريكا 17 : قصة قصيرة

إيريكا 17 جلس أندا أحد أحفاد ساتورو نامورا فى حديقة قصره بطوكيو التى تُحاط بها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *