الرئيسية / قصة قصيرة / الجورب الوردي .. قصة قصيرة

الجورب الوردي .. قصة قصيرة

الجورب الوردي
أ.د شميسة غربي/سيدي بلعباس/الجزائر
في الحوش الكبير، وتحت ظلال شجرة الرُّمَّان… وَضَعَتْ “حكيمة” لِحافاً سَميكاً منَ الصُّوف، وجلبتْ وِسادة مُربّعَة الشكْل، مُزرْكشة الألوَان، مَحْشوّة بالقُطن الرّفيع، ثم أحضرتْ غطاءً خفيفاً؛ طوَتْهُ بِعناية؛ ووَضعتْهُ برِفقٍ على الجُزْءِ السُّفلي مِن اللّحَاف…
انصرفتْ إلى الغرفة الصغيرة المُقابِلة لِلبَهْو، حيث يوجدُ الشيْخ… إنَّه جَدُّها ينْتظرُها – مثل العادة – لِتُخْرِجهُ إلى الفضاء الواسع.. إلى الهواء النقي.. في هذا الجوّ الدافئ..
أوْقفتْهُ بِصُعوبَة، وحاولتْ الاِتّجاهَ به إلى الباب في خطواتٍ بطيئة.. وهي تتأبّطه؛ أحسّتْ بارتفاع درجة حرارة جسمه.. سألتْهُ عنْ أدْوِيته، وهلْ قُدّمتْ له أثناءَ غيابِها… هزّ رأسَهُ بِالإيجَاب، ورفع إحدى يديه، يُمرّرُها على رأس “حكيمة”.. هي إشارة الرّضى عن هذه الحفيدة المتفانية في خدمة جَدّها على الدّوام…
قبل مغادرة الغرفة؛ تسمّرَتْ قدَمَا الشيْخ، ولمْ يستطعْ مواصلة خطواته… نظرتْ إليْه مُستفْهِمة..؟ أشار بإحدى يديْه إلى خزانته الصغيرة الحديدية؛ المركونة في زاوية الغرفة منذ زمن…خزانة متآكلة، حال لونها إلى السواد؛ واعتلاها الصدّأ، فتَشكّلتْ قشورٌ على بابِها الصّغير، وتمدّدتِ القشور إلى ثُقبِ المفتاح؛ وغطّتْ نصف الثّقْب؛ حتّى أصبح فتحها؛ يفرِضُ مُحاولاتٍ مُتتالية، تختمها “حكيمة” بِصَبّ بعْض الزّْيْت في عيْن المفتاح؛ لكيْ تصبح القشور رطبة مرنة… تسمح بتسلّلِ المفتاح…! ثمّ… بفتْحِ الباب.
تفهم “حكيمة” أنّ جدّها ُيريدُ فتْحَ قُفْلِ الخزانة، لِأخْذِ بعْضِ لوَازِمِه… يسْألها أنْ تُخْرجَ له مِحْفظته الجِلدية العتيقة؛ يضعُها بِرِفْق؛ في جيْبِ عباءته الفضفاضة، وينظرُ إلى الباب…
تُسارِعُ “حكيمة” إلى الخروج به إلى الفضاء الواسع… حيث اللحافُ والمخدةُ… وحيث الهواءُ العليل، وأشياءُ أخرى خاصّة بِمُخيّلةِ الشيْخ… لا تقْوَى “حكيمة” على استنطاق مدلولاتها…! فهو – مَثلاً؛ ودَائماً – يُحدّق في تلك البئرِ المتربّعَة على الجانب الأيمن من الحوش… وهو كثيراً ما يتأملُ شجرة الرّمان؛ حتّى يحْسبَهُ الرَّائي؛ غائباً عن الوجود… وقد يعتدل في جلسته؛ وبيَده المِسْبحة، “يُطقْطِق” حبّاتِها بيْن أصابعه المرتعشة؛ ثم لا يلبث أن يتحسّس محفظته الصغيرة التي تَشقق جِلدُهَا وبَهُت لوْنُها، وعندما يطمئنّ لِوُجُودِهَا في جيْب العَبَاءة؛ يُحرّكُ شفتيْه ليقولَ شيئاً…. ولكنّهُ … لا يقول….!
لحظاتٌ من السّهْو… تسْحبُهُ إلى أزْمنةٍ خلتْ… حَفرَتْ تجاعيدَها على شمْعدان الذاكرة، لحظات من السّهْو… تعْتصِرُ وجْدان الشيخ، تسيلُ دمْعة… تعْقُبُها أخْرى… يسْعُلُ الشيخ… ُيحاول كتْمَ سُعاله؛ حتى لا تُهَرْوِلَ حفيدته – كعادتها – وفي يدِها كوبٌ من الماء، في ظنِّها؛ أنّهُ الأنْجَعُ؛ لِإيقافِ السُّعال…
سنوات؛ والشيْخُ على هذا الحال…. تكْتُبُ عيْناهُ؛ أسْرَارَ قلْبِه على أرْجوحَة الزّمَان، ويتسلّلُ نورٌ بَاهِتٌ إلى تقاسِيمِ وَجْهِهِ الوَقور؛ فتُصْبحُ التّقاسيمُ؛ سُطوراً “تُغافِلُ” الحِكاية… وعُمْراً؛ يرْتدُّ إلى البِداية…!
كان عمره عشرين سنة؛ عندما تزوّج من الجميلة العفيفة “خليدة”… ابْنَة أحدِ الجِيران.. وَالِدتُهُ؛ هي مَنِ اختارَها عرُوساً؛ لِوَلدِهَا… وكانت مُوَفّقة في هذا الِاخْتيار… أحبّها الشاب “خلدون” وعاشا قرابة السنتيْن في ودّ وصفاء ونعمةٍ، وتكللتِ السّنتانِ بميلاد توْأميْنِ؛ بنْتٌ وولد، يتدفق معهما شلالٌ منَ السّعادة، يُغْرِقُ العائلة الصّغيرَة في مشهد الأحلام المستقبلية تحت سقف البيت القروي، الآمِن – حتى تلك اللحظة – من هَدِيرِالأزْمِنة اللّاحِقات…
أشرف على إدارة المقهى الصغير بالقرية؛ بعد وفاة والده، وتمكن من كسب ثقة أهل القرية؛ الذين كانوا يرتادون المقهى، يحْتسون كؤوس الشاي الأخْضر؛ والذي َبرِعَ العامِلان الشّابّانِ النشيطان في تجْهيزه حتى أصْبح شايُ هذه المقهى حديث كلِّ رجالِ القرية؛ شبابِها وكهولِها، زُوَّارِها القادِمين منْ أماكنَ خارِجَ القرية؛ عند عائِلاتهمْ في شتّى المُناسبات.. وارتأتْ “خليدة” الزوجة الشابة؛ أن تتكلف بإعداد بعْض أنواع الحلوى التقليدية في المنطقة، تدْعَمُ بها مدْخولَ زوْجها “خلدون”.. فكانتْ تستيقظ في الصّباح الباكر، تخبز الكعْك البلَدي تارة، وتتفنّنُ في تجْهيز الإسْفنج والفطائرِ تارَة أخرى، وقد يحلو لها أن تغيّر هذه الأنواع بنوعٍ آخر؛ مثل حلوى “المقرُوض” و”الكَرِيوَشْ”، ويتكلف “خلدون” بِحمْلِ كل ذلك إلى المقهى؛ بمُساعدة وَاحدٍ منَ الشابّيْنِ العامِليْنِ بالمقهَى، بينما يظلُّ الشاب الآخر؛ مُعْتنِياً بالتّحْضير لِأبارِيق الشّاي، وتفقُّدِ عُلبِ السُّكر وأوْرَاق النّعْناع التي يُزيّن بها الكؤوسَ عند صبّ الشاي للزبائن…
التوأمان؛ “مُراد” و “مَليكة” يسْتقبلان العام الثالث منْ عُمْريْهِما… إنهما دفْقةُ السعادة في هذا البيت… بِضَجِيجِهما… بِصُراخِهما…. بِحرَكاتِهما… بِضَحِكاتِهما البريئة… بالكلمات المقلوبة، بالحُروف المعكوسة؛ حين يُحاوِلانِ النّطق، تقليداً منهما للكبار… أيام وليالي جميلة؛ لم يكنْ يُعكّرها سوى مرضِ أحدِ الطفليْن، أوْ مرَضِهِما مَعاً، فتُسارِعُ الجدّة إلى الأعشابِ والخلْطاتِ وأنوَاعِ الزُّيوتِ، وقِرَاءة المُعَوِّذتيْنِ….وتُواظِبُ على الأدْعية سِرّاً وجَهْراً، وعندما يستأذنها “خلدون” لِأخْذ التوْأميْن أوِ المريض منهما؛ إلى الطبيب في المدينة؛ تُقاطِعُه بِعَصبية شديدة، وبتعْليقها المُعتاد: ” لا..! قلتُ… لا…! ألا تفهم ؟ ” يضطرُّ “خلدون” إلى عدم مُجادَلة جدّةِ الأوْلاد… ويفهم الذي ينبغي أن يفهَمَه….!!
التّنقُّلاتُ بيْن المدِينة والقرْية؛ غيْرُ آِمنة… أخبارُ التقتيل والتشريد والتفجير، تتجدد يوماً بعد يوم… المُحتلّ؛ كلبٌ جاِئع… وقِرْدٌ غادر… وسهْمٌ مسْمُوم… يتوعّدُ الأهَالي، ويَضْرِم النِّيران في الجِبال والصّحاري، ويقتاتُ مِنْ جُلودِ الضّحَايَا… ويسْكرُ بدِمَاءِ الأبْرِياء… ويتلوَّى مثل الثّعْبان على أعْرَاضِ الناس..! أمام هذه الحقائق… لا سبيل إلى مجادلة والدته… إنّهُ مُقتنِعٌ الآن؛ بأنّ الظرْفَ قدْ حانَ للتّغيير… للمواجَهة… وبأنّ حياته في إدارة المقهى الصّغير، يجب أن تتحوّل إلى معْنى أكبر… وإلى هدف أرْفع… لا نحْيا فقط؛ لِنأكل…! لا نحْيا فقط؛ لتحقيق السّعادة المحْدودة بِجُدْران… وَنسْل… ! من العبث أن نفهم الحياة بهذا الشكل…!
هي الخميرة الأولى؛ التي ستخلق منْهُ إنساناً آخر….
منذ سنوات؛ وهو يتفرّج على مشهد الحرب… وتكالُبِ المُعْتدين…! ويكتفي بأنْ يسْعَدَ مع الأهالي عند سماع نجاح عملياتِ الثوار، أوْ.. يحزن كلما تناهى إليه؛ خبرُ عزيزٍ إسْتشْهَدَ، أوْ وَصَلتْهُ معلومة عنْ عزيزٍ فُقِد، أو تكرّرتْ على مسامعه؛ أنباء الهجومات على القُرَى والمَداشر المُجاورة… سلبٌ ونهبٌ واغتصابٌ وأسْرٌ وحَرْقٌ وحِقْدٌ أعمى؛ يتزايد… فيُحَطم الرّقْمَ القِياسي في الهمَجية المَقيتة …! تصْرُخُ أعْماقُه: أمَا مِنْ حدٍّ لهذا الوَضْعِ البائس..؟
اليوم؛ يبْحَث عنِ السّبيل لِفعْلِ شيْء… يُمْعِنُ النّظر في مُرْتادي المقْهى… يُرَاقِبُ حَرَكاتِهم، يُرْهِفُ السّمْعَ لِحَكاياهُمْ… ينتبه إلى قاماتهم… طولٌ وعرْض…! يا إلهي…! لماذا يهدرون الوقت في هذه الجلسات المكرورة… ينشغلون بأوراق اللعب، وبلعبة الدومينو، وبالتعليقات البريئة على بعضهم البعض…. يضحكون ملء أفواههم، حتى إذا ما تعبوا وحان وقت الانْصِراف؛ توادَعوا على أمل اللقاء في الغد…. وأيُّ ..غد…!
يُحاولُ أن يتخيّلَ المشْهَد القادِم…!
سيختارُ عيِّنة مِنْهُم، سيُحدّثُهم عمّا يجول بخاطره… سيَجُسّ النَّبْضَ لَديْهِم… و.. سيُقرّرون جميعاً؛ بداية المشوار… ما أصعب الخطوة الأولى…! غيْرَ أنّهُ لا بُدّ مِنْها..
رقصة التُّرَاب…
تأكّد العزم على المُجابَهة… وبدأ خلدون؛ برفقة بضعةِ شبابٍ من زبائن المَقْهى؛ بإعداد العُدّة. جمعوا ما استطاعوا من الأسلحة البيْضاء… وتكفّلَ اثنان بتوْفير المخبأ، واثنان آخران بمُراقبة القرى المُجاوِرة؛ بينما “خلدون” يجْمعُ التفاصيل… ويلتقط الأخبار، ويحاول أن يبدو هادئاً… عادياً… منشرحاً والتّوْأم بين يديه، و”خليدة” الزوجة المثالية؛ تعمل ِبهِمّة ونشاط من أجل تحسين مدخول البيت… فحلوياتها وفطائرها؛ أصبحت تلقى رواجاً كبيراً لدى زبائن المقهى، وتكفّلتْ أمُّ “خلدون” بالإشهار…. فكانتْ تحكي عن احترافية كنّتها كلما التقت بجاراتها في الطريق، إلى مُصَلّى النساء بالقرية، أو عند اقتنائها لبعض المواد الغذائية من دكان الحاج “صالح”، حتى أصبحتْ نساء القرية؛ يقْصِدْنها في شتّى المُناسبات؛ مثل الأعراس، والأعياد وكلّ ظرفٍ يستدعي الترحيب…. و”خليدة” الجميلة تشتغل ليل نهار وتتفنن في المعروضات…
أكّد الشّابّانِ المُرَاقِبانِ لِلقُرى المُجاوِرَة؛ أنّ المدعو “جورج” سيحضر كعادته، لِاقترافِ جرائمه؛ صُحْبة ِبطانَته… سيقتحم بيوتاً ويتجاوز أخرى؛ مُؤجّلاً حِقدهُ عليْها؛ حتى إشْعار آخر…! سينهب… سيحرق… سيقلب البيوت رأساً على عقب… سيجرُّ النساء من شعورهنّ…سيركل الرّجال… سيدوس الصبيان بحذائه الخشن… سيبصق في وجه الشيوخ… وسينتقي ضحيته الجديدة منْ… بناتِ القرية…
منتصف الليل… جوٌّ بارد، ظلمة حالكة، وكلاب ضالة؛ تنهش بقايا “الضّحِيّة” بعد أن لفظها “جورج” على قارعة الطريق…. محطمة، مهشّمة، تلعق الموت تحت همجية الأقدام النجسة… أقدام الجبناء وهم يستعرضون جُبْنهم؛ على حرائر المنطقة…!
يتسلّلُ “خلدون” ورفاقه إلى الحقل؛ حيث الذخيرة “البِدائية” المُكدّسة تحت طبقات من الوحل؛ بفعل غزارة الأمطار…. فطوال اليوم؛ شهدت المنطقةُ رُعوداً مُدوّية في سماء سوداء، أعقبتْها أمطار مهولة، وكأن الطبيعة الغاضبة تأبى إلّا أنْ تغسِلَ المكانَ مِنْ عارِ السّفهاء..! يتمكن “خلدون” ورفاقه من التغلب على الوحل وإزاحته عن المكان المقصود، ويبدأ الحفر لِاسْتخراج الذخيرة…. يتطايرُ حَصىً صغير شِبْه مُبلل، يتعمّقُ الحَفْر… وشيئاً فشيئاً تبدأ رقصة التراب؛ وهو ينتفض مِنْ فوق الأكياس المملوءة، وكأنّ التراب كان في انتظار هذه اللحظة؛ ليتخلّص مِمّا في جَوْفه، و لِيُسلّمَ الوَديعَة إلى مُسْتوْدِعِيها، وليكون أول مُناصِرٍ لِلّحْظة الموْعودة….! تستمرُّ رَقْصَةُ التُّراب في نشوة الاِنْتفاضة.. حتى آخرِ كِيس…
تُفْتح الأكياس، وتُستخرج منها أسلحة بيضاء متفاوتة الطول، مختلفة الشكل؛ مُوحَّدةُ الهدَف..! يُسارع “خلدون” إلى أخذ ما يُناسُبه… ويقْتسمُ بقيةُ الرِّفاق “العُدّة” في صمتٍ بليغ، يُغني عن أيّ تعبير…. إنها اللحظة الحاسمة…. لحظة الفعل…. لا لَحْظة القول…! يتسلّلون إلى حيثُ يتواجد المدعو “جورج”… يلاحظون نوراً خافتاً من نافذة شبه مكسورة، يتبادلون الإشارات…. ينطلق خلدون من وراء السور الخلفي – سور قصير – وقبل أن يتجاوزه؛ يسمع أنيناً… يحتار… من أين يأتي هذا الأنين…؟ يتقدم بحذر…يتزايد الأنين وسط ظلمة حالكة ينقبض لها قلب خلدون… يتوقف؛ علّهُ يتبيّنُ جِهة الأنين… يُخيّلُ إليْه؛ أن المكانَ كلّه هو مصدر الأنين…! يتابع طريقه بتوؤدة، وصوت الأنين يخرم أذنيه… يلعب بأعصابه…
يجد نفسه أمام بابٍ خشبي كبير، نصف مفتوح… يتفحّصُ المكان بعينيْن شاخصتين… يفرك أذنيْه… وكأنّه يغسلهما من صوت الأنين…! يتقدم رويداً رويداً بعد أن دفع الباب ببطء إلى الأمام…يسير بضعة أمتار، يسمع ضجيج مذياع، يتتبّعُ الضّجيج… إنها الغرفة ذات النافذة الشبه مكسورة والتي يتسلّل منها ضوء خافت… قامَتُهُ المديدة؛ تساعده على أن يُطِلَّ ليرى ماذا يوجد بالداخل… طاولة صغيرة عليها بقايا أكل وقارورات فارغة، كؤوس مرمية على الأرض… خوذات، أحذية خشنة، أحْزِمة مرْكونَة في إحدى زوايا الغرفة… أعقاب سجائر تغطّي معظمَ الأرْض… أسلاك، أجهزة مُبعْثرة، قصاصات من الجرائد، يتساءل “خلدون” عن المذياع الذي سمع ضجيجه والذي قاده إلى هذا المكان… أين هو؟ لماذا لم يعد يسمعه..؟ يتريّث؛ ويمسح الغرفة بكل عينيْه… لا أثر للمذياع… فقط؛ صمْتٌ وسكونٌ رَهيبان… عجباً…!
يقرر خلدون دخول الغرفة، يتحسّسُ سلاحه الأبيض، ثمّ يدْلفُ إلى الدّاخل، فترتطم قدمه بجهاز لا يتبين نوعيته، يُحاذر وهو يتفحّصُ الغرفة… تتراءى له غرفة أخرى في قلب هذه الغرفة، يتذكّر بعض بيوت القرية… إنها نمطية البناء في هذه المنطقة؛ والتي درجتْ على أنْ تجعل غرفة داخل غرفة، بحيث تكون واحدة للوالديْن والأخرى للأولاد…
يسمع خشخشة أقدام؛ يسارع إلى الإلتصاق بالحائط وراء الباب، ويرهف السمع… الخشخشة تقترب… يصحبها تنَحْنُحٌ مُتقطّع… وكأنّ حلْق المُتَنحْنِح يَلْعَقُ شوْك البرَاري..! يظهرُ المُتنحْنِح… ِنصْفَ عارٍ. يحْبسُ “خلدون” أنفاسه، وينْتظر…! يُرَاقِبُ المُتنْحنحَ وهو يبحث عن شيء ما؛ في دُرْج الطاوِلة المُغبرّة… يطول البحث… وعندما لا يجد مَرْغوبَه؛ يتهالك على أحد الكراسي الصّدِئة وعيناهُ لا تفارقان الغرفة الداخلية…
يحتار خلدون… هلْ هيَ اللحْظة المُناِسبة…؟! ماذا يوجد في الغُرْفة الداّخِلية..؟ لا يهُمّ..! وبحركة خفيفة؛ يستلُّ سلاحه الأبيض، ويمشي بخطوات حذرة صوب الهدف… كان جِلدُ ظهرِ “جورج” شديدَ الاِحْمِرار، رقبة منتفخة، شُعيْرات قليلة مُبَعْثرة؛ وعلى مُؤخّرَة الرّأس وَشْمٌ على شكل ثعبان وقد تدلى لسانه… يرفع خلدون سلاحه وقبل أن يغرزه في ظهر جورج؛ يسمع أنيناً مُنْبعِثاً من الغرفة الداخلية…. لا وَقْتَ للتّريُّث… يغرز الخِنْجَر… يصرخ “جورج” صرخة مدوية؛ صرخة تزيح شوك البراري الذي كان يتنحنح بسببه…! .. يحاول الوقوف على قدميه… يستديرُ ليَرَى وجْه الفاعل… هي فرصة “خلدون” ليرى هو الآخر وجه هذا المأفون… يبصق عليه… ويغرس الخنجر هذه المرّة؛ في صدر “جورج”… يسْتلّه… ثمّ يغْرزه ثانية وثالثة… يتهاوى “جورج” على الأرض والدماء تُغَطي نِصْفهُ العارِي… يتنفس خلدون الصُّعَداء… ويتّجهُ نحو الغرفة الداخلية؛ مصْدر الأنين…تتسمّرُ قدماه…تشخَصُ عيْناه… سريرٌ مهترئ…و… امرأة نصف ميتة…! شعُرَ بالدّوار، حاول أن يُديرَ وجهه؛ حتى لا ينظر…! بحث عن شيء، يسْترُ به هذه المسجّاة على قافية الموت…! نظر إلى ثياب “جورج” المترنّحة على طاولة خشبية صغيرة، إنها البدلة العسكرية لهذا المأفون…. رفعها خلدون إلى أعلى؛ تدحرج مذياعٌ صغير من تحت البدلة… بحث في جيوبها وتجاويفها عمّا يمكن أن يجده فيها… لا شيء سوى غليون وقصاصة من ورق، مُلئتْ رُموزاً يصعب على “خلدون” فهْمها أوْ فكَّها… يدسّها في جيب معطفه، ثم يتقدم نحو السرير المهترئ؛ ليغطي المرأة النصف ميتة… غير أنّ شيئاً ما يجعله يتسمر في مكانه… كيف يغطي الضحية ببدلة السفّاح….؟!! يرمي بالبدلة، يدوسها بحذائه الذي علق به وحْل الحقول وأتربتها، ينفض يديْه؛ وكأنه يتخلّصُ من القذارة المُتبَقية في زوايا هذه الغرفة… ينظر إلى معطفه المغبرّ… وإلى البُقع التي خلفتْها الأوْحال على أجْزاء كبيرة منه، ينْزَعه؛ ينفضه؛ ويُدثِّرُ به الجسد المنهوش…! يتّجه نحو النافذة الشبه مكسورة، حيث رفاقه؛ في الاِنتظار؛ بعد أنْ أدّوْا ما عليهم…. هُمْ مَنْ تولّى القضاء على حَارِسَيْ “جورج”، اللذيْنِ كانا يتفقّدان المكان، جيئة وإياباً؛ ويتحاكيان عن قصص هذه الحرب بنبرة الحانق، الممتعض، ِمنْ حياةٍ مرْهونةٍ بتنْفيذ شريعة الإذعان….! إنّهُما مُجرّدُ عبْديْنِ لدى هذا المأفون… يحْرُسان رذائله… يحرسان همجيته وحُمْقه…. يعلّقُ أحدهما ساخراً: “لا تبْتئِسْ يا صاحبي؛ ستُعَلَّقُ الأوْسِمَة على نُعوشِنا… نحْنُ حُرَّاسُ الرّذيلة…!”
تذمّرٌ… سهْوٌ… حلكة ليل… برْد… استبعاد أيّ خطر… كلها أسباب سهّلَتْ على رفاق “خلدون” التخلّص من هذيْن البئيسيْن، اللذيْنِ اعْتقدا أنّ المكان مُحصّنٌ بسواد الليل، وبالخرافات التي نعتَتْه بأنه مكانٌ مسكون بالجنّ منذ أزمنة، ومن ثمَّ؛ لن يفكرَ أحدٌ في الِاقتراب منْه… يشيرُ خلدون إلى تلك المسجاة على مذبح الرذيلة، ويأمر الشباب بحملها إلى بيته في القرية؛ قبل انبزاغ الفجر..
إغفاءة تحْتَ ظِلالِ… الجحيم…!!
يتململ الشيخ وهو يتحسس جيْبَ عباءته… يتصبّبُ العرَقُ لِيتّخذ مِنْ تجاعيدِ جبينِه خنادقَ؛ حفرتْها السّنون وسكنتْها ألوانٌ من الوجع…! ينظر إلى شجرة الرّمان ويغيب… وكأنّه يَعُدُّ الحُبيْباتِ داخلَ كلِّ رُمّانة…! وبدون وَعْي؛ يمُدّ إحْدى يديْه إلى ما ارْتسم في مُخيّلِته…. ! اليدُ في الهواء… أصابعُ مُرْتعشة…. شفتان مُنْفرِجتانِ، عن ابتسامة ضيّقة؛ لا تلبثُ أن تذوبَ تحتَ سياط السّعال وهو يُفتّتُ حُنْجرة الشيْخ… تأتي “حكيمة” مُهرْوِلة، في يدِها كوب ماء، وفي عينيْها علامة استفهام، تُتَرْجِمُها تلك النبْرَة؛ وقدْ غدَتْ خليطاً مِنَ الخوْف واليَأس والإِلْتِياع والحيرة… يسْتعيدُ الشْيخ هُدوءَهُ؛ بعْدَ أن أسْعَفتْه حَفيدَتُه، ويومِئ بأنْ تُدَثّرَهُ وتذهبَ إلى شأنها… يغفو وهو يُصْغي لاِهْتزازاتٍ في صدْره، ثمّ في أذنيْه… تأخذه الإغفاءة بعيداً… بعيداً… يجدُ نفْسَهُ في قلبِ البئر، مُتخبّطاً… وينتصبُ المشْهدُ القديم أمامه، وكأنّهُ يعيشه اليوم؛ ولا يقوى على إزاحته…! في هذا البئر… رُميتْ زوجته الشابة “خليدة”؛ بعد أنْ تفنّنوا في تدْنيسِ جسدِها الطاهِر؛ بأحْقرِ الغرَائز الحيَوَانية، وبعد أنْ قاموا بقصّ شعرها الطويل، وعلّقوهُ على شجرة الرّمان… “ذِكرى” لِزَوْجها الغائب عن المشهد….! حادثة مقتل “جورج” وحارِسيْه، لم تنْتَهِ بسلام…. ففي الوقت الذي اقترب فيه الشباب من القرية؛ وهم يتناوبون على حمل الفتاة الضحية؛ لإيصالها إلى بيت “خلدون”، مرّتْ دورية عسكرية، فكان الذي كان…!
الدورية العسكرية تتقدم ببطء… تُسلّط الأضواءَ الكاشفة – بالمصادفة – على الطريق الذي يقطعه الشباب المكلفون بإيصال الفتاة إلى حيثُ أمرهم “خلدون”… يحاولون الهروب…يقفز أحدهم بين الشعاب، تهْوي قدمُه في مُسْتنْقعٍ عميق؛ يقبعُ فيه، بينما صوت الرّصاص؛ يُمزّقُ غِشاءَ ليْلٍ بِهيمٍ منْ ليالي الدِّماء الجاريات…. كانت الدورية مُتّجهة إلى حيث مكان “جورج” لمعرفة سبب انقطاع الاِتّصال بينه وبينهم… أحد الجنود وهو يركل جثة الفتاة المرمية فوق جثة الشاب الذي كان يحملها؛ يصيحُ مُحذِّراً عناصر الدورية: ” إنّها الفتاة التي اختارها القائد أمس…! أنا… أنا مَنْ تولّى إحْضارَها ِمنَ القرية المُجاوِرة، أنا مَنْ تولّى ترْتيبَ ليْلتِها مع القائد…! كانتْ مقاومتُها شرِسَة…لقد غرزتْ أسنانها على ظهْر َيدي حتى خلتُ جلدي تمزّق… صفعتُها، فلم أشعرْ إلا وقدَمها النّجِسة تكيلُ لي أقوى الضربات وتكاد تفقدني توازُني… موْقعُ الضّرَبات لم يكنْ عشوائياً “…!
يُفرِغ الجنْدي ما تبقى من الرّصاص فوق الجُثث المُبعثرة… وكأنه يرْوي غليلَهُ من الجُثث…! يقفز ليأخذ مكانه بين زملائه في المركبة العسكرية، المتوجهة لتفقّدِ “جورج”…!
عندما غادر رفاق “خلدون” المكان؛ وهم يحملون الفتاة؛ تريّثَ “خلدون” بِنِيّةِ تفْتيش تلك الرُّزَم المكدّسة، والأكياس والصناديق المركونة في العديد من زوايا المكان… فرُبّما يعثر على أسلحة خفيفة، أوْ مُتفجّرات… إذْ ِمنْ غيْرِ المعْقول أن يتواجد المأفون “جورج” في مكانٍ خالٍ تماماً مِنْ مُسْتلزَماتِ الدِّفاع عنِ النّفْس…! وفعلاً؛ كان التّصوّرُ في محله…. وعندما بدأ “خلدون” يجمع ما عثر عليه من مُسدّسات سوداءَ ومجموعة منْ أجْهزة اللّاسلكي؛ سمع صوت طلقات الرصاص عنْ بُعد…خمّنَ… هلِ اكْتُشِفَ الأمْر..؟ نظر إلى السّاعة في مِعْصَمه… تزايدتْ دقات قلبه… وتمنى أن لا يكون رِفَاقُهُ هُمْ مَنْ تعرّضَ لهذا الوابل من الطلقات…! شعُر بالبرد… اختلطتْ عليه الأحاسيس… تمالك نفسه، وأيقن أنه لا بدّ من الهروب؛ قبل أن يصل مَنْ أطلق الرّصاص إلى هذا المكان…! حمل معه ما استطاع من الذخيرة، وخرج متسلّلاً بين الشعاب والأشواك المُبلّلة بالمطر، وقد أثقلَ الوحلُ حِذاءه، وزاد في معاناته؛ حتى فكّر في نزعه، غير أنه لم يلبث أن عدل عن هذه الفكرة وقرّر متابعة السير بصبر كبيرٍ وأملٍ عريضٍ في أن يكون رفاقه والفتاة بخير…! بعد اختفائه بقليل، وصلت الدورية العسكرية، واقتحمت البيت المهجور… لم يكن هناك سوى جثة القائد “جورج”… و… تحوّلَ الجنودُ إلى كلابٍ مسعورة….!
يتخبط الشيخ في إغفاءته، يشعر بِالِاخْتناق، إنه كابوس المشهد الحارق، يُعاوِده…! عملية قتل “جورج”؛ أحدثتْ خلطاً في الحِسابات….! فَباتتِ الاِستنْفارات والاِستنطاقات والترصّدات الكثيفة هي قانون اليوميات… كلُّ القرى المُجاورة لِمكان العملية، ستدفع ضريبة واحدة، هي ضريبة الدّم، وستكونُ سُبُلُ تأدية هذه الضريبة؛ فوق أبشع التصورات…! وكانت القرية التي اُختُطِفَتْ منها الفتاة؛ هي أولى الأماكن التى أغرقها طوفان الاِنتقام…. ليتسع فيما بعد؛ إلى الجِوار…
في الجوار، قرية “خلدون” ومقهاه الصغير، المُغلق…! وكان الغَلق مزرعة للشكوك… سارع الجنود لكسر الباب، وتفتيش المقهى وإتلاف كل محتوياته… صبّوا نقمَتَهم على الكراسي والطاولات وغلايات الشاي وحطّموا كل ما وقعت أيديهم وأرجلهم عليه… واستنطقوا سكان أقرب بيت من المقهى عن اسم صاحب المحلّ، فكان الجواب: إنها مقهى جارنا “خلدون”، ولعله ذهب إلى المدينة لإحضار مستلزمات الشاي…! لم يكد المتكلم يُنْهي كلامه؛ حتى اخترقتِ الرصاصة حلقه…! و… دِيسَتْ جُثته… اتّسع الاستنطاق إلى كل بيوت القرية، ومعه تعددتْ أنواع التنكيل، الذي سترتسم صورته الأخيرة في بيت خلدون وعلى جسد خليدة….
لم تكن والدة خلدون موجودة ساعة الِاقتحام… خرجتْ منذ الصباح ومعها التّوأم: “مراد” و”مليكة” وعمرهما ثلاث سنوات ونصف… أخذتهما معها لزيارة أختها المريضة، وارتأتْ أن تقضي عندها ليلة بكاملها؛ وفي نيتها أن تأخذ المريضة والتوأم إلى ضريح أحد الأولياء الصالحين لِتحصيل بركاته، وتركتْ كنّتها “خليدة” مُنْشغِلة بالتنظيف والغسيل وانتظار “خلدون” الذي أوْهمَها أنه مدعوٌ لحضور عرسِ أحد أصدقائه في القرية المجاورة، وأنه بعد العرس؛ سيغتنم الفرصة، ويذهب إلى المدينة مع الشباب لِاقْتناءِ مُسْتلزَمات المقهى، لذلك؛ لا داعيَ للقلق إذا تأخر عن العودة إلى البيت…!
لمْ تشعر خليدة إلا والقيامة في الحُوش….! هرْولتْ؛ لا تلوي على شيء… تدخلُ غرفتها وكأنها تهرب من قدَرٍ إلى قدَرٍ آخر….! يلحقها جندي… ثم جندي… ثم جندي… يفترسون الطريدة، بينما بقية روحٍ فيها تنادي: “خلدون! خلدون!” بِلكْمَةٍ واحدةٍ مِنْ أحدهم، تفْقِدُ “خليدة” وَعْيَها… ويتفنّنُ الجنود وهم يتقاذفون الجسد المكلوم… إلى أن تعِنّ لهم فكرة الخلاص النّهائي برمي المرأة في البئر، بعد انتزاع شعر رأسها…
تظلُّ أمّ خلدون مع التّوْأمين عند أختها، بعد أن شاع خبر اقتحام البيت… تبكي كنّتَها… تبكي ابنَها الغائب… تبْكي جيرانها… يشتدّ كرْبُها… يُطمْئِنُها أبناءُ أختها بأنّ الفرج قريب… وبأن “خلدون” سيعود يوماً…ويُذكّرَانِها بأنها المسؤولة اليوم عن حياة التّوْأمين… وأن حاجتهما إليها؛ تقتضي منْها الصّبر والتصبّر والقوّة لتعويض غياب الوَالديْن…
في رحاب الإسطبل…
تمكّن خلدون من النجاة؛ بعد قطع مسافة مُعتبرة، ليحط الرحال داخل اسطبلٍ مهترئ… تبعثرتْ في زواياه بقايا سروج بالية وألواح مكسورة، وخراطيم بلاستيكية؛ أكلها الغُبار وعفّرَتْها القاذورات، فاجتاحتِ الفئرانُ المكانَ، وعشّشتْ فيه كل أنواع الحشرات والعناكب… وشهِدتْ جُدْرانُهُ على “عبقرية” بعض مجانين ودراويش القرية؛ وهم يرْسمون عالَمَهم الباطِني بمِدادِ… “فضلاتهم” ! وكأنّهم يبخلون بالبراز على الفئران، فيلصقونه على الجدران ويُثبّتونه بأشكال، تُفَسّرُ منطقهم في الحياة..! يتجاوز خلدون كل هذه التفاصيل، ويُفكّرُ في ذلك الدّرْويش؛ الذي صادفه أثناء فِرارَه، والذي لوْلاهُ؛ لَمَا اهْتدى إلى هذا الإسْطبل….
كان الدرويش يحمل قطعاً من الكراطين على رأسه، ويجرُّ كيساً؛ رَبَطهُ بِقَماشٍ رَثّ طويل، يُتمْتمُ بكلمات لا قاموس لها…! خمّن خلدون أن هذا القماش؛ إنما هو بقايا عمامة…. فضّلَ الدرويشُ الِاستعانةَ بها؛ حتّى يحفظ ممتلكاته داخل الكيس…! انتبه الدّرويش إلى ارتباك خلدون وحَدَجَهُ بنظرة نافذة من الرأس إلى القدمين، ثمّ ركّزَ بَصَرَهُ على الكيس الذي يحمله خلدون على الكتف، وحاول أن يلمسه؛ لكنّ قامة خلدون الطويلة؛ حالتْ دون ذلك…. افترش الدرويش كراطينه، جلس عليها تارِكاً مساحة لهذا الواقف أمامه… وبإشارةِ أصبعٍ؛ دعاه للجلوس بجانبه… غير أن خلدون لم يأبه، وتابع سيره بخطوات سريعة، فلحِقَهُ الدّرويش؛ تاركاً أشياءهُ؛ وهو يصيح: “يا مجنون…! يا مجنون….! تريّثْ….! أريد أن أعطيكَ مفتاح قصري ! إنه هناك… وراء الجدار، بجانب الزيتونة..”
تأكد خلدون من خبال الرجل ( أنّى يكون له قصر…؟! ) ومع ذلك؛ قصدَ الِاتّجاهَ الذي نعَته له الدرويش…الجدار/ الزيتونة…!! ولا حاجة للمفتاح…. إن كان يوجد بالفعل؛ مفتاح…! لم يْمض وقتٌ على تواجده في القصر/ الإسطبل؛ حتى سمع أصواتاً رِجالية تُندّدُ بالمجزرة الجديدة التي ارتكبها الجُناة في العديد من القرى… كان أحد هذه الأصوات مألوفاً لديه… حاول أن يُرهف السمع… عكّر مزاجه؛ نشاط الفئران وهي تقفز فوق كيسه، وتحاول قضمه…. تبيّنَ له بعد جُهد؛ أن هذا الصوت إنما هو صوت أحد الشباب الذين خرجوا معه للعملية في الليلة الموعودة. إنه صوت “العوفي” … ماذا يفعل في هذا المكان…؟ وأين البقية…؟ لم يتردّدْ في الخروج من الإسطبل، وعلى العتبة، توقف متفرّساً في الوجوه… رآه “العوفي” فهرع إليه والدهشة تلْبَسُه…! جلسا على العتبة، واستمع خلدون لتفاصيل الحكاية…. فعَلِمَ أن “العوفي” هو الناجي الوحيد من عملية الأمس… وأن المستنقع الذي كان قدْ هوى فيه؛ هو السبب في نجاته….! وأنه لجأ إلى هذا المكان؛ عندما كان الجُناة يعْصرون أحقادهم، ويسْقونَ بها سكانَ قرْية “خلدون”…! وفهم خلدون أن عائلته لم تسلم… غاب السؤال في حلقه… شعُر بالغصة تأكلُ قلبه… تمتصُّ دماءَه…احمرّتْ عيناه… صرخ…. هوى على الأرض… والزّبد يغطّي شفتيْه…!
جُرعات…. جرعات….
عندما استيقظ من غيبوبته؛ وجد نفسه في بيت أحد الفلاحين، إلى جانبه “العوفي” وبضعة رجال… قرأ “العوفي” السؤال في عينيْ خلدون…. طمْأنه…. وبادر الحاضرون إلى تهنئة “خلدون” بعودته إلى وعيه، و…بنجاحه؛ في القضاء على أخطر سفّاح أرْعَبَ الحجر والبشر….!
أدرك “خلدون” مع مرور الوقت؛ أن صاحب البيت الذي يأويه؛ ليس فلاحاً فقط… وإنما هو أحد عيون الثورة….! ظلّ عنده أياماً؛ قبل أن يُلْحِقهُ بالخلية التي ستتولّى تدريبه و”العوفي” – فيما بعد – على استعمال بعض الأسلحة….
سنة… سنتان… ثلاث… أربع… خمس…. يقضيها “خلدون” في التنقلات بين أماكن متباعدة، يزرع الرُّعْب في يوْمِيات الجُناة، يُجرّعهم الموت جرعات… جرعات….! يُبْهِرُ رؤساءَهُ…. فيكلّفونه بأخطر المهمات… ويُصبح محل ثقة الثوار، فيطلبون لقاءه ويخطبون وِدادَه…. ويقْتدُون بشجاعته، ويتمنّوْنَ لو يستطيعون مُرَافقته أثناء إنجاز العمليات….. “إنّه مِثل الزّئبق”..! هكذا نعتهُ أحد المبْهورين بتقنياته، وأصبح “الزّئبق” هو اسمه الجديد…. هو الإسم الذي سيهزُّ الجناة، يُقِضُّ مضاجعهم، يُذيبُ عنْجَهِيتَهُم، يُعَرّي عجْزُهم، يَقْلِبُ تصوّراتهم، يرْميهم في شواظ القلق، فتسْري حُمّى الفزع؛ في كلِّ خطواتهم وينْهلون من حياض الموت؛ قبل … الموت….! وَيلحق الخونةَ بَطشَهُ؛ فيسْتكْثرُ عليْهم ميتة السِّلاح العسْكري، ويكْتفي بسِلاحه الأبْيض؛ فيُذيقُهُم أبشع العذاب، ويتفنّنُ في استنطاقهم؛ حتّى يجفّ الدّمُ في عروقهم… وهو يكرّر عبارة واحدة: ” بِحَفْنَةِ أوْهام…. بِعْتُـــــــمْ ما لا يُباع….!”
يشتدّ وجعه؛ حين يعلم – بعد سنوات – بوفاة خالته ثمّ والدته في سنة واحدة… ويُصبح أولاده تحت رعاية إحدى القريبات؛ “مراد ومليكة” سيملآن فراغ هذه القريبة التي لم ينعم عليها الله بالذرية حتى الآن…. ويكْبُرَان…. وتكبُرُ الثورة…. ويكْبُرُ “خلدون” وتستمر العمليات التي تُرْهق الجُناة… وتعرف الثورة ميلاد العشرات مِنْ أمثال “خلدون”… ينتهجون منهجه… ويبطشون بطشه…. ويسلخون جلود مَنْ يبيع التراب في سوق النخاسة….!
أعوام… وأعوام….
كلها أعوام تختزلها إغفاءة الشيخ… ويُوقِفُ تسلْسُلَها؛ حركة “حكيمة” وهي تضعُ يدها على جبين الشيخ؛ وكأنّها تتحسّسُ حرارته… ثمّ تُسارِع إلى الماء وقطعة قماش؛ تغطسها في الماء، وتُبرِّدُ بها جبين الشيْخ الملتهب….تنادي: “جدّي… جدّي.. هلْ أنتَ بخير؟” يمدّ إليها إحدى يديْه؛ لتساعده على الجلوس…. تسند ظهره بالمخدة، يطلب كأس ماء، تأتيه به… يشعر بِانتعاش، يُمرّرُ أصابعه المرتعشة على لحيته البيضاء؛ وكأنه يمْسحُ ما تقاطرَ عليْها من الماء… يطلب من حفيدته أن تُعِينه لِيدْخلَ غُرْفتَه… يتمددُ على فراشه، تُسْدل حكيمة ستار النافذة؛ ظنّاً مِنْها أنّ جدّها سينام… وتلقي نظرة عليه قبل أن تغادر الغرفة….
حكيمة؛ هي حفيدته من ابنه “مراد”… الذي رُزِق أربع بنات، فَقدَ واحدة منهنّ أثناء إحدى الغارات على القرية، وظلّ ينتظرُ مولوداً ذَكَراً لِسنوات… حتّى رزقه الله بِذكريْن توْأمينِ، أحدُهما توُفّيَ بعد ثلاثة أيام، وعاش الآخر وكبُرَ، فكان أميرَ البيْت المُدلّل… ورجل البيت – فيما بعد – أثناء غياب والده في مهمات خاصة…. أمّا مليكة؛ أختُ مراد وتوأمه؛ فقد تزوّجتْ وأنجبتْ أربعةَ ذكورٍ وبنْتاً واحدة هي نسخة طبق الاصل عن جمال جدّتها “خليدة” زوجة “خلدون” الذي يبلغ اليوم من الكِبر عِتيا…. ومع ذلك؛ ما يزال يحتفظ بشيء ما؛ داخل محفظته البالية والتي تشقّقَ جِلْدُها وبهُتَ لوْنُها… لن تفْقدَ صلاحيتَها وقيمتها في نظر مَنْ يمتلكها….!
إشراقة… خاطفة…
يتململ الشيخ في فراشه؛ تعلو سحنته علامات ارتياحٍ مُفاجِئ… يتذكر سنوات الكفاح الخالدات في ثنايا الذاكرة…. يتهلل وجهه وهو يستعيد لحظة النصر… يتشبّث بصورة “اللحظة” في مُخيّلته…. تنْفرِج شفتاهُ عن ابتسامة؛ لها ألف معْنى ومعْنى….! صدى الزغاريد يخْترِقُ أذنيْه…. يُصْبِحُ لحْناً؛ تطرَبُ لهُ أحاسيسُه…تنْتعِشُ عرُوقه…. يُمرِّرُ أصابعه على جبينه…. تتراقص بيْن عيْنيْه ألوان زاهيات، يخْتلط أحْمرها… بأخْضرها….ِ بأبْيضِها…. يستشْعِرُ النسمات وهي تطير بتلك الألوان إلى السّماء المُرَصّعة ِبحكايا البَنَادِق… يشمُّ رائحة الزنابق وهي تُزَيِّنُ الشُّرُفات… تصْنع الِاحْتفال…. في زمَنِ الاِبْتِهاج بقطف الأْحْلام على رَصيف الِانْعِتاق مِنْ سلاسِل الجُناة…. وقد كسرتْها ضراوة “الحُماة”…!
غمامة…. يائسة…!
أحاسيس جميلة؛ لا تلبث أن تذوب…! يتعكّرُ مزاجُ الشيخ…. يشعر ِبحُمّى مُفاجئة تعْبث بعظامه…. يقشعرُّ بدنُه…. ثقلٌ كبير يسْتحْوِذ على خلايا رأسه؛ يتسلّلُ الثقل إلى عينيْه… لا يقوى على فتحهما، يُغْلقهما وكأنهُ يستنجد بالأهداب؛ لتحمل عنه الأثقال….! تُطلُّ عليه “حكيمة” من مدخل الغرفة، لتتأكد منْ أنه بخير، وأنه لا يحتاج لشيء…. ثمّ تنصرف بهدوء؛ ظنّاً منها أنّ الجدّ “خلدون” ينْعمُ بِصَمْت المكان ورَاحة البدَن…. غير أن الشيخ؛ بدلاً من أن يتخلّص من ثقل عينيه؛ بإغماضهما، إذا به يفتحهما…. عينان شاخصتان…. تبحلقان في… اللاشيء….! يزفر زفرة… يتحسس صدره…. يُحِسُّ بالألم يطوي مفاصله…. يئنّ أنينَ المحموم…. ينادي إسماً… يعتقد أن المُنادى لم يسمع…. يعاود النداء مرّات ومرّات… يتصبّبُ عرَقه، تُصبح قطرات العرق؛ مِداداً….أسْوَداً…. يرسم خنادقَ منَ… اللعنات….! يُغذّي سواقي من الدّماء…. تُغطي الحجر… ترُشّ الشجر… تعجن التّراب بأشلاء البشر…!
كان الشيخ ينادي ابنة ابنته…. ولم يكن أحد يسمع نداءه… فصوته؛ لم يغادر حلقه… ! وصورتها؛ لمْ تغبْ يوماً عنْ مخيّلته…! الطيف يعود إليه…. المحنة تعتصره… خفقان قلبه يضطرب… يضيق تنفسه…تتجمّدُ أصابعه على صدره… يريد أن يستخرج شيئاً من جيْب عباءته… لا يقوى… يحاول … ثمّ يحاول… يسقط ذراعه…تدمع عيناه… يتمنى لو تأتي “حكيمة ” لِتفقّده… لمساعدته على استخراج ما في جيب عباءته…! يتمنى ويتمنّى…. ينشغل بالتمنّي…. ويغيب في عالمه الخاص…. يرى “سُكيْنة”….!
غاليتُه، “سُكيْنة”…/ الملاك المذبوح على شظايا الفرح…!
في إحدى الليالي المقمرة، اجتمعت العائلة كلها فرحة بالصيام الأوّل ِلـ: “سُكيْنة”، (إحدى حفيدات الشيخ ) كان عمرها خمس سنوات… ظلّتْ تلعب طوال اليوم، والأسرة تشجّعها على إتمام يوْمها؛ لتكون عروس المائدة هذه الليلة….! ستُلْبِسها أمّها لباساً تقليدياً جميلاً…. ستُزَرْكش إحْدى يديْها بالحنّاء…. ستضع على رأسها الصّغير؛ تاجاً من تيجان الصّبيات… اشتراهُ الشيخ منذ يوميْن، وخبّأه عند مليكة، حتى اللحظة الموعودة… ستنْتعِلُ حِذاءَها التقليدي المُرَصّع بالرُّسومات البرّاقة….. ستجلس على كرسي خاص بالحفلات… زيّنتْهُ والدتُها بأقمشة مزركشة، ووضعتْ عليه وسادة حريرية، تسند بها جسم الصّغيرة…. ستُبلّلُ ريقها في البداية؛ بكأسٍ صغيرة من ماء زمزم؛ الماء الذي أتى به جدها منذ ثلاث سنوات من البقاع المقدّسة، والذي تحتفظ به العائلة ولا تستعمله إلا عند الضرورة المُلحّة….!
في قلبِ الفرْحَة الورْدية…. سَتزْهِرُ النّقمَة السّوْداء….! لم تشعر العائلة؛ إلّا والأضواء تنطفئ…وأصواتٌ مُبْهمة تعلو… تتوعّد… ينْتشر أصحابُها في أرْكان البيت… تولول النساء… يصيح رجال البيت: ماذا تريدون..؟ ! مَن أنتم…؟! ينْفجرُ صوت يهزُّ الجدران…” أين “المُختار”…!؟ نريدُ المُختار” !! بدون وعي، تصيح مليكة زوجة المختار: “إنه غائب منذ أسبوع…” يُكرّرُ بعض أفراد العائلة: ” نعم… إّنه غائب… إنه مسافر…” تصيح مليكة مرة أخرى: ” نحن لا نكذب عليكم… تمنّينا أن يكون معنا؛ ليشهد حفل أوّلَ صيامٍ… لِابْنتنا….”
قهْقهَ صاحب الصّوْت المُنكر…! أمَرَ مُرَافِقيه؛ بِأنْ يُوقدوا الأضواء…. توجّه نحو الصغيرة؛ وقد ابيضّتْ من الخوف… وانعقد لسانها… وتحوّلَ موضعُ جلوسها إلى بِرْكة من إفرازاتِ جِسمها الصّغير… تبلّل الكرسي… وساحت الإفرازات تحت قدميْها على البساط…..! تأمّلها صاحب الصّوْت المُنكر… رفع رأسها إلى أعلى… وفي لمح البصر…اشتغل السّكّين…! و…تدحرج الرّأس الصّغيرُ بيْن الأقدام….! تدحرج… والتاجُ ثابتٌ فوق الناصية…! صاح الجزّار:” سيفرح بصومها؛ أهل الجنة…”!
خرج “الجُناة الجُدُد”…. وظلّتْ آثارهم تُرْهق الأرْض…صفقة المشهد؛ تُرْبك الحُلم… تُدَنِّس نكهة “الحرية”… وتعود الذاكرة؛ لتفتحَ ملفات “جُناة الأمْس”…. تستقيم المقارنة…. يتطابق الفعل…. لا فرق بين “جورج” و”الجزّار”…!
بعد أيام، تصحو “مليكة” من غيْبوبتها… تفْتحُ عينيْها؛ فتجدُ “المُختار” واقفاً بالقرب من سريرها، يتأمّلها في صمْتٍ…. صمْتٌ؛ يتّسعُ لِأكثرَ من دلالة…..! !
تدخل “حكيمة” غرْفة جدّها؛ وبيْن يديْها طَبَق من فاكهة الموْسم… تضعُ الطبَق جانباً؛ وتنحني على الشيخ، تُريد مساعدته على الجلوس…الشيخ بارد برودة الثلج….! تصيح الحفيدة: “جدّي… جدّي… جدّي…” ! ينظرُ إليْها؛ و… تسقط عيناه على صدره…! ينْتشرُ الخبر بيْن سكان القرية… الشيخ “خلدون” في ذمّة الله….
بعد تشييع جنازته… تهتمّ “حكيمة” بجمع أغراض الشيخ؛ وحفظها داخل خزانته الصغيرة…تشمّ مِسْبَحته…. تتفقدُ ساعته الصفراء؛ ذات السّلِسلة الطوِيلة…. تتفقدُ نظارَتيْه…. تطوي عباءَته؛ فتُلامِس يدُها؛ شيْئاً في جيْب العباءة…. تسْتخرج المحفظة العتيقة المُتشقّقة….. تفتحها….
قبل الهجمة الغادرة – بقليل – على بيت العائلة، وبينما كانت مليكة؛ والدة الطفلة “سُكينة” منشغلة بتنضيد شتّى الأطباق الرمضانية؛ على الطاولة… ومعها أطباق إضافية احتفالاً بصيام الطفلة؛ تململتْ “سُكينة” في كرْسيها المُزرْكش، أنزلتْ يدَها على قدمِها الصّغير، تتحسّسُ حذاءها التقليدي الضيق من الجهة الأمامية، جهة الأصابع…رآها الشيخ “خلدون”، سارع إليْها والبسمة تملأ وَجْهه… همس في أذنها: ” انتظري يا غالية… سأريحُكِ من هذا الضيق….”! خلع حذاءها، ثمّ خلع جوربها الوردي… همستْ في أذنه: “الله… الله….! شكراً جدّي حبيبي… ألْبِسْني الحذاءَ الآن، واحْتفِظْ بالجوْرَب…! خبِّئْهُ في جيْب عباءتك؛ حتى لا تعاتبني أمّي…”!
زفرة حارقة، تنبعث من صدر “حكيمة”…. تشمُّ الجوْرب الصّغير… تُمَرّرُهُ على وجْهها الصبوح؛ وقد تبلّلَ بدمْعٍ كاللؤلؤ…. ودون أن تدري، أخذت الجورب الوردي ونظارة الشيخ؛ وخبّأتهما بعناية؛ في صندوقها الصغير الذي يحوي بعض خصوصياتها… وعلى رأسها مُجسّمٌ صغيرٌ للكعبة الشريفة، هدية الشيْخ إلى حفيدته منْ آخرِ رحلة له؛ إلى البقاع المُقدّسة ….
“حتّى لا تعاتبني أمّي…!” هلْ كانتْ ستُعاتبها فعلاً؛ على جورب ؛ اقتضى منها ساعاتٍ طِوال… وهي تبحث وتُقلّبُ كلّ ما عُرِض عليْها في أرْقى المحَلات في المدينة…. لقد قصدت المدينة منذ الصباح الباكر… فقط؛ لِتُجهِّزَ كلّ مُتطلبات المناسبة… وكان الجورب الورْدي هو أحد مُتطلّبات هذه المناسبة….!

عن شميسة غربي

شاهد أيضاً

16650312_192596887886209_1091623779_n

إبليس فى محراب العبوديّة

إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ جنّى، حتى ولو كان من أحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *