الرئيسية / قصة قصيرة / رماد السر .. قصة قصيرة

رماد السر .. قصة قصيرة

رماد السر
هامش للسر
صاحب السر أبله تخر من شدقه الريالة.
صاحب السر فى غفلة لا يعرف أن السر فقد ذراعيه ووجهه وقفاه.
صاحب السر لازال يحرث أرض جهالته، ينثر فيها الحب، يرويها فتنبت اللاشىء. هو لا يعرف أن السر وقف على حافة البحر، هتف بأعلى صوته:
يا ناس. يا خلق، ها أنا سألقى بنفسى إلى البحر، أنتحر. أموت، ولما نظر إلى صفحة الماء وتخيل القعر الغويط، فكر أن يتراجع، لكن يدا خفية لم تمهله، كانت أسرع، قذفته إلى الماء، ولم تظهر له جثة.
لكننا رأينا السر عندما سكب على نفسه الجاز وأشعل النار. تركناه حتى احترق تماماً وصار حفنة رماد اقتسمناها.

قصاصة
حدثتنا عجوز ذات مساء فقالت: ثلاثة من بلدتنا امتلكوا فى الزمن القديم رماد السر: طبال، وتاجر جمال، وخادم مقام سِيدى “الفارس”، قالت إنه محظوظ من امتلك من رماد السر، تضحك فى وجهه الأيام، يهابه الجميع، ويأتى إلى مكانه السر.

نثار من رماد السر
صاحب السر تكفن بالظلام لما أتته ليلة المحاق. من فوق سطح داره- وهو يحدق فى العتمة- أجل خروجه- آسفًا- لسبب نعرفه جميعاً- نحن الذين اقتسمنا رماد السر- هو أنه لم يكن جهز لفة اللحم والعظام التى سيرشو بها الكلاب الضالة.

صبور صاحب السر، ظل ينتظر ثلاثين ليلة، كل ليلة يصعد إلى سطح بيته ليقرأ صفحة السماء، حتى هبط القمر منازله على مهل وجاءت ليلة المحاق مرة أخرى.

كنا نعرف أنه سيخرج الليلة ولن يؤجل، عندما افتعل مشاجرة مع زوجته، بدأها بركلة قوية لباب البيت، وأنهاها بعدة صفعات علي الجدران، خرجت المرأة باكية فتساقطت حبات اللؤلؤ. أصبح الذهب عارياً في شوراع البشر، تراه وتتحسسه عيون البشر، واللؤلؤ علي الأرض الرؤوم تدوسه أقدام الرجال. صاحب السر غض الطرف عن ذهب زوجته العاري ولؤلؤها المنثور في الشوارع حتي يستطع أن يأتي برشوة الكلاب الضالة.

في أول الليل امتدت يده، حشرت في شدقه بضع لقيمات، لم يبرح مكانه إلا بعد أن ابتلع دخان خمس سجائر، بعدها فتح ضلفة الخزانة وأتي بلفافة، فكها فاستقرت بارودة في كفه، هي نفسها البارودة التي كان يقبض عليها أبوه منذ أكثر من عشرين عاماً، كان عمه يحاول أن يفك قبضته عنها ويحظي بشرف امتلاكها هذه الساعة، ليكون هو الفاعل أمام أهل بلدتهم الذين تزاحموا يخمنون من سيفعلها، ولما ارتد أبوه بعد مشواره المقدس انفجرت الزغاريد، لحظتها كان ينفلت من حضن أمه ليركض حول المكان.

قَلَّبَ البارود فى كفه، تحسس شاربه، قربها من أنفه يشم رائحتها، يغوص في الذكريات البعيدة. لم نكترث نحن الواقفين وراء نوافذنا ومعنا رماد السر، كنا نعرف أنها يجب أن تكون بحوزته، فرجل مثله تعرفه البلدة كلها ، في ظرف مثل هذا، لا يعرفه إلا نحن ومعنا رماد السر، لابد أن يمتلك بارودة لها رائحة وتاريخ وذكريات بعيدة، فكها، نظفها، أعاد تركيبها، أطعمها الطلقات، وضعها بخشوع على طاولة ثبت بجوارها شمعة، وأطفأ النور.

رماد السر لم يخبرنا بأن صاحب السر سيتمدد على سرير، ينتظر الليل أن يوغل، لم نغادر أماكننا إلى حين، عرفنا أن رماد السر سيأخذنا إلى أحلامه: كان ما بين اليقظة والنوم، أتيناه على هيئة جَدِى، الذى نزل إلى بحر “مويس” فكان نصيبه واحدة من بنات الجن، أصبحت له زوجة تأتيه أيامًا معدودات فى كرم العنب، فكان الناس يطلقون على عناقيد العنب التى يبيعها جدي: عنب الجنية. يقسمون أن مذاقه مختلف عن كل العنب الذى أكلوه قبل ذلك، فهو مرة بطعم التفاح، ومرة بطعم الرمان، ومرة .. ..، أتيناه على هيئة جَدِي الذي كان عملاقًا قوياً ، يكنس الرجال أمامه ، لاتهمه كل العصي. الفؤوس. السلاسل التي بحوزتهم، هو يستطيع أن يستخلصها لنفسه، يقذفها وراء ظهره.

خرجنا من حلمه فكانت إفاقته، قلنا سيخطو خمس خطوات فى الظلام باتجاه طاولة عليها شمعة وبارودة، عرفنا صدق حدثنا قبل صدق رماد السر عندما عددناها معه: واحد. اثنان.. ..

صاحب السر ساذج ، اعتقد أن النوم أدخلنا حظيرته، ولن يفك عنا قبضته إلا مع شروق محفوف بشمس نيئة وزقزقات عصافير، وقطرات ندى تساقط كسولة، يظن أنه محصن بالسر والظلام، يشطره بسيف يده، يشق لنفسه طريقاً، ليست هي الطريق التى أخذت أباه أمام جمهرة الناس منذ أكثر من عشرين عاماً، لكنها طريق أخرى محفوفة بالسر والظلام.

حددنا اللحظة التى سيغلق فيها باب البيت. دونما اتفاق مسبق بيننا كنا وراءه فى الشارع، لم يركب بغلته، وهذا ما لم يخبرنا به رماد السر، انفلت كطيف فى الضوء الشحيح لنجوم تبرق فى السماء وتختفى حتى بلغنا الخلاء، كان يرشو الكلاب الضالة بقطع لحم وعظام، اعتقدنا أن فينا من رائحته عندما بدأت تتمسح بنا وتهز ذيولها.

رماد السر أخبرنا أن صاحب السر هناك، على حافة بحر “مويس” تذكر حلم الليلة، تذكر جدى الذى تزوج جنية البحر، فرأى أمامه واحدة من بنات الجن تجلس على صفحة الماء، تشير له، لم يهتز صاحب السر، خلع هدومه، أمسكها بيد، قذف بنفسه إلى الماء، جَدَّف باليد الأخرى، لم يمض وقت طويل حتى سمعنا الطلق النارى يذبح السكون.

هى البارودة التى كان يلفها بهدومه، يرفعها عن الماء عائداً إلينا. كنا نعرف أنه سيفعلها، باغته انتظارنا عندما انبثقنا له فى الضوء الشحيح للنجوم. سأله أحدنا: هل قتلتها؟ لم ينبس بكلمة، فتركناه ومضينا.

وكان صاحب السر ينفض عن جسده شعوراً مؤكداً بأنه أبله تخر من شدقه الريالة، بأنه فى غفلة، فهو لم يعرف أن السر فقد ذراعيه، وساقيه، ووجهه، وقفاه، أو أنه أشعل النار فى نفسه وصارحفنة رماد.

عن عبد العزيز دياب

شاهد أيضاً

16650312_192596887886209_1091623779_n

إبليس فى محراب العبوديّة

إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ جنّى، حتى ولو كان من أحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *