الرئيسية / شعر مترجم / خمرة في غمّازة

خمرة في غمّازة

من الشّعر الصّيني الحديث

 

 

ترجمة : ابراهيم درغوثي

تونس

 

هذه ترجمة لمجموعة من قصائد الشّعر الصّيني الحديث ، نقلتها من الفرنسية وحاولت قدر جهدي أن أكون أمينا وأنا أنقل هذا الكلام الّشفاف الرّائق من اللغة الوسيطة المترجم منها إلى العربية حتّى لا تفقد هذه الأشعار جمالها ورونقها . فالمعروف عن الشّاعر الصّيني أنه يتأّنق في الكتابة حدّ الإعجاز والإتيان بالكمال لهذا يصير من الصّعب على المترجم نقلها إلى لغة أخرى ، فمابالك بالّترجمة عن الّترجمة . ولكن ماشفع لي وجرّأني على القيام بهذا العمل ، هو أن ثقافتنا العربية تفتقد إلى نصوص مترجمة من أعرق الثقافات التي عرفتها البشرية كالصّينية واليابانية والهندية والفارسية ولغات الشّرق الأخرى .

هذه باقة من الّشعر الصّيني الحديث فيها عبق من الماضي الضّارب في القدم سيشم القارئ أريجه لا محالة وهو يقرأ ماتيسّر من هذا الكلام العذب .

 

 

 ابراهيم درغوثي

نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين

عضو اتحاد كتاب الأنترنات العرب

dargouthibahi@yahoo.fr

 

 

حياة

وانغ غيوز هنغ ( 1)

 

بما أ ّنك اخترت الّسعادة،

اقبل أيضا ساعة الّنحس.

وبما أ نك اخترت ا لّضياء،

اختر الّظلمة أيضا.

هل قهرت أحدا؟

اقبل الهزيمة إذن .

فلإن ربحت خطوة،

ستخسر لا محالة خطوات.

 

وبما أنك  قبّلت ناقوس الصّباح .

فلن يكون بامكانك الهروب

 من دفء الغروب .

 

 

 

خريف

فانغ بينغ(2)

أوراق الأشجار ا لّصفراء الطّائرة .

تمّر أمام شّباكي .

وبابي الموارب يحدث صريرا.

هل هوّ الرّيح يعاكس الباب؟

لا إنّها جارتي الصّغيرة ،

جاءت تحمل تفّاحة القلب.

 

 

الشّراع

لاي شويان(3)

 

لا ترهق الشّراع ،

        قل للرّيح:

كلّ شيء في مكانه ،

فالتهبّ العواصف أو لتستكين.

 

الجزر المفقودة.

والموانئ الصّاخبة .

لن تتحكّم في مصيرنا .

 

اذهب لتجري وراء الأيّام .

وراء ا لطموحات الكبيرة .

التّي لم تتراء ى لك إلاّ في الأحلام .

 

    قل للرّيح :

ليفرد عاليا أجنحته ،

ولا تسأل عن المصير .

 

لا تتحسّر على العالم ،

عند وقوع الشّراع .

 

القوس

باي هنغ(4)

معلّق على الجدار .

مغبرّ.

واقع في بئر النّسيان .

لكنّه في حلبة الصّراع مازال قادرا ،

على إطلاق سهام تجرح الشّمس ،

دون أن يترك أيّ أثر للدّماء .

هذا القوس اعتنق السّلام .

 وأقسم على الامتناع  عن القتل .

لكنّ ظّله ،

مازال يفرض الرّهبة والتّقدير.

 لأنّه ، عندما يحني أحدنا ظهره ،

يتحوّل دون قصد،

 إلى قوس .

 

 

خمرة في غمّازة *

باي هنغ

 

أحمل الغمّازة الّلطيفة ،

من فوق خدّ ابنتي الصّغيرة ،

لأشرب قليلا من الخمر في الصّباح ،

وقليلا في المساء .

 

عندما تضحك،

يكون الخمر عذبا .

وعندما تبكي ،

 يصبح الخمر مرّا  .

 

قلب على كفّ

لاي شويان(5)

 

لو أستطيع وضع قلبي على كفّي ،

كفّي الشّبيهة بورقة سميكة تحمل حبّة فراولة طازجة،

لعرفته من النّظرة الأولى.

ولهتفت: يا لهذا الأحمر الرّائع.

 

لو أستطيع  وضعه حقيقة على كفّي .

كما نضع حبة فراولة على ورق ،

لأكله بالتّأكيد العصفور الملعون .

كيف سيكون بامكاني إذن أن أفسّر لك

معاناتي الرّهيبة؟

 


لقاء

شنغ كنشيونغ(6)

مختبأ عن رذاذ المطر،لقيتك.

واحزني،مصطحبا زوجتك.

في لحظة،

مرّت عشر سنوات من الأمل.

مرّت كالسّرا ب.

عشر سنوات من التّرقّب.

لم يعد لها معنى.

 

رسمت بسمة على زاوية الشّفتين.

لكن دموعي هطلت على وجهي .

 

عندما رأيت زوجتك المدهوشة ،

أعلنت وأنا امسح وجهي:

“ياإلاهي يا لهذا المطر…

مدفن في قلبي

صونغ هنغشنغ (7)

الّليلة التّي ولدت فيها إبنتي  ،

كانت أقصر ليلة في حياتي .

الليلة التّي ماتت فيها أمّي ،

كانت أطول ليلة في حياتي .

أمي التّي ذهبت

سريعا ، سريعا .

 

لن أدفن أمّي  في هذه الحفرة القذرة .

لن أدفع أمّي للنّار الحقودة لتحرقها.

لن أجعل المياه الهوجاء تخسف بأمّي .

لم يبق لي سوى قلبي أدسّ فيه أمي إلى الأبد .

لتحرسها أضلعي .

وتحنوعليها .

 

قمر منتصف الخريف

صونغ هنغشنغ

منذ أن سافرت أمّي سفرتها الأبدية،

ما عدت أنظر إلى القمر ،

خوفا من أن تسقط منّي دمعة ،

دمعة عظيمة ،

تبتلع العالم

 

ا لثلج

صونغ هنغشنغ

 

كلّما اشتدّ زمهرير الزّمن ،

صار قلبك أقسى .

هيّ ذي رغبتك .

 

لكن ما أن يهمس الرّبيع في أذنيك ،

بضع كلمات ودودة ،

حتى ترتمي في أحضانه .

 

 

ثلاثة أجيال

زانغ كيجيا ( 8)

الطّفل ،

يسبح في رحم الأرض .

الأب،

 يعرق على الأرض .

الجد ّ،

يستريح أبدا تحت الأرض .

 

الحصان

زانغ كيجيا

 

املأ عربة النّقل،املأها.

فلن يقول شيء لا محالة.

الحمل الثّقيل سيأكل لحم ظهره.

ولكنّه سيخفض رأسه بمرارة.

جاهلا هذا اليوم ما يخبأه له الغد .

لن يبقى له سوى ابتلاع الدّموع .

وعندما يمرّ ظلّ الكرباج أمام عينيه،

سيرفع رأسه لينظر إلى الأمام .

 

 

العشّ الخاوي

وانغ ينسهنغ (9)

 

ما عادت على الأغصان ثمار .

فاندفنت أوراق الشجرة تحت الأرض .

واحدة وراء الأخرى .

 

والعش الفارغ معلّق في الهواء .

وحيدا ،

يزين الأغصان العارية .

والرّيح تنهشه الحسرةعلى الأياّم الخالية .

يروح ويجئ في أعماق الزّمن،

فيخيل إليك أنك تسمع ،

زفرات الغروب.

 

 

وداع

ووبنكسنغ (10)

 

لأن ذهبت ،

دون أن تتركي وراءك عنوانا ،

فقد تركت ابتساماتك ،

تحت شمس الغروب .

 

لأن ذهبت ،

دون أن تخطري أحدا .

فقد تركت نظراتك،

عالقة بالندى .

 

لأن ذهبت ،

دون أن نعرف أيّ اتّجاه قصدت .

فقد تركت ظلّك يتماوج ،

داخل مياه النّهر الصّغير .

 

ذهبت إذن ،

 فذابت ابتساماتك داخل أشعّة الغروب .

وارتعشت نظراتك وسط الندى .

وتماوج ظلّك في مياه النهر.

 

الشّمس الغاربة،

 تحنو على جهات الأرض .

والنّدى،

 يرصّع بالنّور الصّباحات .

والماء ،

يجري في كلّ الأنهار .

فهل ذهبت إذن ؟

إنك  باقية كاملة الأوصاف.

 

 

الطّبيعة

عنج كسي (11)

النّمل، في مستعمراته،

يصّاعد على جذع الشّجرة ،

ويتنزّل .

 

بلح البحر ،

على الشاطئ،

يفت ح صدفاته ،

ويغلقها .

 

داخل الحقول الممتدّة على مرمى البصر ،

تتهامس سنابل القمح فيما بينها ،

عن سرّ نضجها ،

الّذي تجهله العصافير .

 

في أعماق الجبل تتجوّل نمور الجنوب .

والعصافير الخائفة تتفرّق في كلّ الجهات .

متجاهلة الأخطار المحدقة.

فوق الأعشاب،

 

 دجاجة باضت لتوّها .

هاهي تقوق معلنة ،

أنّها ستبيض غدا أيضا.

زوبعة تثير الغبار .

زوبعة تمرّ .

والورود تذوي وتتفتّح من جديد .

والورود تتفتّح لتذوي مرة أخرى .

ومياه النّهر تسيل وتجري .

تسيل وتجري إلى مالا نهاية .

والجبل الّذي غطاّه الثّلج تخضرّ قمّته .

والجبل الأخضر بدأ رأسه يشيب .

 

تحت المطر

باي هوا(12)

كلّ قطرة مطر تسطّر نقطة استفهام على سطح النّهر .

هل أنا مدعوّللإجابة ؟

لك ن الأمواج العاتية تمسح كلّ شيء.

وفي الحال، تسقط ألف قطرة وألف قطرة أخرى، على مساحة قلبي الشاسعة.

تلحّ بعنف على افتكاك الأجوبة منّي .

هل في إمكاني  ارضاؤها؟

هل في إمكاني  الإجابة على كلّ الأسئلة ؟

أخرج رأسي من القمّرة،

راغب في الاستمتاع بدقّات المطر على وجهي ،

طويلا ، طويلا حتّى يصبح من الصّعب عليّ فتح عينيّ ،

تحت الزخّات ، آلاف الأسئلة تحاصر روحي .

فأمسح وجهي بقفا كفي ،

 كطفل ، ابن ستّ سنوات .

هل هو المطر ؟

أم هي الدّموع ؟

 

مارّة على طريق الحبّ الدّافئ

رهانغ يي (13)

عند بدايات الرّبيع،

يقفز الأخضر داخل الأغصان ،

علامة على انتصار الأمل .

وأنا داخل الحافلة التي تطوي الأرض طيّا ،

وصلني صوت ينادي باسمي .

 

السيارة اجتازت محطّة الحبّ الدّافئ، ولم تتوقّف.

 

وأنا صامتة، ويدي على مقبض بوّابة السيّرة .

وكأنّني لا أعلم:

لماذا هذا التّغنّج في تسريحة شعري؟

لماذا حطّت زهرة الأوركيدا على عنقي ؟

لماذا تشتعل النّيران فوق خدّي ؟

رغم وضوح كلّ شيء للأشجار الباسمة على جنبيّ .

للأطيار التّي ألتلقيها في طريقي

 

الحافلة لم تتوقف في محطة الحبّ الدّافئ

وأنا بقيت واقفة

ومطر ينهمر داخل قلبي .

 

 

 

 

الإحالات :

 

في الصين يسمّون غمّازة الخدّ ، غمّازة الخمر .

 

(1)وانغ غيوزهنغ :ولد سنة 1956 في كسييامين يعمل في أكاديمية الفنون . له دواوين شعرية عديدة منها : مستنقع شاب ، أفكار شابة ، ريح شابة

(2) فانغ يينغ : مولود سنة 1922 . شاعر محترف . من دواوينه : قلب البحر

(3) لاي شويان : ولد سنة 1942 في شانكسي . نشر أكثر من عشرة دواوين شعرية منها : العشبة الصغيرة تغني

(4) باي هنغ : مولود سنة 1926 في هيباي .شغل رئيس تحرير مجلة الشعرية له عدة دواوين شعرية .

(5) لاي شويان : شاعرة مولودة عام 1942 في جانغ يانغ

لها : الأعشاب الصغيرة تغنّي ومجموعات شعرية أخرى

(6) شنغ كنشيونغ : شاعرة مولودة سنة 1950 في قنزهو

نشرت مجموعة شعرية بعنوان زهرة الحب التعيس الخضراء

(7) صونغ هنغشنغ : عمل رئيس تحرير اامجلة الشعرية للنهر الأصفر

له:  أشعار غنائية ومجموعات شعرية أخرى

(8) زانغ كيجيا : شاعر صيني مشهور ولد في 8 أكتوبر 1905

له عدة دواوين شعرية منه : رسوم والأيادي، السوداء المجرمة ، مسيرة الجيش ، أغاني نهر غواي ،غناء الأرض أزهار شجرة عجوز وغيرها …

طبع الحياة الثقافية الصينية لأكثر من ستين عاما .

(9) وانغ ينسهنغ : ولد سنة 1934 في بيكين . يعمل في هيئة تحرير مجلة : الشعر

صدر له : الذهاب الى الأفق ودواوين أخرى .

(10) وو بنكسنغ : ولد سنة 1913 في الهونان . أستاذ جامعي .له عديد الدواوين الشعرية والدراسات النقدية حول الشعر .

(11) غنج كسي : مولود سنة 1932 في شندونغ

محرر في منشورات أدب وفن في شنغهاي

(12) باي هوا: مولود سنة 1930 في كسينيانغ . قاص وروائي وشاعر وكاتب سيناريو .

شعاره : من الغضب يولد الشعر .

(13) رهانغ يي : شاعرة مولودة سنة 1948 في شنغهاي . تدرّس في كلية الآداب بجامعة شنغهاي . نشرت مجموعة شعرية بعنوان : غراميات امرأة شاعرة .

 

dargouthibahi@yahoo.fr

www.arab-ewriters.com/darghothi/

عن ابراهيم درغوثي

شاهد أيضاً

من الشعر النمساوي الحديث

  1ـ ذكريات اذا انعكس ضوء (النيون) لنادي ليلي في ألنبيذ ألأحمر.. يحملك لأيام بعيدة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *