الرئيسية / نصوص / عوني كرومي النجم والشهاب

عوني كرومي النجم والشهاب

 

 

 

عوني كرومي … النجم والشهاب

محي الدين زه نكه نه

 

 

ايّ نجم…. أفل…
ايّ شهاب … هوى…
أهو من قبيل العزاء ان اظل اردد هذه الكلمات بيني وبين نفسي . الفائضة بحزن من نوع , لم تعرفه نفسي ، ولالها سابق عهد بمثله؟
ارددها همساً حيناَ … وجهراً أحياناً أخرى. يرنو الىّ من يسمعني عرضاً… دهشة واستغرابا، وربما متسائلاً ، هو الاخر بينه وبين نفسه.. ماذا جرى له؟ ويمضي غير حافل بسؤاله الذي تسحقه اصوات السيارات والماره، او يتلاشى ويضيع في تلا فيف الهواء او بين طيات الصمت الثقيل الذي سرعان ما يلفني … ويبقى السؤال بلا جواب .. وابقى انا وحدي اسير… شبه غائب عما حولي كالسائر في نومه، ما ضغاً الامي واوجاعي التي فجرهًا في روحي احتراق احد اكبر قديسي المسرح، واحد ابرز علاماته الخلاقة. واعلى راياته الخفاقة… في العراق. خارج العراق في الغربة ، فوق خشبة المسرح المقدسة التي طالما تعبد في محرابها وصلّى وابتهل ما يقارب نصف قرن من الزمان. واوقد قناديله التي أرضعها ،بدل الزيت .. من دمه وعرقه ومن فكره الوقاد ومن نبع خزينه المعرفي والحضاري الثري، الزاخر بالعطاء ، الذي لم يطله النضوب، ناهيك عن الجفاف , يوماً.
الخبر الصاعق الفاجع لا يغادرني… لقد غاب عنا .. عني عوني … الذي كان بحق عوني انا .. وعون كل من لاعون له، استأثرت به السماء الضَّنين ضناً به، فاستردته … استردت دفقة النور الوضاء التي كانت تسير بيننا على هيئة انسان من طراز خاص مثقل بالثقافة والعلم والاخلاق، شفاف .. نكاد لفرط شفافيته ان نبصر عروقه النابضه بحب الوطن وروحه الصافية النقية المشعة كالكرستال في وضح النهار.. تصنع لنا مواسم للفرح والامل.. عبر ايات من الفن الانساني السامق.. يغتني بالواقع .. في الوقت نفسه الذي يغني الواقع .. عبر علاقة جدلية بمعطيات التاريخ, قديمه وحديثه, وبوعي أصيل متفتح , ينهل من التجارب المحلية والعالمية كلها.. يتمثلها ويفرزها.. فناً وجمالاً والقاً … يزيد الحياة بهاءً ونورا بمفاهيم وتعاليم منيرة.. تزحزح كتل الظلام المكتوم .. عن طريقنا ومن حولنا .
آه .. أي نجم قد افل . أي شهاب قد هوى ..!
لماذا هذه الكلمات بالذات ، دون غيرها من بين الاف الكلمات التي تزدحم بها رأسي والتي تتدفق وتسيل مدراراً من الينابيع الوجدانية اللامرئية التي يفجرها الالم الخرافي لهذا الفقد العظيم ؟
من أين، ياترى ، انبثقت..؟ وكيف اقتحمتني, اخترقتني , بهذا الشكل الملحاح وسكنت ضميري واستولت على لساني.. الذي يرددها في السر والعلن؟

هل خرجت من بطون الكتب والقراءات التي تزخر بها تجاويف الذاكرة؟
هل اخترقت اذنى وسكنت جوانحي من الافلام والمسرحيات التي ادمن على مشاهدتها ومتابعتها وقراءتها؟ ام .. ام ان الفاجعة المفاجئه الصاعقة قد حفرتها على لوح خفي منظور، في مكان ما داخل الروح والعقل والقلب.. وأن يدا لا مريئا تضعها نصب عيني بصورة دائمة لاتريمها ولا تنزاح عنها.. وانا لا املك الا ترديدها والاستماع الى صداها ملّء كياني.. صدى هذه الكلمات التي تصرخ من داخلي.. صراخاً يهزّ جدران جسدي.. مثلما فعل الخلاق عوني نفسه بـ ” صراخ صمتي الاخرس ” مسرحتي التي خلق لها الاف الالسنة .. ومنحها الاف الاصوات الضاجة الصاخبة وجعلها تهزّ.. جدران مسرح الستين كرسياً” وفجرّ فيها دوّياً ردد صداه العراق كله.. وتجاوزه الى الاردن.. والمانيا.. وهولندة .. والدنمارك و..و ..و. منذ اكثر من ربع قرن .. وحتى الامس القريب..
وعوني.. هذا الكيان الديناميكي الغريب، النشط الفعال، لايني بجدد ويبدع ويعيد خلقها من جديد .. في كل مرة.. وفي كل بلد..
انىّ لي ان اصدق بان هذه الكتله البشرية الخارقة من الحيوية والفعل الخلاق يمكن ان يدنو منها الموت، ويسرقها , على حين غفله.. ويغيبها الى الابد؟
كيف لي ان اصدق بان هذا النبع الثرى المتدفق .. باعذب موسيقى الفن يمكن ان يتوقف عن عزف الحانه الساحرة.. ويكف عن الغناء
لا استطيع ان اصدق بان نجماً بهذا القدر من الضياء. وكوكبا بهذا الحجم من النور.. وشهاباً بهذا المدى من السطوع..
يمكن .. ان .. ان …
لا .. لا .. لابد ان ثمه خطاً ما .. في مكان ما .. والا .. فلماذا تأفل الأنجم المضيئة. وتهوى الشهب الساطعة.. وتغيب الكواكب المنيرة .. وتجف ينابيع العطاء, من حياتنا ، بهذه السرعة؟
بالأمس غير البعيد.. غاب عنا .. ورحل عن عالمنا .. عالم السينما والمسرح الاستاذ الجليل جعفر علي ، احد ابدع الفنانين .. واعمقهم فكراً .. واعظم استاذ عرفته .. اقولها شهادة نابعة من احساس كامل بالمسؤولية الوطنية والضميرية والادبية . وبعده.. بالامس القريب , فقدنا استاذ الاجيال.. واستاذ الاساتذة .. الفنان الخالد جعفر السعدي.. وقبل الجعفرين الشامخين.. ذاك.. وذاك.. و.. ذاك .. وبعد الجعفرين الخلاقين .. هذا .. وهذا .. و .. هذا .. من عباقرة الفن المسرحي و الابداع الاصيل واعلام الوطنية.. يخطفهم ” الموت اللئيم ” وهم في قمة عطائهم .. يسرقهم بكل خسة.. وبلا خجل .. من عيون وحدقات احبتهم وتلاميذهم ومريديهم في وقت اشد ما يكون الوطن … ونكون , حاجة اليهم.. الى علمهم.. الى فنهم.. الى .. اخلاقهم
واليوم ، ايها الاحبه .. راح عوني .. افترسه الذئب الذي قال عنه الجواهري
” فوق نيوبه دم اخوتى واقاربي وصحابي .. ”
اجل .. رحل عوني .. احد انجب تلامذة الجعفرين الجليلين .. واكثرهم توقداً.. وذكاءً وخلقاً وعطاءً .. واحد أوفى الخارجين من الرحم العراقي الولود واكثرهم التصاقاً بترابه.. وعشقاً لناسه وايمانا بيومه وغده .. وتفانياً في سبيله.
ولقد كان عوني النجم .. وكان الشهاب .. وكان الضياء .
كان .. ؟؟؟
اه.. ما اشد قسوة الكلمات ووحشيتها، بعض الاحيان ، اذ تغدو سكيناً دامية تقطع نباط القلب لاسيما حين تلصق نفسها بمن لاتليق به .. وبالغفلة المتكلم والكاتب اذ تتسلل هذه الكلمة البغيضه، الى خطابه، ..لتلتف، كالافعى ، حول شمعة موقدة، تتلفها .. وتطفئها.. ليحل الظلام..
وكم تصبح اذ ذاك كلمة كريهة .. تفوح منها رائحة الموت .. بل تغدو هي نفسها جثة خارجة من قبر ماض سحيق .. لا ينتمي الى الحاضر ولا المستقبل، اللذين هما عوني .. هما ارث عوني وتراثه الحاضران والمستقبليان .. اللذان يظلان يتغذيان ويغذيان، الان والغد . بكل ما هو سام ونبيل وجميل ويمنحانهما الحياة والديمومة . ما دام ثمة مسرح .. ما دامت ثمة ستارة سحريه ، تنزاح ، اذ تنزاح، عن واقع اخر … أكثر صدقاً .. وأقرب إلى الحقيقة , لا لكي ينسينا واقعنا ( الذي نحياه) وإنما لينير خفاياه .. ويبصرنا بنواقصه . وتخلفه وأسباب التعاسة فيه .. ليدفعنا الى العمل .. على تغييره .. وخلق العالم البديل ، عالم الحلم على أرض الواقع .. حيث تنتظم فيه الانساق والمفاصل . والدقائق والتفاصيل على نحو أكثر جمالاً وأكثر أكتمالاً .. وأكثر عدالة ..
إذ تطفأ المصابيح الكهربائية الآلية في القاعة .. وتنحسر عنك وعن الناس الأضواء .. تشرق أمامك على الخشبة شموس وتبزغ أقمار .. وتضيء كواكب .. وتشتعل قناديل وشموع ، من كيانات حية .. من أرواح وأجساد .. ومن أحلام ورؤى .. وأمال .. وطموحات ومشاريع .. من .. من بشر حقيقين ،أحالوا انفسهم الى مشاعل للنور و..ودلالات و رموز .. تفتح عينيك لترى أعمق وتبصر أبعد .. وتعبر أزمنة وأزمنة وقارات وقارات .. وأنت جالس على مقعدك ..
ذلك بعض مظاهر السحر الواقعي .. السحر العلمي .. إن صح التعبير ، الذي يقودك به .. واليه سحرة المسرح المجيدون .. ابتداءً من الساحر الأول الرائد الأول حقي الشبلي .. حتى الساحر الأمهر .. الرائد الحاضر عوني كرومي ، مروراً بكل القناديل والشموس والأقمار .. والكواكب .. التي ما تزال تنير .. والتي تعجز عن إطفائها .. كل الكوارث والمحن التي تحيق بالوطن .. انها تظل تشع علماً وفناً وفكراً .. وتعليماً وتسلية أيضاً .. تصنع لنا الفرح في زمن بات الفرح فيه أندر من الامان ، تصوغ لنا السعادة في وقت غدت السعادة أعز من النوم الامن .. تزرع الأمل فينا .. في أعمق أعماقنا بحيث لاتطاله يد ملوثه ..
أجل .. فقد كان عوني .. آه .. من كلمة (كان ) الملعونة هذه ، مرة أخرى التي تسطو سطواً على اللسان والقلم ، وتقحم نفسها إقحاما على الخطاب .. بالرغم من تنافرها وتناقضها مع مفردات حديث يدور عن وجود انسان مترع بالحياة مشع بالالق متشبع بأجنة الغد .. وفنان معطاء .. في عطاء البحر وثرائه .
ترى لماذا لا تبتكر اللغة الغبية .. كلمة أخرى .. سواها ، كلمة لا ترتدي أكفان الموتى .. لتحل محلها .. وتلغيها من قواميسها ومعاجمها واستعمالاتها اليومية .. لاسيما حين يكون الكلام عن عوني وأمثال عوني من الذين تحيا أعمالهم .. وتحيا فيها ومعها أنفاسهم الحرى !
وحتى تلد اللغة العقيمة ومجامعها وأعضاؤها المعطوبون العاطلون .. تلك الكلمة المرجوة والمأمولة ، لا ارى مناصاً من استخدام .. كلمة ( كان ) هذه مع الاعتذار الشديد من عوني أولاً .. ومن عوني أخراً .. وأني سأعول على المعنى الكامن فيها ، الذي يقول به فقهاء اللغة .. أعني معنى الديمومة والاستمرارية ، لا الاقتصار على الماضي حسب . بهذا التخريج فقط يمكن ان تليق الكلمة بعوني .. وترتقي اليه ..وتعبر عن واقع حاله .. ووجوده الحي ، الماثل بيننا ، في أعماله العديدة وفي البصمات التي خلفها في نتاجات تلاميذه وأصدقائه ، وانا منهم
أذن فقد سافر هذا المسافر الابدي و.. ورحل الطفل / الحكيم أو الحكيم / الطفل الضحوك الباسم على الدوام البريء حتى النخاع … رحل مثل الشهاب وفي عمر الشهاب .. وفي سطوعه أيضاً .. وفي عمر الورد المتفتح للحياة .. الفائح بالعطر والعبق والجمال . ممتلئاً .. بمشاريع لم ينهها وبأمال لم يغادرها .. وبأحلام لم يكف عنها كأي حالم أبدي.. وما ( السبعون ) مسرحية التي ابدعها خلال سنواته القليلات الا بعضاً من تلك الثروة الفنية الغنية التي تفرزها وتلدها طاقاته الابداعية الديناميكية ، التي لم تعرف يوماً ، وما كان ينبغي لها ان تعرف ، التوقف و لا حتى هنيهات لالتقاط الأنفاس وإراحة البدن .. فأنهك قلبه العزيز الزاخر بالمحبة والكنوز .. والمنهك أصلاً .. جراء العمل المتواصل ، ليل نهار ،
آثر ان يحترق في برد نار المسرح المقدسة وسلامها .. وان يحيا ثانية .. قنديلا ً مضيئاً .. لا ينطفيء .. لانه يستمد زيته الخالد من حب الناس الذين أحبهم واحترق في سبيلهم .. كطائر العنقاء .. بيد انه لاينهض من الرماد .. فعوني لن يغدو هو و لا تراثه رماداً تذروه الرياح وانما ينهض كل يوم من بداية أعماله الاولى .. وحتى نهايتها .. او بالاحرى حتى بدايته الاخرى ، التراجيدية المتجددة ، في 27/5/2006 فوق المسرح .. المشدود اليه بكل كيانه واعصابه وعشقه اللامتناهي ، عبر حبله السري الذي يظل يحيا به فوقه ..
في الاضواء ، في النور .. في عيون الناس وقلوبهم وعقولهم .. مادام ثمة مسرح .. مادام ثمة جمهور .. مادام ثمة شعب .
ونهايته او بالاحرى .. بدايته الثانية .. ولادته الثانية ، فوق الخشبة .. ستكون مصدر الهام .. ونبع إبداع .. لكل فنان .. لكل مبدع .. لكل انسان يتوفر فيه الصدق .

 محي الدين زه نكه نه

 

عن محي الدين زنكنة

شاهد أيضاً

16558391_192596837886214_716492760_n

جواب جرحك نسانى ملامحك

جواب ” جُرْحك نسّانى ملامحكَ” أكتب إليكَ وإحدى يدى على جرحى والثانية تكتب اليكَ أُعلمكَ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *