الرئيسية / نصوص / ورحل اسعد انسان في العالم … كزار حنتوش

ورحل اسعد انسان في العالم … كزار حنتوش

الشاعر العراقيّ كزار حنتوش:

 

 

 

ورحل أسعد إنسان في العالم

يوسف رزوقة |

 


عرفت كزار حنتوش قبل عشرين سنة في البصرة، كان على المنصّة، ينشد عذابه العظيم على نحو أبكى العصافير والغربان في آن. كان يتلظّى ويتشظّى وهو يصرخ أسيان، ملتاعا: أمّي!
وكان بدر شاكر السّيّاب قبالة شطّ العرب تمثالا يمعن في الصّمت وقد طالته أكثر من شظيّة.
يومها، كان كزار حنتوش في يومه، جميلا وحزينا ومن خلاله، أحببنا البصرة وما جاورها ثمّ افترقنا لنلتقي عبر بوّابة ” شعراء العالم” بالشيلي حيث تموقع مع المئات من شعراء المرحلة.
واليوم، يوافيني صديقنا حسن النوّاب بنبأ فاجع هذا نصّه:

“بأسف بالغ فقدت الأوساط الثقافية في العراق ابرز شعراء السبعينات وغريد الشعر اليومي الملامس لشغاف قلوب الناس الشاعر القروي كزار حنتوش ( يسنين العراق ) أثر نوبة قلبية بينما كان جالسا في الحفل الشعري الذي أقيم لزوجته الشاعرة رسمية محيبس زاير ، حيث سقط مغشيا عليه بينما كانت زوجته الشاعرة تقرا قصيدة عنه على المنصة ، تغمد الله شاعرنا الفقيد برياضه الخالدة وطوبى للشعراء “

 نعم رحل كزار حنتوش فجأة ولم يرحل. سيظل في القلب وفي الذاكرة ذلك الصوت الّذي أبكانا في البصرة ، ذات لقاء لم تزده القذائف المتاهطلة على المكان إلاّ ائتلاقا وتوهّجا.

يقدمه  نصيف الناصري كالتالي:
كزار حنتوش خريج معهد الهندسة العالي ، يأتي الى بغداد مرة أو مرتين في كل شهر من أجل استلام مكافآت قصائده ولقاء الأصدقاء والتصعلك في الحانات وشراء الكتب.
تم سوقه الى الخدمة العسكرية الالزامية جندي احتياط لمدة سنتين في أحدى جبهات الحرب .
هرب في الشهر السادس وسيق الى محكمة عسكرية قضت بسجنه فترة معينة .
تم تسريحه بعد أن أمضى سنتين في جبهة الحرب.
ويقول عنه قيصر الوائلي:
عرفناه بقصائده الشفافة الرائعة وببساطته وحقيقته وجرأته وطيبة قلبه ومحبته للجميع.. لا يهدأ له حبر ولا ينام كأميرة موناكو.. له عش في أقصى الديوانية يحتضن القطط والأوراق وحبيبته الأبدية، زوجه – الشاعرة المبدعة رسمية محيبس. بصمته في ساحة الشعر العراقي والعربي كبيرة بحجم الفرات.. هو أسعد إنسان في العالم رغم وقوفه كنخلة خضراء طيبة في الغابة الحمراء.. انه الشاعر المتألق كزار حنتوش

ويرثيه علي حسن الفوّاز بالتالي:

“مات الانكشاري القديم كزار حنتوش وهو في نوبة فرح غامر ،،مات اكثر الحالمين احتجاجا على زمننا المكسور كاعواد القش ،مات صانع السعادات الصغيرة التي توهم ذات ليلة انها تلوّن العالم باصباغ الاصابع المدرسية.

كزار حنتوش يعرف ان موته سيكون فنطازيا ،وانه  سيخرج للعالم شاهرا اوهامه واحتجاجاته  لكي يجد قوتا لعياله من مواطني مملكة السعادة !!! كان يتوهم انه اسعد مواطن شعري ،وانه الوحيد الذي خوله الشعراء لاعلان الثورة على الظلم الكوني واعادة الاعتبار لكل يساريّ الشعر  ومناضلي الثورات الرومانسية . 

المواطن كزار حنتوش ، الساكن الازلي في الجنوب ،والعاشق الاثير للمساحات والخجل الابيض ،يفرش لموته القابل والجاهز طقوسا من النعاس والوله والضحك ،يدرك ان العراق الشعري قد تحوّل الى عراق اخر من المرائر والاوجاع والحريات التي تبحث عن شوارع واحلام وفلسفات وحوارات ويوميات يتبادل فيها الناس الشتائم والسكاكين !!!

 كان يبحث عن الحرية منذ ان تورط بالوعي السري !!خرج الى احتجاجه العلني مثل أي مواطن جنوبي،، لكن العالم كان يرحل اليه بالقطارات والطائرات والصواريخ  عجولا طاردا مفخخا  بالاوهام الوطنية !!!!عاد حنتوش الى صمته الفضي يرش على قصائده النعاس ،ويمنح روحه الفائرة شهوات من الحلم البعيد !!!!ربما ستأتيه الحرية على فرس ابيض !!تمنحه نوما عميقا وسكرة يانعة ولغة لاشتائم فيها ولا مكائد فيها .

كان قريبا من الجميع ،يعشقهم بهوس وشراهة ،،لايعرف كيف يكره احدا او يرمي حجرا او عقب سيكاره بوجه الشارع  ،يكتب دون مقدمات او دون ان ترتعش اصابعه على طريقة اصحاب الوحي الشعري !!كان جاهزا للقصيدة مثلما هو جاهز للحياة وجاهز للموت ايضا !!!! لا اوهام له  ، ولاكنوز عائلية يخشى فقدانها !! ما يملكه هو خطوات في  الشارع المقابل دائما ، واوراق الاصدقاء المنثورة على بلاط غرفته الباردة .

ان حنتوش الشاعر السبعيني الحالم الخارج عن كل حرائق الاجيال الشعرية وحروبهم الطويلة ،لم يفكر يوما  بصناعة هيكل مقدس للشعر او يافطات علنية !!لانه يؤمن ان  الشعر كائن سري قادر على التسلل في كل المواسم والامكنة ،،لاجغرافيا له ولا حيطان  و لااجندات او احزاب ،، يكتب قصيدة مثل النشيد المدرسي ،مليىء بالانفعال والوجع والامل وغواية الروح .

مات اخيرا هذا الانكشاري الذي تركه الجند القدامى بعد رحيلهم الاسطوري !!!تركوه عند شوارع الديوانية يمسح شوارعها  وممراتها السرية !!!! ربما  كان يعدّها للعابرين الذين جاؤوا دون  خرائطه السرية !!ليتركوا يبابهم واواهامهم وحرائقهم.

مات كزار حنتوش دون مقدمات !!ودون ان يطالب بحقوقه الشعرية !!مات حالما وهو يصفق لفرح زوجته التي شاطرته لعبة الركض الى الوهم الابيض دائما”

***

أما حسن النواب الذي خصّه الرّاحل، ذات صداقة، بقصيدة فقد كتب عنه ما يلي:

 

                          هلوسة عاجلة الى الأمير الفقير  

 

اسعفيني ايتها اللغة ، وادركيني ايتها الغربة ، وانت ياروحي اللائبة منذ ليلتين اهجعي قليلا، فماجدوى كل حرائقك الخلب وانت هائمة بشوارع المتاهة وحدائق الضياع ، رويدك ايتها الروح النافرة بالدمع الكسير والنوح المستعر بالجمرات ، رويدك فلقد وصل صراخك المعذب الى عنان السماوات السبع ولا من مجيب ، ماجدوى البكاء فلقد انطفأت بغتة شمعة الشعر العراقي المصفى نورها بحليب الامهات ، وانكسرت بردية الجنوب وتلعثم في جوفها شجن الفرات وكسفت شمس الديوانية وخبت النار في تنور الدغارة ولاذت بصمت طاعن بالندم عصافير سدرة المنتهى ، وبح صوت المؤذن في جامع الحي العصري وهو يردد بصوت مخنوق قبل آذان الظهيرة ،اكسروا اقلامكم ايها الشعراء فلقد طويت انقى الصفحات بياضا في نادي الادباء ، وصارت الحانات ارامل بعد رحيل بعلها الحنون ، والشوارع موحشة ..فلا أثر لخطى ملاك الوجع المقدس عليها بعد الآن ، اية غربة عصيبة تلف قلوب الشعراء وأية اوجاع تتسربل اللحظة من ضلوع البلاد ، لقد افـُلت بهدوء رباني ساحراسطع نجمة من سماوات الشعراء ، وغابت عن انظارنا ارق دمعة كانت تذرفها ربة الشعر كل مساء ، وتلاشت عن شفاهنا انقى قطرة حليب شعر الى السماء ، هنيئا لكل ملائكة الفردوس وشهداء الأسى والطين والجوع والشظايا بهذا الضيف الرشيق كنيزك جريح والمجبول بحناء ونعناع وهو يعرج الى آخر درب في برزخ الله ، هنيئا لكم هذه الصحبة البتول فلقد جاءكم  اطيب الناس قلبا واكثرهم  لوعة ومرارة واسى ، افسحوا له درب الجنة ودعوه يغرف من نهر الخمرة مايشاء ، فهو حتى بثمالته اجمل من ملاك ، مامن شاعر احب الحياة مثله ، وما من معدم سواه يشعل اصابعه خلسة عند سدول الظلام لينير سرير الحرمان بالعسل و بالأحلام ، ايه رسمية .. ياقطيع حمام ميت بعد رحيل اميرك الفقير ، مازال كأسه يحتفظ بآخر جرعة سم ، وملابسه مازلت تتدفأ من شمس الفرات على حبل الغسيل ، مازالت قصيدته الأخيرة تتغنج كعروس في ليلة دخلتها ، ومازال صوته المكلوم يتردد في ارجاء البيت وهو يصيح كديك أعزل  .. رسمية .. رسمية .. وانت منشغلة بالصلاة والدعاء والتسبيح ، ايه يا عصفورة الشطرة .. لقد طوّح ملاك الموت الأرعن دون رأفة  بعشك الحنتوشي المشتعل بالخمر والشعر واغاني عبد الحليم حافظ وصعلكة الانبياء ،  يالفجيعتك برحيل آخرالأنقياء ،، قبل ثلاث ليال من عروجه المباغت هاتفته ومازحته بمقلب من مقالبي لكن صوته كان طاعنا باليأس واحسست ان قلبه ينصهر كشمعة في بيداء .. قال ليس عندي اصدقاء .. المدينة اكلتهم والأحزاب غيرت طبائعهم ، قلت له والصعاليك مابهم ؟ رد هازئا بحزن عجيب .. هه وهل تبقى صعاليك في البلاد ..؟؟ قلت له فلان .. قال صار ناسكا .. قلت له وفلان قال .. هه صار غولا يشار له بالبنان .. قلت له والحل .. قال  بعصبية مريرة تصور كل شيء لدينا ولكن رسمية حائرة كيف تعد الطعام فلا وقود للطبخ لدينا بسبب شحة الغاز والبيت اظلم بعد ان ابتلع الباشاوات في بطونهم كل الكهرباء .. نعم كان مولاي الأمير الفقير يائسا وعاجزا وشعرت انه ماعاد يحب الحياة  ،، حتى وصلت لي رسالة عاجلة من نصيف الناصري معنونة بكلمة تعزية .. حين تلاقت نظراتي مع سطورها غامت الدنيا وضاق صدري وقفزت كالمعتوه صارخا بزوجتي التي كانت بغفوة قلقة .. ( ولج رجاء لقد مات كزار ) ، لطمت خدها بعنف ، فشعرت بالغيرة من عواطفها  اللاهبة على رحيل  نفسي الصاعد والنازل (ابو سلام ) ، اخذتني صعقة الفجيعة بعيدا ، ومازلت اعيش تفاصيلها بكل نزف الحزن الذي ينهمر من مسامات روحي ، بيد ان وجعي المهيض انهضني واجلسني قبالة الورقة وكتبت هذا الهراء الآن . اشعر وكانني انا الذي مت ، مضت ليلتان ولم انم حتى الآن ..لا اريد ان اتحدث كثيرا لم يعد للكلام معنى، كان رحيلا لاخر بقايا الضوء ، لقد كان موته خيارا شجاعا ، ليتني امتلك الشجاعة ذاتها ..ليتني ..ليتني .

من مناخات كزار حنتوش الشعرية:

 

عشاء (باكونين) الأخير

 

جئت الى (نادي الادباء)

مهووش الشعر، غريباً، وجلاً، مرتاب

فلقد أنبأني ملكُ الافاقين السبعه

بأن صديقي الشاعر

قد ضاقت انشوطتهُ

والدنيا خطت دائرة النار حواليه

بجناح غراب

لكن البواب

يرجمني بحصاه

ويطاردني بعصاه

أحني رأسي حتى بوز حذائي غير المصبوغ

كأجير مصريٍ في بارٍ لسراة القوم

-عفواً ان صديقي الشاعر

يقبع تحت السروِ

كجرو

منتظراً ان أنسف وحشتُه وأولّي!

انظر! ان لدي قليلاً من بارود الحرب

انظر! بلتني الأمطار تماماً

والقمر الأخضر غاب

لكن البواب

ثانية!

يرجمني بحصاه

ويطاردني بعصاه

اقفز بار الأدباء!

اتخطى الخافر والساقي والبواب

وأحطُّ على مائدة الليل

حيث الوحشة كالناعور

نازلة صاعدة

صاعدة نازلة

يأتيني رأس الندل المتخفيّ في زي غراب

ماذا تطلب يا سيد؟

-قنبلة!

 

 

 

*إلى زوجته الشاعرة وإلى أصدقائه جميعا وإلى العراق، نرفع التّعازي .

 

 إشارات:
تجدر الإشارة إلى أن كزار حنتوش عضو في حركة ” شعراء العالم” بأمريكا اللاتينية، على الرابط التالي:

http://poetasdelmundo.com/verInfo_arabe.asp?ID=1559

وكذلك الشأن بالنسبة إلى حسن البواب:
http://poetasdelmundo.com/verInfo_arabe.asp?ID=1918

وإلى نصيف الناصري:

http://poetasdelmundo.com/verInfo_arabe.asp?ID=1431

وإلى علي حسن الفواز:
http://poetasdelmundo.com/verInfo_arabe.asp?ID=1450

 

youssef.rzouga@gmail.com

 

 

عن يوسف رزوقة

شاهد أيضاً

16521755_192596947886203_2126747376_n

موت الإله .. ملحمة..إبراهيم أمين مؤمن ..

ملحمة موت الإله تنبيه : ارجو من المتعصبين ان يتريثوا حتى يقرءوا النص “الملحمة ” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *