الرئيسية / نصوص / الشاهدة

الشاهدة

 

حوار مونودراما

 

 

 

 

. الشاهـدة…

 

رحيم العراقي

 

هل تأتِ المحطات الى قطارنا الذي توقف ها هنا..؟

هل تسافر هذه المقبرة العتيقة او تدور حول موتها وأمواتها ؟

و..لكنني الوحيد الذي ينتظر..المطر..البرق..شهاب يحترق وينطفئ..

 طوفان..إعصار يرفع الغبار عن وجهي الذي لا أراه..

 بوابتي..ملامحي مُبهمة الأرقام..

..ألم تكوني معي في كل المحطات التي إنسلت بصمت حزين وموحش في رؤانا

 دونما مطر أو برق أو شهاب يحترق وينطفيء..؟

 كم من الكفن..؟

..كم من الثلج يحفظ جسدك الغض..؟

..كم من الثلج يحفظ جسدك..؟

..كم من الثلج..؟

..كم..؟

..كم من الغبار يتشكل حولي وفيّ لأكون شاهدة قبركِ المُفعم بجسدك الحبيب الغضّ..؟

..ماذا يتبقى من القبلات سوى الغبار..؟

..ماذا يتبقى مني سوى الغبار..؟

هكذا أنا وأنتِ..أنتِ وأنا..قطرتان من المطر..سقطنا معاً..وإختفينا في التراب..

دون أن تنبت زنبقة أو تنفلق بذرة..

لا تكوني الغبار الذي يملأ وجهي..

كوني ..كوني..ولو إسماً..أكتبه الى جانبي..

إسمانا أنتِ وأنا يكبران كحمامتين ويحّلقان معا..

إسمانا أنت وأنا..

أنا..أنا لم أبحث عنكِ ولكن الأرض دارت دورتها ووجدت وجهكِ أمامي..

 في زحام الهواء…استنشقت عينيك …وصوتك..
وتنفست أحاديث دارت بيننا في تنفس الصبح واستحياء المساء…
في زحام الهواء..
والحقائب تغرقنا بالطرق الطويلة ..
والتذاكر تأخذنا في المطر العميق…تلدنا من فجوة الانتظار كمهاجرين…
في طريق من طرق الهجرة.
وجدت شيئا من ريح الأرض..
شيئا من خصوبة السماء..
ومن الابحار العظيم ..في مواسم النقاء…
الى أحضان الحياة…
وجدت نفسي كطائر جريح …بين يديكِ الحانيتين…في ذروة الزحام…
.على اطلال نهرٍغريب..جاء ليسكن بجواري ويحيطني بالزُرقة والضفاف ..

وكلما انهيت معزوفة…
نزعت صفحة من ذاتي …ونثرتها
لتسافر مابين الأمواج الضائعة في ذاتها…
عشقتكِ..إلتصقت بكِ خائفاً.. وكأن كل  ما بيننا هي مسافة الموت..

لِمَ لم يقف الأمر عند هذا الحد..؟ لِمَ لا تعود الأيام الى أوكارها الفارغة..؟

آآآآآآه..أنا لا أبكي..حزني موحش..لاتعرفه الأصوات ولا الألفاظ ولاشواهد القبور..

..قطعة أُخرى من الثلج لتبقين غضةً في ذاكرتي ..

..أريدك…أريدك الآن جسداً لايطاله الموت ..لايضمحل في الغبار..لايتلاشى في التراب..

أريدك حلماً لاتفسده الدماء..أريدك وجهاً مبتسماً كما كان..أريده دافئاً كالآه..

..أريد أسمكِ متماسك الحروف .. مبتسماً بجانب إسمي في إرجوحةٍ أومشنقةً أو حنجرةٍ أو مزمار.. أريدكِ حزنا لا أعيش لحظاته الآن..الآن فقط..وأبكي أحزان حينٍ لا أعيش لحظاته الآن ..الآن فقط..

ولكنني أبكي ..أبكي وحيداً..بلا إسمٍ أليفٍ ولا شاهدةٍ لحياتي..

 أنا.. شاهدة موتها..أبكي إسمي الأليف وشاهدة حياتي …

..جُنَّ الموت وقطع كل هذه الخيوط..نسيج الأحلام والأوهام معاً..هذه أعصابنا المدماة ..حبال الغسيل التي تجف عليها خيبات العمر..والأشعار المبهمة والدموع..

تعالي ..حطمي المرمرة ..وإختبئي في رأسي..غرفتي الباردة الجرداء..ضعي صورتكِ البهية على جدرانها الصفراء..وهزي أُرجوحة الحياة..تعالي ننفخ التراب..أو نعبث في الغبار الملون..

لماذا..؟

كيف..تبعثرت حروف إسمكِ الحبيب بين هذه الكلمات ..؟

أين تبعثرت حروف إسمكِ الحبيب..؟

وكانت تشتبك بإسمي في عناقٍ حميم..كما تتداخل الغيوم

كيف أبكي عليكِ..؟

أين أبكي عليكِ..؟..وأنتِ وأنا سقطنا معاً قطرتان من المطر..

لعبنا بإسمينا عندما ثار البركان..فتزحلقت النقاط وملأت الحرف الأخير..مثل سلة العنب..

كانت حروفاً يانعةً..فأصبحت كالشقوق في الجدران التي عجزت عن الإنهيار..

تفطرت الحروف ..أصبح اللام عكازةٍ….ثم افعى..فسوطاً يحمله سين من الحروف ليروض الواو التي تتوسط إسمينا..فتقفز في وسط الهاء المدورة وهي تزأر كالأسد ..

لم تكن حروف إسمينا مدربةً على الموت …فسقطت .. وشُغلنا عن سقوطها بالخوف..

إنها تزأر في وجهينا ..الوجه الجميل الميت.والوجه الحزين العاجز..

تنفخ في بلاطة القبر وفي وجهي- الشاهدة

.إقتطعوا الملامح الجميلة مرةً واحدة..

إقتطعوا حروف إسمكِ..فقئوا الإسم الحبيب..فلا يبصر الآن لوحة الحياة..

يالوحشية الموت..وأنتِ أرق من أن تموتي..

..كم من الحراب ينبغي ان نصدَّ..كم من الخناجر…وهي تشق جرحكِ الممتد في جسدي..

ليلى جرحكِ..يمتد الآن في جسدي..ويملأ حياتي بالطعنات..

يا وجعي….يا وجع كل الصور والحروف مهما تشكلت ..طعنات تملأ السلال ..وتثلم الحروف وفُتات الكلمات..تتسرب من سقف البيت ..من ثقوب الرأس..من الأُذنين والعينين..لا صراخ يلفظها ولا دموع..

 موتي بسلام..يموت معك..

إرحلي بأمانٍ ..يغادر معكِ..حياتي..

هذا قلقي ..من يحمله للحظات عني…؟

من يستخدمه في صياغة قصيدةٍ حزينه.. او يدسه خُلسةً في كتاب..؟

من يبكيني حرفاً فحرفاً..قطرةً فقطرةً على التراب..؟

هذه وحشتي تملأ صحراء الروح..من يرسمها ليلاً طويلاً..دون ضفاف..؟

هذا وجهي  كورق السوليفان.. داسته اللحظات الشاردة وأفرغته من العنفوان.. من يلف به رأسي-منزلي..؟

هذا كفني..من يشتري هذا الكفن المبلل بالدموع..؟من ذا الذي يحمله رايةً بيضاء..؟

من ذا يزينه بالنجوم والسيوف ويرفعه بعيداً عن كل سماء..؟

و..هذه…أنتِ..حبيبتي.. تذوبين في الظلام وتسقط عيناكِ على بلاط سطح البيت كقطعتي فيروزٍ زرقاوين..فأدفن ما تبَّقى من أشياء تحت بلاط سطح البيت الخرب..وأبكي كل شيْ.. ..كل زمان ومكان..كل الوجوه التي غادرت الزمانٍ والمكان..كل ما غادرني الى مقبرة القلوب الحزينه.. و مقبرة الحياة الحزينة..كل الوجوه التي لا تُخلل ولا تُعتق في زجاجة..

الى غبار..لا شيء سوى الغبار..هذيان الأرض والكلمات التي فقدت صوابها وجدواها..

..أية رائحةٍ تتبع أيها القلب..؟ ستهلك أيها الذئب وأنت تتبع الرائحة الخطأ…

..خراب يا ليلى خراب..

بيتي وحياتي خراب..

أهذا ما تبَّقى..؟ جدران من الكلمات الموصدة والوجوه المقفلة ..أشلاء مُبتلة بالدموع على حبل الغسيل..أهذا ما تبَّقى..؟

زوايا باردة..ومفارق موحشة تبكي ..ترثي الزمان الحميم..

..درنا مع الأرض ..فإفترست ملامحنا الأليفة بوحشية..

سرنا في الأرض نحو النهايات الحادة للزمن ولم نختبيء في عُشٍ من العدم..

لم تشتبك اللحظات في أصابعنا..ولم نمسك اللحظة الزئبقية..ولم نلوِِ عنق اللحظةالوحشية..أو نحتفظ بها في براد..

..كم من الثلج يحفظ جسدها الذي يتلاشى..؟

..كم من الثلج يحفظ جسدكِ …؟

أنا البيت المعفر بالتراب..أنا الرأس المليء بالأشباح… ولا أحد سواكِ هنا..

..لاشيء سواكِ هنا..فتعالي.. ننفخ الرماد عن وجهينا..ونستل الغضون ..

نرفع وجهينا في فضاءٍ مشمس..كطائرتين من الورق..ويدخل الضوء منزلي..

..ليت للكلمات لساناً أو سوطاً أو أجنحة من ورق..

ليتها تجف قبل أن تتعفن..أو تتبعثر حروفاً شريدة..

ليتها أزهاراً أو عصافير..

ليتها أزهاراً أو..

ليتها..

..أين..الأزهـار ..؟..أين العصافير..؟..ما ألوانها..؟..أين ألوانها..؟

..بعدكِ أخفت الأزهار أوراقها الغضة وأظهرت لي الجذور المتربة.

.وأخفت العصافير ألوانها بسخام المواقد..

..تعالي نستعيد لقاءً بعيداً..نفتح الملاءات ..صفراء والستائر خضراء..

والزهرية حمراء..خضراء..زرقاء..بيضاء..شمس النافذة..صفراء..بيضاء..

أنا وأنتِ في لقاء بعيد..أين اللقاء يا وحشتي..؟

أين اللقاءات ياوحدتي..يا عزلتي…؟

أنتِ وأنا في غرفة النوم كنا..وكان ثمة من يشحذ سكيناً..

أنتِ وأنا ..نرتدي عُريَنا..في غرفة النوم كنا..وكان الزمن ينسج الكفن..

..أصابعي العشرة ترسم خصلتكِ الحبيبة على جبينك الى حد الخدر..

  وأصابع القدر تمسك معولاً و تحفر القبر..

أنت وانا..نحلم..نتوارى في حلمنا العذب..

نُلون الرؤى وندفع بها الى آفاق و مساحات ..

نكتب او نقول الكلمات الحميمة..أو نكونها..

نلصقها برضاب القبل على وجهينا الحيين السعيدين..

وكان الخراب يزحف في منزلي..رأسي..والنار أسرع..

وكأنها إندلعت من هشيم الطفولة الى المقبرة..

سرى كل شيءٍ..بعد الحريق..مع الرماد والمياه الثقيلة..

..خمسة أعوام..يا بقايا الحريق يا.. حياتي..

..خمسة أعوام وماتزالين ميتةً يا ليلى..

تنفسي الأوراق المحترقة..شُمي هشيم الكلمات

 وإبحثي عن روحها التي تتبعكِ..وترتفع بلا خيوط الى السماء..

الكلمات الميتة الشريدة التي أُوصدت دونها الأوراق والأبواب..

خمسة اعوامٍ وما تزالين ميتة ياليلى

خمسة أعوامٍ وما تزالين..

وانا ..شاهدة قبرك الموصد..شاهد ذاك الزمان الجميل..

أندب أندب الأيام التي إحترقت ..والحبيبة التي تذوي في التراب..

 

                           رحيم العراقي/مقبرة النجف   

                       أول أيام العيدالأضحى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن رحيم العراقي

شاهد أيضاً

16558391_192596837886214_716492760_n

جواب جرحك نسانى ملامحك

جواب ” جُرْحك نسّانى ملامحكَ” أكتب إليكَ وإحدى يدى على جرحى والثانية تكتب اليكَ أُعلمكَ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *