الرئيسية / أخبار / الرحلة البيضاوية

الرحلة البيضاوية

الرحلة البَيْضاوية…. أسبوع من ربيع 2018
ا.د شميسة غربي
العاشرة صباحاً… جوٌّ ربيعي، مصحوب برياح محتشمة؛ تُلاطفُ وُجوهَ المارّة، وتُغازلُ الجالسين على الجنبات الخارجية للمقهى الكبير… يتزايد عدد الرّاجلين… شبابٌ، كهول، شيوخ، نساء، رجال، أطفال…
تتكاثفُ الخطوات… يتدفّقُ أصحابُ البلد، منهم مَن ينْزلُ منَ “الطرامواي” القادِم، ومنهم من يركب في “الطرامواي” المُغادِر… وَسيلةُ نقلٍ حضارية؛ نفْعُها كبيرٌ للمُتنَقّلين… ولوْنُها الآجوري الجميل؛ يأخذك إلى لون الشفق، حينَ يُعانقُ صفحاتِ الموج، تحت سماءٍ شاهدة على نواميس الطبيعة الأزلية، المرتبطة بقوانين عُلوية، لا تحْكمُها المُصادَفات، ولا تُقَيِّدُها الاِفتراضات، ولا تُلْغيها المُستجدّات… إنه نظامُ الكوْن الثابِت؛ على خارطة الملكوت…
الرّاجِلون في اتّجاهاتٍ مُعاكِسة، ماضونَ لقضاء مآرِبِهم… سحنات طيبة، يطفح مِنْها البِشْر، وأخرى مهمومة؛ تنقش أوْهامَهَا على الصّخر… وفِئة ثالِثة تُعيدُ ترْتيبَ الحكايا على ساقٍ من التوَازُنات المطلوبة في هذه المدينة الكبيرة الصاخبة، إنّهَا العاصمة الاِقْتِصادية للمغرب الجميل، أوْ عاصِمَةُ المال والأعْمال…مصانع… مُؤسّسات ضخْمَة….بِناياتٌ شاهِقة… مَرَافق عصرية مُتنوّعة… ناهيك عنِ الصّرُوح العِلمِية والرّوحية: جامعات ومعاهد ومكتبات ومساجد، تشهد على أصالة المدينة، وسُمُوِّ شأنها في سُلّمِ الحضارة المغاربية، والحضارة العربية على أوسع نِطاق…
أسْرابٌ من الأجانب الأوربيِّين يطلبون الفُسْحة، جماعاتٌ منَ الأفارقة السُّود، يحُومُون بهذه السّاحة العمومية؛ ساحة “الأمم المُتّحدة”… مِنْهمْ مَنْ يحْملُ أغراضاً خفيفة للبيْع.. منْهم منْ يجلسُ شارداً على أحد المقاعد الحديدية التي تُحيطُ بالسّاحة.. ومنْهمْ مَنْ يُفضّلُ الجلوسَ على شِبْهِ أسْوارٍ صغيرةٍ… يُخيَّلُ إليك؛ وأنتَ تنظرُ إليْه، أنّهُ يرْقُبُ عُمْراً آخر…! يبْنيهِ على أحْلامٍ عِذاب..أحْلام مَطويات في صفحات الغيْب، قدْ تُزْهِرُ يوْماً، وقدْ تموتُ قبْل الأوَان…!
عازف القيتار وترَانيمُ الوَجع
شابٌّ طويل، نحيف، أسمر اللون، يختارُ مكانَهُ بعناية؛ قُبَالَةَ المقهى الكبير، حيث الزبائن من مختلف الجنسيات؛ يحتسون كؤوس الشاي، أو العصير، أو أقداح القهوة… يُخْرج الشابُّ قيتارته من ثوْبها الأسود؛ أوْ منْ حافِظتِها الأنيقة، ويُجَهّزُ بعض اللوازم؛ بعد أنْ يبسُطَ الحافظة أو الثوب على الأرض؛ ويضع أمامهُ؛ إناءً صغيراً على شكل كوبٍ واسع، ثمَّ يُعلّق القيتارة على صدره، يفحصها، يرفع رأسه إلى السماء، و… تشرعُ الأنامل في مداعبة الأوتار…! يبدأ العزف خفيفاً، خافِتاً، وشيئاً فشيئاً؛ تتصاعد الأنغام… يتخللها صوتُ الشّاب، مُرَدّداً مقاطعَ غِنائية دافئة، تهزُّ الساحة… مقاطع تمْزِجُ بين العرَبي والأجْنبي في وَصْلات متلاحقة، تحكي ظمأ الرّوح إلى التحْليق؛ بَعِيداً عن الخيْبات…. يَعزِف… يُغنّي… يُغلق عينيْه… يفتحُهما…. يتمايل مع الألحان المُنْتحِبة على بقايا الكلمات؛ ورياحٌ لطيفة، في هذا الفضاء الواسع؛ تحْبِكُ المشهد… تُشارِكُ الشابّ أنْغامَه، يعْلو الصّوْت… يهْتزّ…وكأنّ الرِّياح الخفيفة إنّمَا هبّتْ لِتُساهِمَ في الِاحْتِفالية …فتنْقل الصّوْتَ إلى أبْعَدِ مَدى… وتُهْدي المكانَ تلك الإضافة الفنِّية السّاحرَة؛ التي تستوقفُ أغْلبَ المَارّة، وتسْبحُ بزبائن المقهى في عوالم مُخْتلفة، يُوَحّدُها التأمّل الجميل لِــ: الّلحْظة المُنْفلتة منْ جِرَاب الأزْمِنَة الصامتة…
من المارّة؛ مَنْ كان يتوقّف؛ حتى تنتهي الأغنية التي صادفتْ هواه… ومنهم مَنْ كان يكتفي بإلقاء نظرة على الشابّ الغارق في أحضان قيتارته… ومنهم مَنْ كان يُهرْوِلُ ولا يلتفتُ على الإطلاق…وكأنه لا يرى ولا يسمع…! ومنهم مَنْ كان يضعُ شيئاً من النقود في الكُوبِ الواسع؛ الموْجود أمامَ الشابّ، ثمّ يُتابعُ سيْرَهُ في خطوات مُتأنية، وانْشِراح بَادٍ… ومنهم مَنْ كان يجْترُّ كُرْسياً منْ كراسي المقهى، ويضعُه في المكان الذي لا تصله الرّياح، ويجْلس ُمتأمّلاً، مُتذوّقاً، غارقاً في أحلامه، لا يوقظه إلاّ صوْتُ النّادِل وهو يسأله عن المطلوب….
الشابُّ يُغَنّي… والأنغام تتصاعد؛ رغم مشاكسة الرياح للمُكبِّر الصّوْتي المُثبّت على الأرْض والذي بدأ يتمايلُ؛ فيُعيده الشاب إلى سابق وضعه؛ بإحدى يديْه، بينما اليدُ الأخرى منشغلة بالقيتارة…تعتصر الألحان، فيرتجُّ المكان، وبين الفينة والأخرى كان الشابّ يشربُ الماءَ من قارورة بلاستيكية صغيرة، وَضَعها بِالقرْب منهُ، أو يُدخّنُ سيجارة، بعْد أن ينْتهي من أداءِ أغْنية مُعينة. تستريحُ حُنجرتُه… يتململ جُلاّسُ المقهى، يتحدّثون إلى بَعْضِهِم البعَض…
أَلْتفِتُ إلى أخي مصطفى، مُرَافِقي في الرّحْلة…. فأجِدُهُ سابِحاً في أفْكاره، غارِقاً في تأمّلاته، أسأله فيمَ سرَح…؟ وقبْلَ أنْ يلتفتَ إليّ، يدْنو المُغنّي منْ مُرْتادي المقهى، يحمل كوبَهُ الواسع، يرْفعه إلى السّماء، ويدور به أمام الجالسين…. أغلبُهمْ يضعُ ما تيسّرَ في الكوب…أشعُرُ بِألمٍ عَميق يطحَنُنِي، والشابُّ يُرَدّد بِأدَبٍ جمّ: “الّلي مَاعنْدوش ماعْليش” ! يلاحظ أخي دمعة في زاوية عيْني، لا أريدُ أن أرْفع رَأسي، لا أريدُ أن أتكلم، لا أرْغبُ في مغادرة المكان؛ رغم أن صاحب القيتارة قدْ توقّف عنِ الغِناء؛ مُعْتذِراً… فالجوُّ لا يسْمحُ بمتابعة الوصلة الغنائية… رَشّاتُ المطر بدأتْ تتزايد… المُغنّي يجْمعُ شَعَرَ رَأسه المُتدلّي على كتفيْه… شعَرٌ كثّ؛ يجْمعُه على شكل بُرْتقالة كبيرة، ويُثَبِّتُهُ على قُنّةِ رَأسِه مُسْتعيناً بِخيْطٍ مطّاط…ثمّ يدور دوْرَتَهُ الأخيرة على بقية زبائن المقهى، يشكر الجميع، ويَنْصرِفُ بِلبَاقَة واحْترافية، وَ…صوتٌ من الصدى البعيد؛ يُزرْكشُ الكوْن بِتلاوةٍ صُوفية، تسْحبُني إلى التفكير في عِلة الوُجود والموْجود، واخْتلافِ الدُّرُوب في فهْم الحياة…وفلسفة المصائر…!
يسألني مصطفى إن كنتُ أريد كأساً آخر من الشاي بالنعناع… أجيبُ بِهَزّ رأسي؛ يلتفت إلى النادل، ويطلب منه إحْضار الشاي….أشعر بالبرْد، وأتمَلمَلُ في مكاني، يفهمُ أخي أنّنِي أودُّ الِانْصراف، بينما قطراتُ المطر؛ تلْثِمُ الأرْض النّقية، وتُعْفي عاملَ النظافة من مُتابعة عمله، فيَسوقُ عرَبتَهُ؛ وقدْ تكدّستْ فيها مِكْنساتٌ بأشْكالٍ مُتبايِنة… مِنْها السّميكة، ومنْها الرّقيقة، ومنها المُسنَّنة الحادّة.. منها الجديدة النّظيفة، ومنها البالية المُغْبَرّة…
نقْطعُ السّاحة الوَاسِعة، نُصادِفُ شبابَ المَدارس يَمُرُّون زُرافات زُرافات؛ بِمَآزِرِهِم البيْضاء، ومَحافِظهم على ظهورِهم، يتضاحَكون، يُسْرعون الخطوات، يُعَلّقون تعليقاتهم البريئة، ورَشّاتُ المطر تتعاند… تُغازِلُ رُؤوسَهم، فيُمَرِّرُون أيْدِيهم على الرّؤوس؛ وكأنّهمْ يخشون على تصْفيفة الشَّعَر؛ أنْ تُضيّعَها الرّشّات….! تلميذاتٌ صغيرات، يُشكِّلنَ أسْراباً بَهِيجة؛ بِمَطارِيَاتهِنّ المُلوّنَة، وكأنّهُنّ كُنَّ أكثرَ حِرْصاً منَ الذّكور، فحَمَلْنَ المَطارِيات منْذ الصباح، تحسُّباً للتقلبات الجوية، تحت سماءٍ؛ حُبْلى بالسُّحُب الواعدة بالخير العميم…
ندْخلُ أحد َالمَطاعم؛ نتناولُ وجبة الغذاء، ثم أقترِحُ على أخي الذّهاب إلى الفنْدق؛ بسبب الإرْهاق الذي اسْتشْعَرْتُهُ فجأة…
في المساء؛ نعود إلى نفس المقهى، حيث الشاي بِالنّعْناع… وحيْث مشهدٌ ترْفيهي لطيف، يتقاسم بُطولتَه مُهرّجان شابّان، يَتَفَنّنانِ في استقطاب الجُموع…. أحدهما؛ بحركاته الرّشيقة؛ يتأبّطُ ذراع أحد المارّة… يُقلدُه في المِشية وفي الحركات، ويقوم بمقالب مُلْفتة، تُضحك المتفرّجين، في فَمِهِ صفّارة بلاستيكية، وتحتَ قدميْهِ ثبّتَ صفّارَتيْن، يسْتغلّهُما في إثارة الاِنْتباه، يُقلّد حركاتِ شرْطي المرور، يَطلق ذِرَاعَهُ يمِيناً، ثمّ يَساراً، ويوحِي للمارّة أنْ مُرّوا، مُرّوا…! ويُصَفّر، ثمَّ يركض قبل أن يجْتازَ المارّةُ السّاحة، يُعانِقُ بَعْضَهُمْ، وبحركةٍ رشيقة؛ يطلب صوراً تذكارية معهُم… مِنْهم مَنْ يسْتجيب… ومِنْهم مَنْ يكْتفي بِابْتسامة عريضة وينْصرِف ، والمُهرّجُ يلْحَقه، وزبائنُ المقهى يضْحكونَ في سعادة بادِية… يتدخّلُ المُهرّجُ الثاني في صِناعَة الفُرْجة… يُصادِفُ ذلك؛ مُرورَ النّادل بين الطاولات، يلْحقُهُ المهرّج ويَضعُ شيئاً على صلعة النادل… هذا الأخير يضحك وينفض صلعته، ثمّ يُتابع خِدْمتَه للزّبائن في أدَبٍ جليّ، وَانْتشاءٍ وهِمّةٍ عاليَة، رغْم تقدّمِهِ في السّنّ…
يُتابِعُ المُهرِّج مَقالِبَهُ… فيأمُرُ بعْض المارّة أنْ يرفعوا أيْديهم؛ وكأنّه جُمْرُكي…يُفَتّشُ مَلابِسَهمْ ومَحْمُولاتِهِمْ ، ويكادُ أنفه الأحْمر الضّخم يسْقط… فيُعيدُهُ إلى وَضْعه، وبينما هو يُثَبّت ربْطة عنقه الحمراء – وهي على شكل فراشة – إذْ به يُبْصرُ امرأة تسوق عربة طفلها، يُهرول ويأخذ منها العربة ويسوقها بالطفل في خطوات سريعة، والمرْأة تتْبعُه وتطلُبُ منه أن يتوقّفَ… لكنّهُ يستمرّ مُقَلِّداً مِشْية المرأة، والناس تضحك، والنادلُ ينْسى نفسه، والصّينية بين يديْه…. والمهرّج لا يتوقف عن سوْق العربة حتى يتدخّل زميله بحركاته الرّشيقة، ويسلّم العربة بالطفل؛ للمرأة التي ارتسمتْ على مَلامِحِها كلّ مشاعر الاِنْفعال والدّهْشة والخوف، المتواري وراء تلك الِابْتِسامَة المُرْتعِشة….يمرّ بعض الشباب؛ فيُسْرع المهرّج؛ وينتزع حقائبَهم مِنْ على ظهورِهِم….ويجْري في خطوات مُتباعدات وكأنه سيهرب… ثم لا يلبث أن يعود، ويسلّم الحقائب لأصْحابِها، ويُعانقهم بحَرارة، وكأنّه يسْتسْمِحُهُم… فيضحكون ويُبادلونه العِناق، ومنهم مَنْ يستخرج هاتفه ويلتقط صورة أو صورَتيْن معَه؛ فِعْلٌ يُتَرْجمُ العُمْق الإنْساني الجميل، بأبعاده النبيلة، فِعْلٌ… لا تقوى على رصده الكلمات….
يقفز المهرّج قفزات متتاليات؛ وكأنه يلعب مع أحد الصبيان… يقطعُ الطريقَ على شابٍّ وشابة، يتأبّطان ذراع بعضهما، يتوسّطُهُما…. يفْصِلُ بيْنهُما، ويتأبّط ذراعَ كلّ واحدٍ منهما، يسيرُ بضعَ خطوات…. ويهمسُ لهما بكلمات، لا أحد يستطيعُ سماعها؛ ما عَدَاهُمَا…. ثمّ يترُكُهُما، فيُتابعانِ المَسير والِانْشراحُ يُكلّلُ ملامحَ وَجْهيْهِما، ويُرَتّبُ لِأزْمِنتِهِما النّدية…
بحركةٍ رشيقة؛ يُعْلنُ المُهرِّجان عن أوانِ المُغادَرة….أحدهما يُشَغِّلُ صفارته، والثاني يرفع قبعة صغيرة ( شاشية ) مزركشة الألوان، يقترب من الجالسين والواقفين، ويدور عليهم، في خِفّة مُحَبّبة، توحي بالثقة في النفس، وتوحي بذلك الجانب البديع في العلاقات بيْنَ العالَمِين… حين يسود الأمان، وينتشر السلام… وينتصر الجانب الإنساني على ما سِواه….
يُغادران… ويتركان المكان لِمَشْهَدٍ جديد…. عازفٌ أكبرُ سنّاً مِنْ عازف الجلسة السابقة، يسْتهلُّ وصْلتَهُ الغِنائية بِأغْنية مَغرِبية قديمة: “ليلي طويل… ما عنْدو نِهَاية” يتدفق الناس، يُشكّلون حلْقة كثيفة، تَحْجُبُ عن زبائن المقهى؛ رُؤيةَ العازف… ويظلّ الصوتُ عُنْواناً لاِخْتراقِ المحْجوب…
خارج الساحة العمومية:
توجد المدينة القديمة، المعروفة بِـ: “باب مرّاكش” حيث ذلك السوق الكبير، المزدحم بِالبَاعَة وبالزائرين، والمتنوّع السِّلع. ويوجد المسْجد؛ الذي تتلألأ صَوْمَعَتُهُ ليْلاً، بِأنْوارٍ، تشدُّ الناظر إليْها، وتُبْحِرُ بهِ في عوالم من السّكينة الرّوحية، فيتأمّلُ هذا المَعْلمَ الجميل، ويسْتحْضرُ عراقة العمران، ونفحات الخلود، المُنْتشية بِالرّاكِعين وَالسّاجدين، وبِصوْت الأذان؛ وهويُعَطِّرُ الفضاءَ بقدْسية النّداء، وَسِحْرِ الاِسْتِجابة…
غير بعيد، بائعو الحلويات والمُكسّرات؛ يطوفون بها بيْن النّاس، نساءٌ نشيطاتٌ يبِعْن “المقليات” وأمامَهُنَّ قِفافٌ كبيرةٌ من “الدّومِ”، وبين أيديهنَّ – فيما أعتقد – ما يُشبهُ الملاعق المقعّرة، يضربْن واحدة بالأخرى، فيصدر صوتٌ يُنبّهُ المارّة إلى “المقليات” المعروضة والمزيّنة بأوراق من النبات الأخضر مثل البقدونس الطريّ. رجال يحملون غلّايات الشاي ويدورون بها على جُلاّس الأسوار…بائع الحلزون بعربته المتوسطة الحجم، يتزايد زبائنه، فيتزايد نشاطه، وخفة تلبيته للطلبات، توحي بِاحْترافيته، وبِتفانيهِ في إرْضاء زبائنه، إنها الأكلة الساخنة المعروفة بتوابلها الحادة الصحية، وبِشعْبِيَتها منذ غابر الأزمنة. في الجانب الآخر؛ يتجمْهرُ الصِّبْية حوْل عرَبة بائع الحُمُّص المُغَلّى في الماءِ والِملح، والمرْشوش بواحدٍ منَ التوابل، هو “الكمون” الذي تتعدد فوائده الصحية، ومع مرور الوقت، يُزَاحِمُ الكبارُ الصِّبْية، فيُحيطون بصاحبِ العربة الصّغيرة، ويتذوّقون ما يُعْرَفُ بِـلغة العامّة: “طايب وْهاري”…! وهي صفة تدلُّ على أن الحُمّص قدْ طُهِيَ بطريقةٍ مُعيّنة، تجْعله سريع الهضم… ولا معاناة أثناء تناوله؛ حتى بالنسبة لأصحاب الأسنان المريضة، أو الهشّة…!
رغم الصّخب، رغم الضّجيج، يشعر المرء بأمنٍ وأمانٍ كبيريْن في هذه الأجواء… لا أحد يلتفتُ لأحد…. لا أحد يتعدّى على أحد…. الجميع في انهماكاته الفردية… حتى أثناء الساعات الأولى من الليل، يأتي أصحاب شاحنات صغيرة، يفرشون السلع على الأرض، ويبدأ البيع والشراء والمساومة في جوّ تطبعُه النُّكتة والدّنْدنة والبسمة والهِمّة والرّوح العالية….
فندق “بلازا” / الشارع الطويل….
أفتحُ النافذة، أمطارٌ غزيرة؛ تغسلُ المدينة.. تغسلُ أوراق الشجر.. تُؤثِّثُ لِأحْلامِ البشر… أراقبُها من خلال النافذة المفتوحة على مصراعيْها، أشعر برشاتٍ تتطايرُ على وجْهي، أشمُّ رائحة المطر…نعمْ ! للمطر رائحة، أفْقهُ عبقها، أسْتنشق الهواءَ البارد…منظر جميل، يطيرُ بالرّوح إلى إشراقاتٍ عُلوِية..لا يفهمها إلّا مَنِ اختمر وِجدانُهُ بنواميس الهِبات الطبيعية المُعْجِزة…! تتزايد الرّشات… أبْصِرُ حمامة، حمامتيْن… تستحمّان، تنفضان الرّيش…تحُطّ ثالثة، ثمّ رابعة، فخامسة… ينتظم السّرْبُ فوق السور المقابل للنافذة… حركات، إيماءات، مناقير دقيقة، تتقابَل، تحكي لغتها الصُّوفية والسيول تتهاطل…يتطاير الحمام؛ إلّا واحدة…تنْتقلُ مِنْ على السّور، لِتستقرّ على أحَد الأسْلاكِ المُثبّتة بزاوية السُّور…تُغْمِض عينيها… تتْركُ المَطر ينْقشُ قصيدته على رأسها الصّغير، وعلى جناحها الساكن… أراقبُها علني أقرأُ فيها شيئاً…. شيئاً لا كالأشياء…! يهتزُّ السّلْكُ الرقيق، والحمامة متشبِّثَةٌ به، لا تتحرّك، وكأنها في عالَم خاصّ، من الصّعب على الغريب؛ اقتحامه ..!
للسيول أصوات…تخالُها قادمة من عزف الأساطير…تغسلُ جدران الفندق ونوافذهُ قبل أن تُلبّي دعوة الأرض، في هذا الجوّ الهادئ، المُميّز، فندق “بلازا” المتواجد في شارع طويل… قُبالَتَهُ “بازارات” خاصّة بالصناعات التقليدية، التي يتهافت عليها السائحون، وعلى طول الشارع مكاتب صغيرة لِصِرَافة العُملات، ومكاتبُ أخرى أظنها؛ إدارية… فندقٌ يطبعه الهُدوء، بسبب خلوِّ شارِعِه من الحانات وضجيجها… ولذلك ؛ كنتُ وَأخي نُفضّلُهُ على بقية الفنادق الأخرى، التي جرّبْناها في الخمسِ سفريات الماضيات…القائمون عليه؛ أناسٌ طيّبون، لا تفارقهم البسمة، بمجرّد أن رأوْنا، تذكّروا نزُولنا عندهم سنة 2016، المُعامَلة راقية مع جميع النُّزلاء، والخدماتُ سريعة، والأرْوقة مُضيئة وَاسِعة، عكس ما صادفناه في غير هذا المكان… حيث الأرْوقة المفروشة بالسّجاد، ولكنّها مُظلمة، غامضة… أمام الفندق، تصطفُّ سيارات كبيرة، بيْضاء، لِلأجرة؛ في انتظام…والناسُ في طوابير طويلة؛ خاصة بعد أذان المغرب؛ ينتظرون أدوارَهُمْ بصَبرٍ وأناةٍ، منهم من يحمل أكياساً، ومنهم من يحمل مَتاعاً خفيفاً، ومنْهم من يحمل مِحفظة، أوْ مِلفّاً، أوْ ما شاَبه.َ…الأحاديث خافتة، والحَكايا والبسمات، لِلْاستعانة على انتظار الدور… على الجانب الآخر من باب الفندق، الأرض مملوءة بالكتب… البائع يتفنن في ترتيبها على بساط من الكارطون أو البلاستيك السميك، كتبٌ في كلّ الِاخْتِصاصات… وما تُصادفُه في هذا المكان من الشارع، قد لا تجدُه في أرْقى المكتبات الخاصّة…والحقيقة أنه ليس الشارع الوحيد الذي تتواجد فيه ظاهرة بيع الكتب على الأرض، وفي العَراء… وإنما هناك شوارع أخرى، أخذني إليها أخي، ولا أعرف أسماءها؛ هي أيضاً تعرض كتُباً قيِّمة، متنوعة؛ وكأنّ عارِضيها يُساهمون – بالبديهة – في ثقافة المُتجوِّلين، وهو ما يذكرك بمدن عربية، تأصّلَ فيها الشارع الثقافي، حتى حمل الشارع نفسه؛ إسم أحد الأعلام الخالدين…خذْ مثلاً شارع “المتنبّي” ببغداد وما يزخر به مِنْ آياتِ الفِكر الإنْساني المُجْتَلَبَة من ْرَوْضة العُصور…
عبق الأصدقاء…
أول صديق عزيز؛ التقينا به في الدّار البيْضاء، صديق العائلة، الأستاذ شعيب حليفي، الباحث الأكاديمي والروائي المغربي، صاحب الرائعة: “أزمنة الشاوية”… كان اللقاء قصيراً، نصف ساعة تقريباً… ومع ذلك، كانت الجلسة ممتعة، هادئة، تخللتها أحاديث حول قضايا ثقافية متنوعة، أهمها احتفالية مختبر السرديات بالناقدة العراقية “فريال جبوري غزول” بتخْصيصِ يوم دراسي حول تجربتها الثقافية المتميزة، كما دار الحديث حول تكوين طلبة الدكتوراه، والمستوى الجامعي، ومسائل أخرى تخص البيداغوجيات… وقد ألحّ علينا الأستاذ الكريم؛ من أجلِ لقاءٍ ثانٍ، في يومٍ نختارُه خلال أسْبوع الرِّحلة… لكن لمْ يُكتبْ لنا اللقاء ثانية…
ثاني صديق، كان من “مكناس”…وهو “زرْيوح” صديق أخي مصطفى، أستاذ الفلسفة في إحدى المدارس الخاصة بمدينة مكناس… كان اللقاء عبر الهاتف فقط، ورغم أننا كنّا قدْ بَرْمَجْنا الذهاب إلى مدينتنا الجميلة، إلا أننا لمْ نُحقّقْ ذلك، لِأسْبابٍ…مُلخّصُها، التذبذب الصّحّي الذي أعاني منه، وما أصبحتْ تُسبِّبُهُ لي التّنقّلات منَ الإرْهاقِ المفاجئ، فالمسافة بين مكناس والدارالبيضاء، ليستْ هيّنة… التقلباتُ الجوية، بين المطر والصّحو….، الاِنقباض الذي شعُر به أخي مصطفى؛ عندما أخبره صديقُهُ “زرْيوح” بوفاة صديقيْن عزيزيْنِ عليهما، أظنّ أن أحدهما كان يُسمّى “المدغري” والثاني لم أتبيّنْ اسمَه… أحسستُ بحزن أخي رغم تمالُكِه… وكان العزاء الوحيد، أن يتكلّمَ يومياً مع صديقه “زريوح” الذي ألحّ على أخي من أجل زيارة مدينة الصّبا والأحلام… “مكناس” العُمْر الذي تولّى… توارى… ولكنه الحاضر في فسيفساء الذاكرة.. مهما طال البُعد…
أخي يتحدّثُ مع صديقه يومياً…. وأنا أتحدّث مع بناتي يومياً… وهذا جعلني أحتاج دائماً إلى الذهاب عند الجميلة الرقيقة؛ “خديجة” التي تبيعُني “كارْط التّعبئة”… في محلٍّ موْجود في مَمرّ يُسمّى: باساجْ “جْلاوي” … كانتْ تستقبلنا بابتسامتها العريضة، وتُسْرِعُ لِـتَأتيني بِكُرْسي، أستريحُ عليه… كانت تلاحظ تعبي، وتضحك ضحكتها البريئة وتعلّق قائلة: “جئتِ لِتَرْتاحِي، لا لِتتْعَبي… أنتِ بخير… فلماذا هذا الدّلالُ على أخيكِ…؟ ” وعندما حفظتْ أسماء البنات، طلبتْ منّي أن أبلّغَهُما تحياتها، وتمنّتْ أن ترَاهُما يوْماً… إغتنمْتُ الفرْصة؛ وجعلتُ مريم تتحدّثُ معها عبر هاتفي البسيط …فكان التفاهم…وكان الِانْشراح… وكأنّهُما يعرفان بعضهما منذ زمنٍ بعيد…
كانت الرحلة ممتعة، رغم قِصَرِها… وكنتُ خلال الليْل، أقرأ صفحاتٍ من رواية “تاء الخجل”، لـ: فضيلة الفاروق، وأحاول أن أبْني عليْها عالَماً رِوائياً جديداً، قدْ أُخْرِجُهُ إلى الوُجود في يومٍ ما…. شرط أن تكون البطلة؛ هي تلك الحمامة المستقرة على الأسلاك الرقيقة… منظرها لم يُفارِقْني حتى لحظة الكتابة هذه… تُرَاها… رَحَلتْ هي الأخرى…!

عن شميسة غربي

شاهد أيضاً

FERIAL.

تجربة نقدية عربية بأفق كوني

بمختبر السرديات بالدار البيضاء: فريال جبوري غزول: تجربة نقدية عربية بأفق كوني الخميس 8 مارس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *