الرئيسية / رواية / الخلاسيّون

الخلاسيّون

الخلاسيّون

رواية

صبري هاشم

 

اسم الكتاب : الخلاسيّون

اسم المؤلف : صبري هاشم

الجنس الأدبي : رواية

الطبعة الأولى :2000

دار الكنوز الأدبية بيروت

 

 

 

 

 

 

الخليقة

خيمة سوداء

ستهلكها الرياحُ

أنتِ الخليقةُ

إنْ فُنيت

 

أنا الإلهُ

مازلتُ صاهلاً

في جسدِ الرمحِ .

 

نبتون *

 

قاتلني الملحُ على ظهرِ موجةٍ عاصفةٍ

فنزلتُ البرَّ استنشقُ نسمةً  لم تأتِ حتى صلبوني .

 

 

حورية نبتون

أُطبقت القارّات على بعضها

وصارت وجوهاً  بلون الحنّاء .

الأنغولي

 

 

 

لم أترك داراً خرجتُ منها

حتى لو نزفت الأساطيرُ .

أفروديت النادل *

 

جئنا لكي نعيد أوربا

على ظهرِ ثورٍ أبيض إلى أرضِ كنعان .**

 

الأعْراب

 

لم أفارقهم أبداً

فمازلتُ الجدَّ الحقيقي للسلالةِ .

 

طفل الصبحِ

اختبرت رجولتي

فانطلقت حنجرتي ، ولم تتوقف

إلاّ عندما اختبرتها هي .

 

المغني صانع الشِّباك

 

توهموا شرفاً

فسقطوا بين أشداق الخطيئة .

بهية بائعة الطيب

 

تُركتُ ورحل القومُ في إثرِ حوت أُنثى

قالوا : لن نعود إلاّ حينما يرتوي الرحمُ

انفرط العقدُ وتناثرت حبّات اللؤلؤ .

عائشة *

 

 

 

الخلاسيون أهملوا البدايةَ ،

فضجرت ، من فعلتهم ، المدنُ

ولم تؤسس غير سرابٍ تجهّم

بوجه الرملِ .

حليمة العذارية

 

كان البحرُ ملاذاً للمهاجرين ، حتى اختنق

وانفلقت رئتاهُ . ولولا دعوة العبير لاختارني

حوريةً من حورياته .

 

سهام الخلاسية

 

لو أرادوني لِما متُّ .. لكنّي قررتُ ألاّ تخرج

الحقيقةُ مرئيةً  .

 

المصور الجوّال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرصاصةُ التي ترصدتني في كلِّ مكانِ ، كانت خِلاسيةً

النصّل الذي طعنني كان نصلاً خِلاسياً

المدنُ التي نشبت أنيابها في لحمي حتى سُفح دمي

بعيداً عن الشمس ، كانت خلاسيةً

لم أرَ عيوناً اصطبحت ضاحكةً

ولا شفّةً ارتجفت من أجلي

ولم تشرع المدنُ ذراعاً للقاء

عندئذٍ أخذتني المناجاةُ :

 

جابر المسحور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

توغلي في النشيجِ يا ربةَ الشبق ِ، فأنتِ الفتنةُ حاضرةٌ على امتدادِ مائدة الليل ، عابثةٌ بأبهةِ الرغبة ِ. اجهشي من فرحٍ حين يُخمدُ لوعةَ طفل الأرضِ أنينُ الذروةِ . أنتِ سجدةُ العناقِ المهيب ، فردوسُ الصبا الممتلئ لبناً مملحاً . تهتكي على رمقِ الظلامِ أفعىً رهيفةً مكتنزةً بشديد سمِّها . هرهرتِ دهراً لثورةِ الجسدِ حتى مزقتِ أسْجاف الذلِّ التي حالت دون التحامِ حلمين .

تصرخين :

انهض يا جابر لقد غادرَنا البحرُ ولم تبقَ غير سفينةِ الوجدِ غارقة . أُهَمْهِمُ :

دعينا على شفا الهَجْعةِ الأخيرة . دعيني أختلس من غفلةِ السَّحر لحظةً ، من الكأسِ رشفةً ومن سهام الخِلاسية قبلة ً. سهام يا سهام يا رحيق الغابةِ السوداء وعنبر الهور ، يا امتداد الصهيلِ ونزق الطفولة ، يا منبثق الشهدِ وعطر الكلام . أمن شاهقٍ حُذِفتِ إلى كرمتي أم أنبتتك الأساطيرُ في جَوْسق الماء ؟

سهام يا سهام يا مسكَ الأميراتِ وسيدة حمام البرِّ ، أهو النخلُ أهداكِ بعد سكرةٍ أم فارقكِ السِّربُ و تشظّى بك المكان ؟

 

غيبوبةُ جابر هذيانٌ ساحرٌ ، حلمهُ لذّةٌ مطلقةٌ ، سؤالهُ دفقُ ينابيع آسر وأجنحةٌ واثقة . لكن الصبحَ قادمٌ ونطق الشفاهِ همسُ قطراتٍ من ندىً خجول :

انهض يا جابر لقد فضحنا الصبحُ وحاصرنا الوقتُ . انهض يا حدقةَ العين قبل أنْ تمحقنا الطوائفُ ، يشبّ علينا الشعاع ، تنهشنا العيونُ وتعصف بنا العواصف .

أفاقا على بعضيهما

مالا على جرحيهما

هي قطعةٌ من رئةِ الأرضِ التي أتلفها الحنين ُ ، هي البجعةُ التي أنشأها الربُّ من كأسِ نبيذٍ وصيّرها جسداً مسكراً ، صلّى عليها وأطلقها نحو دهاليز الهباءِ المظلمة . حامت قرناً من الزمانِ قبل أنْ تختزل شساعة المسافةِ ، قرناً داعبها قهرُ الرياحِ وقرناً لفحها غيظُ الشموس حتى استرشدت بخيطِ الدهشةِ الموصل إلى جزر النماءِ . وقتذاك انتصبت فارعةَ الطول ، ممشوقةَ القوام ، نافرةَ النهدين ، مزمومةَ الشفتين ، بَحْرِيّة العينين ، همجيةَ الردفين ، غجريةَ الشَعْرِ، بركانيةَ الأنف ِ، ثمرةً وحشية ً، فاتكةً ، تمخضت عن سهام الخلاسية ، القاتلة بحبها ، فتاة المراكب المبحرة نحو المجهول ، الخارجة من سلالة القصب والفيء واللوثة ،فرس الجحيم المغيرة على بلاد الهديل والعويل ، الغازية بعدة الأباطرة والملوك والآلهة ، المزوّدة بالنّدِّ والعود والدروع والعقيق والمرجان ، الهائمة بالشوق ، الطافحة بالشهوةِ . سهام اللُجّة التي لا تمارى ، الصهوة التي لا تُمتطى ، الباب التي لا تُطرق  .سهام الجسد المُحَيِّر للقلوب والبريق الذي يسلب الألباب ، الغيمة الثقيلة ، العصيّة ، الظبية الجبلية ، شوكة البرِّ النافحة عطراً التي لم يهتدِ إليها البشرُ ، الطيب والندى والزهر والرؤى العجيبة ، الحبيبة ، النبتة التي إذا ما أثمرت أنقذت أمةً من قحط وجوع ، الفاتنة ، الساحرة ، العفيفة حد الفجور ، الفاجرة حد الطهر ، العاقلة حد الجنون ، المجنونة حد رجحان العقل  ، تلك سهام الخلاسية الواقعة بحب جابر المسحور . أقامت ليلةً في كنفهِ ومارست أبشع المقدسات .

 

 

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أيها الخلاسيون

تنفسكم شجرُ الواحةِ

وتلاعبت بأطرافكم الريحُ

 

 

 

* * *

 

 

 

 

 

 

 

أصرَّ البصريون على إحياء تيجانهم * ،  انتشلوا من الأعماقِ ما كان غارقاً ومن السطحِ ما كان عائماً وكللوا الرؤوس . مضوا في مسيرةٍ طويلةٍ يستنطقون النهر َ، الذي أوشك على النضوبِ ، عن أصل جابر . نطقَ النهرُ ومن فمهِ خرجت حوريةٌ قيل إنها سهام الخلاسية التي لا تشيخ ، لفّت جابراً برداءٍ أزرق وجذبتهُ نحو الأعماق . يومئذٍ عادت للنهر عافيةٌ وكُتب له الخلود ، ومن حينها كُنّي جابر بالمسحور وطافوا به البصرةَ مدينة الثبور والنذور ، مدينة الموت والحبور ، مدينة تلهبها سياطُ الجنِّ والخرافة ويتقاذفها ذِكرُ النشورِ . مدينة الملحِ والرمادِ  ، مدينة النخيلِ والصهيل والشموس ، مدينة الصمت والهدير ، مدينة المرافئ المفتوحة على الرحيل والمفتوح عليها الرحيل ، أبوابها مشرعة للأبناء والغرباء ، شناشيلها مسكونة بلوعة الأجداد ، أرضها مكسوّة برعشة الأحفاد ،  وَلُود ، مذكار ومئناث ، أغرت الغزاةَ ضخامةُ فرجِها فحبسوه في شرفات الملوك قبل أن يُقدد ويقدم وجبةَ غداءٍ على شرف الجنرالات ، ومن ذات الفرجِ انطلق نسلُ جابر الذي مازال يتغنّى بعظَمته رغم انقراض النّسل واجتثاث الجذور ، مازال عائماً في

فضاء الذاكرة الشاردة خلف التخوم يبحث عن خرقةِ المهد التي تقادمت عليها الدهور .

يقول جابرُ حين أمسك بعصفور الذاكرة :

ترفسنا الأمهاتُ ليلاً متى ما عنّت لهنَّ فحولةُ ، فنفرّ مذعورين تحت جنح الظلام . نتوجس السبلَ المؤدية إلى الخرائب . نجد العفاريت نائمةً ومن جوعنا نرضع أثداءَهنّ المثقلات . نتعب ؟ جنبَهنّ نهمدُ ، فتعفر التربةُ وجوهاً ما خلق اللّهُ مثلَها . نعود  صباحاً ، ومازلنا صغارا ً ، نرى الأمهاتِ يتلمظْنَ مصلَ الأُلفةِ. إلهي أحبلهنَّ الرحيقُ .‍‍

نتساءل : ما أحبلكنَّ  ؟

يجبنَ :

صريرُ الليلِ وهمسُ النجومِ  .

كنّا الفطامَ فلا الماء بلَّ شفاهَنا ولا ارتوى ظمأُ . كنّا بطوناً خاويةً لا تشبعها كلُّ الضروع  .

مازلنا صغاراً ننحت في تضاريس الأرضِ إذا ما انسدت  الطرق ُ، ويأخذنا حرُّ الشموس غير مدركٍ أنّ جلوداً على أجسادِنا تحرشفت ولم نهن .

بينما الآباءُ في سفرٍ .

بينما الآباء بالهمِّ انشغلوا وبذاتِ الخلاخلِ توهموا حتى تورمت أسافِلُهم وأخذتهم الغوايةُ بعيداً عن مداركنا .

ومازلنا صغاراً ، أتقدم الِصِبيةَ الذين لم تختلط مياهُ آبارِهم في قعرِ الرجولةِ ، أقودهم حتى عتبات الكفرِ ويشطُّ بنا الخيالُ الفاجر ، عبثاً ندغدغ صدرَ صبيةٍ وعبثاً نسفح بذرَنا في أرضٍ عاقر .

اذهب يا ولدي ـ هكذا قال أبي ـ استعر لي ربطةَ عنقٍ من خليل كي أحضر الجنازة . لم أطرق باباً ، انتظرت فضولي ينفذ من وراء اللوح ، رأيتُ خليلاً مرخياً ساقيَّ امرأته على كتفيه ويدخل جسدها الممتلئ مراراً . كان جسداً فتياً ، بضّاً ، ليناً ، بينما الصراخُ ينطلق على شكل رشقات مختلفة الوتيرة . لم أطرق باباً . أقسمت ألاّ أطرقه ولو ذهب أبي بدون ربطةِ عنق حتى تتم  الطقوس . فهمت ، لكنني لم أفهم صراخَ المرأة إلاّ عندما قبلتهُ وخمدت . بعدئذٍ فهمت أنّ للعبةِ أصولاً لم يرتقِ إليها وعيي .

ومازلنا صغاراً نقف على بابِ المأتم  نعدُّ الداخلات ، كنَّ بالعشرات . قطعان من غزلان البرِّ تسفُّ في أحداقِنا .نساءٌ بالهاشميات لم ألتقِ بهن في حياتي ، فتيات لم يخطرْنَ على بالي خُلقْنَ من عاج ومرمر ورياحين . صدورٌ ظلت تصرخ في  وحشتي : اعتقونا أعتق اللّه بريقكم ، تنتفض تحت الشفوفِ مثل عصافير أسيرة .

لم نكتشف تلك الكنوز إلاّ بعد فوات الأوان .

ما أجملهن بتلك الثياب السود !

وقتذاك أحسُّ بدفق ينبوع دافئ يخنقني ، اجتياحٌ لجسدي المغمور حرّك فيَّ أشياء مهملةً ، مندثرةً . تخرج فاطمة تنادي :

تعال يا جابر قُم بدور القاسم .

لماذا أنا  .. ؟

لأنك أجملهم .

وهل كان القاسم جميلاً  ؟

لم تجب .

أقبل العرضَ . أدخل بين تلك الأجساد المتفجرة . براكين تنفث غيظها دون رقيب . تلتهمني عيونٌ إذا انطفأ الليلُ يغترف من سوادها ظلاماً . أتزين بأيدٍ ناعمةٍ وسط ضحكاتٍ صافيةٍ ، نقيةٍ ، وخارج غرفة الزينة كانت الشعورُ نافحةً .

أسأل بسذاجة :

مَنْ ستكون سكينة  ؟

يأتي الجوابُ قاطعاً :

سهام الخلاسية .

نخرجُ في ساحةِ المأتم ، يبدأ العويلُ وكأن التاريخ يعيد نَفْسَه كمأساةٍ هذه المرة أيضا ً. تندلق كلُّ الصدور على كتفيّ وكل الدموع على هامتي .

ما أجمل اللحظات  !.

ينتهي دوري .

أعلم أنّ النساء تستميلني وينبذني الرجال .

يصرخون :

ابعدوا جابر المسحور عن صِبيتنا لقد أفسدَ ما في نفوسِهم . أُبْعَد ولم أدرِ ما ذنبي . لعل اللّه  خلقني على قدرٍ كافٍ من السحرِ فاستثار غيظهم وألهب غيرتهم . أهرب إلى بيت خالتي التي تمنحني قدراً من الحنوِّ ، أجد عندها حليمة العذارية . كانت أجمل ما يكون وأطرى ما يكون وأنفس ما يكون . امرأة يافعة جُبلت من زبدةٍ ممزوجةٍ بالطيبِ : شعرٌ نُسِجَ من حرير ، فمٌ عقيقي ، شفتان ناريتان زُمتا على هيئةِ كرزة ، عينان زمردتان تسبحان في قاربي جُمّار ، بطن ضامرٌ على قامةٍ رهيفة ، حليمة طلّ الصّباحِ ، فارقها زوج قبل حين . رأيتها تكشف عن حِرِها ، تلطمهُ وتندب باكيةً : انظري إليه كم هو جميل ، لقد بات محروماً .

أقسمُ إنه كان جميلاً ، عشاً هائلاً لم أرَ مثله فيما بعد . كم أسفت على صغر سني حينذاك . لو أطلقت شكواها الآن لطالبتها بفك أسرهِ وليذهب الخجلُ إلى الجحيم .

مازلنا صغاراً تغرينا التفاصيل وتعترينا رعشةُ الفرحِ حين يموت المهرُ من بطشٍ . نفتُّ كبدَ الطيرِ بين شراكنا ونلوي رقابَ الفواختِ في الأعالي . نُجمّر النخلَ حتى شخيره ونهتف بالسائلِ حتى يجن .

ما أبشعنا  .. !

ما أتعسنا  .. !

وما أقسى قلوب الصِبية حين تجلمدت .. !

من الحرِّ يأخذنا الرُعافُ غفلةً وبظلِّ النخلةِ التي قتلت نحتمي  .

ما أنذلنا  .. !

نغطُّ تحت البطِّ وهو سابحٌ نحزُّ رقاباً ونرمي أشلاءً للقوارب .

ما أبخسنا.. !

نردحُ على قبرِ بهية وننعتها :

يا العاهرة ..

وبهية قبل مولدنا بنصف قرن دفنت . اغتيلت غدراً . لم نرَ بهيةَ لكن نصال الغدر لاحقتها إلى القبر . قالوا كانت من الحسن فاشتهاها كلُّ الرجال ولم تزنِ إلاّ بواحد . قتلت بهية أمام الخلقِ دون رادعٍ . لكن بهيةَ المغدورة قتلتها الغيرةُ ، ذبحها الحسنُ لا الزنا .

ما أنجسنا.. !

ما أسوأ انفلاتنا حين نعمقُ لدى المجنون جنونه ولدى المعيوه عاهتَه . نرمي المحصنات بالشرر ونلهو بالنميمة حتى  تتفجرَ  الفتن ُ. أتلك براءة الطفولة  ؟

أيُّ براءة يا إلهي هذه فلا تقدم على أفعالِنا الجنُّ ؟

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا نسفنا جسورَ السكينة

زمجرت الفجيعةُ على أبوابِنا

وصرنا للموتِ كالرهينة

 

 

 

 

* * *

 

 

 

 

 

 

أفقنا صباحاً على موتِ المصور الجوّال

كان ملقياً وسطَ ساقيةٍ خلف مدرستنا

قيل انتحر وقيل قتل

لكن المصور مات وبقي التجوّال

فزع الحيُّ عن بكرةِ أبيه :

المصور مات ..

المصور مات ..

مات المصور الجوّال

كان جميلاً مثل طيرٍ فردوسيٍّ

هادئاً كالنبعِ

دافئاً كشمس الشتاء

حُمل على خرقةٍ سوداء . في الدارِ اجتمعَ الناسُ وغصَّ الشارعُ بالمعزين . لم أرَ في حياتي أباً ينتحب على ابنه كنحيب أبيه . بكى بكاءً دامياً انفطرت له قلوبُنا .. صورة لا تفارق مخيلتي مادمت حياً هي صورة الأب . رجل في الستين جفَّ واقفاً خلال ساعةٍ ولم يبقَ لديه سوى النحيب . عصراً حُملَ على الأكتاف .

رحل المصور الجوّال وبقيت الكاميرا

لم يترك صورةً واحدة ً لشوقِ الشريطِ الأسود

ودّعَنا المصورُ الجوّال

ودعنا الذي لم تكتمل صورته بعد

 

ودعنا في ضجيج الدهشة وذاب

غادرنا محملاً بالأسرار

فجعنا موت المصور الجوّال

صدمنا موتُ المصور الجوّال

أفزعنا موتُ المصور الجوّال

أيقظنا موتُ المصور الجوّال

أفقنا   . . . . . . . . . . .

ربما كبرنا

 

 

سهام غارقةٌ في بحرٍ حريريٍّ من الانتظار تهادنُ الليلَ ، والليل اقتلعه موّالٌ حزين ، فحين استوحش النخيلُ ضاقَ ذرعاً بتيجانه ، عبَّ من كأسِ مجدهِ التليد جرعةً وغادر الوقارَ . غادرَ هيبةً وثمل. ثمل النخيلُ وغنّى . أطلت الشرفات ، التي نَحَتَ الظلامُ أعناقَها ، بقمصان نومها . تعثر النهرُ وأوعز لجارياته أنْ يتقنَّ درساً في الغناء . ذلك ديدنُ النخيلِ الذي توّجه البصريون مليكاً للطربِ . أتظن سهام أنَّ الليلةَ ستضيع من جابر المنذور لصهوتها وهي انسياب الخمرةِ في ربيع العيون ؟ ، هي الدرةُ التي انكشفت أسرارُها وضيعت مغاليقها ، وهي المهرةُ التي انتظرت فارساً يتدلى من الثريا ويمتطيها . رُفعَ سجفُ الوحدةِ . جاء جابرُ ، عانقها . نطقت :

انتظرتك يا إله الغوايةِ تستدرجني إلى رحم المعصية ندور في أفلاكه . فلولاك لهلكت نضارتي واعتصرتني غربةٌ ولولاك لهجّت ظبائي من جدب ، فأنتَ ضعفي وقوتي ، أنت الهدير إذا ما سكنت مياهي وأنتَ السكون إذا ما عصفت رياحٌ بواحتي ،  أنت فردوسي المرتجى وحنيني إذا غابَ  الأهلُ والصحبُ . خذني يا جابري إلى تخوم الغيم فقد لهث جوفي ونكئ جرحي ، خذني واسلمني للغبش الزاحف خلف أسوارنا ، مضمخةً بالشهد .

قبّلته ، نمت وردةٌ على الثغرِ وانتصبَ غصنُ . أطلقت سمرةُ الأجسادِ فحيحها في طقس دافئ مكللٍ بالندى . قبّلها ، نما العقيقُ على التينِ . اضطرمت نارُ الشوقِ في غابةٍ وحشيةٍ سعت إلى تمزيق الوسائدِ . أخذها ، انعتق الصدرُ من قيودهِ . قفز النهدان إلى الضفافِ وتبرعما . زفرَ الأنفُ دفعةً من لهبِ نفذت إلى مخملِ الجسدِ . بحث في نهر الصلاةِ عن جوهرةٍ أدمنها خيالُ الخلقِ ولم يباركها خالقُ . دبّج الحريرَ بمياسين وهجه . كان ا جتياحاً وكانت مدينةً تداعى حصنُها . جسَّ فيها نبعَ الحياةِ فكان رقراقاً . تنهدت ،

ارتجفت شفاهٌ وأطلقت الحناجرُ أنيناً مُبخراً . توغلا إلى أعماقِ الغابة العذراء . أطلا على حافة الانطفاء . انزلقا في همهمةٍ وساد ارتجاجُ . بعدئذٍ أفاقت ، نظرت إلى عينيه السوداوين الكبيرين ، إلى جسدهِ الفتي ، وجدته غارقاً في الصمت . رددت :

أيها الخلاسيون أخشى أن تكتب عليكم اللعنةُ وتنالكم الذلّةُ . بكت .. بكت سهام بكاءً حارقاً . أفاق جابرُ من غيبوبةٍ لذيذة . تساءل : ما أبكاك ؟ أجابت : لن أتركك في رحلة العمر . قال : مازلتِ خائفةً وقد كبرنا وكبر معنا الحلمُ . قالت : نعم فكلما مرّ وقتٌ أدركْنا حطاماً ويدركنا بعد حينٍ زوالُ يأتي على الوشائجِ . رحل في صمت مهيب ،  تأفف . تساءلت : ما بك  ؟ أجاب : ذاكرتي تؤلمني ، ذاكرتي تقاتلني ، ذاكرتي تستدعي المدفون ، الغابر ، المنفيَّ والمهاجرَ. لا أدري كيف يكون المرءُ سعيداً إنْ عاش  بذاكرة . ؟ هنا المقتلُ هاهنا ، فحين مات المصور الجوّال استوقفنا التواريخَ وفصلّنا المراحل : مرحلة ما قبل موت المصور الجوّال ومرحلة ما بعد موت المصور الجوّال . وقتذاك رحلتِ يا سهام عَبْرَ الخليجِ  ، أخذتك المسافات ، نأى بك الموجُ وضجيج الهنود . وجاءت الأخبارُ : قيل تحطمت سفينةٌ وماتت خِلاسيةٌ لم تُنتشل من الأعماقِ أسرارُها ، وقيل بل نهبت من البحرين تاجراً أجنبياً ، وقيل عادت إلى الماء حين جنَّ جنونُها في خليج عُمان . وقتذاك كانت البصرةُ سجناً كبيراً سياجه القحط وآلاف الجنائز. هاجمنا الجرادُ الزاحف الطائر . أتى على زرعِنا وجفَّ ضرعُنا . نضع أكياساً

من الخَيْش بوجه الهجوم فتمتلئ بلمح البصر . نقتات على الجراد و علينا يقتات الجرادُ . وقتذاك صارت البصرةُ أضيق ما تكون ، أمست النَّفْسُ أوحش ما تكون .

لم أهجع لحظةً ، أخرجُ مع الأسْحار أترقبُ السفنَ الوافدة ، أسأل عمالَ الموانئ عن امرأة عادت في المخيلة علّها تعود على ظهرِ سفينةٍ عمياء . وقتذاك سخرت مني أرصفةُ الموانئ ، ضحك العمالُ وتجهم بوجهي الداكير*. وقتذاك قالت الملأ جنَّ جابر المسحور لفقدانه الخِلاسية ، وانفضَّ عني الصحبُ . أصرخُ في الهزيع الأخير : تعالوا يا أصدقائي السفلة .. تعالوا يا أحبائي الذين تقذرت وجوهُهم وسملت عيونُهم ، يا أبناء الملاّيات ، العاهرات ، الشيوخ ، والمهربين . تعالوا فأنا ثملٌ الليلةَ وبابي لم تطرقْها بغيٌّ .

تعالوا يا أيتام جلاّد وآباء قتلة ، أُبصروا في وجهي المغادر حمرةَ نسائكم . اسمعوا في أُذنيّ أنفاسَ بناتكم ، تعرّفوا على دمي الشهيد في شرايين أبنائكم . تعالوا يا أصدقائي القتلة . امضوا إلى حجرتي المقفلة ، ستجدون رأسي من أعلى السقف متدلية .. تستجوبكم ؟ نعم . تعالوا أبصروا روحي وقد تضرجت قدماهُ بعشق الرحيل فأنا منذ الشفق أحتسي من قعر بئر مودتكم بياضَ عيونكم . يا أحبائي المُنْفَضين عني ضموني إليكم ، إلى نحلتكم ، لكي أعلن أمامكم :

 

أنا ضالتكم .

ثم اكتشفت أنني لم أكن ضالةً لأحد . لم أكن لقيةً لأحد ، لم أكن أحداً لأحد . لم أكن شيئاً سوى نار الجوى تلتهمني .

 

مرَّ عامٌ عَبَرْنا الموتَ بأعجوبةٍ وعَبَرَنا الموتُ إلى جهةٍ أخرى بعدما حَصَدَ منّا ما كان في نفسهِ . مرّ عامٌ ومازلت هائماً ، قلت ستخرج من بين أصابع الدخان إنْ ضيعت سبيلَ الماء . انتظرتُ وانتظرتُ و انتظرتُ . وذات هاجرةٍ التهمت النارُ سوقَ المقامِ  ، تصاعدت ألسنةُ اللهبِ إلى السماء . فرحتُ . مَنْ يصدق ؟ فرحتُ لمشهد النار وانتظرتُ ظهورَك من أعلى قبةِ المسجدِ ملفعة بالأزرق المائي . الناس تسعى إلى إخمادها وأنا أسعى إلى أجيجها ، أتت على كلِّ شئ حتى لم يبقَ في السوقِ سوى الرماد ، لكنك لم تظهري . خزي هذه الذاكرة اللعنة علّها تنجبُ وحمةً تشوه الجبين وتكفّ عن اللهاث . اطعنيها حتى تنطفئ ، فبريقها يعذبني . وقتذاك أوقدتُ الشموعَ حتى أحنى الانتظار قاماتِها . سكنتُ الشرفات التي بايعت الليلَ مليكاً وخذلتني مراراً . سامرت الليلك على كأسٍ ملأى فملّني ولم أمل . جاورت نزيفَ السكونِ حتى ملّني وهجرني ولم أََمُل . في غيابك غادرتني المراكب ، أقفل البحرُ بابَهُ والموجُ شدّ

رحاله . ملّني ، ملّني ولم أَمُل . وقتذاك جعلتُ من السواقي نديماً لكنها سلكت سبيلاً قاتلةً .. جاوزتني ، خلعتني ولم أَمُل .

اقتربت سهام ، احتوت رأسه بين ذراعيها، همست :

لكنني عدتُ

كيف وبعد ماذا ؟

عندما لم أركب البحرَ

.  .  .  !

*   *   *

فجرُ البصرةِ نشقةُ العاشقِ لنحرِ الحبيبة ، يأتي ضيفاً خفيف الظلِّ لأداء التحية وفي عينيه دمعة . غلالةُ عذراء لا تمكث لحظةً إذا ما اجتاحتها نسمة . يزفُّ النخلَ للريح ، يُسلم الأجسادَ للماء فيغويها وتستعذبه . فجرٌ إذا أطلّ تفوّه الندى عذوبةَ النعناع وتنفس الحنينُ في صدور الفواختِ ، مخضبٌ بزفيرِ الوصلِ وخشخشةِ الأقراطِ . مفرود الجناحِ للقادمات من أعلى أكتاف السهر. فجرُ النواطير وذوات الحجول الذاهبات إلى آثامِهنَّ يتضوع من ثيابِهنّ العطرُ . فجرُ الطقوس التي لا تشيخ والنداءات التي تُطلقها الأمكنة. فجرُ الصِّياح ، النّكاح ، النّباح ، النّهيق ، الثغاء ، الرغاء ، البغاء ، الهمس ، البكاء ، الزقزقة ، والهديل ، فجرٌ خِلاسيٌّ لمدينة الخِلاسِ* . فجر سهام التي تستقبل قرعَ الطبولِ بطول لسان ولم

ينفع مع الزعيق الذي شقّ عنانَ السماء :

أخرجيه أيتها الزانيةُ ، اخرجي جابر المسحور .

ترد بغيظ :

يا أبناء العاهرات ، لن أطرد مَنْ صار عقلي وروحي ولو تزلزلت أرضكم وانقلب عاليها سافلها . ينفضّ الحشدُ بينما جابر يتوسد ذراعاً واثقةً ويهمس :

* * *

شهوة ستهلك جسدَ الفجرِ

سينجب صبحاً عبوساً

ليس ككل الأصباح

ستُقتلع عيونُ الأشياءِ

* * *

 

تفوهتِ المدينةُ حجارةً طائشةً رشقت بريقَ الحُجُراتِ وتناثرَ حطامُ الزجاجِ على المزهريات المسالمة ، تجرحتْ وجناتُها وغمرها النزيفُ . زفرت ريحاً مغبرةً تنادت من أعماقها . اختطفت صياحَ الباعةِ ، جلبةَ الأطفالِ ، لغطَ المارّةِ ، أنينَ العرباتِ ، وضاع في أدراجها الضجيج . لم تعُدْ سويةً حين لفظت أحشاءَها وأدركها الخبلُ . لم تَعُدْ بتولاً حين أُججت شهوتُها وفارقت شروطَ كمالها . لم تعد صمتاً مبجلاً حين أدلت بدلوها :

للعذارى الافتضاض ، للأمهات الحاملات الإجهاض ، للأعناق البريئة القطاف ، للهمس الصمتُ ، لجابر المسحور المصادرة من جوف الفرحة . اندلعت الفتوى في إثر الشهوة ، من صدر المدينة التي جُنّت آخر الصبحِ وكان الصبحُ حزيناً . تفتق الذهنُ عن بلوى وطغت في حالةٍ فريدةٍ من حالات غضبها . هل هي البصرة ضيعت ياقوتةَ العقلِ في بحرٍ من دخان أم هي الصرح الذي تلوّى ألماً أمام جدار التحضّر ؟  تلك بدايةُ الفتكِ . ستدخل نفقَ القتلِ ، ماخورَ العهر . سيدةُ النهرِ ستغادر عرشاً ممتشقة نصل سكين ، ستكف عن التلويح للأحبةِ بأكفٍّ مخضبةٍ ، لينةٍ ، ستهبط من عليائها استعداداً لخوض حرب ضروس . ضد مَنْ  ؟  ربما سئمت ترنيمةَ ( الهيّالة )* عند الفجر ، ربما ضاقت ذرعاً بهمس العشاق

 

عند الشاطئ ، ربما كفرت الشرفاتُ ، ربما أغاظها توالد الأشياء ، ربما أغواها إلهُ الذبحِ . لكن كيف ستمنح للأبناء موتاً جماعياً مطلقاً وتتساقط الأسماء من على جدار الرحمِ . هل هي البصرة ارتقت سلم الجحود وفقدت إحساس الأمومةِ أم هي القارةُ ، البلد ، المدينة ، القرية ، السلطة  ؟. قطعاً ليست البصرة جسدَ الحنين المرتعش ، الناثر رحيقاً على الهام ، هي الملاذ الذي أُستلِب توّاً وشُوّه توّاً فنفخ ببوق التخبطِ أصواتاً حاقدةً . باغتت العقلَ رجةٌ أفقدته الصواب فأعلن طغيانَ الموت ، جعله يتجحفل أمام ضعف الخلق ، جعله يمسح الشوارعَ ، الأزقة ، البنايات ، جوف الغابات وأعماق  الأنهار ، يخترقها بموسىً حاقدةٍ وقدرة جحيمية ، يتابع الخطوات حتى إتلافها ، النّفس حتى إغراقها ، والموجة حتى تشتتها . هو الموت يختطُّ جدران الإبادة أمام صمت الزمن الكالح . هو الموت يُطلق زفيرَ الفجيعةِ حتى مقاربة أجنحة التخوم أملاً في إرضاء الشهوة . هو الموت يصفر في رأس جابر الذي فرَّ من قافلةِ الضحى الماضية نحو الهاوية  ، تقودها الخِلاسُ * إلى أبوابِ الهجيرة ، ووارثات الظلامِ  يخرجْنَ عارياتٍ ، يتصدين لبريقِ

سيوفٍ بغيظةٍ في غياب الباصرة . وارثات الظلامِ يدكنّ اسفلتَ الهجيرةِ بأقدامٍ حافيةٍ . ظباءٌ متوحشةٌ هجّت من أحراشها حين طاردتها الحرائق وملأ رئاتها دخانُ العداوةِ . خلاسيات نشرنَ ظلالاً حين تمايلنَ كغابات خَيْزُران بوجه الشمسِ ، أَعلنَّ النّفيرَ وتقدمْنَ يشققن السماء صراخاً رافضاً . أثداءٌ سمراء اندلعت متمردة تاركة الحلمات لأزيز العيون . أجسادٌ برونزية غمرت الطرقات بطوفان العرق الناضح من أقصى المسافة . رجالٌ أغوتهم الترانيمُ حتى امتلأت محاجرهم دمعاً انضموا خاشعين لثورة النحاس**. صِبيةٌ وصبايا اختطفهم اللمعانُ وأججت شهوةُ الرفضِ فيهم نارَ صدورهم . بيوت أُفرِغت من سكانها بعد غزوة الخجلِ الذي ضمّخ جباهَهم . أوكار أوحشها الطيرُ الذي داهم عينَ النزوةِ المحرقة وسدَّ فوّهتها . زحفٌ مجنونٌ مباركٌ اِنطلقَ فجأةً . سهام الخلاسية الغاضبة تتصدر هذا الزحف حتى يتجلى اجتياحاً بعد انحسار  الغبار . أصنام المدينة تمترست خلفَ هلعِها وأطلقت ناراً همجيةً نحو الصدور .

اندفعَ النزيفُ : نهدٌ تمرغ بوحل الطريق ، وهوت قامةٌ . خرَّ صبيٌّ وزعقت طفلةٌ . نزَّ جرحٌ وخُلِعتْ جبهةٌ .. تبخر النهرُ .. جفَّ النخيل ُ. الويل للمدن الخائنة  ..!

تشتت الجمعُ . أُخليت الساحاتُ . لم يبقَ سوى النشيج  ، سوى اللهاث  ،سوى النكوص ، الارتداد .عمّ المساءُ ،  نعق البومُ ، والخلاسيات عُدنَ بأفخاذٍ داميةٍ  ، نفوسٍ منكسرةٍ وعيونٍ متورمةٍ . ـ عوقبنا على فعل الزنا .

قالت سهام في غمرةِ الألم ، وكان المساءُ ينأى بالأشياء بعيداً نحو جوفه ، احتضنتُ جابرَ المسحور ليلة البارحة فطار عقلُ المدينةِ  ، أُستُفِزت وأحالتنا للشرائعِ ، تلك أسباب المحنةِ . لا أحد يسمعُ سهام. تشرذم القومُ بعد أن عصفَ بهم الذهولُ . التفتت من حولِها ، لم تجد أحداً . أجهشت بالبكاء وراحت تهذي هذياناً مرّاً :

سوف تأتي المراكبُ من أعالي البحار ، من أقصى الدُنى . سوف تأتي وقد أتعبها الثقلُ ، أنهكتها المسافةُ ، حينئذٍ تبحث عن مرسى ، تتوجس سبيلَها إلى الشلهة  وهناك تعانقُ غابةً زرقاء ، زرقتها داكنة ، ربما أدمنت الزرقتين مثلما أدمنت قذارةَ المهربين ورائحةَ البضاعة . ستخرج أشباحٌ ، أنتَ لا تعرفها يا جابر، من عمقِ

الظلمةِ وتطلع سطحَ المركب ، تفرغ حمولتها الممنوعة ، تُخفيها بين الأدغال ، عندئذٍ سترتعد خوفاً يا جابر. لا تخف يا جابر فالجزيرة آمنة ، أنا أعرفها لا تمرّ في سمائها نسمةٌ غريبة ولو تضافرت ضدها كلُّ الدُنى مافرّطت بدخيل . لقد أُبِدْنا يا جابر والبصرة لم تَخُنّا لكنها المدينة أرادت أن تُجهزَ على أحلامِنا الراقصة في الشرفات ، أحلامنا التي مازالت تتوالد منذُ البارحة ، مازالت تتلذذ بعبق روائحنا ، مازالت في انتظارنا . ما أجمل البارحة !.. ما أرق أحلامنا !..يا جابر لا تستعجل الرحيلَ فأنا قادمة . أَعِدك أنني قادمة . سأنتحل رشاقةَ الغبش وأرفُّ بين  جفنيك . سأسمع منك حكاياتٍ لم تقُلْها عن دروشةِ المصور الجوّال. أعِدُك أنني قادمة . لقد آخيتُ الطيرَ الذي يحملُني إليك . الآن إنْ شئت ، لكنني أخشى فزعك ، أخشى يقظتك ، أخشى الدمعةَ تصلب في بحر عينيك تعبيراً عن غربة محتملة . يا جابر لا تستعجل الرحيلَ ، فتمر الجزيرة لا ينضب ، ماؤها وفير ، سكونها مطلق وحضنها دافئ كحضن هؤلاء الذين عادوا خاسرين من معركةٍ غير متكافئة خاضوها من أجل حريتهم . أعِدُك أنني قادمة فلا تستعجل الرحيل .

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* * *

 

طفلٌ عبثَ بكبدِ الحوتِ

عندما كان الماءُ رقراقاً

قال الكبدُ :

ستُغضِب الأعماقَ

 

* * *

 

 

 

 

 

 

 

 

في كوخٍ صغير يحطّ مثل طائر غريب على بطن الشلهة مكث جابر . بات ليلةً مترعةً بالقلق والخوف والترقب .

في كوخٍ رماديٍّ لا يعرفُ النورَ ولا اختلجت في فضائهِ ذؤابةُ شمعةٍ ، قيل لجابر تَوَحّد والظلمة فمِن قلبها تنتزع الخطى الغريبة ولمّا يأت الصبحُ تحوّل إلى ظلٍّ من الظلال ، فهنا لا تسمع سوى أنين أزليٍّ من صرير الليل ، عزف النخيل ، إيقاع الماءِ ، نواحِ اليمامِ ، طرب الطيور ، وبعض من أصواتٍ ستألفها مع الوقت . وقيل له لا تبتعد خطوةً أكثر من مبتغاك لكي لا تزرع الشك في قلب الجزيرة أو تهتك سترَها، فالشلهة  تتجول عاريةً عادةً . تمضي إلى النهر كلَّ صباح ، ترتمي بين أحضانه زمناً ، ترتوي ، تتطهر ، ثم تعود منتشيةً وقد علِقت منه أثماراً وجداول . تلك الوصايا حفظها جابر. تلك الوصايا أينعت في ذاكرتهِ . تلك الوصايا ، القيود ،هزمت صبرَه  ، ثلمت قطعةً من فؤاده . تلك الوصايا تحولت صيحةً في أُذن سهام ، التي راحت تستنشق طيبَ الرقبةِ وتلثم الشفاه :

لن تصبح الجزيرةُ سجناً آمناً ولو ازدحمت بأشلائنا الأرضُ وبأرواحنا السماوات .. سنبرحها في الحال ، فنحن لم نأتِ فعلاً نستحق عليه العقاب َ، والمدينة تقتص منّا لأننا نشرنا الحبَّ على أسطح المنازل فأغاظتها الرائحة . تباً للمدن التي لا تحرس نطفةَ أبنائها وتباً للأرض التي تضيق بنبتِها . من هنا أستوجِبُ الخلاصَ غير نادمٍ على بعثرة التفاصيل ، فحينما ارتقت إلى كتفي البصرةُ وقاربت أنفاسُها أنفاسي سلبوني أنفاسَها . هل اختزل موت المصور الجوّال تاريخَ البصرة  ؟ ربما . سكت فجأةً . أنصتَ إلى صوتٍ شجيٍّ ، رخيمٍ قادم من البعيد ، من عمق الغابةِ .

تساءل :

أتسمعين ؟

أجابت سهام :

إنه صوت صاحب الكوخ صانع الشَّباك  .

قال :

ما أعذبه وواصل الكلام :

سعى المصور الجوّال إلى وضع البصرة وتأريخها في صورة واحدة . يخرج ليلاً يترصد نموَّ الأشياءِ وضمورَها . يصور أحياءَ تنهض فجأةً لتختفي قبل طلوعِ الصباح ، لم تعلق في ذاكرةِ أحدٍ لكنها علقت في ذاكرة الكاميرا . يدخل الحدائق ، يلتقط حمرةَ العيونِ والهمس الممنوع . يلج الحانات يسجل أجمل تهويمة ، يختطف من دور السينما ما يجود به الظلام . يقتحم الملاهي لتتنفس

 

العدسةُ زفرةً من أنفِ فرسٍ جموح أو تختلس رعشةَ فخذٍ ورديةٍ . يجوب الخرائب ، لا يترك لوطياً كان قد غمرهُ الليلُ ببللٍ ثقيل ، أو خارطةً على جدارٍ متداعٍ رسمتها مثانةُ سكران . يراقب الأنهارَ ، لا يفوته جنوحُ زورقٍ أو هامةٌ بريئةٌ سدرت مع التيار . كان المصور حاضراً على امتداد الليل ، وكان حَذَرٌ من كاميرته قد عمَّ المدينةَ إثر التقاطه لحظة لشرطيٍّ اغتصب طفلةً في سن السابعة على كورنيش المدينة بعد أن زاغت من ذويها . لا تسرحي بعيداً . ففي حدقتي المصور الجوّال ازدحمت الأسرارُ منذ واقعة الجمل حتى انشراخ  النهر ، لكن المصور مات وماتت الأسرارُ . سكتَ ثانيةً . استمع لصوت المغني صانع الشِّباك . قال : أشجاني صوتُ الرجل ، وتابع الكلامَ :

فجراً يعودُ بضجيج العدسات

فجراً يُسمَعُ على الرصيف وقعُ خطاه

فجراً تقرعُ الأبوابُ

ها قد عادَ المصور الجوّال وفي عينيه شفّت الأنحاء :

هاهي صورة لحريق اندلعَ في بيت الرخام

صورة لبغيٍّ طاردها الليلُ

صورتان لضالٍّ مزقه الرصاص

صورة لبائعة القيمر تلوكها العجلات

بضع صور لأنثى تلتصُّ ذكراً في الظلامِ .

عشرات أخرى عانقتها الفجيعة .

الليالي تمرّ وساعاتها تَمور . صباحاً يهجع المصور الجوّال ، تتناوشهُ الكوابيسُ :

عادَ الغجرُ بقتيل

غابة هجرها النخيلُ

جنازةٌ تبحثُ عن رمسِ

موكبُ عرسٍ يتخبط في شرنقة من حرير

أمهات يقفْنَ على أبوابِ السجن طابوراً يحسبْنَ السنين

مرضعات أرامل ُ، يتوزعْنَ الأرصفةَ يَسْتَجْدَينَ الرغيف

يتامى يتزاحمونَ على وهم المأوى

أموات يحلمون باستنشاق الرياحين

أب يبيع طفلَه لقاء قوت يومه

الفاو يُصلبُ على أبواب الخليج فوق سارية

الزبير يرحل عَبْرَ الصحراء إلى جهةٍ مجهولةٍ

القرنة تتخلى عن الملتقى بعد مرضٍ عضال

الملحُ يزحف إلى وجه أبي الخصيب الذي لم يَعُدْ خصيباً

التنومة أعطت عجيزتها لأعجميٍّ قبل صلاة الفجر مقابل صمته عن زندقتها

طوائف من جميع الأديان فرّت من المعقل والجبيلة والطويسة والخندق باتجاه غيمة في السماء . زحف أهل الأصمعي والصبختين وحي الحسين والنظران والقبلة والسيف وباب الزبير نحو البحر لابتلاعه فابتلعهم البحر.

هل مات حقاً المصور الجوّال  .! ؟

ينصت ثالثةً لصوت المغني صانعِ الشِّباك قال :

لقد فجرت مرارتي  يا هذا . تنهد وواصل الكلام :

تلك الكوابيس كانت صوراً ومن أسراره المودعة لدى الكاميرا . مات السرُّ

اصطفاه اللّهُ فتياً ليعطيَ فتيانَ الجنّةِ درساً في النبل .

كفّي عن النّواح يا سهام .

قالت :

لن تبرح الجزيرةَ فهي آمنةٌ .

أجاب :

بل أتركها في الحال فلا أمان مع المحذور والمحظور .

*   *   *

 

الرايات التي تهاوت

الخيول التي اندحرت

الوجوه التي غادرت

الورود التي استعصت على النسيم

أو التي اختلسها الندى

أوحشت الكسندر العظيم

فأغلق منافذَ الروح وارتحل

لم تَعُدْ حبيباً

لم تعُدْ أنيساً.. يا لكسندر

لكن رشفةً من حلمةٍ مغمسةٍ بالنبيذ

ستنعش غربتك

 

 

 

 

 

 

الغرباء المرميونَ على أرصفةِ التيه ، المحمولون على أجنحةِ الألم ، المشبعونَ برمادِ حرائقهم ، الغرباء المولعونَ بالقلق وفنون الهرب ، المشاكسون ، المقطوعون من صِلات أرحامهم ، الغرباء القذرون القادمون من صحاري الموت السوداء أومن وديان  الهزيمة ، المُجْرَبونَ ، المنحدرون من أعلى لهاث الإمبراطوريات المنهارة  المحروثة حدّ الخراب ، المستباحونَ في كلِّ الأزمنة ، الغائبونَ في العُزلةِ ، المستسلمون للذلِّ ، الغرباء المسكونون بالهمِّ والذين يسكبون الحنينَ على جسدِ المسافة والذين يغالبون الطعنات ، يمارسون خياناتِهم كلّما نطقتْ سُرَّةُ الوقت في مستنقع الندم وكلّما اكتملت صورةُ العالم في أحداقِهم التي لم ترَ وجهاً قمراً ولا صنماً عارياً . هنا على الكسندر بلاتس يقيمون وليمةً للرذيلةِ التي تستفز فحولتَهم وقداساً للإنحطاط الذي يذكي جمرةَ الرغباتِ المكبوتة .         الغرباء المسعورون ينتظرون الوباءَ الداهم لنفوسهم الفزعة ، الوباء القادم مع الزحف الفجائعي لخيول أمراء الثكنات المعطوبة .     الغرباء المجتمعون مصادفةً أو بميقات يسحقون جسدَ جابر المسحور حدَّ الكسرِ والإدماء ويتركونه مخضباً بحمرة قانية ، مغمياً عليه فوق بلاط الميدان دونَ أنْ يعرِف للأمر سرّاً  .

فعلٌ لم يُغْضِبْ أحداً

لم يؤلم أحداً

لم يحتج عليه أحدٌ

فعلٌ بلا ردِّ فعلٍ

فعلٌ مجانيٌّ للفرجة

فعلٌ لانتشاء النفوس المُتعبة

للسلوى والقسوة

فعلٌ للهرب من أمام حصار الغربة

هذه برلين وجه المانيا المشطور ، شطرتهُ الجريمةُ نصفين ولأمته بعد أنْ جفَّ ماءُ وردهِ وضاعت الملامح ، فهل تبدي رأفةً ، رقةً  ؟ هذه برلين مدينة الضَّياع والضِّباع ، مدينة الصراخ والنفاق والفخاخ ، مدينة مازال يصمُّ آذانَها دويُّ الجدار ، مدينة هادرة ليلَ نهار ، مدينة الصخب والعنف والعداء ، حاضنة الأجناس ، مدينة السود والبيض والخِلاس ، مدينة الأعراق والطوائف والأديان والإلحاد ، مدينة العلم والتحضر والرذيلة ، المافيات واللغات ، مدينة الماء والخضرة والإسمنت ، مدينة الهجين والأصيل  ، عاهرة طاهرة ،  ظالمة رحيمة ، فاسقة ورعة ، كافرة تقية ، مدينة السموم والهموم واللهاث الذي لا ينقطع ، مدينة الخديعة والوقيعة ، الغواية واللذّة  ، الحجاب والتعري ، مدينة لكلِّ شئ ، تمرح في عيونها الدنيا وتسرح في عيون الكون . هذه برلين ، استمالت شهرتُها جابر المسحور فترنّحَ على سُرّتها فاقدَ الوعيِّ دون أنْ يندى لها جبين ، وحين حُمِل بعد حين كان إلهُ البحر مفتوناً

بجلسته في قعرِ قوقعته ، مزهوّاً بفالته ، حالماً بأجساد حورياته ،سعيداً لطاعة كائناته ، فاجراً بنظرته ، مستهتراً في رميته ، عملاقاً مفتول العضلات لا يهاب المخلوقات ، صامتاً غير مبالٍ بالأحداث . لكن حوريةً ممشوقةَ القوامِ ، ضامرةَ البطنِ ، منحوتةَ الوركين ، كمثريةَ النهدين ، ساحرةَ العينين ، ألقت شباك صيدها وانزلقت عاريةً ، ثم تابعت رحلةَ جابر، قيل لها : كُسِرَ أنفُهُ ، جُرِحَ صدرُهُ ، نزفَ روحُهُ . ذرفت دمعةً سقطت على جبين جابر . مسّت آلامَهُ براحةِ الأنبياء . برئَ جابر . فتحَ عينيه . ذُهِلَ. نطقت:

لستُ سهام الخِلاسية .

تلعثم :

بل أنتِ سهام .

أصرت :

لست هي .

حملته بين ذراعين ملائكيتين إلى ميدان الكسندر ثانيةً . قالت : هذا ميدان الآلهة : هنا نبتون إله البحر بشموخه العظيم يرعى ملاعبنا ، هناك آلهة الطبقة بلحاهم الكثّة ونظراتهم المتحدية  ، في الجوار ستجد نصبَ مصلحٍ  ، ومن هنا سنفترق ، سنحمل آلامنا

 

 

 

ونمضي . أراد النطقَ لكن الحورية اختفت ، ربما عادت إلى البحر ثانيةً وانضمت لمجتمع الماء .

تساءل :

هل كانت سهام الخلاسية ؟

 

 

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خَبلٌ في ثيابِ المسافة

خَبلٌ في عيونِ اللون

خَبلٌ في الظلِّ

ثم . . . . . . . . .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اخْتَبَلَ الليلُ وتساقطتِ الألوانُ في بركةِ الصيفِ ، وصيف برلين بين كرٍّ وفرِّ :

أغلقَ الأتراكُ أبواب الرحمةِ

عادَ الفيتناميون من رحلة التهريب

اصطخبت دُفُوفُ الاسبانِ على أبوابِ قُرطُبة

سكنت سرقاتُ الألبانِ

من قلب روما انطلقت موسيقى الطليانِ

توقفت غزوات الغجرِ

بدأت مساومات الروس

لاذَ الأمريكيون الجنوبيون بحاجاتهم ولعلعت مزاميرهم

تحول همسُ الأعراب زعيقاً

اهتزت أوْراكُ الأفارقة

تثاءب الإنجليز

تململ الألمانُ ضجراً

تنهد الشوقُ في صدر جابر ، ملأَ حُجرةً خَضْخَضَها فحيحُ أنثى برلينية وزئيرُ فحلٍ انغوليٍّ . كيف سينام ؟

سادَ الصراخُ حينما حاولَ رشق الجدار بأكفِّه . سادتِ البهجةُ في

ذروةِ التحليق . انهالت على رأسِه الأشياءُ كأن الأرضَ أنجبت زَلْزَلَةً . أعذرني يا سيدي ، قال الأنغوليُّ : إنها لذّةٌ عابرةٌ ربما لن تتكرر وإنْ تكررت سنزرع بذرةً سوداء تُخضِّب بياض وجه هذه الأرض ونسقي خمائلَ الأُلفةِ ، كنّا في الأوطان زائدةً تفرُّ منها البهائمُ وها نحن نفضُّ البكارةَ تلو البكارةِ كأننا الرحيقُ يمتصه النحلُ . صرنا أفيونَهنَّ ، خمرتَهنَّ وخشخاشَهنَّ . اعذرني يا سيدي على وقاحتي ربما كنتُ ثملاً ، ثرثاراً وأنتَ تنشد راحةً ، لكن شبحَ الأرقِ سيلازمك ما لم تلهب جوفَ امرأة ، ما لم تغترف من منهل النساء ، من صدورِهُنَّ ، من فروجِهُنَّ .ضحك جابرُ ، ترك الأنغوليَّ يقتلع السريرَ بِمَنْ عليه ، فهنا لا يرقص الصِبيةُ على قبر بهية ولا شكوى  تصدر عن حليمة العذارية ، وهنا لا يُقتل زانٍ ولا تُرجم زانية .  لقد رحلَ الإلهُ المتجبر إلى بحرٍ من الظلام دون رجعةٍ . خرج إلى الشارع ، تناهبتهُ الأضواءُ  ، اللافتات ، العاهرات ، المقاهي ، الحانات .هتف بإصرار :

لن أعود إلى حجرتي إلاّ ثملاً .

دخل مطعماً يونانياً كابي الأنوار ، هادئ الأنفاس ، حلو النغمات . كان الإغريق يصنعون أوتارَ آلاتِهم من حبال التاريخ الصوتية فتنطلق الأصواتُ عذبةً ، عذوبةَ همس الحضارة ، رقيقةً كرقةِ نسائهم . أشرقت نادلٌ حلوةَ المُحيّا ، آسرةَ الطرفِ ، ثائرة الشعرِ ، هائلة الصدر ِ. تفرس جابر نضارتها ، توغلت عيناهُ في نهرِ محبتِها ، أرعشته قطرات العرقِ العالقة بقبتي الجرفين . تردد حائراً أمام تمثال إله من لحم ودم .

قال :

سأسكر من عرق أثينا أومِن نبع صباياها .

ارتشفَ من كأسٍ فتيةٍ خجولةِ الملامسة ، خمرةً مُبردةً متفجرةَ اللذّةِ، أنعشت روحَه وأتلفت صحوةَ الأشياءِ في دورةِ الاسطوانة . رقص الحضورُ . تعانقت أذرعُ وتداخلت سيقانُ . رؤوسٌ توسدت أكتافاً والتحمت أفخاذُ ، احمرّت عيونٌ  وارتجفت شفاهُ ، تنهدت صدورٌ وزفرت أنوفُ . دعوة هادئة تعلنها الموسيقى للرقص . لن أرقص إلاّ معها ، قال جازماً ، هذه النادلُ ألهبت جسدي ، سأحرقها بناري وأجعلها تتلوى وجداً  ، سأتوجها سيدةً للمكانِ ، للمطعمِ ، للحانةِ . تمنعت دلالاً . ألحّ ، كان ثملاً فطاوعته . رقصا على صوت نغمٍ هادئ . تمايلت بين يديه وتثنت ، هيجتها نفحةٌ من عطرهِ  فتوحشت ، التصقت به ، تباعدت ممتلئةً ثم جرّته في رقصةٍ مجنونةٍ جعلت ميدانَ الرقص خالياً إلاّ منهما . صفقَ الحاضرون إعجاباً بلحظات سعيدة .

قالت النادلُ :

أنتَ أروع الراقصين .

أجابَ :

بل أنتِ روعة الرقص والجمال .

ثناءٌ مناسبٌ ،لباقةٌ نادرةٌ ،براعةُ راقصٍ أدهشت الخلقَ . نأى الخوفُ بعيداً ، تضاءل حتى تلاشى .

لم يكن منهكاً ثملاً ، كان منتشياً ، متلألئاً ، فاكتفى بدفقةٍ من وقودٍ سحريٍّ ، بشحنةٍ إنسانيةٍ دافئةٍ . عادَ فجراً ، طرباً ، حالماً ، طامعاً برؤيةِ الانغوليّ ، لكن الانغوليَّ غادر الوعي منذ انعدام التضاريس في بريقِ عينيه .

 

 

*   *   *

تلظّى شوقاً لسهام الغائبة ، الحاضرة ، حينما رنّت أجراسُ الذاكرةِ والتهمت المسافة . لم يجد سبباً جديراً لإزاحته ، سبباً يجعلهُ يغادر البصرةَ وسهام وتأريخ الألفة .

زفرَ حرقةً :

مَنْ لوّثَ عقلك أيتها المدينة الساحرة ؟

وقف ظهراً على مقربةٍ من مقبرة الأتراك . رأى طقساً للدفن بلا بكاء ولا عويل ، تساءل عن سبب الصمت . قيل له إنّ أباً تركياً ذبحَ ابنته لاقترافها خطيئة الزنا . صرخ من أعماقه : حتى هنا يا إلهي . إلى هنا تلاحقنا اللعنات ..! إنهم يضعون فرجَ المرأةِ  بمنزلةٍ تفوق منزلةَ الربِّ وأيّ محاولةٍ للاقتراب منه تفضي للقتل بينما حالة السطو على ممتلكات اللّه لا تؤدي إلى غير الاحتجاج . صاح بأعلى صوته : دعوا هذا المهبل يتمطى حتى حدود الصراخ. دعوه ينطق بالحلم . اتركوه يسمُ في النعيم كما تركتم الملائكةَ تسموا في العلا . لم يفهم أحدُ . لم ينطقْ أحدُ . أهذه بهيةٌ أخرى ؟ تساءل متحسراً وأضاف : الموت هو الموت يا سهام ، يحملُ نفسَ الملامح ، نفسَ الأدوات ، نفس الأسلحة ، نفس الأخلاقِ ، هربناه في حقائبنا وبين طيّات ثيابنا ، هربناه في نفوسنا لنعرضه على الأمم المتمدنة وحين نادينا على من يشتري حفنةً من توحشنا ، عاد النداءُ خائباً فتقاسمناهُ بالتساوي على الرؤوس حتى صرنا وإياه واحداً . الموت هنا يا سهام مثل ما هو هناك ، أنه الملك السعيد المطلق الصلاحيات يجوبُ الأرجاءَ بحثاً عنّا وحين يصطاد ظلالنا ينقضُّ ملهوفاً ، بأدواته يمزق أجسادَنا ويعلن باسم السماء مسوغات قتلنا . سنجد في كلِّ صباح قبراً جديداً بلا شاهدةٍ ولن يكفهرَّ وجهُ برلين الحضاري ، لن تجُنَّ المدينة  ،  فعرباتنا تمضي محملةً بأشلائنا السمراء دون أسفٍ من أيِّ كائن ، دون رحمةٍ . مَنْ يدري لعلّ المصور الجوّال كان ضحيةً من هذا النوع . مَنْ يدري لعله أدمن رؤيةَ البشاعة حتى نفق روحه . مَنْ يدري لعل أشباح الريبة تابعته حتى ظفرت به و أجهزت عليه . مَنْ يدري لعلهُ ماتَ مقهوراً أو مقتولاً . مَنْ يدري يا جابر المسحور ، المركون في زاويةٍ مهملةٍ كيف ستؤول الأمور .

*   *   *

لاذَ بحجرةٍ تنفس الوحشةَ فضاؤها وعبثَ الإهمالُ بأشيائها . لاذَ فزعاً ، مخطوفاً بأجنحة الهذيان ، مثقلاً بغثيث الرؤى ، ملجوم السؤال .عادَ من جوفِ فقاعةٍ فجرتها الصدمات . أسفرةٌ هي الحياة..؟ فتح باباً لا تفضي إلى ماء المسّرة ولا طار عصفورُ الأُلفةِ في أنحائها . عادَ تاركاً شمسَ الصيف تشحنُ خلايا الجسد الفاني بزئبق الرغبةِ وتدهنُ ساقَ الوردةِ بزيت النّماء . عاد ببقايا صوت المغني صانع الشِّباك وهالة من وجه المصور الجوّال ، بحسرة من سهام الخلاسية لحظة الوداع  ، وذكرى باهتة لصِبية اندفعوا في أزقة النسيان لعبوا (عُظَيمْ اللاح ). عاد بمشهدٍ متكاملٍ لانبثاقِ العماريات فجراً من كلل النوم ، يتجمعْنَ كالبجعات حول بحيرةٍ وهميةٍ ويتدفقنَ كنبعٍ صافٍ باتجاه ( الجراديغ ) على أصوات أهازيج داعرة . تنهد : آه ما أجملهنَّ حين يتوزعْنَ أثناء عودتِهنَّ ليلاً على شوقِ الأحبةِ وتمتصُّ  لهفتَهنَّ سفوحُ القصب الغارقة في الظلامِ . تزاعقت الأعرابُ في الجوار . صُودِرَ الهدوءُ .

اهتزت حنجرتُه :

أيها الجيرانُ يا نتاج الصلوات الفاسدة ، يا مَنْ ضبّبَ وجهَ الظهيرةِ طغيانُكم ولم يدرككم ندمُ ، يا مَنْ قاءتكم الأرحامُ خطأً في صمت ليالينا ، ثم بارك الربُّ إيمانكم حتى عاشرتكم المهانةُ ، ارحموني فلستُ منكم ، ولستُ مبجلاً طرائقكم ولا مسترشداً بنور أحدكم .

أيها الأعرابُ لقد خلطتنا المدنُ في دورةِ أيامها كخلط التِّبر بالتّراب فانطفأ الوهجُ . أنا طفلُ الحكايات التي مضغتها الجداتُ مراراً بألسن العارفات ، أنا مَنْ أعاد للنهر عافيةً . أيها الجيرانُ لقد اُستلِبت خلوتي وجاوزت فظاظتكم ظلال صحوتي إلى هجعتي .

أيها الأعراب كان الأنغوليُّ نقيَّ الطويةِ ، صادقَ الرغبةِ ، من دكنتهِ تطفحُ خمرةُ الخجلِ في إناء الليل ويستنجدُ به السّحرُ دليلاً نحو تخوم الفجر . أمِن رقائق الذهب جُبِلَ الأنغوليُّ وجبلتم من رماد ؟ لم يسمع الأعرابُ ما أطلقَ جابرُ من شتيمة . مضوا في غيِّهم ومضى معتملَ الجائشة :

أركبتكم جنيةُ العقلِ وطافت بكم وديانَ المتاهةِ بعد أن عافتكم الديارُ ولفظكم الأهلُ ؟ المدنُ تتشابه يا أبناء جلدتي كما تتشابه الفروجُ . لِيَعُدْ إلى دارهِ مَن كان منكم في مأمنِ . سيأتي الليلُ وتقتلع أركانُ حجرتي فالأنغولي يجتاح المرأةَ اجتياحاً . إنه عاصفةٌ سوداء لا تسكن إلاّ إذا وضعت خِلاسياً يُدَبِّج نهارات برلين بسمرته أو تُلوى أعناقُ القرنفل في الصالات . هذه سليقةُ النطِّ . هذا رقيُّ الوطءِ . لا تحفل الأنثى إلاّ بالنطح . نُط ولط أيها الأنغوليّ فمنتهى الفسق عبادة .. لا تترك جسداً يتلظى شوقاً على أسرّة اللذّةِ ، أبحر في اللجّة ، في طولِ القامةِ ، فللألمانيات أجسادٌ ساحرةٌ .. لهنَّ أرشق قاماتِ الأرض على الإطلاقِ . أثداؤهنّ عصافير بريّة ، سيقانهن رخاءٌ فردوسي ، أنوفهنّ كبرياء ،شفاههنّ رقة . احرث أيها الأفريقي فهنا لا يرفّ جنحُ رقيب ، لا تمر سحابة كاذبة ، لا تموت نبتةٌ من عطشِ . سيأتي الليلُ حاملاً نعشَ امرأةٍ ذُبِحت فجراً ، دُفنت ظهراً ، سيدخل رواقاً مكتظاً بالأرواح ، سوف تتساءل تلك الأرواح عن سبب الذبحِ .

سيجيب الليلُ :

أدمنَ التركُ غسلَ العار ، حينئذٍ ستخرج عاريةً ، نائحةً ، لاطمةً . ستشق سترَ الظلامِ آكلة صدورها . حينئذٍ سيندلع لهبٌ ومن حولهِ ستحومُ ملائكةٌ ، أشباحٌ ، أرواحٌ ، وبراءة عارية ، سيحوم صِبية وصبايا . بعدئذٍ ستخرج من بين زرقةِ اللهب أجنةٌ ، ستردد أغنيةً متمردةً و قبيل انقضائها ستندفع من ذات اللهب سهام الخلاسية بثوب أزرق شفافٍ ، ستقود الكائناتِ عَبْرَ اللهبِ إلى مقبرةٍ بلا  شاهدات .

*   *   *

مخيلةٌ توسدت ذراعَ الأرقِ وهامت في مَسَالِك الكونِ تبتغي شجراً شُلّت يدا طاعمه . مخيلةٌ تفجرت ينابيعها وجرت نهراً بآلاف الضفاف . نَفْسٌ انصلبت على بابِ الذهولِ هتفت باسم أحبابِها . نفحةٌ من نسمةِ الصبح بلورت أدمعَ الحنين ونثرتها على الوسائدِ . ضوءٌ فاض دفئاً وغمرَ جسدَ الشرفةِ التي باتت وحيدةً . سكينةٌ شعّت من عيون طفل غادر كنفَ أمّه ، المولعة برجالٍ خشني الطباع ، إلى الرصيف . جابر المسحور اكتشف رحيلَ النوم إلى

 

أقصى المجرات منذُ مجيئه برلين . الأعراب في الجوار صرعى الأفيون . الإنغولي في الطابق الأعلى أنهكه التناسل .    خرج جابر إلى شارع الآبار وقد تصلّب عودُ الصبحِ . تلقفته الأشياءُ والكائنات التي نادراً ما تستجيب لغريب : ببغاءُ رَبَضَت في قفصٍ تصدّر واجهةً لمحلات بيع الطيور داعبته برقةٍ : سهام .. سهام ، إله النخيلِ . جفلَ جابرُ ، فزع جابر ، تماسك جابر . طالبها بتكرار القولِ ،صمت الطيرُ . في المحل المجاور وقفَ بائعُ الساعاتِ حائراً أمام تعطل الوقت في عقارب ساعاته . امرأةٌ مرّت مروراً عابراً ، تفوهت سريعاً : وجدوا طفلاً خلاسياً ميتاً في أنفاق المترو. انتفض جابر ، تابع المرأة التي ولجت محلاً للزهور وارتدّت خائفةً ، صائحةً : ما قيمة الورد الذي نزفَ عطرَهُ ؟. في النفق مخمورٌ توسد قنينةً فارغةً ، فتاةٌ ملونة ُ الشعر ، موشومةُ الجسدِ ، انبطحت على الدركةِ الأخيرة تاركة تنورتها تنحسر إلى سرّتها ، متناسية أنها بلا لباس .

جاء المترو :

جوقة من غجر رومانيا تهزُّ العربةَ ضجيجا ً

رجلٌ تأفف ضجراً

صبيٌّ يُطعم أمه في كرسي المقعدين

طفلٌ يوزع النظرات بين الغرباء يلوذ بحضن أبيه

شابان يتعانقان بحرقة

شيخٌ يداعب كلباً

عجوز تحل الكلمات المتقاطعة

فتاةٌ تقرأ كفّاً

نازيٌّ يُلوّحُ للغجر بسكين .

أين المصور الجوّال  ؟

تساءل في سرِّهِ :

لماذا متّ أيها المصور الجوّال  ؟

أضاف :

برلين لا تهتم بالمصور الجوّال . لم أرَ واحداً في أيِّ مكان . توقف المترو . نزل جابر . وجهٌ أليفٌ أشرقَ في سمائه وشعّ فرحاً . سيدة المطعم رفرفت بجناحين ذهبيتين ، أخذتها الفجاءةُ وسلكت سلوكاً ملائكياً :

نسيتُ أن أطلبَ عنوانك ، انتظرتُ عودتك ولم تَعُدْ  .

ما شأنك بعنواني يا ملكة الإغريق ؟

سؤالٌ حيرني .

ما هو ؟

بماذا تتطيب يا هذا ؟

بلا شيء فالماءُ أطهر من كلِّ عطور الدنيا .

لا أصدق !

لماذا يا ربةَ الرقص ؟

لأنّ رحيقاً فحولياً يتأرّج به جسدُك يغوي النساء حالما يلتصقن بك . هل أدركتكِ الغوايةُ ؟

أجل ولولا الحياءُ لأخذت وطري منك تلك اللحظة .

طأطأت خجلاً

لا تخجلي يا أميرةَ الحسنِ فأنا لم أُنَبّه إلى هذا من قبل ، وسهام الخلاسية عندما أحبتني حتى الموت لم تُفتِ بفتوتها .

لا تخجلي يا أغنية الهيام فأنا قادمٌ الليلةَ على براقِ انكساري .

ربما استمالتني النساءُ وأنكرني الرجال لكن لا دراية لي بهذا الرحيق الناضح الذي تحدثتِ عنه .

لا دراية لي بهذا الكمِّ الهائل من النفحِ العطريِّ واللفحِ الحراريّ  المُتسرب من جسدي إلى جسدك .

لا تخجلي فالليلة سنشعل سماء المطعم بحطبِ الصندل والأبنوس .

أ أنتِ الصندل والأبنوس وأخلاطٌ من مطايب أخرى ؟

أتغادرينني ؟

أجل غادريني و أوقدي الشمعَ في صحون الليل لكي تلتمعَ ساعةُ البهجةِ أما أنا فسأكمم تحتي لئلا يصرخ لحظةَ العبادة .

وأنتِ ما أنتِ فاعلةٌ حين تنزّ مياهُ جوفك ؟

هذه برلين مدينة الغرابة والغواية ، أمواتُها يتوارون بصمتٍ ثم يُطلّون من رؤوس التماثيل مثل آلهةٍ خالدة . أحياؤها يُزَفون صبحاً بعد معاشرةٍ وإنجابِ ، يُزَفون مثل ورودٍ سُقيت بالأنخاب . مدينة الخليط من الأجناس . كلما اشتدتِ الشموس يتعرقُ صيفُها لآلئ على أعمدة النحاس . شتاؤها مرايا للنفوس . متقلبة الهوى كأمزجةِ أهلها . غادريني يا سيدة المساء . تقطَّري وتشذّي في دورقِ الظلام فأنتِ حزمةٌ من عُروق البرِّ تتفوح كلما تندّى جبينُها وكلما تغمدت آبارُها بماءٍ مقدسٍ . إليكِ سأطيرُ يا فراشة الحاناتِ لكي تَصبِّي في كأسينا بلسماً من سحر اليونان أو سائلاً مكثفاً من عودِ الريحان أو دمعةً أُريقت في لذّةِ العناقِ فأسكرت كوناً أضنته الصحوةُ  فأنتِ وربّ الخمرةِ مَن يسدّ منافذَ الجَفْوةِ  ويطرد غولَ الغربةِ . غادريني يا أعذبَ صوتٍ وأحلى طلعة جلتها يدُ الخالقِ وأهدتها للبشرية على طبقٍ من ياقوت . غادريني فأنني مهما تغزلت ، أطنبتُ وصفاً وكلت مديحاً ومهما بالغت ثناءً فأنك لم تصمدي أمام صورةِ سهام ولن ترتقي شعرةً فوقَ ساقِها .

غادرت سيدةُ المطعم بأبهةِ الأميراتِ يجرُّ مركبتَها جوادٌ أبيض نحو الحلم . غادرت ولم يبقَ منها غير اعترافٍ فاضحٍ أدهشَ جابر وكلّله بهالةٍ من غرور . تساءل :

هل يُعقَل ما أدلت به اليونانية ؟

مضى مأخوذاً بنفسهِ ، مخطوفاً بالاعترافِ  ، منتشياً ، متناسياً ما قاله الطيرُ ، ما فاهت به المرأة العابرة ، متجنباً حيرةَ الساعاتي،

منشغلاً برحيقهِ أو عبيرهِ الذي هيّجَ أُنوثةً ربما كانت خاملةً ،  خامدةً ، أولم تستعدْ لنشاطٍ محموم . لامَ سهام التي صارت صَنْو روحهِ على إخفائها ما باحت به فتاة المطعم : آه يا سهام كم كنتِ قاسيةً معي . وجدها مخلوقاً سامياً لا يستحق اللوم ، فأكبر فيها عِزّةَ نفسِها وشموخها وتساءل :

هل أخفيتِ شبحَ اللوثةِ في عفّةِ القديسات وتلسعتِ بنارِ محبةٍ خالصةِ الوفاء ؟ فنساء الغرب لا يخفينَ شعوراً ، لا يكتمْنَ أنّةً ، لا يجاملْنَ في لذّتِهنَ ، عاريات الأجسادِ والسرائرِ ، لا يتواريْنَ خلف حشمةٍ زائفةٍ ، لا يتخمرْنَ لإله ، لا يرتجفْنَ أمام رجلٍ أو يسجدْنَ له ضارعات ، فتلك مصائب أودعها الربُّ في أرْدِيَةِ الشرقياتِ ونأى بكرمهِ نحو هذه التخوم  . اغْرقي في رحمِ الفرقةِ وابحثي عن نطفةِ الخيانةِ ستجدينها متجليةً في حدقةِ المدينةِ . تمرغي بوحلِ الجذور ِ، فلأشياءُ تبقى ناقصةً ولم تبلغْ تمامَها . الكائنات مهما انتفخت لم تبلغ كمالَها وحين تذوبين في أنساغِ النخل سيطرح ثمراً خِلاسياً . تلك أُحْجِيَّةُ الخليقةِ ، سقطةُ الخلقِ ، نباهةُ الخالقِ . هاجرَ النومُ وفاحت رائحةٌ ،هذه خطوةٌ للمحنةِ طُبعت على طريقٍ شديدة الإنحدار ، صيحةٌ خلخلت خمولَ الوحدة ، دفعةٌ في ظهرِ الغفلةِ . ستمضي الليالي قاهرةً ، مرتديةً وبَرَ القتلِ . لا تلجمي خيولَ الشوقِ حين تشرع بالصهيلِ . دعيها تهرش ديدانَ رأسي ، تُحطِّم سقفَ صمتي ، تحرثُ أرضَ يأسي . دعيني أُلاقِها مجردَ اللحظةِ ، نافدَ الصبرِ ،  تسبقني لوعتي ، لأشهر أمامَ الملأ وردةَ حتفي . أعتقي طيورَ الدهشةِ التي أغوتها المسافةُ وتوغلي في عمقِ الفيء إلى وطنٍ انتزعت حُروبُهُ حناجرَ البلابلِ وصادرت طربَ التيجان . توغلي عَبْرَ بوّابةِ البادية إلى وطنٍ لم تبقَ منه بقيةٌ أو تدخلي من فمِ النهرِ إلى جسدٍ مزقته نصالُ الطغاةِ  . لم يبقَ سوى الموتِ على أبوابِنا هاتفاً ، لم نسمعْ غيرَ زئيرهِ . لم نشم غيرَ روائحه . فلتدخل أيُّها الموتُ المجحفل بالضجيج والفجيعة فنحن لا نحفظ غير نشيد الندم منذ أنْ غادرنا النخيلَ وظل باكياً .

*   *   *

قاءَ الألمانُ تحت وهجِ الشمسِ بعضاً من رغوةِ الحقدِ وغادروا الأرصفةَ إلى دورٍ سدّت بوجه الحروب  أبوابَها واشرعت نوافذَها على المجهول . نزعوا إلى التطهر بأفياءِ السكينة في حدائقَ تعرت أجسادُها وترذذت بما أنتجهُ المسامُ . أشاعوا صقيعَ نسائهم لِمَنْ ينحته على الرخامِ أو على الجدار  الذي هوى وظلّ في النفوسِ قائماً . هل يتعلم الألمانُ درساً في الحبِّ وآخرَ في السلمِ؟ حتى تخترق مُدنَهم جداولُ الصحوةِ وتحرس سماءَهم بذورُ الأُلفةِ ؟ فالغرباءُ النشطون قادمون من أقصى التضاريس لاقتلاع جذرِ الرغوةِ . الغجرُ قادمون من أعلى أكتاف التوحش بجوشن الغوايةِ ،

طعمِ التهتكِ ، جنونِ الضفائرِ وبرقِ عيونٍ جلاهُ الترحالُ . السلافيون من وهدةِ انهياراتهم قادمون بكلِّ الحطامِ الحلمي الذي بعثرتهُ العواصفُ . الفُرسُ قادمون بحفنةٍ من رمادٍ خلّفتها نيرانهم التي التهمت أجملَ الحضارات . الأتراك ينبشون في صناديقِ تواريخهم التي امتلأت مفاسدَ . اللاتينيون يعزفون على أوتارِ محبتهم جموحَ الرغبةِ ويمرون من تحت الأجفانِ ومضاً راقصاً ، محبباً . الهنود المعبأون في توابيت مهربةٍ يصدمون أُنوف الموانئ.

تدفقت نَفْسُ جابر :

أيها الألمانُ ما أسعدكم ! حيث لن تسعوا إلى خفايا الشرقِ بعدئذٍ فهو آتٍ برمتهِ ، حافياً ، ذليلاً ، خانعاً .  سيصطافُ في حاوياتِ قمامتكم . ستأتي القارّاتُ زحفاً على بطونِها : تسفح أفريقيا دكنتَها في شوارعكم ، ويفلق عيونَ آسيا الذهولُ حين تتفرس في شقرتكم وتكتشف ثراءَكم . عندئذٍ ستحمل أثقالكم ، تُبخِّر ثيابكم ، وتمسح أحذيتكم من غبار تربتها . ستفجعنا الرؤيةُ أيها الألمانُ حينما نستيقظ على ضراعات الرشيد في ساحةِ الكودام يستجدي رغيفاً . سوف ينسفُ أفئدتَنا الألمُ حين تقف شهرزاد على قارعةِ الطريقِ في شارع ( أورانين بورغر ) مع صفٍّ طويلٍ من العاهراتِ بعد أنْ تفرَّ من شهريارها في الليلة الثانية بعد الألفِ . عندئذٍ هل يطلُّ وجهُ

داود من خلف نجمتهِ المحفورة في صدر المعبد أم يتسلق القبةَ المذهبةَ ويبتسمُ شامتاً * . تراجع تدفقُ نَفْسِ جابر مع حلول ظلِّ المساءِ وحانَ وقتُ العودةِ .

صاحَ بصوتٍ مرتفعٍ :

إلى أين يا جابر المسحور ؟ أتذهب إلى سيدة المطعم حيث تعبث بالرحيقِ أم إلى حجرتك المسكونة بالزعيقِ ؟ وفي أيٍّ من هذه الأنحاء ترمى جثتك ؟ فهذه المدنُ لا يحل شكيمتَها انسكابُ دمعةٍ ولا يندى جبينها حين تغمره ببصقةٍ .

تعارضت الأسئلةُ في متاهةِ جابر . ظلَّ حائراً متردداً . ساعتئذ حَسَمَ نزفُ العبيرِ مسارَ خطوهِ .

 

*  *  *

 

في المطعمِ اليونانيّ أَنَّ النورُ من وهنٍ

وتلوّت ذوائبُ الشمعِ

في المطعمِ انتظرتِ المقاعِدُ روّادَها وتزينتِ الحانةُ :

ارْتَدَت حريراً أزرقَ وتكللت بطوقٍ من عيونِ القرنفل

 

في المطعمِ دقَّ الرقصُ خصرَ امرأةٍ وجرى الدفءُ في نهرٍ ارجوانيّ حتى اختمرت الضفاف .

في المطعم شبحُ إلهٍ أسبلَ جفنيه دلالاً

احمرّت وجنتاهُ خجلاً وتبتل

في المطعم كونٌ مخمليٌّ هيجتهُ الزفرات :

جسدٌ لم يُخلقْ للّمسِ

أُذنٌ تُخدش بالهمسِ

عينٌ إذا فاجأتك ، صرعتك النظرات

فمٌ قرمزيٌّ

إنْ أبحرت دهراً في طلبه أنكرته الجنّات

في المطعم طقسٌ للسوسن

في حضرةِ نبيٍّ تتلى عليه الصلوات

قالت :

سيدي ستسبح الليلةَ في بحر المخملِ

لكن أحذر فالموجُ خَؤُونٌ

لا تخرق قانونَ الأشياء

لا تهتك قاعدة الأسماء

فأنّ النهرَ الدافئَ ملكٌ للأحياء

قالت :

سيدي فلنختزل المسافةَ

إنّ الوقفةَ خلف الأحراشِ

تحيلك طيراً مذبوحاً

والصحوةَ فزّت منذ الصبحِ ودخلت جسداً مجروحاً

قالت :

سيدي فلنسكر

انتحر الشمعُ في قاع اللوعةِ وتبخر

رفسَ المقعدُ كأسَ الحانةِ وتعثر

ذابَ الحريرُ في صمتِ الطوقِ وتحجر

قالت :

سيدي فلنظلم

إنَّ الظلمَ في بعضِ الأحيانِ نشوةٌ

والنشوةَ في بعضِ الأحيانِ شهوةٌ

قالت :

سيدي فلنفعل

لامسَ الطلُّ وجناتِ الليل فتشجر

والجمرةُ صعقت تنوري فتَسَجَّر

قالت : سيدي فلنفعل

جابر يستجيب لنداء الروحِ ويغزو

يحتل جسداً مشبوباً

يُطوِقُ أفراسَ الإغريقِ ويروي أرضاً مهجورةً

فرسٌ تكسرُ طوقَ الأسرِ وتصهل

يرتج المطعمُ والنورُ الواهنُ  يختلُّ

قالت :

سيدي روّضني ، فالغور العاصفُ يقتلني ، والحوت اللابط  يهزمني . ساعةً تصحو الأشياءُ على حطامِها ، النادلُ على انسحاقِها وجابرُ المسحور ترجل .

قالت :

سيدي فلنرحل !

*   *   *

غبشاً خرجَ جابرُ مترنحاً ، مبعثرَ الخطوةِ ، مشلولَ الفكرةِ  ، ومن أجلِ إطفاءِ جذوةٍ في الظلامِ أَهْدَر أريجَ العمرِ في طبقِ  الغلطة . غبشاً خنقهُ حبلُ الصحوةِ . فهل يعودُ إلى حجرةٍ فتك بها الأرقُ وسامرت الأنجمَ  ، حجرة أدمى الأعرابُ خاصرتَها وحطمت غِلمةُ الأنغوليّ هامتَها ؟

نبتةُ سوءٍ اعترضت ليلي

هتفت نفسُهُ

صيحةُ جنيٍّ خرمت رأسي . لن أعودَ إلى حجرتي بما تبقّى من الوقتِ سأجوب ما استطعت من أرض برلين . وحيداً سأنزفُ مرارة غربتي . وحيداً أتشظّى مثل غيمةٍ كاذبة . وحيداً أقيء خطيئتي ، ووحيداً أسمو على تفاهتي . سأرى القيامةَ بعين النزوةِ ، وبرلين هي القيامة ، حيث لا طارق يطرق بابي ولا امرؤ يخصني بالتحية . إنها الجفوّةُ إلهي وبرلين هي الجفوّة ، متجهمةٌ ليلَ نهارَ ، متوترةٌ صيفَ شتاءَ ، متحزمةٌ للشرِّ من الشروقِ إلى الشروق ِ. سأحملُ نعشي وأمضي وحيداً دون الأغرابِ ، فالأغراب بالوا على نظافةِ أوطانهم . سأزورُ حوريتي الساعةَ ، أسألها عن سببِ القتلِ ، عن طرقِ الدفنِ  ، عن العفنِ المنقوش على السرائرِ ،عن الأرقِ الجلاّد لعيني . أسألها : هل أحجز نفسي كالجنين في الرحم ؟ سيأتي الباصُ الملعون ويحملني إلى نبتون فأنا بصقتُ على كلِّ التماثيل التي أُغرِقت أفكارُها في الطين ، سخرتُ من وجوهِها البلهاء التي لا تعرف للنطقِ سبيلاً ، هزِئتُ من قاماتِها الميتة . ماذا لو كانت كحوريتي التي جُبلت من نطفةِ العقل  . ها قد جاء الباصُ. ستحملني أيها البليدُ إلى غايتي عَبْرَ الطرقِ المزروعة بالخيباتِ  ، لأرى نصبَ النّصر لشعب لم يتذوق طعمَ النصر  ، لامرأة تتجنح بالعهرِ . استمني أيتها الشعوبُ المغفلةُ بوتدِ النصر . امضِ أيها الباصُ الأحمق نحو قبعةِ القائد  ، عجبي ! . . كيف شُيّد قصر الثقافات العالمية على هيئةِ قبعة القائد ؟ خسئت ثقافة مارست

لواطَها تحت القبعة وخسئ المثقفون . أُبحر أيها المجنونُ إلى بوّابة براندنبورغ  ، أسرعي أيتها الدابةُ إلى حجرِ العثرة ، ستبقى البوّابةُ تقضُّ مضاجعَهم . هنا رقص الألمانُ على جسدِ الغلطةِ . هنا بدأت الفرقةُ . هنا دقّ ناقوسُ الأسفِ وهنا تبددت كرامةُ المدن.

توقف الباصُ في ساحة الكسندر . نزل جابرُ ، هرع نحو حوريتهِ ، وجدها جالسةً بأبهةِ الحوريات . طوّق عُنقَها . وضعَ رأسَهُ على رأسِها .. بكى .. تزحزحت من مكانها .. مالت نحوَه ..  عبثت بشعرهِ  قالت :

ما بك ؟

أجاب :

أغيثي أيتها الحبيبة غربتي . لقد هجرني النومُ ، قاتلني الأرقُ وتعاظمت خطيئتي ، ثم نضحتُ رحيقي وتشظيتُ ، تحطمت  ودختُ . ابتسمت الحوريةُ .. إلى حضنِها حملته .. قرّبت وجهَها من وجههِ .. قبلتهُ ، نطقت :

مازلتَ فتياً

جئتُ أسألكِ عن أسبابِ القتل ، عن سبلِ الدفن ، عن جيفِ الطويةِ. هدلت مثل حمامة :

هذا كثير يا جابر . لم يمضِ زمنٌ على لقائنا حتى طفحَ إناؤك ، طقَ روحُك ، ونفد صبرُك . لا تخف يا جابري ، سيأتي النومُ ليلةً ويذهب الأرقُ ، يلتئم جُرحُك وتنضمُّ أجزاؤك ، ستبرئ من الخطايا . فرِحَ جابرُ ، ضمَّ رأسَهُ في صدرها ، استنشقَ عطرَها  ، مررّ يدَهُ على خدِّها .

قالت :

لا تقطع عني فأنا ساهرةٌ من أجلِك . نزل جابرُ عن حضنِها ، وقفَ أمامَها وكأنه لم يصدق حوّاسَه .

تساءلَ :

ألم تكوني سهام الخلاسية ؟

أجابت بهدوء :

ألا يكفيك حناني ، فأنا لستُ هي على أيةِ حال  .

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

اغْرقي في الطلِّ

أيتها العطشى

ثم تعلقي

بسويق الغيابِ

هل غادرتك الركبانُ

في صمتِ الوقتِ

وجاوزتك القدمُ

إلى طقس الوصول … ؟

أنتِ زهرةُ التوحشِ

غيبتها الرمالُ

أنتِ قامةُ النهرِ

أحنتها المعابِرُ

أفيقي إذن

على جانب الوصلِ

 

*  *  *

 

مسٌّ أصابَ الشلهةَ حين خُلِعت تيجانُها وأُطفِئت زرقتُها ، فخرجت عاريةً تعترضُ مجرى الماءِ . حينئذٍ فرَّ كونٌ نضِرٌ خلف الأسوار .. حادت عنها السفنُ وغادرها الطيرُ .. رحلَ الأهلُ وسهامُ التي لم تكف عن النواحِ  ، عن الصراخِ  ، عن النحيبِ  ، حتى إذا ما نزلت البصرةَ ، أقامت مأتماً للخلاسِ ناح فيه المغني صانع الشِّباك .. مأتماً للثواكل والأرامل ، للنادبات حظوظَهنَّ والمفارقات أحبابَهنَّ ، للمستباحاتِ على امتدادِ الوقتِ والمهتوكة أعراضهنَّ ، للمنكوبات بأعزائِهنَّ والمسلوباتِ من فرحتِهنَّ  .. مأتماً لصبايا أفسدت بيوضَهنَّ الحاجةُ ، لعذراوات فضّت غلالاتِهنَّ الفجيعةُ ، لحاملات أجهضَ الخوفُ بطونَهنَّ .. مأتماً تؤمه خفايا الأنحاء وتُسْفَحُ في سواقيه دموعُ اليتمِ ، للبصرة التي خُربت للمرة الألف ،‎‎ ذُبحت وأُبيدت أمام عينِ سهام التي صارت ناموسها . عصراً تفتح أبوابَ المأتمِ للقادمات بشوق البكاء ، المتلفعات بالصمت والسواد ، للجاثيات على  جوعِهنَّ ، المتدرعات بالصبرِ وخيط الأمل . يتهدجُ صوتُ النائحِ في وحشةِ السكينة وتمتلئ جداولُ الدمعِ تحت أفياء أرواح معتملة بالصراخ والعويل . وحين يأتي الليلُ وتُسدل أستارُ ظلمته تخرج سهام عَبْرَ شعاب البصرة تطرق الأبوابَ باباً تلو البابِ ، تُضمِّد الجروحَ ، تزيل القذى من العيون وتجمع الصلوات للذي تاه في المسافة وتلاشى سحره .

 

 

لكن سهام شاهدت ذاتَ ليلةٍ طائراً أزرقَ ضخمَ الجثةِ ، طويلَ الجناحين لا يشبه كلَّ طيور السماءِ ، يهبط في قاعِ المأتمِ يشرب جداولَ الدمع ، ينتشي ، يقهقه ويقلع .

تقول بعد أنْ أكلَ الحزنُ حشاشتَها  :

واللّه ما خفق جنحُ الطيرِ إلاّ على محنةِ العبادِ ، ولا شربَ الأدمعَ إلاّ إمعاناً في ذلتهم ، فما ولِدَ طفلٌ إلاّ وخنجر الموتِ في خاصرته ، وما مات شيخٌ إلاّ وكان روحُهُ ينزف دماً على مَنْ  وِلِد . ظاهرةٌ ألغت الظواهرَ حتى سملت عيونُنا  .

حين يندلعُ الدخانُ نتصاعد مع ذراتِ الرمادِ لنحتمي بها ومعنا كلّ المهود التي استقبلت الأجنةَ توّاً . نعود مع انحسار الدخانِ لنجد الأمهاتِ المرضعات جفّت ضروعُهنَّ  وانزرعت رؤوسُ الرجال بين جذوع النخيلِ أو انكتبت على سطحِ الماءِ فجاءنا الهلاكُ من كلِّ مُنْقَذَفٍ ، خارجاً من ألسنةِ الدعاءِ :

جُعلت مدينتُكم  خراباً ، أرضُكم يباباً ، ونحلتُكم هباءً . سَملت عيونُكم  ،  مُسخت وجوهُكم  ، مُسّت عقولكم ، وانصبت عليكم اللعنةُ إلى يوم الدين .

 

لماذا تضافرت علينا الضغينةُ وتربصت بنا العداوةُ حتى صرنا : حطباً لحريقِ ، تراباً لطريقِ ، وسجناً لطليقِ . . ؟

صمتاً يا أهلَ الدارِ

صبراً يا أهلَ البصرة

فأنتم جوهرةُ الزمانِ التي ما انجلى أديمُها ولا شَعْشَعَ بريقُها . أنتم سرُّ الكوكب الذي يغري النفوسَ الباحثة  وثمرةُ الجنةِ الوحيدة التي إذا ما أُنقعت أسكرت الربَّ وملائكتَهُ وطلبَ أرضَكم مهبطاً . أنتم    خمرةُ الخلودِ ، أيها الخلاسيون ، التي ما تُحتسى إلاّ من الصدور.

تسكت هنيهةً وتهتف :

دُفِنّا أحياءً وجُلدنا تحت وهجِ الهجيرةِ ، أُغتِصبنا حتى انفلقت أجسادُنا وزهقت أرواحُنا ، سُبيْنا ، بُقِرت بطونُ بعضِنا وفُقِئت عيونُ بعضِنا ، ثم تُوجِرَ بنا في سوق الرقيقِ ، حتى لم تَعُدْ منّا امرأةٌ بقفةِ العِفّةِ ،  ولا رجلٌ يتحدى بنظرةِ  ، ولا صبيٌّ يلهو كالصبيةِ . أيها البصريون امنعوا الرطبةَ من السقوطِ ، والنّفسَ من القنوطِ ، الفرسَ من الكبوّة ، والمرأةَ من الشَقْوَة . أيها البصريون ، لقد رأيتُ الطائرَ يملأ أرضَ المأتمِ فجوراً ، يشرب الدمعَ ويستمني فخوراً ، يتضاحكُ ، يتغامزُ وكأن النسوةَ استسلمْنَ عارياتٍ بينما لم تبقَ في المأتم غيرُ الروائحِ .

تصمت سهام ، تنتحبُ ، تشهقُ وتعاود الحوارَ :

ما قبل موت المصور الجوّال ، كانت البصرةُ رِئةَ النخل والماء ـ  جابر مازالَ صغيراً ـ ومرتعاً للقادمين من أقصى السلالاتِ على ظهور البوم * . هاجمتنا ذات مساءِ طيورٌ كثيرةٌ غطّت وجهَ  السماء . لم نتعرف على أشكالِها ولا أحجامِها ولا ألوانِها لكنها استنفرتنا تلك الليلة حتى الصباح وهاجرت . يومئذٍ لم تبقَ ثمرةٌ إلاّ وفسدت ولا نهرٌ إلاّ وتأسن ولا بكرٌ إلاّ وافتُضّت  ولاهواءٌ إلاّ وصار خانقاً حتى نفقَ الدوابُ وهجّ الطيرُ الداجن . لكن الأمرَ لم يَدمْ طويلاً . وقتئذٍ طُلِب من جابر المسحور أنْ يَلمِسَ الكائنات أو يمرّ فوقَها وينتهي الأمرُ إلى ما كان عليه .

كبر جابر . .

رويداً ، رويداً ، صار يفقدُ من سِحره الكثير . .

رويداً ، رويداً ، نُبِذَ جابر . .

رويداً ، رويداً  ، أُدخلَ في نفقِ الشقاء وكانت اللعنةُ نصيباً .

أين أنتَ يا جابري  يا حدقة العين ؟

ناحت سهام :

طال ليلي ودُقَّ عظمي ، ومن فجوةٍ في مئزرِ السحرِ أُطلُّ ، أرقبُ السفرَ المخبول لعله يحملك أو يحمل صورتك . أقول سيأتي جابرُ

 

 

خلسةً ، أو أنه صمتَ يبغي الفجاءةَ . أحياناً أحتال على يقيني وأزعم : ربما لم يرحل ، فالسفر مازال مهتزّاً على وجهِ الماء.. مازال مربوطاً إلى وتدِ الرملِ .. مازال جاثماً على الإسفلت .. السفرُ أخّر سفرَهُ

بعدئذٍ أخرجُ من استغراقي لأدخل في الصدمة :

الواقعُ لوثة يا جابر

الحقيقة جنون يا جابر

الصحوةُ مُرّةٌ يا جابر

مَنْ يعيدني إلى غيبوبتي

مَنْ يدخلني جوف الحلمِ

مَنْ يا جابر ؟

*   *   *

كلُّ صباحٍ تستيقظُ على همسِ أكفٍّ يُهَدْهِدُ جسدَ الخلوةِ ويداعبُ غُرةَ البابِ . تخرجُ مُضمخةً بماء التوجسِ ، لم تجدْ للهمسِ أثراً ولا للأكفِّ ختماً ، لم تجد غيرَ عبيرٍ فوّاحٍ وجُلّةٍ مهرتها الحياةُ بثقل العطاءِ . تأخذها بصمت وتفرقها على الحاضرات كلّما حلّ الغروبُ وأزفت ساعةُ العودةِ بعد رحلةِ النشيج  .

هذا الصباح لمحت صبياً أشبه الخلق بجابر ، يفرُّ من وجه الباب . نادته :

عُد يا جابر لقد أسرفت بالتخفي وغمرتني الريبةُ .

عادَ الصّبيُّ مثل نبيٍّ أسير . امتثل أمامَها . قال :

لست جابر المسحور .

مَنْ تكون إذن  ؟

صمت طفلُ الصبحِ . عبث بخصلةٍ تكسرت على فودِها . قبّلها ، نطقَ :

ستجدينني في كلِّ ضائقةٍ .

مضى الطفلُ وظلت سهامُ ذاهلةً بعض الوقتِ . بعدئذٍ تذكرت إنّ جابرَ المسحور لم يعد صغيراً وإنّ سفراً ما أخذه بعيداً . لكن كيف استطاع طفلُ الصبحِ أنْ يحملَ جُلّةً مرصوصةً ، مليئةً حتى خياشيمها بالعطايا ؟

في تلك الأثناء كانت البصرةُ منفىً وبحراً من جوع . في تلك الفترة ذُبحَ النخيلُ ، نَهرَ الدمُ مخضِّباً جسدَ الخصبِ بحمرةِ الجدبِ . في تلك الفترةِ جفَّ الماءُ وانحنت هامات الرجال للسؤال . في تلك الفترة بالت السماءُ على عِزّة النفوس بولاً حارقاً ، مسعوراً .

قالت سهام :

لقد أهلككم اللّه أيها الكرامُ  ، هتك أستاركم وطوّحَ بأعراضكم ، جففّ ضروعَكم واقتلعَ جذوركم ، أمات أجنتكم وعمّرَ مآتمكم .

مازالت تنظر في جُلّةِ الصبيّ بعينٍ باكيةٍ . مازالت ترد بابَ التفاصيل وتُبعِدُ جشعَ الذاكرة . مازالت تحاول حين خطرَ لها خاطرُ : تعلق جابر بخالتهِ البدينة عدوة السراويلِ .

يقول :

أُرسِلتُ إلى أمِّ قصر لكي أضعَ الطوبَ على حدودِ الماءِ  ، اجمعُ العشبَ في المفترقات ، وأقيمُ الحواجزَ لصدِّ هجمات الحيّات والعقاربِ . كنت صغيراً بدائياً وكانت أمُّ قصر بحراً من الرمل  ، بحراً من الملحِ وبحراً من الوحشةِ . أُسجرُ العشبَ في تنانير الأرضِ وتحت الطوبِ أُشعلُ حطبَ البدايةِ في انتعاشِ الليلِ ، فتفرُّ الحيّات من أجيجهِ والعقاربُ تُحاصر وتنتحرُ . آنذاك لم تكف خالتي عن المجئ ،عن التواصل ،عن السؤالِ . تتنحى جانباً ، تفترش الرملَ وتقتعدهُ ومن ثقلها ، تنطبعُ عجيزتها الهائلة ،  العارية ، على هشاشةِ الرملِ كتحفةٍ أثرية ، عندئذٍ يصرخ الحضورُ في حفلٍ بهيجٍ : اِختنقَ الرمل ُ.

أرفضُ مزحةً تطول خالتي وتُخْجِلُها ، وفي خلوتي أستغرقُ في ضحك طفوليٍّ  يشقُّ شدقيَّ . أستحي من نفسي وأسدّ سبيل الذكرى. ضحكت سهام :

ما أخفّ ظلك أيها الفاسقُ ! فأنت الدعابةُ والمرحُ . أنت الطرافة والفرحُ . أنتَ رونقٌ لديباجةِ الكلام إذا ما انطلق وعذوبته إذا ما

استمر . أنتَ يا جابري ، يا مليك الغزل ، دفءُ المنامِ وسيدُ السَّمر. أنت يا أغنيّة الحمامِ إذا ما هدل وأمنيّةُ الأميراتِ إذا ما اشتهين العناقَ ، يا سحابة الحلم التي استعصت ، نأت عنّا وأبت وَصْلَنا وتأبدت . عبثاً أحاولُ افراغَ أيامي من شجونِ التفاصيل وعبثاً أنزعُ للتجلّدِ . عُد يا نشيدي الذي ما انقطع . عُد طيفاً ، نسمةً ، همسةً ، بريقاً ، عُد يا حبيبي ، يا نهاري وليلي ، يا صيفي وشتائي ، يا مطري وجدبي ، يا حياتي وموتي ، عُد حجراً يشجُّ رأسي ، دخاناً يفلق رئتي ، عُد شبحاً ، اسماً ، أو بطاقة بريد .

خرجت من حطامها متلفعةً بالسوادِ ،متورمة العينين ، تبتغي رجلاً نأى ، وطفلاً جرى ، ونهاراً يقيء الموتَ من بطونِ الشموس على حرير الجسد الذي بَليَ . خرجت إلى ملامحِ المدن التي انصهرت في مرجلِ الموتِ ولم يبقَ غير أنينها . لم يبقَ منها غيرُ رمادِ الأشياء متطايراً . لم يبقَ غيرُ وجه اللّه كالحاً خلف الفضيحة.

السلام عليك أيها الرمادُ ، أطلقت التحيةَ ، المتناثر

السلام عليك يا أجساد الشجرِ

يا أعناق النخلِ

السلام على الهاماتِ التي لم تَعُدْ هاماً

وعلى الأرحام التي لم تعد أرحاماً

السلام عليك أيها الماءُ الذي تطهرت بك الأجسادُ وارتوت منك        الأرواحُ

السلام عليك أيها الرطبُ المخبولُ الذي تشظّى بالدويّ

السلام على القبور التي احتضنت شبّان الجنّةِ من إناث وذكور

السلام على الأحياءِ التي غادرتها الخرائط

السلام على مَنْ ثكلت ، ومَنْ ترملت ، ومَن تيتمت ، ومَنْ تعهرت ، ومَن انحرفت

السلام على مَن أُجهضت ، ومن حبلت

السلام على المعوقين والمعتوهين والضالين

السلام على المراكب حين جنحت وحين احترقت

السلام على الطيور حين أُزهِقت أرواحُها وحين تناثرت أرياشُها

السلام على الضروع حين كفّت عن وليدها

السلام على  البساتين حين جفّت وقوفاً ، وعلى الطين حين تصخر

السلام عليكم يا أهلَ البصرة يا رئة نسفها الخردلُ

السلام على من تجرع العلقمَ

السلام على الآباء الذاهلين ليلَ نهارَ ، الغائرين في فجوات المتاهة

السلام على الأمهاتِ المصلوباتِ على دكاتِ الرجاءِ ، يستغرقْنَ    في الدعاءِ

السلام على من ابتهل وتضرع

السلام على الصبح المحايد

السلام على الذاهبين لحتوفِهم ، والقادمين من دهاليز جهنم

السلام على الأجنة حين تشبثت بجدران الرحم ، تصارع من أجل المجئ

السلام على الدموع التي انهمرت وأمطرت حتى نضبت المآقي

السلام على الأفياء حين تكملُ الدورة ، وعلى الأنهار تحتوي السوْرة

السلام على المدن المذبوحة على مرِّ الزمان

السلام عليها حين تموت وحين تحيا وحين تذعن للأمان

فجاءةً تعطلت التحيةُ مع فجورِ الضحى وخروجِ الشمس عاريةً ، تميس في فضاءٍ غاضبٍ . تعطلت التحيةُ في إثر لفحةٍ من سمومِ لوّحت وجه سهام وطوّحت بفكرها بعيداً في الآفاقِ ، نحو انحناءاتِ المسافةِ ومختصر الهيام ، نحو تخوم الرؤى المستحيلة ومتاهِ القدم . تعطلتِ التحيةُ حين أصرَّ منبثقُ الدم على تلبيةِ رغباتِ المدن ، تاركاً لها مشيئةَ التعطشِ ، زفرةَ الإبادةِ ، تسلكات النهم . ذلك ديدنُ الوشم يتباهى بالتجلي . ستمضي سهام بصباها الأبدي ، حاملةً رايةَ التحدي ، مشعلَ الديمومةِ على رأسِ البصرة التي نُخِبت من جميع أنحائها وطعنت في الصميم ، ستمضي شِهاباً يَفُتّ كبدَ البلوى حتى تترنح . عندئذٍ ستنهض الكائنات من موتها ، تخرج الأرواحُ من استلابها ، والخلاس يغادر الأسر . سهام خفقة الوجود ، خريرُ الدفءِ ، لعبة الصبر ، صمت الرفض ، صرحُ الحبِّ وغدير الأُلفة

هتفت دخيلتُها :

هل يتطبع البصريون على بلواهم حتى يغدو غير المألوف مألوفاً ؟ تلك شهقةُ العبثِ للخروج من كفن الغيبوبة . تلك بداية الظهور. علائم التجرد من أستار الغبار . سيقيء النهرُ أحشاءَه . يسفحها على الأرصفةِ ليظهر الخرابَ جلياً في العيونِ .

اعترضَ خلوتَها صوتٌ حنونٌ :

ـ إلى أين يا جذوة الوفاء تسبقين الريحَ ؟

ـ لست أدري يا خالتي وخالة جابر.

أجابت وأضافت :

ـ ألقي التحيةَ على من لحِقَ به حيفٌ وأتسقط أخبارَ من حاق به الضياع ُ. خرجت يا خالتي أُصلي على قاماتٍ أسجيناها تحت جنحِ الظلامِ وتعطرت من أدمعنا . أسأل الصحراءَ عن شبحٍ أوهمهُ السرابُ أو طيفٍ مرّ في غفلتها . أسأل الماءَ إنْ تعثّر مجراهُ بقادم أسأل وأبحث حتى تكفّ عيوني : كان طفلُ الصبحِ أشبه الخلق بجابر .

اندهشت الخالةُ

ـ يضع جُلّته بخشوعٍ ملائكيٍّ ويمضي .

ـ مَنْ يكون ؟

تساءلت خالة جابر.

ـ لا أدري ، لكن جابراً ظلّ باحثاً عن خرقة المهد في فضاء الذاكرة الشاردة خلف التخوم .

قالت الخالةُ :

ـ أعانك اللّه على محنتك يا بنيتي .

ودعتها ومضت في وحدتها هادرةً :

سَلْ جفنيك المتورمتين اللتين طالهما الأرقُ ستجيبان عني أنني أوصلتُ الليلَ بالنهار . سَلْ رائحتك التي عبقت وتفاقمت ستجيبك أنني لم أَخُنْ ولو في المنامِ . سَلْ حوريتك عني ستعلمك سرّ التناسخ . سَلْ أَفروديت سيدة الحانةِ ستضرب إيقاع جنوني . سَلْ الأعراب عن وهدتي وجفاف نبعي . سَلْ الأنغوليَّ عن الترح الذي يلفني . سَلْ المقابرَ التي أحزنتك أنني لم أزنِ إلاّ بجابرِ . سلْ المرأةَ العابرة عن موتِ طفلٍ خلاسيٍّ ستجيبك : سقط من رحم سهام في محطة المترو . سَلْ الساعاتي عن انتحار الوقتِ سيجيبك أنني لست راغبةً بهدر الوقت بدونك . سَلْ غربتك عني ستنصحك بالصمتِ . لكنني ضيعتك يا جابري في  لُجةِ السؤال واتعبتك بالترحال ، غمرك رحيقُ الشهوةِ وفاتك كبحُ الهفوةِ ، أطنبت وتماديت وأنا بحالِك عليمةٌ ، فارحم فديتك مهجتي ودفق نبضي .

زُلّت قدمُها على درجةٍ في سوق العقيل  . تلقفتها يدٌ صغيرةٌ ناعمةٌ . استقامت ، حدّقت في عينيه .

تساءلت :

ـ أنتَ ثانية يا جابري ؟

أجابها :

ـ لستُ جابر المسحور ! . .

اختفى طفلُ الصبحِ بين خيوط الظهيرة . مرّ زمنٌ ظلّت خلالهُ ساهمةً .. بعدئذٍ أفاقت من صدمتها .. تذكرت أنّ من بين تركات المصور الجوّال وجدوا صورةً لبهية بأبهةِ الحمل كانت أميرةَ

الحسنِ والدلالِ ، الغنجَ المُترّف وإله الإثارة وكانت المشتهى . تذكرت أنّ يدَ الغدرِ طالتها بعد أن وضعت صبياً كان أكثرَ الناس جمالاً وأحسنهم طلعةً . دوخٌ أصابَ سهام . حيرةٌ أفقدتها القدرةَ على التفكير . غشاوة أسدلت على عينيها . صرخت دخيلتُها : انسفوها ذاكرتي المتقدة . بددوا ماءَها هذه المتجنية حدّ الخبلِ ، فعلى سطحِها تتلاطم أمواجُ الحقيقة وفي غورها تجهش بنات التواريخ بالنحيب . اطعنوها رحمةً بما هو آتٍ .  قاتلوها فهي تقاتلني كلّما عنّ لها ذلك . هذه ذاكرة أدمنت عهرها مثلما تدمن البغيُّ بغاءً . ارحموني بذرّة من نسيان أو رصاصة من رحمة . فهذا الصبيُّ ابن ابن بهية التي سلبت عقولكم ، خرّبت بيوتكم واستنفرت فحولتكم .هذا الصبيُّ فاضحكم ، مُقض مضاجعكم ومؤرق عيونكم ، أنه قادمٌ لا محال ، يسدُّ عليكم سبيلَ الخلوةِ ، يقطع وريدَ النزوةِ ، ويثلم ساعةَ الصحوةِ . هذا صبيٌّ خرجَ من نور العفّةِ إلى ظلمةِ النطفةِ ، يقتات من قحط الأرض أصنافاً ، ينزع عن جلودنا أصدافاً ويغيثنا في الشدّةِ . هذا صبيٌّ ينام في بوادينا ، يسهر على ضفافِنا ويدخل في أسرتنا . إياكم والزجرة ، فسوف ينتف لحاكم شعرةً شعرة ، ويطأ نساءَكم عنوةً . إياكم والجفوة ، فسوف يلعقكم من عارهِ لعقةً ، وتنالكم من غضباته غضبةٌ .

تضيف :

ضحكَ الليلُ في كوخِ بهية

حين تضمخت أَنفاسُه من مسك وبخور

وحين رقصت عيونُ الأقمارِ محييةً بائعةَ الطيبِ

ليل تندّى بالهوى وخدرٌ تأوّه أنيناً عَبْرَ وميضِ

انتظارٌ أطلقَ لوعتَهُ في أزقةِ الحيِّ فرنّت في الزوايا أجراسُها  فاضَ الحيُّ بالترقبِ وانتهبَ المدينةَ صفيرُ

فضولٌ عانقَ الأبوابَ وتوزعت الأحداقُ غفلةَ السطوح

هلكت امرأةٌ تختلس ليلاً مترعاً بلمعِ الكواكبِ

قال الحيُّ

وهلك رجلٌ تملّك كوناً

بهية غير آبهةٍ بالنفير

تُبخِّر المدى وتُوقدُ الشمعَ لرجلٍ يمتشق البحرَ ويشقُّ وجه الظلامِ  لرجلٍ يبعث السِّحْرَ ويقتلع الجذور

بهيةُ من فوَّهةِ التحدي ترسل بريقَ أُنوثةٍ وتصرع الرجال

وقتئذٍ كانت الغيرةُ تشرئب من أعناق القصب وتغلي في الصدور وقتئذٍ كانت اللذّةُ تتسلق جدرانَ العتمةِ وترتدّ إلى قعرِ الشخير

وقتئذٍ استسلمتِ الدرّةُ لملك الغوصِ

لرجلٍ أشبه الخلق بجابر

يُطلق خيولَ النسيم في جحيم المتاهة لتتبردَ أفرانُها

لكي يقول بعد غزوته :

هكذا اهتزت أركانُ المدينة السعيدة يا بهية يا بائعة الطيب

يا امرأة إذا أشرقت اختفت الشموس

يا امرأة من نار وعواصفَ وصهيل

يا امرأة من مخملٍ وأنين وهديل

وبهية تُشعل ليلَ الحيِّ حريقاً

تفلق سماءَهُ صراخاً وتتقطر ندىً من الشرفات

بعدئذٍ تتوزعُ في البيوت :

تدخل في ارتجاف الأسرةِ ، في ارتعاش الجسدِ ، في مسام العرق ، في مخيلةِ الخشبِ ، في لهاث البشر ، تتجلّى في الوجوهِ كلاماً غريباً لا تفهمه إلاّ الغيورات ، كلاماً يطحن الأفئدة ويعرّش على وثنِ الحقد نصلاً قاتلاً أو رصاصةً ممهورةً بالخلاصِ . تلك بهية اليتيمة التي لم ترَ أباً ولا أماً ، ترعرعت في بيوت الخلاس ، نمت على موائدهم وعاشرت روائحهم . تلك بهية الجنية ، الآسرة بلا حروب ، الفاتكة بلا سلاح ، المشتهاة بلا رائحة أو زينة . تلك بهية التي لم تكن طلبةً لأحد ، لقيةً لأحد ، ابنةً لأحد ، امرأةً لأحد ، خادماً لأحد ، لم تكن أحداً لأحد والتي صارت فيما بعد كلَّ شيءٍ للكلِّ .

ضحكَ الليلُ في كوخِ بهية وليته لم يضحك ، فمن نطفةٍ انسكبت من ظهرِ فحلٍ أشبه الخلق بجابر علِقت بهية ، كبر بطنُ بائعة الطيب . عندئذٍ عُزفَ نشيدُ الموتِ ، لعلعت هلاهلُ التشفي والغيرةُ قاءت نفسَها في حوضِ الصديد . وقتئذٍ أُلتقطت صورةٌ لبهية في أجمل لحظات تحديها قبل الوضع بليلة .

لامست بطنَها :

لا تزعل يا ولدي فغداً تشرقُ في الأحضان ، وغداً ألثمك في المهدِ

أحنو عليك وتكبر وستلعب كالصبيان . لا تزعل يا فِلْذةَ كبدي فالكوخ العامر تبسم ، والغول الغادر استهوته ضجةُ الركبان . لا تدمع يا جنة عيشي ونعيمي فغداً ستمتلئ الدارُ ويفيض نورُك للجيران ، ستشبّ ويهابك شبّانُ الحيِّ وتشبب بالنسوان . لا تزعل يا ولدي حرستك عيون الرحمن .

المدينة خيولٌ جامحةٌ ، طيورٌ كاسرةٌ ، ذئاب قاتلةٌ ، سيوفٌ فاتكةٌ ، كلاب سائبةٌ  ، رياحٌ زائرةٌ ، دماءٌ فائرةٌ ، أفواهٌ متعطشةٌ جائعةٌ ، عيونٌ نافذةٌ  ، أكفٌّ طاعنةٌ ، أدمغةٌ سكنتها الكراهةُ وتفتقت عن فنونِ إبادة جائرة . مدينة وارثة الأحزان ، صارعة الشجعان . مدينة موغلة بالسفك ، قاهرة ، ساحقة ، مدينة ككل المدن بلا ضمير بلا خجل .

صباحاً أفاقَ الصبيةُ والصبايا على بريق المُدّى تؤرِّب جسدَ بائعة الطيب بهية وتولغ في دمِها الطاهر . صباحاً لم يرَ الحيُّ خِلاسيةً فرّت برضيع . صباحاً تعالت زغاريد النساءِ ، ابتهاجاً بلحظة  الذبحِ . صباحاً لم يبقَ من بهية شئٌ .

بترت أيديكم يا أبناء العاهرات . فسدت عقولكم يا أبناء  الممسوخات . جفّت أرحامُ نسائكم وانقطع نسلكم . راح البعض ممن استنكر الموتَ في دعاءٍ طويل : اللهم اجعل إقامتهم هباءً ، بذورَهم تراباً ، وذريتَهم شتاتاً . اللهم اجعل قبورَهم عرضةً ، أعراضهم نولةً ، وسكناتِهم صرخةً . اللهم ارسل عليهم صعقةً ، وعلى أموالهم جشعةً . اللهم لا تضيع دمَ بهية .

صباحاً دفنت بائعةُ الطيبِ ، جمعت أجزاؤها إربةً إربةً ، وضعت في كيس ووريت التراب دون مراسيم دفنٍ .

ماتت بائعةُ الطيبِ بهية وبكى في كوخِها الليلُ

جُنَّ المسكُ لثيابٍ أليفةٍ

والأقمار تعطلت تحيتُها

ماتت بائعةُ الطيبِ

انتحر العودُ وتعاظم الأسفُ الخلاسيُّ

الموتُ ديدنُ القبيلةِ

الموتُ ديدنُ المدن التي تحطُّ على الماءِ وتُحكم من الصحراء

وقتئذٍ لم تعرف البصرة نوحاً لليمام كما عرفته في تلك الأيام

لم تعرف نحيباً للنخلِ كما عرفته في تلك الأيام

لم تعرف زمجرةً للماء كما عرفته في تلك الأيام

لم تعرف هجرةً للطير كما عرفته في تلك الأيام

لم تعرف عويلاً للريح كما عرفته في تلك الأيام

لم تعرف هولاً كما عرفته في تلك الأيام

ماتت بائعةُ الطيبِ

والشجر المونع تيبس

الماء السادر توقف

والحلم القادم تبدد

قتلت بائعةُ الطيبِ

بهية

*   *   *

عصرُ المأتمِ بلسمُ الجُرح الغريب . هدأةٌ لرمضاء القلبِ ، فُسحةٌ للطوارفِ الخضلةِ وروضةٌ لسكنةِ الدمِ الشهيدِ . تأتي النّسوةُ بفواتيرِ الرمادِ المُسْتلّة من رفوفِ الحروبِ كي يذوبْنَها في نهرِ الدمعِ . يأخذنَ من عطايا طفل الصبحِ ما تجود به عليهنّ الخِلاسيةُ التي لم تبقِ لنفسِها سوى الفتات ، ثم ينطلقْنَ في ذروةِ الثديِّ لرضعِهنَّ تاركات للطيرِ الأزرق نهرَ الدمعِ وروائحَهنَّ . أحياناً تبقى البطونُ فارغةً فتتوجعُ الأمهاتُ لِوَلْولةٍ تُصَوِّبُ نصالَها نحو القلوبِ . تتضَعْضَعُ الأمهاتُ ألماً فيُغِيْرَنَّ على الليلِ ، يفترسْنَ جسدَهُ بزنودٍ واهنةٍ وأفخاذٍ مشبعةٍ بالقهر ، مرتعشةٍ ، أما العَذارى فيُخَضِّبْنَ الأسرّةَ مرةً واحدةً ثم يَذْبُلْنَ تحت سخونةِ الذُلِّ بعدها لا ترى لهنَّ جبيناً ، لا رأساً مرفوعةً ولا عيناً مقرورةً .

هذا العصرُ وقفت سهامُ بين المحاجر لكي تسرَّ النّسوةَ بمصدر العطايا .

قالت :

يهبط بخيطٍ مندّىً  ، طفلٌ من حرير ، لم ترَ عيونُ الخلقِ مثلَهُ . ترشقهُ النسمةُ نفحةً يعابثها ويرتدُّ خَجِلاً . لم تلد الأمهاتُ عوداً كعودهِ ، لا عيناً كعينيه ولا ثغراً كثغرهِ ، أنه سليلُ الفتنةِ والطيبِ ، سليلُ الرجولةِ والخصبِ ، أنه إلهُ الكرمِ .

من يكون ؟

هبّت حليمة العذارية للسؤالِ وكانت ما تزال شمساً مشرقةً ، جبنةً طازجةً ، عوداً نضراً ، ووجهاً تسجدُ له الفحولةُ خاشعةً لولا تضببه بغمامِ الحاجةِ .

أجابت سهام :

إنه من رحم بهية التي تضافرت عليها الشرور ، وتناوشتها النصالُ ، إنه من رحمِ الضياء الذي قبضنا عليه وأودعناهُ ظلمةَ القبرِ ، من ظهر رجلٍ أنزل جابر المسحور ولم تردعْه كبوةٌ .

أيتها النسوةُ هذا صبيٌّ تيهتهُ الأرضُ في فيافيها جاء يَغمرُ أرواحَنا بموجِ محبتهِ ويُطهرُ أجسادَنا من أدْران الفاقةِ ، فلنحتضن خصلتَهُ ، نباركُ شعلتَهُ ونُعَمدُ وردتَهُ.

اندهشت النسوةُ . غابت في الماضي مَنْ كانت على مقربةٍ من شجرِ الذكرى . أسفت من أدركتها المصيبةُ ، نحبت من رأت ثم أسنّت ، جفلت من نهدت ولم ترَ سبباً للقتل . انكسرَ الوقتُ وسهام ماضيةً في الخطابِ :

أيتها النسوةُ سيغادرُنا الطيرُ الأزرق ذات ضحىً من خللِ دويٍّ وزئير ولمّا يحترب الرعدُ سيمضي إلى حتفه بأجنحةٍ من رمادِ  عندئذٍ سنرممُ نفوسَنا ، نُضَمّدُ جراحَنا ، نلمُّ بقايانا حتى يأتي الردُّ ، ينخلعُ بابُ المحنةِ والسورُ الجاثم ينهدُّ ، سيطوي الغائبُ كفنَ المسافةِ ، يغمرهُ الندُّ ، ويسترخي على جسدِ الموجةِ نهدُ .

تستدرك :

عُدْ يا جابري فالحلمة تهتف شوقاً لرضيع .. البصرة شقّت ثوباً لإله الحزنِ ما بين نارٍ وصقيع .. هربَ من الطفلِ المهدُ والليلُ الداكن يشتدُّ . عُد يا جابر فالمدن ما عادت تغضب لا في الصبحِ ولا في الهزيع .

تضيف :

سيجلبُ الخلاسيون عشباً بحريّاً يستنبتونه على أطراف الصحراء ، ما يخرج من رحمِ البحر يعانقُ الرملَ ، سيصبح شجراً والشجرُ غابةً ، والغابةُ حياة .

أيتها النسوةُ

باركْنَ صبياً من عينيهِ تنسكبُ خمرةٌ

ومن جسده تنطلقُ جمرةٌ

وفي طويتهِ تجدْنَ نبياً

 

 

 

 

*  *  *

 

 

 

 

 

مَسّني البردُ

على الطيفِ أطبقتُ الجفنَ

ومضى الطيفُ حزيناً

مسّني الدفءُ

والذكرى انسربت ماءً

في رملِ الوحشةِ

مسّني المسُّ

حجارةٌ ثقبت رأسي في سماءٍ غريبةٍ

هل عادت المراكبُ بأشرعةٍ بالية

أم أُحتِجزتِ الربابنةُ

على أيدي القراصنةِ وذرفت دموع التيه ؟

مسّني الليلُ

وضعتُ في بحرٍ من نشيج

 

*  *  *

 

 

 

 

 

دقّت الأعْرابُ البابَ

وجابر يمنحُ للحُجرةِ ضوءاً

يكتبُ لُغزَ الحوريةِ في صمتِ الدارِ

افتحْ يا جابر فالضحى قَبَّلَ وجناتِ الوردِ

هتفَ الدفءُ في السيقانِ

وانعتقت أجنحةٌ أسيرةٌ

افتح أيها المسحورُ

بللٌ أهلكَ الشعاعَ من عَرقِ الرقصِ ، فتمردت شعورٌ وطحنتِ الصبايا صخورَ العفّةِ برحَى التهتكِ . أخرج يا جابر يا بئرَ الأسرار وكهفَ المتاهةِ ، فالمدنُ أفرغت ساحاتِها لصلاةِ الحبِّ .

جابرُ يخرجُ برؤىً مثقوبةِ السطحِ ليرى القارّةَ تحتلبُ الشمسَ بولهٍ غريب وتلامسُ أثداؤها أفواهَ المخملِ . ففي أعظم مهرجانٍ للحبِّ * ، أغلقَ شبّانُ أوربا وجه المدى بلهيب الجسد العاري حتى أدمنتِ العيونُ بريقاً . جابراً تحفُّهُ الدهشةُ ويفرُّ ، يرتقي عمودَ النصرِ ليشرفَ على بحرٍ بشريٍّ متلاطم الموجِ ، بحر من كتلٍ

لحميةٍ مُتدافعةٍ ، تُطلقُ إلى الفضاءِ ملايينَ الأذرعِ ، فتتمايل مثل رؤوسِ سنابل تداعبها الريحُ ، وإلى المحاجرِ كوناً من قِبابٍ  مذهبةٍ* يسفُّ في الأحداقِ ويكتسحُ الذهول . فتياتٌ وفتيانٌ ينجزون في شارع السابع عشر من يونيو ما عجزت عنه العقولُ المنخوبةُ منذ انبعاثِ الخليقةِ ، يطمسونَ تحجُّرَ القرون برقيِّ البدائل الأليفة ، حيث انشغلتِ التواريخُ بالقتلِ والسبيِّ والإبادة في حروبٍ لا خاسر فيها ولا رابح ، يهزمونَ الكوابحَ التي مدّتِ المسافةَ وأتلفتِ الرؤيةَ عند حدودِ البواباتِ  ، يحاصرون الأحقادَ بِريّا الشفاهِ وارتجاجِ الصدور ، ويزيحون مساراتِ الرياح السود برقصاتٍ متمردةٍ ، علنيةٍ ، صاخبةٍ ومباركةٍ ، ثم يملأون الفراغَ ببذور الودِّ ونفحات الطيبِ . إلهي إنهم يهبّون إلى غايةٍ مُثلى كما هبَّ الخلاسيون ، يهتف جابرُ ويضيفُ منكسراً :

مع فارق الهدف ، فهنا يعززون هيبةَ المحبةِ ويُبارك مسعاهم وهناك نشدوا عدالةً ضائعةً فأكلهم الرصاصُ ودفنتهم السجونُ حتى صار الضيمُ ديدناً لهم يصطبحونَ عليه ويمْسون فيهِ .

يصرخُ :

تعالي يا سهام لتري أيَّ أبعادٍ مجسمةٍ للجنون تجلّت على رقائقِ الهواءِ ، وأيَّ تحدٍّ تستبطنه النفوسُ التي انتزعت بالمطلقِ حريتَها . كلُّ الأرواحِ صافيةٌ الساعة حيث اغتسلت بالنبيذ المُنقّى ، المقدس وتطهرت ، فلانت الأجسادُ وتترّفت الحناجرُ ، وزُقَّ مصلُ الفرحِ إلى النسيم ليشملَ الخلقَ ويعمّهم حتى تمسي برلين مهرجاناً والمهرجان هي .

تناسلت الشمسُ على صفائحِ النحاسِ  وتكاثرت الأجنةُ في تقعر البطونِ لؤلؤاً زئبقياً  ينحدرُ من سفوحِ المرمر إلى أجماتٍ مرويّةٍ بنهرِ المسيرةِ الخالد ، ثم يعبرها إلى أكفِّ الأرض حاضنة الحياة . أما بحرُ البرقِ هذا والذي لا قرار له سيظل هائجاً ، مائجاً ، يُطلِقُ طيورَ نارهِ إلى اللامنتهى ثم تعودُ وتحطُّ على الرؤوس .

يتساءل :

هل جفّت ضروعُ الخلاسيات ؟

مازال طفلاً مصلوباً على العمودِ … جبيناً يطرقه الحرُّ ،

 

 

عيناً يتخطفها الومضُ ، وكياناً متشوقاً يستدرجه الجوعُ إلى اللحم المعافى ويُنْتَهرُ . تَمسّك يا جابر . هاجمهُ صوتٌ :

فهذا الطحنُ زوبعةٌ تمرُّ ، والعنبر المسفوح ستطوي الريحُ بقاياه وينحسرُ . تصلب يا جابري ، سيمسي الهزُّ هباءً . ستغدو الزحمةُ خلاءً ، وستدرُّ ضروعُ الخلاسياتِ من وَجْدِها ماءً . هتف من أعلى العمودِ خاشعاً :

هذا صوت حوريتي .

نزل عن عمودهِ ، تلفّت ، لم يجدْها ، شقَّ طريقاً في زحمةِ المهرجان . اِبتعد تاركاً العالم في حومةِ جنونهِ ينفلقُ ، وعلى بعضه ينغلقُ ، ابتعد تاركاً الأسئلةَ في رأسهِ تنزلقُ ، وعلى ضفافِها يُستعبد المرءُ وينعتقُ .

قال :

سأصلك أيتها الحوريةُ النبيلةُ المسترخيةُ على حافةِ الكلام ، مطروداً من الجنان ، مرفوضاً في اللمّة ، وتلك محنةٌ توالدت عن محنةٍ ، وأسرٌ زُجّ في الأسر . يا حوريتي الممعنة في صمتي تنحي عني واطلقي أفراسك في الأمداء البعيدة ، ربما أصابت جذري . فحينما أبحرتُ ، صبوتُ إلى غُرّةِ الحرية بعدما انثلم خطوي ، ولفظني من دون العباد رحمي ، وتنادى إلى قتلي صحبي .

سأسبح في عينيك متى ما دعتني الزرقةُ ، أتوسدُ يديك حين تدنو النزعةُ ، وأشرقُ في وجهك كلما سنحت فرصة . تطربينني بالتلاوةِ وأنا عليمٌ أنّ هؤلاء القوم نزعوا للتطهر من أدران الماضي ، خرجوا للتلاقح الإنساني بعدما أرسلوا بذورَهم في الشتاتِ وتشربتها الأبدانُ . .

أيتها الحوريةُ مازالت النفسُ تهفو إلى الأمانِ ، والعين تسعى إلى الإكتشاف ، والقلب يهوى امرأةً في سماواتٍ بعيدة  تقارعُ الظلمَ . فليس من خطيئةٍ استوُجبَ دفنُها أوعورة تطلّب سترها أو جشعة ينبغي زجرها . سأصلك منكفئاً على بعضي ،  قاطعاً حبلَ الزحام إليك ، ممسكاً بهامتي التي أتلفتها الوصايا ، حاملاً تفكيري وقد أثخنته المواعظُ . سأتحدثُ إليكِ عن مأتمٍ نُصبَ على بحيرةِ   الموتِ ، شرِبَ الطيرُ الأزرق نصفَ مائها والنصف الآخر يجفُّ ، عن ثاكلاتٍ ، جائعاتٍ ، مفارقاتٍ ، أرامل دقَّ الجوعُ عظامَهنَّ وصرْنَ رقيقاً  ،عن طفلٍ يُغيْرُ ليلاً ويأتي بالغنيمةِ صبحاً ، عن سهام تتصبّر بقشرةِ كمأةٍ حين أفرزها الرملُ جوفاءَ خاويةً ،عن وجوهٍ جرى الأسى في أخاديدِها ، عن أطفالٍ يموتون بعد الصرخة الأولى ، وصِبيةٍ جعلوا القدرَ دليلاً إلى طريق جهنم ، عن صبايا نثرْنَ جدائلَهنَّ في الخلواتِ لِمَنْ يبادل رغيفاً بجديلةٍ ،عن شيوخٍ طردوا الإباءَ خارجَ النفوس فتمرغت شيخوخاتُهم في وحل العار. سأتحدث إليك يا حوريتي عن كلِّ شئ لكي لا أنسى ولست ناسياً ، فلم تبهرني أنهارُ الجنةِ ولا طحنُ المهرجان . لكن أين أنتِ في هذه الساعة وقد غادرت المكان ؟. . أين أنتِ يا بنت صدري وصوت صداي ؟. . أين أنتِ يا مزة لخمرةٍ حين تُجلجلُ علقماً ، يا واحة لمتعبٍ أدمت قدميه الأسفارُ ؟ هل غضبَ إلهُ البحرِ لعلاقةٍ مع بني البشر فاجتمعَ وصوّت ثم طردتِ من مجتمع الماء أم  جننت وسكنتِ الأعماق ؟ . أيتها الهديلُ الجميلُ المطوقُ وداعة ، رعديد هذا العالم لا يحكم إلاّ بالطلقاتِ ، كافرٌ هذا الغمرُ لا يؤمن إلاّ بالآفات ، سافلٌ زماننا لا يخطو إلاّ بالعثراتِ . أيتها البديلُ النبيلُ يُداهمني الخوفُ حين يُحكى عن مدينةٍ أغرقها الرملُ ، وفاتناتٍ ابتلعهنَّ الليلُ ، وأجنةٍ التفَّ على رقابها الحبلُ . أيتها الدليلُ  الأصيلُ ، يا حوريتي التي ما نكثت عهداً ولا برحت ركناً ولا أغمضت عيناً ، أين أنتِ  ؟ هل أغواك طلٌّ أم فضحك النهارُ واستدرجك ظلٌّ ؟ ربما ففي بعض الأحيان ينتابنا خبلُ .

جابرُ يناجي مكاناً خلواً إنطفأ نورُهُ حين برحته مليكةٌ وغابت عنه حيناً ، لعلها ذهبت إلى غايةٍ أو انصلبت قمراً في سماء المهرجان . لكن جابراً يئس بعد أنْ طال به المقام ، فانحدر من شقِّ خيبته نحو جدول الهموم الذي لا يتوقف ، مردداً صوت حوريته : ستدرُّ ضروعُ الخلاسياتِ من وَجْدِها ماءً ، معترضاً بحسٍّ منكسرٍ : متى أبعد أنْ أهلكت المدنُ تلك الأثداء وانصهر الوليدُ في فرنِ التيهِ ؟ متى يا مرشدتي تجفُّ دمعةٌ انسكبت وصارت نجيعاً ازدهرت على متنهِ أشنات الألم ؟ متى يا سيدتي يندحرُ الوأدُ  وينبجس في أرضنا ودُّ ، ويأتي على قهرِ الحسناواتِ مَدُّ ؟ تلك نبوءةٌ ترددت على ألسنةِ الأنبياء منذ الأزل ومازلنا يحصدنا الحقدُ . فهنا تتخضل الدنيا حلماً وفي أجوائنا على الحُلم يُبتنى سدُّ . عركتني الشدّةُ يا فرسَ النهرِ الجامحة الماضية عبر الجحيم إلى صهيل الأعماق . عركتني الشدةُ وتمعك على جسدي البعدُ . عبرني النحيبُ وكنتُ أخيط ثيابَ الرهبنةِ للأثم القادم ، ونحيبُ سهام يصفقُ البابَ بأكفٍّ مغدورةٍ وحشرجةٍ منطفئةٍ .عندئذٍ التفّت الخيوطُ على أصابعي حتى انبثقَ الدمُ نزيفاً لوّنَ رجسي وخضّبَ ثيابَ الوقيعةِ لتنجرد عنقُ الحقيقةِ وتتجلى بيرقاً يستقطبُ القادمين في زحمةِ الخوفِ . وصلني الردُّ  وعلمتُ أنك عليمةٌ يا مَنْ لم تدمنْ رائحةً غير رائحةِ التراب ، فانحنيتُ وانكسرتُ وسهرتُ ومتُّ ، ثم فقدتُ من سحري الكثير ولم يبقَ سوى عبير ، قاتلتني من أجلهِ سقطةٌ ، وسكنتني حرقةٌ ، وداهمتنا فرقةٌ . سأدفنهُ دون أسفٍ إذا ما تجمهرت التوابيتُ من حولي وإذا ما استعذبتني الحفرُ . سأدفنهُ يا سهام ولو أدركتني الندامةُ وجاهرت بي الملامةُ ، ولوّحت بنارها القيامةُ . سأدفنهُ يا سهام الغارقة بفيض الحنين ، إلى جوار بحيرةٍ ، ترتشفُ منهُ كلما فسدَ ماؤها ، وتُراشقُ الطيرَ بالرحيل كلما هدد بعدم أداء الطقوس ، وبالقربِ منه سنمرّ ُ، نضع عليه إكليلَ غارٍ أو نرجمه بحجر  .

 

*   *   *

حينما أنَّ المساءُ في حُجرةِ جابر ، جاء الانغوليُّ متوسلاً خلوةً قال : أما أوجعتك وحشةٌ يا نجم القوافل وضاق صدرُك ؟ أفلا ترى مشهداً مسائياً مغرياً للمحادثةِ أم غيبتك التفاصيلُ عن كوثر اللذّة وتطامنتَ لبذرةٍ استسقت من مياهك ونبتت خلف التخومِ ؟ لا تصرخ ذلّةً يا صديقي أو تطفح وجوماً فالعالم لن يُمحى ببصقةٍ ، سيبقى رافلاً بديباجه المنحوس .

ضحك جابرُ .

أضاف الانغوليّ :

أنا هكذا ما طرتُ على ريبةِ جدول ولا غاصت مياهُه في تربتي ، وفاتحةُ السؤالِ أن تدومَ الغلظةُ مثلما هي الآن ، نقاتلها بالدعاء الأبيض حتى تنبجسَ المودةُ من عيون الصخورِ ، عندئذٍ لن تصمتَ قيثارةٌ على قمة جبلٍ ولن تُهتك زريبةٌ في وادٍ ولن ننتظر في غياهب الوداعةِ . انهض واخترق هذا الشؤم المؤبد لكي لا تحترق أوراق الصداقة ، فللأحزان شاهدٌ وللبهجةِ شاهدٌ آخر . استفز وتوعد ولُم وابرز وجاهر وقاتل حتى تندحرَ الملائكةُ خلف شياطينِها ، فأنَّ الإله كريه اللسان منذُ نطفةِ الكلام حتى آخر الختام. أحياناً يأمرني السؤالُ اللجوجُ بارتكابِ الحماقةِ ، وإتيان الوقاحةِ ، وتخضيب الفداحة ، وكأن رؤاي تنساب من بين أصابعي ، أنهرُهُ وأتشوقُ لامرأةٍ ستأتي مرفرفةً مثل نسائمَ هاربةٍ عَبْرَ سجود   الجبال ، وحانيةً مثل أمهاتٍ تواردت أخبارُهنَّ في بطونِ الكتب ، وصافيةً مثل ينابيعِ الجنانِ . امرأةٌ فاضحةٌ لجليدي المُبتز ، ملامسةٌ لخيبتي المؤججة ، عندئذٍ أنثرها كما أنثرُ ورودي على اشتياقِ الطاولاتِ ، لأقمعَ ما نبضَ في الشريان . انتهِ يا صاحبي من هذا الألم المشرئب في عنقك لكي تختفي المحنةُ وتمرُّ الدنيا بسلام .

قال جابرُ :

وحيداً سألهو بموتي تاركاً العالم في حومةِ اللعبِ ، اتركه لاهياً عني بعيداً مني ربما مارس عملاً بلا قيمةٍ على أبواب الفرجةِ . وحيداً سأقول لامرأةٍ ، أنا يا حبيبتي مَنْ انتظر أعواماً ، وأعواماً كنتُ ملتاعاً للقاءِ ، فلِمَ منعتِني اللذّةَ بصمت وجحود وأمرتِ وارثات الظلام بالنسيان ؟ يا حبيبتي يا قدري المؤطِّر لظلي لن تنامَ برلين كما البصرةِ في شدقيّ أرنب سافل ولن ينام ضفدعٌ نقَّ لعطشٍ جنسيٍّ ، فحينما وصلت راحلتي الحدودَ المنسوبةَ لعالم النسيان ، سكتت القرى عن التقحل . وقتئذٍ كان عليَّ أن أعبرَ غاباتٍ   وبحاراً ، طرقاتٍ ووديان وصحارى صعب اجتيازها على الأذهان. عندئذٍ صرخت : أنا هنا منذ مجيء النواطير أمزقُ رقائقَ الأرقِ في غفلةٍ منك ، وقلت :

جسورٌ هذا الليلُ راودَ في قلب الضجة صمتي

عذبٌ هذا النسيمُ إلى قارّةٍ أخرى نقلَ حُلمي

نقيٌّ هذا الشرابُ أسلمني كأساً مُرّةً

شقيٌّ هذا الطقسُ لم يسجد خلفي

قال الطقسُ :

غاربٌ هو العمر فديتك نفسي .

تعثرتُ بالدهشةِ التي تلبستني في شارع فردرش  ، حينما رأيتُ انتفاخَ أوداجِ الطيش قبيل مرورِ الأوغادِ على حلم المدينةِ ، حاملين شاهدةَ الفكرِ على عربةٍ وهميةٍ كانت قد مازحت ما تبقّى من الجدار ورشقته بضحكةٍ صفراء  ، وفي شارع فردرش رُفِعت راياتُ المساءِ المتأخر لنساء يأتين من صميم المواخيرِ ليطعنَنّ كبدَ الظلامِ ببريق الأفخاذ . سيبقى الشارعُ محتلاً وسطَ المدينةِ ، وسيبقى الوسطُ مستعمرةً للساميين طالما بقيت برلين في ذاكرةِ الأحفاد  إذن سنوغلُ في الدهشةِ بغية تحققها التام ونُقيم حفلاً على مشارف برلين ، تحتلُّ النساءُ نصفَ مقاعدِه والنصف الآخر نودعه العتمةَ ، ثم ننتظر . ستأتي سهامُ على الحفلِ مقتحمةً رئةَ الأشياء وتنطلق بأبهة المنصور. فمن آدابِ الدعواتِ أن تنالَ جسداً أسمرَ ، ثم تسهر على ضفافهِ في ليلةٍ مقمرةٍ بموجب فرضيةٍ أثبتتها الألسن في غمرةِ المدام  .

ماذا ترى أيها الأنغوليُّ الأخرق في غرّة الكلام ؟

ماذا ترى أيها الطيب لو فاجأتنا سيدةُ المطعم بِطلّةٍ من رخام ، واغتصبت ليلتنا بأنوثةٍ صارخةٍ من الهامِ إلى الهامِ ؟

أتراني أهجسُ بنأمةِ صدٍّ

أم أُرخي لجامي في المنامِ ؟

يا سيدي الأسود الوسيم

قطرتك امرأةٌ على شقِك الآمن وغابت في الزحام .

يا سيدي النحاسي المرصع باللازورد

انهدت قصورُنا وصرنا من البدو أقرب للخيام

امتلأت ساحاتُنا بأعناقِ مآذنِنا وأشرقَ الدمُ على الركام .

يا سيدي المهذب الجميل

على أسطحنا لا يحطُّ الحمام على موت الحمام

وإلى كنفنا تسعى الطريدةُ إذا ما اشتاقت للسلام .

غادرتك أفعى السقوفِ

نزعت جلداً من الرملِ وتدرعت بالشفوفِ

غادرك شيطانُ الغوايةِ

فانقر لملاك اللوثةِ على حلم الدفوفِ .

سيدي الأنغولي لم تعُدْ النادلُ صيدي

لا همها همي

لا عطرها عطري

ولا ثوبها ثوبي

والليلة سأمضي حثيثاً لكي ألوي عنقَ الأرقِ ، لأحقق نبوءةَ الحوريةِ التي زهدت بالعرشِ وتسكعت في أروقة النسيان . الليلةَ سأرى طفلاً يحمل جُلّةَ عطاياه نحو أبواب المأتم ، أنه أشبه الخلق بجابر . سأرى خلاسيةً ، مازالت فتيةً ، ترشقه بالقبلات وتتحسر : احترس يا جابر . سأرى خالةً كوّمها القهرُ على بعضها . سأرى حليمةَ العذارية وقد اندثر همُّها الذاتي تحت ركام الهموم . سأرى نسوةً يتوزعهنّ الليلُ بين زواياه . سأرى صِبيةً عفّرت وجوهَهم التربةُ وهرّأت ثيابَهم الطرقاتُ ، يتسولون على الكورنيش ويختلسون الرغيفَ متى لاح لهم . سأرى فتياتٍ بصقت في بطونِهنَّ الحاجةُ ونَمَتِ الأجنةُ في أرحامٍ لم تكتمل بعد . سأرى غشاءً عذرياً ممزقاً بحجم السماءِ ينزف دماً . سأرى المصورَ الجوّال ممسكاً بكاميرا عجيبة الصنع ، يحملها بفرحٍ غامرٍ ، وابتسامة لم تفارقْ شفتيه .

أسأله :

هل بُعِثت حياً ؟

يجيب :

لا تنخدع بموتي يا جابر ، لقد شُلّت الأصابعُ التي حاولت خنقي . سأرى بهيةَ بقامةٍ رشيقةٍ ووجهٍ نورانيٍّ ، تحملق بأنصالٍ صديئةٍ . نقشت عليها وجوهٌ منشطرةٌ . سأرى النخيلَ يرمم تيجانَه ويعيدها إلى الرؤوس . سأرى الجداولَ تزيح ما اعترضَ سَيْرها . سأرى البصرةَ زاحفةً إلى ذراعي تتوسدهُ . أيها الأنغوليُّ النبيل ، سأنام الليلةَ وليغمرك روحٌ آخر بمحبتهِ وامرأةٌ أخرى بعطرها . أيها الأنغولي ابحثْ عن رحمٍ لا ينتج إلاّ خلاسياً .

*  *  *

 

حينما يغمرُنا النومُ

تتدفقُ المدنُ الخلاسية

 

* * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من عيونٍ كثيرةٍ انبثقت على سطحِ الرؤيةِ تدفقت البصرةُ : أحياء أثقلها الطينُ ، سماء عاندها النجمُ ، أنهاراً فارقها الماءُ ، أرضاً أعطبها العطبُ ، كوناً محطّماً وشلاّلاتٍ جحيميةً ماضية إلى عرضِ البحرِ ، من ألسنتها انهمر الخلاسيونَ كتماثيل نحاسيةٍ انحرفت عن مسارِها ودخلت أنفاقَ السكينةِ ، يتقدمهم صوتُ المغني صانع الشِّباكِ وتقفلهم عدسةُ المصور الجوّال ، فيما جابر يلاقي القومَ ملهوفاً إلى العناقِ ، إلى البكاءِ ، إلى السؤالِ . يضمّ هذا ، يُقبِّل الآخر ، ويمسحُ غضوناً ابتلت بها الجباهُ . تنبعث أسئلتُهُ سيلاً عارماً يغمرُ الأرواحَ ويجرفُ الأجوبةَ :

أما زال صوتُك شجياً يا صاحب الكوخِ ، والشلهة هل غادرت زرقتَها وكفّت عن التجوالِ عاريةً ؟ والنهرُ هل خاصمها النهرُ ، فارتدّت عن التطهر بمائهِ كلّ صباح ؟ أيها المغني الجميل ، أما زلت نائحاً في المأتمِ أم أغلقَ المأتمُ أبوابَهُ وأعتقكم النواحُ ؟ يستطردُ :

سكنكِ الجمالُ يا حليمة العذارية ، يا آية سقطت من بين دفتي المصحف ، فلا الجوع فتَّ في عضدك ، ولا الحزن أتلف بريقَ عينيك ، أنتِ كما أنتِ لولا طبقةُ الرمادِ تعتلي ناصيتك ، يا حليمة الحالمة بفحلٍ يأخذك إلى تخومِ الصهيلِ ، يشبعك لذّةً ويفتحُ نوافذَ العويلِ ، أ أطربك النسيمُ ؟ حليمة يا حليمة ، أما زلتِ نادبةً سوءَ طالعك أم قُضيَ الأمرُ ؟ يا ابنة الفيء هل أطالك ذلٌّ ، ركبتك رغوةُ المرِّ وحشرك في قفصِ المهانةِ عوزُ ؟ سيان هو الأمرُ طالما خمدت جُذوةُ الحنين ، وانطفأت شمعةُ السنين ، ووئِدَ الوليدُ على الرصيف . تلك خالتي المتفحمة على موقدِها ، ستحكي إليَّ عن هوى البصريين ، تقصّ عليَّ سيرةَ الوافدين  ، تشحذُ الذاكرةَ وندخلُ في الدهشةِ . يا عائشة يا أخت أمي ، لفّي ( جرغدك )  على وجعِ العمرِ وحدثيني ، هل أهرقتِ البصرةُ كأسَ الخلودِ ؟ هل أُقتلِعت برحيةُ  جدي أم تلوَّت ألماً من نصلِ شظية ؟ حدثيني عن شوكةٍ قاتلت آسَ الحدائقِ ونمت على الأسيجة ِ. هل انتحرَ وردُ الحدائقِ ومن دمهِ نهضَ طفلُ الصبحِ ؟ آه يا طفل الصبح ورحم بهية غايتُك مُثلى وجُلتك ملأى ، فلولاك لما أطبق جفنُ سهام ، ولولاك لما اقتربت الوجوهُ من الوجوهِ . هل نذرتك أمُّك ذات  دعاءِ ؟ أجزّت خصلةَ شعرك ورمتك قرباناً لطوائفِ الخلاسِ ؟ بوركت يا طفل الصبحِ وبوركت خطوتك وطابت ذكرى بهية بائعة الطيب ، المغدورة ، الشهية .

تقول سهام :

إنّه أشبه الخلق بجابر . أحقاً يا عشق المدن ما تقولين ؟ يا أيتها الريقُ إذا الريقُ نشف ، يا أيتها الكبدُ إذا الكبدُ تلف ، ويا أيتها الرأيُ إذا الرأيُ سخف . أحقاً لم تقسرْك الهمومُ على نسيان  الملامح ؟ أيتها الفضيلةُ المُبجلة ُ، سأسجدُ سجدتي الأخيرة إليكِ دون سواك ، وأنشقُ نشقتي الأخيرة من نحرك ، وأسكب قبلتي الأخيرة على ثغرك ، وأنام نومتي الأخيرة في حجرك . سهام يا لهفة الرئات إلى الهواء ، وشوق الجناح إلى السماء ، وصبر البطونِ على الخواء . أتنسينني خطيئتي وقد أُفرغت في ذاكرةِ عدسة المصور الجوّال . الذاكرة شاهدة أيها المصور الجوّال الذي مات .

يستدرك جابر :

لا لم تمت أيها الجميل ، الأنيق ، ولكن كيف كانت الأخبارُ وكيف انسلخت عن المدن الأجيال . . ومتى وجدناك بالموت منغمساً ؟ قال المصور الجوّال :

لا تلح بالسؤال وهاك الجواب جملةً :

في ليلةٍ محتشمةٍ ، افتضّ صوتُ المغني صانع الشِّباكِ بكارتها ، هلكت أسوارُ المدينةِ وانخلعت أبوابُها ، هاجمنا الرملُ القاتلُ ، القادمُ زحفاً من قلب الصحراء ، والموجُ الحاقدُ دفقاً من فمِ الخليج ، وكوكبٌ ظلّ طريقَهُ تحطم على رؤوسِنا حين ضاقَ به الفضاء . ليلتئذٍ ـ رحلت فيها يا جابر ـ كان المغني يُجهدُ حنجرتَهُ ، ويطحنها مناجياً الأنحاءَ ويستدرجها إلى كوخهِ . أُعجِبَ الفاو بنقاءِ الحنجرةِ وحُسن الأداء فرقَّ وحنَّ وتحرك صوبَ الصوتِ ، وبعد خطوتين ، انفلق الفاو  ، أغرقَ نثارَهُ الموجُ ، ثم صَلبَ البحرُ أنفاسَهُ على مدخل الخليج . ماذا فعلت أيها المغني صانع الشِّباك ؟ حزِنت الشلهةُ . بعدئذٍ لم تَعُدْ تتجول عاريةً ، لم تسامرْ النهرَ ، لم تنم ، لم تكفّ عن العواء حتى جنّ جنونُها ، فرحل المغني صاحب الكوخِ وسهام التي قضت ليلتَها ترقب السفنَ ، إلى أنْ هبطا  الخندقَ في غفلةِ غيابهِ بلذّةِ الصوتِ ، الذي ظلّ ملعلعاً في  المأتم ، نائحاً ولمّا يزل يستقطب النادبات واللاطمات ويبعثُ فتنةً على وجنتي حليمة العذارية حين ينحدرُ عليهما الدمعُ . تلك حليمة المأخوذة بالحاجةِ الجسدية ، نزلت عنوةً عن ترفِ الحلمِ لتهبط المدار الخلاسي ولتعلن انتماءَها للجمهرةِ المُستلبةِ . لم ينقضِ الأمرُ يا جابر لكن الفجيعةَ شرّقت بنا وغرّبت وأصابت من حليمة العذارية ما تريد ، مثلما أصابت من طبقةِ النحاسِ المقهورة حتى غدا البصريون بلا هوى يميلون إليهِ والوافدون بلا سيرةٍ يُتغنى بها. فهل تخترق حدودَ الذاكرةِ لتلجَ الدهشةَ ؟ هل تمعن بالوجوهِ التي زاغت عن مسارِ الجحيم ؟ لكن البصرةَ ملأت كأساً سرمديةً من عصير ثمرِنا الوحشيّ  لتسقي به تربةَ أشجارِنا التي دوخها

الدخانُ وجذورنا التي تقوقعت بعيداً في القاعِ . . لترشّ وجهَ الوردِ الذي أذبله الصراع ، ولكي يعبقَ الآسُ على راحةِ الأسيجة ، أو في أطباق طفل الصبح ، أو على قبر بهية تتنفسه كلما عنَّ لها ذلك .

لم أمُت يا جابر. الخلاسيون لا يغيبون طويلاً ، يذهبون في طولِ الأرضِ وعرضِها ، يغوصون إلى أعماقِها ، ثم ينطّون من الشواطئ ، من الخرائب ، من السطوحِ ، من خلف المراكب ، من الحرائق ، كأطيارٍ مرحةٍ ، وخالتك عائشة شاهدة على زيارات بهية التي لا تنقطع . الخلاسيون متشبثون بالرحيق طالما وجِدت حبيباتُ طلعٍ ، طالما هناك ميراث للجميع :

كاميرا تسجِّل وامرأة لا تشيخ . امرأةٌ تقتحم النارَ إذا اندلعت ، تُطاردُ المزنةَ إنْ نأت ، وتنهر الريحَ إنْ عوت . امرأة لا تأكل إذا جاعت البطونُ ، لا تشرب إذا جفَّ الريقُ ، ولا تلبس إذا تعرت الأجسادُ ، تجوبُ البصرةَ حياً حياً ، تطرق الأبوابَ باباً باباً ، وتواسي الأبناءَ فرداً فرداً . تلك سهام الخلاسية ، النبية ، التي قيل عنها ، إنها لم تُخلق من ترابٍ وماء ، ولا من عنبرٍ ومسكِ . . ولم تُخلق من نار. فهي بشرٌ ليست من البشر ، حوريةٌ ليست من الحورِ العين ، ملكٌ ليست من الملائكةِ ، وشيطانٌ ليست من الشياطين . فهي سهام المنصورة بالبشر ، المتوكلة على البشر ، المعتصمة بالبشر ، الواثقة بالبشر ، المؤيدة من البشر ، المرفوعة من قبلهم إلى العُلا ، المحمية برقابهم والمنسوبة إليهم . لم تنسلخ الأجيالُ عن أصولِها يا جابر ، وطفل الصبحِ يهمسُ بأذن سهام : نذرتني أمي إليكم واطلقتني بنسيجٍ من حرير فإنْ شئتِ ، فحزّي الرقبة .

فجأةً اختفى صوت المصور الجوّال . . فجأةً تلاشت صورتُهُ . سهام تتشبث بالصمتِ ، عائشةُ تائهةٌ بشعاب الذاكرةِ . صانعُ الشِّباك يعبث بحنجرتهِ . حليمة تُبحلقُ بطفلٍ ينمو أمامَ العينِ غير مكترثةٍ بوجود جابر ، وجابرُ يتوسل في طقسِ المخاضِ العسير طلةً من حديثٍ دون جدوى . لكن المدنَ / الأحياء ، تأتي بينةً على شحوبِ الحيرةِ ، وتدركها الرؤى :

فيالقُ من دودٍ أخضرَ زاحفٍ تنهش نَحْرَ العشار. . بقعةٌ نفطيةٌ هائلةٌ تتخثر على صدر الزبير . . قرنٌ ناريٌّ يُطوِّحُ بالهارثةِ . زلزالٌ يفتقُ أرضَ أمِّ قصر . صاعقةٌ تُحيل القرنةَ دميةً سوداء . نسرٌ يخطف الأبُّلةَ وينأى بها إلى ديارِ الغربةِ . جنازةُ أبي الخصيب تمرُّ محمولةً على حصيرةٍ مهترئةٍ من سعفِ النخيل . المعقل يستسلم لفأرٍ حقير جاء من خلفِ السكةِ . السيبةُ تعلق بصنّارةِ صيّاد هاوٍ . البصرة القديمة بأحيائها تتكيس في ساحةِ فنجان . الدنيا تدورُ. دوخٌ يُصيب جابراً ، يصرخُ :

أهذه البصرةُ ؟

يسقط من غرةِ الرؤية

ماذا رأيت ؟

تساءلت سهام

خراباً !

أجاب جابرُ.

إذن رأيت شيئاً ، دمدمت سهام وأضافت :

أرأيتَ مهوداً فارغةً ، أطرافاً مقطوعةً ، عيوناً مفقوءةً ، نساء عارياتٍ سارحةً ، أطفالاً بلا طفولةٍ لاهيةً ، ناصياتٍ لرجال بلا وجوه مرفوعةً ، أرأيتَ نفوساً منكسرةً ، خراباً بشرياً ؟

قال جابر :

أجل رأيت يا سهام ولست غائباً .

قالت :

إذن تكاثفت سحبُ الرؤية .

 

*  *  *

هذا الأنغوليُّ زمنٌ في الزمانِ .. مكانٌ في المكانِ .. لهُ دربةٌ في صيد الظباءِ وطرح الغزلانِ .. هذا الأنغوليُّ جنيٌّ بهيئةِ إنسانِ . جذّابٌ ، ظريفٌ ، سقّاءٌ ، قوي البنيانِ .هذا الأنغوليُّ شحنةُ إبهارٍ وقبلةُ النسوانِ . هذا الأنغوليُّ منبعُ دفءٍ في واحةِ الأمانِ . يجد متعةً في إغواءِ الوزِّ ، في نتف الريشِ ، في صقلِ الجلدِ ، في تعليقِ السيقانِ . هذا الأنغوليُّ صحيحُ العقلِ ، شفّافٌ ، دفّاقٌ ، خبيرٌ بالندمانِ . ساعةً يهزُّ الفجرَ هزّاً ويملأ الوجودَ صراخاً ، لهاثاً ، وفحيحاً . هذا الأنغوليُّ شبقيّ النزعةِ . قاتلك اللّهُ هل جئت ببغيٍّ أم مازلت تتخير الكواعبَ وتكتنف شجرَ الزانِ .؟

تساءل جابرُ في سرّهِ وأضاف :

الأفارقة من طينةٍ أخرى بسيطةِ التكوين ، نقية التربة . الأفارقةُ ساذجون ، طيبون ، محبوبون ، لكنك أيها الصقيل اللمّاع دعني أهجع مرةً أخرى لعلي ظفرت برؤيةٍ مختلفةٍ ، ربما كانت مبهجةً . اهدأ أيها النطّاط جافتك هَدْأةٌ ، سُلِبت منك سُمرةٌ ، وأعطبتك خمرةٌ. أيها الصديقُ ، بعد حين سيداهمنا الشعاعُ ، تفترّ في عيوننا الأصقاعُ ، وسينشر ذراعيه الضياعُ . أيها الصديق ، ستأخذنا غلطةٌ لا تصحح ، وحياةٌ مهما أعطيناها لا تَملحُ ، وجُملٌ مهما أطلقناها عن دواخلنا لا تصفح . أيها البريءُ ، اختلستُ غفوةً وفيها رأيتُ ما سوف لن ترى .. رأيتُ موتاً ودماراً قد جرى .. رأيتُ مدناً برمتها دُفنت وغيبها الثرى .. رأيتُ أناساً هم أكثر خلق اللّه كرماً ، أهلكهم الطوى . أيها الصديق اللطيف ، لقد بصقَ في أفواهِنا الندمُ ، وربض في أحداقِنا العدمُ ، وزاغت بنا عن السبيل القدمُ ، حتى تنمل في رؤوسنا سأمُ ، وسامنا بالقشاش مُستامُ . أيها الشفيفُ ويا خفيف الظلِّ سيأتي الصبحُ على ركامِنا ، وعلى جنائزِنا ينوح اليمامُ .

أغمض هنيهةً ، ثم جنحَ للعتابِ :

أيُّ حوريةٍ أنتِ تُبطئينَ بالفضيلةِ حيناً على صهوةِ التعب ؟

أيُّ غيابٍ رفعكِ عن حصنِ مهدك المنيع ؟

أيُّ خيلاء أطربتك حتى جنون النشوةِ وحافةِ المجدِ ؟

خلبَ لُبكِ حُسنُ الظهورِ وأدماني التصبّرُ . . أذعنتُ وتعاليتِ . . سخرتِ دلالاً وأجهشتني خيولُ الرؤى .

إذن تعالي نتوزع الأدوارَ :

شبانداو

خسِرنا الفاو

راينكن دورف

السيبة مدينة قطعتها السيوف

فايسن زَيه

وقفنا على مشارف العشار وما يليه

تير كاردن

انتحر الزبير خازن المعادن

فيدنج

هاجمَ البدو أمَّ قصر وفضّها الإفرنج

مارتسان

عبث الموتُ بصفوان

شارلوتن بورج

القرنة فززتها الصنوج

كوبنيك

التنومةَ هجرها الديك

فردرش هاين

المعقل ذاقَ الهوان

تيمبل هوف

الهارثة أبادها الخوف

نوي كولن

قضى علينا التهاون

كف يا جابر فسوف تنشطر ثانيةً برلين

وسوف تُخرّبُ البصرةُ للمرّةِ العشرين

سيكتئب الآسفون

ويكفّ العراقيون

عمّا يأتي بعد الأسف

أبعدَ خرابِ البصرة  ‍؟

*   *    *

قيل من ثقوبِ غربالٍ وضِعَ على عينِ الشمسِ ، تساقط التائهون شمعاً مذاباً ، تعلّق بأردانِ برلين الموشكة على التوحشِ في خاطرةِ الزمنِ وخارطةِ المدنِ . وقيل ألقت بهم شاحناتُ السياحِ على سُروجِ الحدودِ ، وطائراتٌ مُختلقةٌ لا نصيب لها في مدارج المطاراتِ ، وبواخرُ وهميةٌ  أفرغتهم من عنابرِ بضائعها . البعضُ مات شوقاً في جعجعةِ المسافةِ ، والبعض اختنق عند الولادة ، وثمة من شهقَ في بابِ الريادة . لكنهم جاءوا أمواتاً من رحمِ المتاهة . اختلفت البثورُ على وجوهِهم وعلى أجسادِهم اختلّ نشوءُ البراعم ِ. فهل تغصّن الخلاسيون في قافلةِ النرجسِ ؟ ومن خلل المصيرِ هل هتفت ريحٌ مؤاتيةٌ  ؟ هل عزفت الموانئ زيتَ المحركاتِ ؟

أيُّها الخلاسيونَ

زجرتكم نأمةُ الوطءِ

وأتلفتكم رعشةُ التوجسِ قبل الوصولِ

حيث برلين تنأى بلا عمقِ في فوضى الحروبِ

وحيث تسبح في دماءِ الغرباءِ

وحيث سبقت البنيانَ وطحنت الأبناءَ

وسيقت نهاراً إلى حلمِ جهنم

قبل قرونِ ، مرّ السادةُ المصطافونَ في زورقِ القراصنةِ على وجنتي نهر شبريه

تزحزح النهرُ وترك الأقنعةَ تؤسسُ حجرَ النهبِ

ترك القادمينَ من خلفِ الحدودِ يمدّونَ مخلبَ السلبِ

فهل تدكون ـ أيها التائهون ـ خرسانةَ الماضي ؟

ربما ظنَّ الأجلافُ أنَّ وهنَ الأظافر سيخدش طوبةً

ربما ظنَّ الأحفادُ أنَّ برجكم الرياء

وقاماتِكم ستُنبت في وهمِ فردوسٍ زائل

ربما ظنّ المتدفؤون أنكم برد البراري ونوق الجربِ

ربما ظنكم الظنُّ هفوةَ الخالقِ في خلقهِ

فهل كانت أيمانكم شهباً وشمائلكم لؤلؤاً ؟

نعم

ولكن الرؤية اضمحلت في بدء الفرسخ وتكالبت على الختامِ الحدقُ.

أيها الخلاسيون

الضائعون ، المشردون ، في معابرِ الكلامِ ونقاطِ الحيرةِ ، وشعابِ التفاصيل ، سنحت فرصتُكم ولم تقضموا وترَ الطريقِ لكي تقترب غايتكم ، تلتئم جراحُكم ، تعبق روائحُكم ، تنحسر إلى الأبدِ فاقتكم ، ثم تنجلي غربتُكم ، وتأتي من أبوابِ الصلاةِ عودتكم . فهنا لا تدور في الأفلاكِ كواكبُكم ، لا تجمح فكرتكم ، ولا ترتوي أفواهُكم .

أيها الضالون

غبرتكم العواصفُ ، لوّحت وجوهَكم الشموسُ وصرتم إلى النهايةِ قابَ قوسين أو أدنى ، فلا انفقأت رئاتكم ولا وهنت أقدامكم ، فما بالكم اعتصرتم حنظلةَ الموتِ في بطونِكم ، ونحتّم من عظامِكم عاجاً لأسنانِ الخطيئةِ ، تفترسكم كلما انبثق في خلواتكم عشقُ ، وكلما أشرقَ في صدورِكم شوقُ .

قال جابر بعد أنْ كفَّ عن النحيبِ :

صدمتني الرؤيةُ حين وجدتكم شتاتاً ، وغشيني الموتُ حين رأيتُ مدناً أحببتها أُحيلت نثاراً ، وسلكني الخوفُ حين عبَّ طائرٌ أزرق من نهرِ أدمعكم . ربما توهمتُ وتوهمت سهام الخلاسية أملاً وفاتتنا فطنةُ ، ففي المحنةِ يذهب العقلُ ، يرتجُّ الأفقُ ، وتتضبب صحوةُ . أيها الخلاسيون ، التائهون ، المشردون ، مشواركم طويل ، وطريقكم حريق ، فلا تأخذوا الرؤيا بجريرةِ الصحوةِ ، فالرؤيا أفصح لساناً ، وأصدق بياناً ، وأشمل خيالاً . إني أرى نحساً يعانقكم ، ومسّاً يسوّركم ، ورمساً يناصبكم . فابعدوا عنكم جسدَ النّحسِ ، وحطموا أسوارَ المسِّ ، واحرثوا أرضَ الرمسِ . عندئذٍ تهبُّ رياحُكم وستكون أقربَ إلى النسيم حين تستعذبونها .

 

صورةٌ إيحائيةٌ ، مهلهلةٌ سقطت من زئير رؤىً ليليةٍ ، دفعها السّحَرُ إلى متنِ الصمتِ المتمرغ بأسف الشرفات .

صورةٌ من وثنِ الكلامِ تبددت على ضفافِ أوتارٍ صوتيةٍ مازالت تترنحُ على جدران كهفيةٍ عبرتها الحناجرُ .

صورةٌ ذائبةٌ في هشاشةِ النعاسِ انصلبت في مآقي الحيرةِ ، عندما أدركها الوضوحُ في أولِ المطافِ .

صورةٌ مخضبةٌ بالرمادِ فززها الطلُّ الغجريُّ عندما أعلن الصبحُ موتَ آخر نرجسةٍ باتت وحيدةً .

صورةٌ خرمتها البراعمُ ، التي تنهدت مصادفةً من أسطحِ أغصانٍ أجبرتها السنونُ على الاحتراب حد الزفراتِ الأخيرة .

صورةٌ لجوقةٍ من طيور أُستُلِب فضاؤها وعادت تبحثُ عن آفاقٍ ولو كانت مرتحلةً .

صورةٌ لم تنجبها العدساتُ للبصرةِ وهي تدفنُ نصفَ مواليدها ، نصفَ رجالها ، نصفَ نسائها ، نصفَ نخيلِها ، فتباعدت أحياؤها ، تناثرت بساتينُها ، ونضبت نصفُ مياهِها .

هلعت سهام وكان الصبحُ يعدو على صهوةِ جوادٍ أشهب ، تتبعهُ نبالُ الخطيئةِ ، وطائفةُ أدعيةٍ مكتومة الأنفاس . خاطبتِ المغني صانع الشِّباك :

تلك صورنا زفتها المراثي بقاربِ الفجيعةِ ، أو تطايرت مع شظايا اللوعةِ . فمَنْ يحلم بمدينةٍ مات نصفُها والنصفُ الآخر يتوسدُ الرملَ عارياً .

أيُّ مجنونٍ سيأتي غبشاً ، وغبشاً يموتُ على صدرها ؟

أيُّ نسلٍ سيتدفقُ من ينابيع انقطع شريانُها ؟

أيها المغني هل أدْمَنّا النواحَ وذهبت الأبصارُ ؟

يا صاحب الكوخ الذي حطمتهُ غضبةُ الجُزرِ ، ابتنِ لنا كوخاً على أبوابِ البصرةِ ، يؤمهُ العابرونَ في الظلامِ ، التائهونَ في البراري  والذين زاغت بهم عن السبيلِ القدمُ .

ابتنِ لنا كوخاً على جبهةِ النهرِ ، للعائدين خلسةً عن طريق الهندِ ، والقادمين مع المدِّ ، والذين راودتهم الصلاةُ في مقتبلِ العمرِ .

مرّةً يا صانع الشِّباكِ ، فتحنا القلوبَ لنحيبِ الريحِ ، فوجدنا الأحبةَ غرقى بأمواجِ البدايةِ .

قالوا :

جنحت سفائنُنا . فأخذناهم إلى الهزيعِ معطوبي الكواكبِ .

مرّةً فرشنا لمَنْ جاء يحج خميلتنا فأمسى الحجيجُ بين نيزكٍ وشهابِ.  يا صاحب الكوخ ، ما ملّت الخيلُ رملَ صحارينا ، ولا عابت الطيرُ تمرَ نواحينا ، وما صدحَ صوتٌ إلاّ من لذيذِ خمورنا ، ولا سبحَ نجمٌ إلاّ في زرقةِ ليالينا . فما بالنا إلى التصوير صرنا حين غادرَنا الطينُ ؟

يا صاحب الصوت غنِّ ضحىً للسحناتِ التي لوّحها الضيمُ ، للصدور التي أُفرغت من حليبها ، لشعورٍ ارتحلت في أعقابِ  الريح ِ، لإناث أنستهن المآتمُ سحرَ أنوثةٍ ، لرجال أريق ماءُ فحولتهم حين داهمتهم الحوافرُ ، لصبايا أينعَ السلُّ في عظامِهنّ ، لصبيةٍ أشرقَ الذلُّ في محاجرِهم ، لنخيلٍ أحنت قاماتِها الطبولُ ، لبساتين حرثتها العداوةُ ، لورودٍ أذبلها الخوفُ ، لساحاتٍ لم تبقَ منها غيرُ الأسماءِ ، لبيوتٍ سكنها الأنينُ ، لأجسادٍ توشحت   بالسوادِ ، لشبابٍ اتخذوا من الهوان سبيلاً .

أيها المغني

غنِّ لعائشة التي لزمت الصمتَ في زمنٍ كثر فيه الكلامُ ، لحليمة التي أوجعتها التفاصيل فأغلقت باباً نسجت عليها العناكبُ ، لبهية التي اختطفت جمرةً من موقدِ الشوقِ لتطلقها فيما بعد ، للمصور الجوّال الذي ظلَّ مطلاً من عدستهِ ، حاضراً في كلِّ الأجيالِ ، لطفل الصبحِ يرفرف كلما وافتهُ نبوءةٌ ، وكلما تلّوى العبادُ جوعاً . أيها المغني يا صانع الشِّباك وباني الأكواخ .. مرةً حطَّ الطيرُ الأزرق على نهرِ دمعِنا وكانت قد جفّت مآقينا . . لم يجدْ ما يشربه فأغفى من عطشٍ . نخرَ الطيرُ ، قُلْ قتلناهُ .

غنِّ ضحىً لفعلةٍ سوف نفعلها ، وحديثٍ سوف نبدؤه ، ومدينةٍ ما أضعناها . . يا صاحب الصوت سنمضي ضحىً لمَنْ توّجه الخلاسيون مليكاً للطربِ . سنمضي ضحىً نفكُّ قيدَ مَنْ كبلتهُ المواسمُ .

قال المغني صانع الشِّباك :

ـ لم يحنْ بعد وقتُ الغناءِ .

ـ حتى للمراكب التي ستأتي بلا أشرعةٍ من منحدر الرجاء .

ـ لن تصل إلاّ إذا سلكت مجرى الوفاءِ .

ـ سيرشدها الماءُ . أنا أدرى بشيمةِ البحارِ .

ـ تغيرت عاداتُ البحار ومزقت أعرافَها .

ـ  وشهامة الأحياء ؟

ـ حطمها المرجانُ بإرادة الزرقةِ .

ـ إذن ستغني لقافلةٍ تأتي من الصحراء .

ـ لن تأتي .

ـ  ولو على ظهر فرسٍ تنتهب الرملَ .

ـ أنتجَ الرملُ جمراً متلألئاً وجفلت الأفراسُ .

ـ لكنك ستغني يا صاحب الصوت .

ـ لِمَنْ ؟

ـ لملائكة ستهبط من السماء .

ـ لن تهبط !

ـ لماذا ؟

ـ سيثنيها السرابُ .

ـ سوف يتبدد إذا ما جاء الشتاءُ .

ـ لا فائدة ، لن تهبط .

ـ أنتَ متشائمُ ، ولكن لماذا ؟

ـ سيحلّ بديلاً عنهُ ضبابٌ أو مطرٌ أسود .

ـ حتماً ستغني . . لن أفارقك حتى تنطلق حنجرتك .

ـ لا تفارقيني ولكن لِمَنْ  ؟

ـ للخلاسِ .

ـ قلت لم يحنْ وقتُ الغناءِ .

ـ سيحين !

ـ ربما ، أما الآن فلا .

ـ قلت ستغني ضحىً .

ـ لا ، لن أغني

ـ يا صاحب الصوت . . يا باني الكوخ . . يا صانع الشِّباك . . ستغني ضحىً .

 

ضحىً تهالكت سهامُ على رملِ الخطوةِ  . تحت ظلِّ الجدارِ الناتئ في الصحراء استطابت برودةَ الخلوةِ . قالت فلتأخذنا يا طفل الصبحِ استراحةُ المقاتلين ، فعلى شساعةِ هذا المدى احترب الأجدادُ حتى سقت دماؤهم الحصى  . على ماذا ؟

من خطوةِ الإمامِ نستطلعُ المفترقاتِ التي استوحشت ، بعدئذٍ نقررُ بفكرٍ نافذٍ ، أين سنبني كوخاً للعابرين ، في غفلةِ الظلامِ ، إلى نداءِ العيون . للتائهين في البريّة بلا نجمةٍ هاديةٍ ولا طلل . من هنا سيمرُّ ما تبقى من الزبيريين ثقالاً ، تحت وهجِ الشمسِ وحرِّ الصيفِ ، ينوؤون بأقفاصِ الحمامِ ، يسوقون قوافلَ الإبلِ بلا أجراسٍ ورنين . وهنا يتدربُ الحمامُ الزاجلُ على الأسفارِ حيث لا عوارض ولا جوازات سفر ، تربيةُ الحمامِ عادة اكتسبها الخلفُ عن السلفِ ولم تبطلْها الحضارةُ ، يؤكدون : هكذا كان الأسلافُ ، بينما النسوةُ المبرقعات يوارين خلفَ البراقعِ وجوهاً أُنهك الخالقُ في صنعِها ، وتحت الغلالاتِ الشفيفة أجساداً من عنبر وياسمين ، تعبقُ كلما لامسها ندىً ، وتشهق متفتحةً كلما خطت فوقَها الأناملُ . الزبيريات يبخرْنَ ليلَ الحُجُراتِ لفحولٍ أجهدهم المسيرُ ، لأزواجٍ قرصتهم الحاجةُ . . ظباءٌ نافرةٌ بين الآثالِ تبحثُ عن طقسٍ فردوسيٍّ مؤجل . هنا نستريح قبل القرارِ لعل همّةَ الفكرِ تنتصرُ .

ضحىً ما بين السيبةِ وأبي الخصيب ابتنى المغني صانع الشِّباك كوخاً من البردي وسعفِ النخيلِ ، وعلى جبهةِ النهرِ الفسيحةِ أقام . ظلَّ يحتطب الزّبدَ المنسيَّ بين أشداقِ النهرِ وكان الزبدُ شحيحاً . ظلّ يعالج حيرةَ نوارس علقت بأنصالِ السعفِ ، كانت وفيرةً . مصادفةً مرَّ الربابنةُ على مملكتهِ التي شُيدت توّاً .

تساءلوا :

ما صنعت يا صاحب الصوت ؟

أجاب :

صنعتُ كوخاً للعابرين خلسةً في محنةِ اليمِّ ، والقادمين من أعالي الموج ، للذين تراودهم الفجيعةُ في مستهل الطريقِ . سيأتي الخصيبيونَ بسلالِ التمرِ فارغةً ، سيعبرون في ممرٍّ مائيٍّ طويل إلى اللامنتهى ، حيث يتهشمُ على رؤوسِهم الحلمُ ، بينما النسوةُ يطلعن النخلَ السامقَ إلى تاجِ المنتهى وحين لم يجدْنَه ينغمرْنَ في موّالٍ حزين .

ضحىً ، أُنجزَ كوخٌ من الصفيحِ على مشارف الصحراء ، ما بين سنانِ الرمحِ * وزعيقِ الحصى . احتجَّ البدو الأجلاف .

قالوا :

دنستِ تربتنا أيتها الخلاسيةُ .

أجابت :

شيدتُ كوخاً لمَنْ تجبرهُ البراري على الضّياعِ ، لمَنْ تحاصرهُ الذئابُ ، ولِمَن أرادَ التزودَ بصرّةِ زادٍ. سيأتي الغجرُ ليلاً بالدفوفِ والصنوجِ وستشبّ نارُ الأبدية .

ضحىً ، ترمدت عينُ الشمسِ من عمودِ دخان ـ كان الشاطئُ ما بين السيبةِ وأبي الخصيب يرتشف فنجانَ الشاي ـ ثم اندلعت على الجرفِ النارُ . . جفل المغني صانع الشِّباك ، لكن عنابرَ خزن الحبوبِ نزفَ وريدُها إلى السماءِ . تطايرت شظايا الجمر في

الأنحاءِ . احتشد البصريون كأشباحٍ مسمرةٍ فوق الصلبان . رأوا طائراً أزرق ، ضخمَ الجثةِ ، عظيم الجناحين ، يهوي مثلَ قذيفةٍ إلى دائرةِ اللهيبِ ، ثم يندفعُ إلى الهواءِ محترقاً . صاح   الخلاسيونَ : احترقَ طائرُ المأتم الأزرق .صوّب الطائرُ الملتهبُ وجهته نحو الصحراء ترافقهُ العيونُ ذاهلةً ، حتى انطفأ في  الأعالي ، عندئذٍ خرَّ إلى الأرضِ مخترقاً قشرتَها ، مزلزلاً باطنَها .

ضحىً ، خرجَ الزبيريون بأدواتِ حفرهم . طعنوا الموقعَ .. أُستخرِجَ الطائرُ من قبرهِ ، كان متفحماً . نفخهُ طفلُ الصبح ، أحالهُ رماداً في الأمداء .

قالت سهام :

مات النّحسُ وحُرِث الرمسُ . بعد هنيهةٍ سُمِعَ صوتُ دويٍّ هائل . لا أحد يعلم ما الخطب . قال الطفلُ : انهدت أسوارُ المسِّ .

قالت سهامُ :

يا صاحب الصوت ، ستغني ضحىً !

 

*   *   *

نَقّيْنا الدخائلَ ، نظّفْنا البيوتَ وفرشناها ، نطقت عائشة ، ثم عطّرْنا جسدَ الآسِ بِندٍّ هنديٍّ ، دثرناه بِشالٍ تبريزيٍّ حلو الديباجة ِ. سنجلبُ كحلاً يمانياً لعيونٍ أمطرت ، تقذّت ورمدت وما قصُرت رؤيتُها . سنجلبُ سِحْراً لِمَنْ فقدَ مِن سِحْرهِ ، وعبيراً لمن استنزفَ عبيرَهُ في المسيرِ أو أراقهُ في المنعطفاتِ . ننتظرُ أهلةً تتساقطُ من صحونِ ليلٍ داجٍ إلى حرقةِ نوافذِنا ، وأقماراً على رقةِ أكؤسِنا ، وأطيافاً تسرحُ آمنةً على وسائدنا . أبّرْنا النخيلَ من دفءٍ كنّا اختزناهُ ، سقينا النهرَ من طاسٍ كنّا ملأناهُ ، وقربنا المهودَ من أرحامِ بناتنا . سينمو النخيلُ ، ويجري النهرُ ، ويلدُ الرحمُ ، فتوقي إلى صباكِ يا حليمة التي أهرقت عمراً مزهراً في وحلِ الطريقِ ، وشباباً ما رفَّ فوقَهُ جنحُ الحبورِ ، وروحاً ظلَّ محتبساً بين دهاليز العتمةِ ، وجسداً بات يتيماً ، ما توشم يوماً ولا تخطفتهُ يدٌ رحيمةٌ من بطنِ المتاهةِ إلى وجهِ الوجودِ . تنهدي يا حليمة وأطلّي بعينٍ ضاحكةٍ على خميلةٍ استسقت من كوثرِ ، وأطعمت توتَها لوليمةِ عرسٍ فراشيٍّ ، ثم خلدت إلى ضحانا . تمخضي عن سِدْرةٍ بكرٍ تهزُّ أيمانَ العروشِ إذا ما انتصبت ، ويغتمُّ المليكُ إذا ما جاوزها للأخرى النبقُ . يا طلعة الحَوَرِ على برد السواقي ، سرى الهمُّ ، فانكشفي وتفوّحي كزنبقةِ النواقيس البيضاء ، ودعي الأفياءَ  تتضوعُ . أنت نبيذُ النجعةِ إذا ما انتجعنا ، وعشبةُ الفرحِ إذا ما فرحنا ، أنتِ يا مَنْ كفّها البلاءُ عن الشروقِ ، اشرقي وتكلمي وتوردي .

حليمة ساكتةٌ ، نطقت عائشةُ التي اختارت الصمتَ سبيلاً وسكتت حليمةُ . ربما ستجمع مفرداتِ الكلامِ أو ترتب حروفَ البدايةِ التي ضاعت في شتات الذاكرة . فهل أغلقت باباً وفماً ؟ في تلك الأثناءِ دخلت سهامُ بوجهٍ مغبرٍّ ، يتبعها طفلُ الصبحِ . ألقت التحيةَ وانحنت على الرؤوسِ ، ثم وجّهت السؤالَ إلى حليمة العذارية :

ـ أجدكِ مكتئبةً يا موطنَ الصبرِ ؟

ـ كممتني الرؤيةُ

ـ ألستِ مصدقةً ؟

ـ نعم ، رأيته محترقاً ، غازياً كبدَ السماءِ

ـ وأحاله طفلُ الصبحِ رماداً

ـ بورِك فاهُ . لكنكما تأخرتما ؟

ـ شيدنا كوخاً على مشارف الصحراء

ـ إذن سيلثم أقدامَ مَن أتعبتهُ المسافةُ

ـ وسيرتوي الرملُ من عرقِ المسحورين

ـ فهل تزدهر الكمأةُ ؟

ـ وينمو العشبُ

ـ وسيصبح العشبُ غابةً

ـ والغابةُ حياةً

ـ لا تحلمي يا سهام

ـ لماذا ؟

ـ ربما جاءوا من البحرِ

ـ شيدنا كوخاً على جبهةِ النهرِ

ـ ها قد جاء المغني صانع الشِّباك

صدحَ صوتُ المغني صانع الشِّباك وصاحب الكوخ

قالت سهامُ :

ـ قلتُ حتماً ستغني ضحىً !

 

*  *  *

تأخرتَ أيُّها المصورُ الجوّال

خفقَ جنحُ النهايةِ . . . . . .

تأخرتَ

أنأى بك المشتهى

اعترضتك غيمةٌ مثقلةٌ

أم شاغلك الملتقى  ؟

حُمِلت المرايا على نحرِ الطريقِ

العدسةُ خرجت من رَفّةِ الماءِ

وأنتَ . . .

أ تباعدتَ عنوةً

أم عقدتَ العزمَ على المجيء ؟

أيها المصورُ الذي ما مات

كفَّ النواحُ

وباشرَنا السؤالُ

حيث صار

ما بين البصرةِ وبرلين فرسخٌ طويل

في ليلِهما وجهٌ جميل

فيما بينهما كلامٌ نبيل

وعلى وسائدِهما وردٌ بليل

وفي غيابهما أحياء منشطرةُ المداخلِ

ما بين البصرة وبرلين

سوقُ رقيقٍ

حدودُ قراصنةٍ وضفدع ينقُّ

على أسطحهما غرابٌ ينعقُ

وفي أقبيتهما أدماتٌ تتشققُ

ما بين المدينتين

رهبانٌ رحلوا

وأديرة شاخت بوجهها النواقيسُ

ما بين البصرة وبرلين

لهفةُ طفلٍ رضيعٍ وشقاءُ أمٍّ ما درَّ حليبُها

تلك قاصمةُ الظهورِ وكاسرةُ الخواطرِ

ما بين البصرة وبرلين

شربةُ ماءٍ ما عظّمَ الينبوعُ أجرَها فكانت زعاقاً

فهل حطّمت سدودَ الماء حِبابُ ؟

هي البصرة

تمضي إلى البحرِ بِلوثةِ الظمأ

وإلى السماءِ بنطفةِ الصبرِ

هي البصرة

حاضرةُ الحواضر

*  *  *

 

ضحىً هدلت برلين ، كلُّ برلين ، ها لقد فرَّ الحمامُ من الصدورِ ، وصعقت عيونُ الخلاسِ مجرى النحورِ ، وأنتَ زفرةُ يائسٍ ترتدُّ من على الرخامِ ، كلما زعقت أصداؤها وكلّما أجبرها اليأسُ على العبورِ .

أيها المسحورُ

يا زائدة مشوِّهة لأطياف الضحى

هذهِ برلين سلعةُ المرحلةِ

فهل تشتري ثوباً بالياً في مزادِ البؤسِ من ثيابِها .؟

هذهِ برلين تلهجُ بالرفضِ فهل تجرؤ على اقتناصِ ودِّها ؟

لكن جابراً يسرحُ ضحىً ما بين سموِّ أعمدةٍ وشموخِ هضابِ ، يتلهى بِدُرِّ الخيالِ

يتلفُ ثمرَ التيهِ بأقدامٍ متعبةٍ

يستأنفُ سحراً في ذروةِ الفحشِ

يأتي إثماً في غمرةِ طقسٍ مقدسٍ

ويسطو على سكناتِ الوردِ

حيث لم تبقَ في حياضِ البقاءِ بقيّة

وحيث تنفرجُ برلينُ إلى أقصاها في غرابةِ التثاؤبِ

وحيث تتجلى الرغبةُ حُمْرةً على سُرّةِ اللحظةِ

أتنجو وقد فاتتك المشاويرُ وخفقت أمام عينيك خرقةُ المهدِ ؟

لا غضاضة عليك

ستمضي برلين بكامل امتلائها

سيرقصُ اللونُ على عريِّ اللوحةِ

ستنمو الأشياءُ على اكتمالِ دورةِ عطرِها

وسيأتي الخِلاسيونَ بنفحةِ التناقضِ :

رقةٌ قسوةٌ .. حبٌ كراهيةٌ .. صدقٌ كذبٌ .. حمقٌ هدوءٌ .. سلامٌ عداءٌ . طباعٌ متطرفةٌ ، متأصلةٌ في السليقةِ .

إذن لن أكونَ على هامشِ الهديلِ . هتف جابرُ .

وكانت تيغل  محتدمةَ الوهج الإنساني

وأضاف :

سألجُ غُرّةَ الوهجِ ، ستحملني برشاقةٍ إلى حيث لا يأتي الغرباءُ على أعتابِ بابٍ تربضُ خلفَها جوهرةٌ نقيةٌ ، إلى حيثُ لا يأتي الأَعْرابُ بنفاقِهم ، لا يأتي الأنغوليُّ  بغلمتهِ ولا سيدةُ المطعمِ بفحيحِها . سألجُ الوهجَ مدعواً إلى العُمرةِ بلا محللاتٍ أو محرماتٍ ، بلا اشتهاء جسدي ، حيث لا امرأة تفتح نافذةَ الغوايةِ ، ولا رقصة تجتذب أقداماً في ساحةٍ كابيةِ الأنوارِ . سألجُ ممراً مائياً مقمراً بالملائكة ،

محتفياً بالآلهةِ ، لاهياً بعبث الحورياتِ ، في منتصفهِ تسترخي حوريةٌ ، توِّجت توّاً على كرسيٍّ فاخرٍ من الصندلِ المطعّم بالياقوت والفيروز ، يتوسط جزيرةً صغيرةً  تستقرُّ بأبهةٍ على جسدِ الممر المائي المؤدي إلى بحيرةِ تيغل ، قيل إنها استقرت بعد سفرٍ   طويل ، وهناك على حافّاتِ الجزيرةِ تتلاعبُ كائناتٌ آسرةُ الجمالِ.

سأدخلُ من فوّهةِ الهديلِ لكي يسكنني وأسكنهُ

سأطفئ شمعَ التتويجِ وأعلِنُ أمامَ نبتون القادمِ للحفلِ

إنَّ حوريتي هي سيدةُ الحوريات

وهي مليكتهنَّ ، وهنَّ وصائفُ

سأعلنُ مبايعتي وولائي لها باعتباري جابر المسحور الذي

ردَّ للنهر عافيةً

سأدخلُ مزهوّاً بعبقِ إكليلِ وردٍ أضعهُ على رأسِها

وأزف التهاني بالقبلاتِ

هل ستدمعُ عيناك فرحاً أيتها الحورية ؟

قبيل رحيل الضحى ستأخذني تضاريسُ الماءِ عَبْرَ صياحِ الوزِّ وابتسام الزنابقِ إلى صدر البحيرة

سأجد المكانَ منغلقاً بالأحياءِ

أتساءلُ :

مَنْ يرشدني إليها ؟

تهملني الأحياءُ

أتوسلُ :

مَن يوصلني إليها ؟

تصدني الأنحاءُ .

أصرخُ

يرتجُّ الماءُ .

أضع إكليلي على رأسي

تتخطفهُ الأمداءُ

عندئذٍ ترحل البحيرةُ وينطفئ الرجاءُ

سأدخل أوداجَ الهديلِ لكي يترنم بسحنتي الحمامُ

ومِن عُنقِ الحانةِ التي أدمنت الكلامَ المتمترس في الكأسِ

وأدمنت الرقصَ المتلبسَ بالرجسِ

وأدمنت شفاهاً لا تنفر باللمسِ

سأدخل يا سيدةَ المطعم كلي وبعض حشرجةٍ اختلجت في النفسِ  هل جاء الإغريقُ قبلي ؟

هل جاءت الأعرابُ بعدي ؟

أخذنا البصرةَ بجريرةِ نبوخذ نصر ، وبرلين بجريرة هتلر

فلتزهُ المصادفة سيدتي ، فلتتبختر

أنرقصُ ؟

جذامٌ هو الرقصُ إذا ما لانَ الجسدُ وتفجر

أ نلعبُ ؟

مضيعةٌ هو اللعبُ إذا ما تهتك النهدُ وتمرمر

سأدخل سيدتي برائحةٍ كنتِ شممتِها

وضفّةٍ كنتِ عبرتِها

وهمسةٍ كنتِ سمعتِها

فما بالك حين تتفتقُ سجاياي في باحةٍ أنتِ ملكتِها

أيتها النادلُ سيمرُّ الضحى من فوقِ حيرتِنا ويتقهقر الهديلُ

حينئذٍ سيأتي الإغريقُ بنخاعِ الملاحمِ

وتأتي العربُ بدفء الحضارةِ

بعدئذٍ هل يأتي الغرباءُ ؟

نعم .. ها قد جاء الأتراكُ بزمهرير الوقتِ

الفرسُ بطاق الفتحِ

الإسبانُ بسيف النصر الطليانُ بكبدِ صقلية

الروسُ بتاج القيصر الألمانُ بقرط براغ

وسيأتي الأنغوليُّ خارجَ السربِ بداءِ الأفارقة

سيعبرُ الضحى من ثغورِ غَفْلَتِنا وننمو على هامشِ الرفيفِ

أيتها النادلُ

ضيعتني ممراتُ التتويجِ وشعابُ الحانةِ

وأنتِ دوخك العبيرُ وبردُ الكؤوسِ

فتطيبي قبلَ نفادِ الطيبِ

وتبردي قبل تحطّم الزجاج بشهقة الثلجِ

ثم دعينا نتوارى غدوةً  خلفَ وثنِ اللذّةِ القابع بالشريان

أو عشيةً في صدر اللُجّة

فهنا تتوالد الخطيئةُ عن الخطيئةِ

والعفّةُ تحنطت في قبو النسيان

لن أدخل يا سيدة المطعم من أيِّ مكان ، فقد سخر مني الضحى وصرتُ من الصلبِ أقرب للصلبان . لن أدخل يا سيدتي من فوّهةِ الهديلِ ولا من عنقِ الحانةِ لقد تركتني الغلطةُ في زمنٍ ليس مثله في الأزمان .

قالت النادلُ :

ـ هل ردتك الحورياتُ ؟

ـ أنكرتني الممرات.ُ

ـ ثم انكسرتَ وعدتَ خجلاً.

ـ أبداً ، كنتُ عنيداً ، مصراً على الدخولِ .

ـ على مَنْ ؟

ـ ليس مهماً الهدفُ .

ـ إذن ضيّعتَ رميتك !

ـ  وتبعتها رميات .

ـ وفات الضحى !

ـ وتعطل الهديلُ .

ـ أعدك سنقلبُ الدورةَ .

ـ كيف ؟

ـ نمسك بتلابيبِ الليلِ .

ـ مَنْ يطردهُ النورُ لا يكتنفه الظلامُ .

ـ ربما أبعدك لئامٌ وعانقك الكرامُ .

ـ لا أظنُّ فذاك مذهب الجفوةِ .

*   *   *

عشيةً زُجَّ الأنغوليُّ في جوٍّ احتفاليٍّ بين أنينِ إناثٍ شقراوات وزئيرِ الزنجِ .. عشيةً احتدَّ الظلُّ ، اصطخب الطبلُ ، بُدئ   الوصل ُ، أُرتشف المصلُ ، وترنح الجميعُ بعدَ الخلوةِ . عشيةً طفحت مآقي جابر بعد انكشافِ الذكرى في سماءِ حُجرةٍ لا يدخلها سوى الوحشةِ تنهد :

قالت :

نمسك بتلابيبِ الليلِ .

هُراء يا هذي فلا الليل يغويني ولا أنجمهُ تسعدني

هراءٌ يا ابنة الأصلِ ، لقد فركني الوقتُ بين راحتيه

طحنتني رحى الكلامِ ونثرتني على سكةٍ قصيةٍ

ستأتي العجلاتُ معربدةَ المفاصلِ ، متجهمةَ الوجهِ

ستأخذني إلى حيثُ الفناءِ

هل تأتي القطاراتُ ؟

أجل

بالنعيبِ والنحيبِ

وسوف تحطُّ الرحالَ في بلدةٍ أكل رأسي حنينُها

يا ابنة الفصلِ هذا الأنغوليُّ لا يبرحه الرُعاشُ

تبت دكنتُهُ

ولا يختصرُ الجسدَ

والأعرابُ واظبوا الزعيقَ

فهل تأتين ؟

إذن احذري النبوءةَ وعدسةَ المصور الجوّال

ـ ألم تقل مات ؟

ـ لم يمت .. فهل تأتين ؟

ـ نعم ، كنت وعدتك !

ـ لم نتفق ، ولكن من أين تدخلين ؟

ـ من فمِ الرحى !

ـ ستهلكين

ـ لا عليك .. لقد أعطبها اللهوُ .. أوقفها اللغوُ

ـ إذن احذري النبوءةَ  !

ـ أنا بها أدرى

ـ كيف ذلك ؟

ـ تطهرت بشجر الأصلِ وماء البداية

 

انقطعَ الحوارُ تحت وطأةِ الطَرْقِ واختلاط اللغاتِ  ومازال الأنغوليُّ محتلماً ، محتفياً ، محتفلاً . فُضّت وحدةُ جابر ، حيث لم يحدسْ أنَّ الغرباءَ قادمون .

أيها الغرباءُ المتصاعدونَ مع دخان البوادي

القادمون من رمادِ الجبالِ

لفظتكم الرمضاءُ حينما أغرتم على مباهجِ شجر الواحةِ

خلخلتم ثمارَهُ وسودتم رمالَهُ

أيها الغرباءُ المسكونونَ زوراً بالجنةِ والنارِ

سقطت راياتكم في الهيجاء

فانطمرت تلاوتكم إلى يوم يبعثون

وفارقتكم عزّةٌ

هذا جابر المسحور هجركم فما هجرتموه

وتجنبكم فما تجنبتموه

ولاحقتموه إلى حطامهِ في ديار الغربةِ

أبادكم الطيرُ وفتكت بكم الفاتكةُ

قالت الحوريةُ :

سأجعلنكم لعاباً مسيلاً من أفواهِ أمهاتكم

دماً طمثاً ونزيزَ مخاض

أَفتنتكم البغضاءُ يا أبناء الباغياتِ وتجردتم من نسلِكم في وهدةٍ بلا انتماء وصرتم كالزيغان حين يصدمها القحطُ ؟ ..قاتلكم حسدُكم وصُبت عليكم نارُ الفضيحةِ ، واستهللتم دروبكم بالصدمات .

حينما أفاقَ جابرُ ، وجد نفسَهُ متوسداً فخذَ الحوريةِ ، والحُجرة

مكتظة بالأجسادِ ، والنادل تذرف دمعاً . تساءل :

ـ ما هذه الأجسادُ  ؟

أجابت الحوريةُ :

ـ علامات الحقدِ .

قال الأنغوليُّ  :

ـ قالوا نبذَنا وفضّل علينا الأنغوليَّ .

قالت النادلُ :

ـ وتوعدوا الحانةَ .

قالت الحورية  :

ـ سأجعلنهم صيداً لِمَن لا صيد له .

قال الأنغوليُّ  :

ـ احتجبت الأعرابُ .

قالت النادلُ  :

ـ استشعروا المهانةَ .

قالت الحورية  :

ـ اشربوا النبيذَ  .

قال جابرُ  :

ـ دوختني الممراتُ .

قالت الحورية :

ـ تطهروا بالنبيذِ .

قال جابرُ  :

ـ اكليلي تخطفتهُ الأمداءُ . . ولم أحضر التتويجَ .

قالت الحوريةُ  :

ـ سأضعهُ على رأسِك .

قالت النادلُ  :

ـ جهزتُ النبيذَ .

قال الأنغوليُّ  :

ـ ويرقصُ جابر .

قالت النادلُ  :

ـ سيرتجُّ المطعمُ .. ويُسفح العبيرُ .

*   *   *

أتينا الجداولَ وجدناها مُبتلةً بالعافية .

قالت سهامُ

ثم سرنا على إيقاعِها نحو أطرافِ البصرة شرقاً ، لكي نجمعَ رحيقاً لنحل مزارعنا أو نجتنيه من الضفافِ ونضعهُ في جوفِ زورقٍ أهملته الأساطيلُ ، وفي طريقنا نعدُّ الخساراتِ . سرنا مع انسيابِ الجداولِ حتى أجهش الضحى على رؤوسِنا وانتحب النخيلُ . قلنا مازال النخيلُ حزيناً .

سألناهُ :

ألم تُردّ لك التيجانُ ؟

قال :

بلى .

قلنا :

فما أبكاك هذا الصباح يا سيدنا ؟

قال : أبكي عائشةَ التي غادرتنا فجراً إلى حيثُ لا رجاء في عودتها.

أنبأنا النخلُ .

تعثرنا .

أبننا النخلُ .

عُدنا .

هاجم زورقَنا النملُ .

أفرغنا أيدينا من ثُمالةِ نقيعنا حتى جرى من بين ذهولنا العقلُ ، وصار كلٌّ منا أسير الخطى كأنه ثملُ .

أضافت :

البارحةَ رأيتُ جابراً من خزْرةِ الطيفِ محمولاً على نعشِ ، فزعتُ وداهمني الأرقُ .

قالت حليمةُ :

ماتت عائشةُ بعد أنْ حُلّت عُقدةُ لسانِها .

وأضافت :

البارحةَ كنتُ إلى جوارِها حين التهمت جسدَها الحُمّى وتناهبت فكرَها الرؤى :

رأت جابراً ، المنفيّ ، محمولاً على نعشٍ ، ثم صرخت من طعنةِ الموتِ .

اندهشت سهامُ وسادَ صمتٌ مطبقٌ وسكونٌ مطلقُ ، وبعد هنيهةٍ قالت :

سنودعُ عائشةَ وداعاً أخيراً

سيأتي الخلاسُ من كلِّ حدبٍ وصوب

ستلقى عليها النظرةُ الأخيرةُ

لكن سهام تُراجعُ طيفاً هو الرؤى

وليلاً كأنه ما انقضى

وأرقاً ظامئاً من عينها ما ارتوى

لكن سهام لا تبوح بما لا يجيز به المقامُ .

عصراً اجتمع الخلاسُ وكان الجسدُ مسجياً في تابوتهِ .. اندفعت الصلاةُ ، وفي أولِها ارتفع التابوتُ فجأةً .. انفضّ الخِلاسُ ، ومن الخوفِ تباعدَ الحشدُ . رويداً رويداً ، انفرج الموقفُ :

وقف المصور الجوّال في مقدمةِ النعشِ ، ووقفت بهيةُ بائعة الطيبِ في المؤخرة . حملاهُ على كتفيهما . . عندئذٍ اكتملت الصلاةُ . عندئذٍ نُثِرت الرياحينُ وانطلق صوتُ النائحة .. عندئذٍ أوعزت سهامُ للمغني صانع الشِّباك أنْ يطهرَ حنجرتَه بذكر مَن رحلوا ، من غابوا ، من دُفنوا ، من سُلِبوا ، ومن هُتكوا .

عندئذٍ صرخت :

عُد يا جابر ولو كنتَ ميتاً فالخلاس لا يموتون ، عُد لترى المصور الجوّال حاضراً يرفعُ النعشَ وبهية تنشر العطرَ .. يسيران بعائشة مرفوعةً فوقَ الرؤوس . عُد لترى الوفاءَ ناطقاً على شفاه حليمة العذارية ، والصدق متألقاً في محجري طفل الصبح .

عصراً دُفنت عائشةُ خالة جابر وصار مقطوعاً في منتصفِ الطريق .

إذن لم يَعُدْ جلبةً مثلما كان

لم يَعُدْ محتضناً كما كان

ومحمياً كما كان .

لم يعد طفلاً يفرُّ إليها كلما حاصرته الحاجةُ وعصف ببطنهِ   الجوعُ ، أو كلما ضاقت به عيونُ الرجال .

لكن من غرائبِ الأحداثِ ما تأتي به النبوءةُ . فحين ووريت عائشة الثرى ، التفتت بهية إلى الحضور ، شقّت طريقَها من بين الحشدِ صوبَ طفل الصبح . انحت عليه ، ضمتهُ إلى صدرها ، استنشقت عبيرَ نحرهِ وشهقت شهقةً أدمت قلوبَ الخِلاس . بعدئذٍ طلبت من سهام دون أنْ تنطق كلمةً واحدةً ، انْ حافظي على الأمانة . استلمت سهام الرسالةَ وغابت بهية . قيل عادت إلى التربةِ ثانيةً ، ثم بعدها بقليل ومضت عدسةُ المصور الجوّال .. اختفى هو الآخر.  قالت سهام :

سيكونون بيننا في كلِّ الأحوال ، وسيأتي جابرُ يا طفل الصبحِ حيث تستمر السلالةُ ، تأتي البدايةُ ، وتتكرر الحكايةُ ، لكن على ألسنةِ مَن عرف المدينةَ وبادلتهُ ثيابَها ، مَن عرف تأريخَها وسافرَ عَبْرَهُ إليها ، مَنْ عاشَ امتلاءَها وخواءَها ، ومن أكل خبزَها وتمرها .

سنمدُّ الموائدَ يا طفلَ الصبحِ على وجه الرخامِ

سننثر الآسَ على أكتافِ الليل

سنجعل ضوءَ الشمعِ يضاهي هالةَ القمرِ

وسيكونُ سُرادقُنا مفخرة الأبناء

ستأتي البصرةُ بأبهةِ الأباطرة

في موكبٍ نهريٍّ لا أول له ولا آخر

معها نتعللُ ونسهر

معها نبكي موتانا ونتذكر

معها نتضاءلُ حين تذوي ونكبرُ حين تكبر

معها نتشامخُ حين تشمخ ونُكسر حين تُكسر

معها نُغمد سيوفَنا إن أرادت ونشهرها حين تشهر

ماتت عائشة يا صغيري لكننا قربنا المهودَ من الأرحام ، وسيأتي الطلقُ متواصلاً من السحر إلى السحر. ماتت عائشة بعد أن أنبتت بذرةَ الديمومةِ في خصوبةِ الأرض ، ومن خلف الأفقِ ستأتي السفائنُ محملةً بالطيباتِ ، وقتئذٍ ستزدحمُ الموانئ بالأبواقِ . لم تمت عائشة يا صغيري ، أما رأيتَ المصورَ الجوّال يتقدم الموكبَ كغصن البان ؟ أما رأيتَ بهيةَ بثوبٍ هاشميّ تسكب الأطياب ؟

سيصبح القبرُ مزاراً ومن حولهِ ستنبثقُ أشجارٌ وظلال ، ستغردُ البلابلُ ويعشش الكنار ، لا تحزن يا صغيري سنزور عائشةَ كلما أطلَّ النهار ، وحين يأتي جابرُ المسحور.. استدركت سهام :

أتعرف جابر المسحور يا طفل الصبح ؟

لا أظنُّ . إنك أشبه الخلق به ، كأنكما فلقةٌ واحدةٌ انقسمت على بعضِها . قُل يأتي إن شاء اللّه .. لكن من أين ؟ هل يأتي من الصحراء أم من فوق وجه الماء ؟ لا أحد يدري ! لكنه سيأتي . لقد ابتنينا له كوخاً على جسدِ الرملِ وآخر على جبهةِ النهر ، وعلى أحدهما ستعثر عيناه ، وسيعرف أَنّ شراكاً كهذه لا تخطرُ على بالِ سواي ، وأنّ هوىً جارفاً لا يمكن أن يمسَّ نبضاً غير هواي ، وأنّ رؤيةً ثاقبةً لا يمكن أن يملكها أحدٌ غيري ، فهي رؤاي ، وأنه لا توجد خطىً في الكون ترشدهُ غير خطاي ، وستعلم يا طفلَ الصبحِ أنّ جرعةَ الصبرِ لم تُستنفدْ ، وفكري لم يُستعبدْ ، ويدي لم تُقيدْ ، وخطوتي لم تتحدد . ستعرف أَنّ سهام الخلاسية ابنة الشواطئ التي لا تشيخ لم تعشق رجلاً غير جابر ، ولا مدينةً غير البصرة .

قُل لي حين يأتي جابر المسحور هل تعرف نفسَك من نفسهِ ؟ وجهك من وجهه ؟ قامتك من قامتهِ ؟ هامتك من هامته ؟ صوتك من صوته ؟ يدك من يده ؟ لا أظنُّ فالطين الأحمر عجينة النسل ومنه ينحدر الخلود . لم تمت خالتنا يا صغيري ، والبصرة ستأتي الليلةَ ، سيملأ ضوؤها المكانَ ، ستطرد عنّا غولَ الوحشةِ وتنهر شبحَ الموتِ ، ستقلدنا أوسمةً ، وتسكننا قصوراً في جنائنها ، وستوعز لأفراس النهر، أن تقومَ بخدمتنا .

هل تريد وساماً ؟

هل تسكن قصراً ؟

هل تبتغي خدمةً ؟

لا أظنُّ

فأنتَ مسكونٌ بالهمِّ والحبّ وسام ، أنت مسكونٌ بالطهرِ والقصر خيام ، أنت مسكونٌ بالجوع والشبع صيام . فلنكفّ عن العويلِ ، لنترك حدائقَنا لنسيم عليل ، ولنفتح نوافذَنا لطلٍّ ثقيل ، حتى يدخلنا نقاءٌ شفيف ، يسامرنا روح خفيف ، يبتسم لنا سنٌ نظيف ، ويغمرنا جسدٌ عفيف .

مرةً يا طفل الصبح أخذتني الأشرعةُ إلى تخوم سيلان

حيث منابت الأعشاب العطرية ، والتوابل ، والغرائب .

هناك وجدتُ نفسي منسلخةً عني كما انسلخت القارّات عن بعضها وبانت الهوّةُ .

وهناك خفق جنحُ جابر وصار لا يفارقني

تارةً يخطف عيني

وتارةً يرشق نافذتي

وثالثةً يأسرُ موجتي

ورابعةً يحطُّ على هامتي

مرضت وطال بي المقامُ

عاد الربابنةُ وبقيتُ

ثم مزقتِ الريحُ الأشرعةَ

واختطفت الحيازمَ أعالي المحيطات

وقتئذٍ جنَّ جنونُ جابر

علمت بحالهِ ولم أتأخر

عدتُ على بقيةٍ في عقلهِ

لكنهُ الآن تأخر

أتدري يا صغيري أنه تأخر !

ولو عَلِم بجنوني هل يتأخر ؟

قال الطفلُ :

ـ ستُلوى تحت قدميهِ الفراسخُ .

قالت سهام :

ـ سيطفئ عَرَقُهُ أوارَ الحصى

ـ سيشرق بلا موعدِ .

ـ ولن يتأخر .

ـ هكذا تقول الرؤية .

ـ أيةُ رؤيةٍ  ؟

ـ رؤية عائشة .. ألم تره محمولاً على نعشٍ ؟

ـ رأيتُ ما رأت خالتنا .

ـ إذن سيأتي غبشاً .

ـ بعد أن فلقت رئتيه المنافي  .

ـ وغيبه عن الوعي الغرباء .

ـ وأهملته الأحياء .

ـ وصدته الأنحاء .

ـ سيأخذُ فُسحةً للتأمل .

ـ وأخرى للتوبةِ  .

ـ سأعطيك البشارةَ .

ـ لكن متى يأتي ؟

ـ لا عليك ، أنه قادم .

ـ ربما علم بموت عائشة .

ـ ربما ، لكن الحوريةَ لم تثقل عليهِ باليقين .

ـ وإنْ تيقن ؟

ـ سنمسحُ عن وجهه الحزنَ .

ـ بعد أنْ ينزفَ صدرُه ألماً .

ـ كما نزفت صدورُنا .

ـ سنقنعهُ بخلود الخلاس .

ـ هو أدرى منّا .

ـ إذن لا خوف عليه .

ـ لا تخف يا صغيري .

ـ سيأتي عَبْرَ كوخ الصحراء .

ـ وما أدراك ؟

ـ ألم تقولي سيطفئ عرقه أوار الحصى  ؟

ـ بورك صباك .

 

*   *   *

في طقسٍ مسائيٍّ حزين اجتمعَ الخِلاسيونَ تحت سقفِ سُرادق عظيم ، نُصِبَ لِمَنْ غادرت فجأةً وكانت في غمرةِ الإنتظار ، رحلت باكراً وكانت تبحثُ عن كحل العيونِ . حاول المجتمعون جاهدين ثني حليمة العذارية عن إراقةِ ما اختزنته المدامعُ .

قال المغني صانع الشِّباك :

حاولت معها بالحديث ، وكيف يحاول المرءُ مع مَنْ فقدَ نصفاً عزيزاً ، دون جدوى ،

وأضاف :

لم أرَ دمعاً متدفقاً بسخاء منذُ الفجرِ كدمع حليمة حتى يُخيل إليّ أنها لن تكفّ بعد اليوم ، فمَنْ ينوي مواساتها ، فليكن حميمياً في هذا الجوِّ المجبول بالحزنِ ، المشوب بالحذر ، فحليمة عاشت سخريةَ المأساةِ ، ومرارة الملهاة .. عاشت سموَّ الحياةِ وانحطاطها ، من العرش حتى مزدجر الكلب ولم تضعْ من نفسِها موضعاً خؤوناً . هي تلك ، لم تكن غيرَ بيرقٍ هامٍّ من بيارق النسل . فلنعظِّم أجرَها بعد رحلةِ الشقاء ، وانجرافِ أسوارِ العمرِ . طأطأ الخلاسيونَ رؤوساً مثقلةً وغضّوا أطرافاً متعبةً .

وقتئذٍ انبرت سهام :

دعوها تُطهر أنفسَنا بماءِ العين فنحن اليوم أحوج إلى التطهر من أيِّ وقت مضى ، أتركوها يا أعزائي تُغرِق البصرة بنبع الوفاء . فليغتسل الرملُ ويتطيب الثرى . إنها دموعُ القديساتِ ومطرُ   الجنان ، بعدئذٍ أوقفوا الرحيلَ .

أيها الخلاسيون ، أوقفوا نهرَ الموتِ وحطّموا عجلاتِ الفتك . أيها الخلاسيون ستبقى حليمة العذارية في أعناقنا ، نضعها في أحداقِنا ، ونرسمها على وجوهنا ، وإنْ شئتم فلنتوجها أُمّاً للجميع ، نتبارك بطلعتها ، نستأنسُ برأيها ، نحتكم إليها ، ونأمن بحضرتها . أيها الخلاسيون بورك مسعاكم ، أستنيرت عقولُكم ، اتحدت لحمتكم ، وطابت ساعتكم ، فأنتم مَنْ جمع شتات التفاصيل وختمها في صندوقِ المدينة ، أحكم غلقهُ وأودعه ذاكرةَ الأحفاد حتى تحين ساعةُ المكاشفة التي تُطلق جحيم القيامة ، ثم التفتت صوب المغني صانع الشِّباك :

قم يا صاحب الصوت وندّي شعورَهم بماء الورد ، أغمر أكفَّهم بدفءِ الأمانِ ، بدد قتامةَ الليل بخفقِ الشموع .

يا صاحب الصوتِ اشتقنا للذي هامَ

ووشمٌ من شفاهِنا على الروحِ

اشتقنا وملّ الصدرُ صمتاً فنادى الضلعَ للبوحِ

يا بانيَ الكوخ ما غنّى الحمامُ شجونَهُ

ولا بسقت دوحةٌ على دوحِ

يا صاحب الصوت أومئ للذي نأى ما تهجع النّفسُ بلا نوحِ

غيابه كفرٌ اصطليت به

وقُربُهُ فردوسٌ يضمُّ اللوحَ للّوح

فعل المغني صانع الشِّباك ما أمرت به سهام وتفرق القومُ في ساعةٍ متأخرةٍ من الليلِ ، ولم يبقَ في السُرادقِ غيرُ أركان المأتم الأربعة : سهام الخلاسية ، حليمة العذارية ، المغني صاحب الكوخ وصانع الشِّباك ، وطفل الصبحِ الذي انسحب نحو زاويةٍ في السرادق ، وكان شاحباً ، توسّدَ يدهُ وراحَ في نومٍ عميق .

همست سهام :

تعب الصبيُّ .

لكن أحداً لم يجبْها ، حيث نامَ الصحبُ جلوساً منذُ اللحظةِ . انفرد بها الليلُ وانفردت به ، ستشع دخيلتها بالذكرى حين يعمُّ الأرجاءَ ظلامُ .. سيدقُّ القلبُ لحنَ اللقاء وترقص المحاجرُ على إيقاعِ الطيفِ .. ولكن المدى شجوٌ . استرخت .. صاتت النفسُ :

أتأتي  ؟

من أين ؟

لكي أزرعَ الدربَ لوعةً .

ظمأى إليك يا قطر نداي

إلى عبيرك يدخلني

إلى يديك تطوقني

إلى عينيك تفتنني

إلى شفتيك تلتهمني

إلى صوتك يهزني

أتأتي ؟

متى ؟

يقولُ طفلُ الصبحِ :

غبشاً سيطرقُ الرملَ

أهي نبوءةُ طفلٍ خلاسيٍّ ؟

وإنْ لم تَصْدُق النبوءةُ  ، سأكونُ رماداً في عاصفةٍ هوجاء

ستأتي إذن كعصفورٍ يُطلقه الأسرُ

كشقيٍّ تلفظهُ الطرقاتُ

ستأتي وننفذُّ ما في نفسي سويةً :

سنبني قبرَ عائشة إلى جوار المصور الجوّال ، سويةً سنضعُ إكليل غارٍ على رأسِ حليمة العذارية ، سنرعى طفلَ الصبحِ حتى ينهض على صباه ، وسنزفُّ خلاسيةً إلى كوخ المغني صانع الشِّباك . فلتأتِ يا جابر المسحور قبل غليان الغربةِ ، وقبل أنْ يتمكن مني جنوني ، تعال يا جابر لقد هيض جناحي .

أتأتي ؟

سأحتطب سفينةَ عطرٍ أُريقه تحت قدميك

أسرق نجومَ السماء لكي تنيرَ حنين البيت

سأقطر خمورَ الأرضِ لليلةٍ انتظرتها

سيكون المكانُ خلواً من أرواحٍ شريرة

ومن رؤىً خبيثة

وستندحرُ الشياطينُ إلى أفلاكٍ أُخر

تعال يا جابر قبل أنْ يُحاصرَنا البردُ

سيكون صقيعاً بعدك

وقاسياً يذبلُ وجوه وردك

وشديداً يوقف تدفق نبعك

تعال يا جابري

قبيل الفجر انطفأت سهام على المناجاة ، فوق وسادةٍ بيضاء ستأخذها مثل فرسٍ هلاميٍّ ، بعيداً صوب حلمٍ حقيقيٍّ وتعبرُ بها جدبَ الصحوةِ . وقبيل الفجرِ كانت أنيناً رشيق النغماتِ ، ولهاثاً منقطع الوتيرة ، وقبيل الفجرِ هل جاءت الرغوةُ ؟

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حورية

أغرقها البرقُ

عامت في جسدِ قوقعةٍ

ألقى بها البحرُ

إلى رحمِ مدينةٍ

محاها الرملُ

فدبّ الخللُ

 

 

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

مؤنسٌ هذا الخللُ المكانيُّ

مَنْ يوصل جابرَ المتلفعَ بغلالةِ الرحيلِ

إلى أطراف بنفسجةٍ فتيةٍ ، هزجت فجأةً في شرفةٍ نحسةٍ  ؟

مؤنسةٌ هي اللّمةُ قبل التفرقِ :

مضت الحوريةُ لنداء الآله

دخل الأنغوليُّ طوقَ الحفلِ

صهلتِ النادلُ في رقةِ الأكؤسِ

وتشتت الغرباءُ .

موحشٌ هذا الخللُ الزمانيُّ

مَنْ يُدخل جابرَ المغرم بالفجر في بابِ الرغوةِ

ويوقف أنينَ النغماتِ ؟

رُفِعَ المأتمُ .. جلوساً نامَ الصحبُ

وجابرُ يتصبرُ فجراً على مضغةِ الألمِ

يتنفس رمادَ السقطة ِِ، يقيء زمناً مخبولاً

وتدور الحُجْرةُ دوراتٍ هائلةٍ في فراغٍ مظلمٍ

سيأتي الصبحُ وتتنشطُ دُرةُ الحنين على صفيحِ الخاتمةِ

سيأتي الصبحُ

يمرُّ من فجوةٍ في جدار الشكِّ وينهال طرْقاً على سُمكِ الحيرةِ عندئذٍ يقرر من أيِّ مفتتحٍ يبدأ الوداعُ ؟

فاطلقي يا بقيةَ العتمةِ جمرتَك المقدسة لكي تُشوى أرغفةُ القافلةِ بأفرانِ العودةِ

تهشم إبريقُ الصبحِ قبل الوضوءِ

وكان الوضوءَ الأخيرَ

ألا فلتحتدم جبهةٌ للصلاةِ

نفسٌ للزكاةِ ، وأقدامٌ متوثبةٌ للفلاةِ

فلتلن أرضُ برلين لِمَنْ أراد المصاهرةَ

لتتهجن السلالةُ

ولتشرق شمسٌ لا يبزها بردٌ خريفيٌّ .

 

عنّفَ باباً ثملةً ، فُتحت بمشقةٍ ، خرج الأنغوليُّ عارياً .قال جابرُ :

حافظ على سمرتك الطاهرة .

إنها الرؤيةُ الأخيرةُ .

ذُهِلَ الأنغوليُّ :

لماذا ؟

أجاب :

جفَّ ماءُ وجهي وليس لديّ ما يُراقُ .

وا خيبتاه ، طعنتني يا جابر ، ردَّ الأنغوليُّ .

في تلك الأثناء كانت برلين ضجرةَ النّفْسِ ، ضيقةَ الصدر ، فقدت من الدفءِ مقداراً يخلُّ بتوازنها ، وكانت ألأَعْرابُ قد أوصدت باباً لا تطلُّ منها قامةٌ . تلك سماءٌ فاجرةُ الزرقةِ وشمسٌ رخوةُ المصافحةِ كأنثى خجولةٍ خرجت توّاً من خلوةِ ضمٍّ وعناق . كائناتٌ محتلبةُ الأثداءِ خفّت في سيرها . أصداءُ لغاتٍ محتربةٍ تعكسها ماكناتٌ بعيدةُ المخابئِ . زئيرٌ رحميٌّ منبعثٌ من تحت أقدامٍ زلزلها مرور المترو . تمرينٌ للشبق الروحي يتجسد فوقَ مصطبةٍ مازالت غارقةً في النعاسِ . غمرٌ تركيٌّ كثيف الأشناتِ . حربُ إعلانات باردة ، تسخر من أيةِ هويةٍ .

لن أبقى يا سيدي الأنغوليّ ، هتف جابر في سرّهِ ، وأعلم أنني ذاهبٌ إلى غايةٍ مجهولةٍ ، إلى قارّةٍ مهجورةٍ ، وغابةٍ مسحورةٍ ، فهل سألقى حتفي ؟ سيانٌ هو الأمرُ ، طالما سأهجرُ وجوهاً ما هجرتني ، وعيوناً رعتني ، وأجساداً أطعمتني ، وأكفّاً سقتني . سأذهب أيها الأنغوليُّ حتى إذا ما جنَّ الألمانُ يوماً .. أحرقوا مدنَهم ودمروا سفائنَهم ، سأبتني مدينةً في خيالي ، أينما حطّت رحالي ، على غرار برلين ، وسأجعلُ نبتونَ في الصدارةِ كحلمٍ خلاسيٍّ . سيأتي الأحفادُ لانتزاعها من خيالٍ جامحٍ دون جدوى . سأمضي إذن بين رعدٍ وبروق ، بين حرٍّ وشموس ، بين أوديةٍ وجبال ، بين بحارٍ وأنهار، بين سهولٍ وهضاب ، بين صحارىً وواحات لم يألفها رحالةٌ أو بدويٌ . سأذهب ولن أخشى الدويَّ المصاحب لخطوتي ، ولا الصهيلَ الكابحَ لهمتي ، ولن توهنَ عزيمتي الأذرعُ القابضةُ بعنقي . فلتأتِ الضراعةُ من أعماقِ عالمٍ موغلٍ في النسيانِ ، من وراء أحراشٍ قصيةٍ ، أومن جوف آبارِ لا يتردد على جدرانها غيرُ صداها ، فلتأتِ المصادفةُ بالصدمةِ ولتذرعني جيوشُ الفجيعةِ كساحةٍ من سوحِ الوغى ، ولتدخل قلاعاً من هباءِ ، عندئذٍ سترى ديداناً ترعى في بقيةِ كونٍ خربٍ هو كلُّ ما تبقّى بعد ألقٍ روحيٍّ ، وطيفٍ صوفيٍّ ، ونموٍّ فطريٍّ .. سترى أساطينَ نخبتها الثلوجُ ، وسقوفاً مهلهلةً تتكئ على وهمِ . فلتتوغل إلى الهدمِ حيثُ لا عودة لها من حيثُ أتت ، وستكونُ أقربَ من ردمي إلى الردمِ .

سأثني على النادلِ ، أمنحها قبلةَ امتنانِ ، أهمسُ في أُذنِها وأصبُّ حديثاً عن خشخشةِ الأقراطِ :

سيأتي الإغريقُ بعدي يا سيدةَ المطعمِ المجبولة من سحرِ الأساطير التي تشظّت في يديّ الحاضر .

أتفزعين ؟

أجل

ستنضبُ الحانةُ

يترنحُ المطعمُ

وتتلعثمُ أرضُ المرقصِ

يا نجمة الليل أحييك في غفلةِ الكواكبِ

يا دفقة الشوق انبجست في صدري زهرةٌ حمراء

اغمريها دفئاً حتى تتفوحَ

ثم تمرغي بشهقة الطيبِ

أتجُنين ؟

نعم

سيأتي الصقيعُ في رداءِ الليلِ على نطفةٍ انزرعت في تجويف الصندلِ ، وترف الشفاهُ لرشفةٍ إنْ جازها الوقتُ ، شاطت واختنق الغزلُ بفم المغزلِ . يا ساهرةً على وميضِ الخَضَلِ جئت مودعاً ، فهل خضّلَ الكأسُ وجدَ مرتحلِ .؟

ولج المطعمَ في خفقةِ الصبحِ ، ألقى التحيةَ وطافَ على الحقلِ ، فاختلجت كرزةُ الحسنِ حيرةً . نطقت في إثرِ تنهيدةٍ :

ما الذي أتى بك صبحاً ؟

ردّ منكسراً : جئت مودعاً .

كالطلقةِ  أزّت صرخةٌ طاشت وانغرست في نحرهِ ، فتعلق خيطُ الكلامِ ببلعةٍ . تاهت ، داخت ، حشرجت ، ونُسفَ الحديثُ من أصلهِ . ارتمت على كتفهِ زمناً ، ثم أفاقت :

فكِّر ملياً يا جابر .

لم أترك شيئاً سيدتي إلاّ وقلبتهُ على جميع جهاتِهِ حتى فرَّ الصيدُ من لجاجتي ، استعوق الإحتمالُ وخرج عن طاعتي . لم أترك أمراً يا راقصتي ، لقد جنحَ الخيالُ في رملِ واحتي .

قالت :

أُريدُ ليلةً أخضِّبُ مفاتنَها بنبيذٍ أحمر

أشبك ضفائرها بشريط أبيض

أظلل عيونَها بمسحوقٍ أزرق

أُراقصها وترتجُّ

أُريدُ ليلةً يا جابري ترتجُّ

ليلةً واحدةً ليست كالليالي

أُريدُها مزلزلةً

ليلةً من شهيق

من صراخٍ وعويل

ليلةً تُزهقُ الأرواحَ وتهدُّ الحضاراتِ على رؤوسِ بُناتها ،

فيلعن الإغريق نساءَهم ويبصق الأعرابُ في وجوه رجالهم .

لكن جابراً جاء مودعاً . قبّلها واستدار نحو البابِ تاركاً دمعةً تبلل النحرَ وأخرى تعلق بالرمشِ .. ودعها منتزعاً يدَهُ من يدِها ، وفي قرارهِ تصميمٌ على خطوةٍ اتخذها فجأةً . تلك قوانينُ المتاهةِ يا جابر فلا تحصر الخيباتِ ، لا تكتم الآهاتِ ، لا ترخِ الصيحاتِ ، واطلق دويّاً كلما وجدت منفذاً ، وكلما انحسر الرعدُ .

خطوة خطوتان ومسك الطريقَ .

هدرت نفسُهُ :

ماضٍ أنا يا خمرة عتقتها التواريخُ ، صفت وسرت للجودةِ مثلاً ، ثم ندرت وصارت حكراً للآلهةِ . ذاهبٌ أنا يا مليكة سقطت عن عرشها حين فارقها العبيرُ .

مَنْ سيتوج سيدةً خرجت مِن لهيب الليلِ ؟

مَنْ سيرخي لجامَ فرسٍ إنْ صهلت وأتعبها الجريُ ؟

مَنْ سيمسح عرقاً لذيذاً سال من جسدٍ أنهكه الطحنُ ؟

مَنْ يا سيدة المطعم سيسند عودَ الخيزران إذا ما تلوّى دلالاً ؟

مَنْ يرتشف مِن ثغرِ السوسن في آناء الليل ؟

مَن يا نادلي الأميرة ؟

 

سأمضي تاركاً لك عربةَ المجدِ وأحصنةً بيضاء ، بك ستطير إلى قمّةِ الذروةِ . سأمضي تغمرني السعادةُ . لقد تركتُ قطرةً من دمي تسبح في شرايينك ، وعطراً لا يفارق أنفك ، ولذّةً دائمةً لن تعرفي لذّةً غيرها .. بعدئذٍ لا بأس أنْ أعيدَ سحري إليَّ ، أمسك قدري بين يديّ ، وأطلق العنانَ لقدميّ ، سأتوغلُ بعيداً إلى ما وراء الكونِ ، لأكتشف كم هو ضئيلٌ هذا الكون ، كم هو حقيرٌ هذا الكون ، كم هو تافهٌ هذا الكون ، كم هو سافلٌ ، مفضوحٌ ، ووضيعٌ هذا الكون.

لأكتشف أنّ الجسدَ البشريَّ لا يحتلّ سوى مساحةِ مهبل ، منسية إذا أُهمل ، وأنّ الفرقَ بين المدنِ بسيطٌ ونسبيٌّ ، وأنّ المسافةَ بين البشرِ رفةُ جنح طائر معتل . لأكتشف يا نادلي أنّ لا طهارة في هذا الغمر العفن ، ولا قداسة في هذا المعبد . سأكتشف يا سيدتي المُفتَرسةَ خلف الحانةِ ،

أنّ الرومانَ قادمون بفتوحاتِهم

والعربَ داخلون بسيوفهم

والفرسَ مؤججون بنارهم

والطليانَ زاحفون بنيرونهم

والأتراكَ يمتشقون راية عثمانهم

والأسبانَ غاضبون لاختلال عاداتهم

سيأتي الجميعُ يا جميلتي وتغصّ الحانةُ

سيتجلّى عهرٌ حضاريٌ وتختلُّ الألوان ، تُنهش أرواحٌ وتتسيد الغلمان ، يتحطم المطعمُ ويخلو الميدان . فلأرحل سيدتي كطيرٍ استهوته الأكوان ، أو زمنٍ منهوب نسيته الأزمان .

سأمضي يا طلّ الحانةِ ودفءَ الرقصِ

يا أجيجَ الشهوةِ ودفق النبعِ

وليأتِ من بعدي مَنْ يأتي

لكني سأكتشفُ أنّ الجنةَ خرابٌ ، البقاءَ عذابٌ ، الأرضَ يبابٌ ، الحضورَ غيابٌ ، الوجوهَ حرابُ ، الصمتَ استلابٌ ، والرؤيةَ مصابٌ .

فليسلم جسمُك سيدتي من كلِّ بلية

ولتدخل روحَك سيدتي كلُّ نقية

وليتسع صدرك سيدتي لعذاب كلِّ شقيٍّ وشقية .

*  *  *

ملوكٌ للبرِّ ، ملوكٌ للبحرِّ ، آلهةُ للشرِّ ، آلهةٌ للخيرِ ، آلهة للمطرِ، ملوكٌ للشجرِ ، ملوكٌ للبشرِ ، أمراءُ للشهوةِ ، أميراتٌ للعشقِ ، آلهةٌ للخصبِ ، آلهةٌ للجدبِ ، آلهة للحربِ ، آلهةٌ للطربِ، آلهةٌ للنماءِ ، ملوكٌ للعقمِ ، ملوكٌ للعواصفِ ، ملوكٌ للعواطفِ ، آلهةٌ للنارِ ، آلهةٌ للعريِّ ، أمراء للحسنِ ، أمراءُ للعطاءِ ، أمراء للقتلِ ، أميراتٌ للشرفِ ، أميراتٌ للنقاءِ ، أميراتٌ للبغاءِ ، أميراتٌ للجفاءِ ، أميراتٌ للخواءِ ، ملوكٌ ، آلهةٌ ، أمراء ، إلى مالا نهاية ، توجهم خيالُنا الجامح عَبْرَ تاريخٍ  ضليل ، على حسابِ بؤسنا ، صرنا أسراهم وإليهم أذلاء .

 

*  *  *

أين سهام الخلاسية يا نبتون يا ملك البحار ؟

تساءل جابر .

لا أعرف عمّن تسأل يا هذا !

أجاب نبتون بكلِّ شموخِ الآلهةِ .

عن حوريةٍ اشتملت على عظمة التتويج ضحىً وخرجت مني ليلاً . أردف جابر .

قال ملك البحار :

أسْرَت إلى الأعماقِ وسوف لن تعودَ إلاّ حينما تصفح عنها   الكائناتُ .

تساءل ثانيةً جابر:

ما خطيئتها يا نبتون لكي تستحق النفيَّ ؟

امتعض نبتون :

عاشرت واحداً من بني البشر ووضعت إكليلاً من الزهرِ على رأسِ رجلٍ يدعى جابر المسحور .

هتف جابرُ :

ستضيق بكم الأعماقُ أيها الملوك .. ستهوي بكِ العروشُ أيتها الآلهة .. ستخسف بكم الأرضُ أيها الأمراء . لقد ملأتم الكون   فساداً ، فجرتم رعباً ، وأبديتم ضلالاً. فما جئتُ إلاّ من أجل     امرأة ، أشبه الخلق بسهام الخلاسية ، مودعاً ، وهأنذا أرتدُّ على عقبيّ منكسراً ، مفرغاً من الغبطةِ ، محاطاً بالخيبةِ ، مسلوباً من الرؤيةِ ، مشحوناً بالغضبةِ . فلتمطركم السماءُ جحيماً ، وتريكم البحارُ بلاء ، وتزحفُ الظلمةُ إلى أوكاركم حتى تصبح أغواراً سحيقةً ، لا يرشدكم إليها مرشدُ ، ولا يرثها منكم ولدُ ، ولا يؤتمر فيها لكم عبدُ.

تقدم جابرُ قليلاً من حضرةِ ملك البحار ، احتلّ مكاناً فارغاً .. أخذته غفوةٌ  :

رأى امرأةً مُقيدةً من شعرِها إلى صخورٍ مرجانيةٍ ، تزعق في الأعماقِ ، يحفُّ بها حرّاسٌ عمالقةٌ بلباسٍ رومانيٍّ ، ونساءٌ عربياتٌ ينقرنَ من حولها الدفوف ، وبين الفينةِ والأخرى يتقدم حارسٌ   منها ، يشدُّ على جسمِها بوحشيةٍ بشريةٍ ، ثم يطؤها وسط أهازيج ودبكات .

فزعَ جابرُ ، انتصب واقفاً . رويداً رويداً ابتعد عن المكان . انسابت نفسُهُ :

مكتظةٌ هي المدنُ بماء الدهشةِ

منتعشة برفيفِ الموتِ

مدنٌ شرسةُ الرغباتِ

عدوانية الأصولِ

محنطةُ القامةِ

معممة التفكير

هامشية المفاصلِ

قريبة المصادفاتِ

مكتنزةُ الوحلِ

صامتةُ المطالب

رهينةُ الخللِ

لا يظهر بدرُها إنْ عتمت ، لا تُروى بمائِها إنْ ظمأت ، لا يشرق وليدُها إنْ طلقت ، لا يبقى أثرُها إن سرت ، فانيةٌ إنْ شهقت ، عائقةٌ إنْ تمكنت ، داعرةٌ إنْ ضحكت ، خامدة إنْ سُجرت ، باردةٌ إنْ أُدفِئت ، مدنٌ للمتناقضات شيدت ، ثم أعتقوها فما انعتقت ،   أبت ، تمردت ، توارت ، طلعت ، وانبرت :

أخرج يا جابر قبل أنْ تنزل النازلةُ ، تهبُّ ريحٌ صرصر، يحطّ الشؤمُ وتنزرع الفرقةُ . أخرج يا جابر ولستُ راغبةً في هذا . يضيف :

سأخرجُ يا مدناً مؤجلة الفجيعةِ ، ومنذُ اللحظةِ سأجعل من الغيمةِ راحلتي ، من اللاشئ وجهتي ، من اللاحدّ مداري ، ومن الخواء زادي . سوف لن أدخلَ مدناً منفتحة على ذاتِها ، محتفية بذاتها ، مكتفية لذاتها ، سأخرج أيتها المدن التي أسرتني يوماً وخلبت لُبي ، والتي آوتني وطردتني ، ومارست معي ثنائيةَ الحياةِ وازدواجيةَ السلوكِ ، وتدللت عليَّ مثل فتاةٍ لعوب تضحك من شيخٍ غاربٍ ، تميته وتحييه ، ثم تميته وتحييه متى ما شاءت ذلك . سأخرجُ لكن بي لهفةً على مَن لم أرَها بعد الآن ، وحرقةً على ما جرى لها .. سأخرج أيتها المدنُ ولكن بي حزناً ، سوْرةَ ألمٍ ، سأخرج أيتها المدنُ الجميلة ولكن بي غصةً .. أسفاً .

 

*   *   *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طائر استهوته الآفاقُ

راودهُ العطشُ

حطَّ أخيراً

أغوته عينُ ماءٍ

فباتَ أسيراً

طائرٌ فرَّ من الأسرِ

فمات حزيناً

هل مات الطيرُ

جفَّ الماءُ

رحل الأفقُ  ؟

 

 

*  *  *

 

 

أنَّ الغسقُ حين تحرشت بالقلوب لوعةٌ . جمحت خيولُ الصبرِ من رعدةِ الهوى ، ولاذت طيورُ الكلامِ بأقفاصِها . أهي البصرةُ ارتدت زرقةَ الماءِ ؟ .. أ تزينت بطقمٍ ماسيٍّ ؟ .. أ تعطرت بِنَفَسٍ   خلاسيٍّ ، ثم أنيرت وتكللت ؟ أجل هي البصرةُ هبّت للقاء . سيأتي جابر المسحور إذن . مَنْ يدري ؟

إلى الصحراءِ توجّه رتلٌ خلاسيٌّ يطفح من صحونِ الليل فتوةً : فتياتٌ يسلبْنَ النجمَ رفيفه كلما تثنّت بهنَّ موجةٌ والتمعت تحت الشفوفِ . فتيانٌ خُلقوا لأحلامِ الصبايا مثل مهور سابحة . أطبقَ الخبرُ على عنقِ الصحراء .. زغرد الرملُ .. رقصت الحصى

إلى وجه اليمِّ سيغادرُ رتلٌ

كان نسيماً فتمايل النخيلُ

ابتهج الشطُّ .

قالت سهام في غمرةِ الفرحِ :

أنا وطفل الصبح سنتقدم الرتلَ الماضي نحو كوخِ الصحراء ، هناك سنمكث حتى الغبش . وسيتقدم المغني صانع الشِّباك مع حليمة العذارية الرتلَ الذاهب إلى وجه اليمِّ . هناك سيمكث الخلاسيون . والليلةَ سنطيل التحديقَ في غربةِ الأفقِ

نُسامرُ النجمَ ونرشقهُ حباً من ثُمالةِ هياجنا

سنسكرُ ، نبتهجُ ، ونغني لكي نبدد المللَ . سيأتي يا أعزائي نحو كوخِ الصحراء ، لكنني أدفعكم إلى اليمِّ احترازاً .

أنَّ الغسقُ ومضى الخلاسيون بانشطارِ السبلِ . لعلعَ صوتُ المغني صانع الشِّباك ، واهتزت الأثداءُ قبل رجيف الأوراكِ .

هم ضيوفُك يا سيدي الليل فكُن كريماً

هم ضيوف الخلاء

فليصبح الكوخُ قصراً

وتتبختر على وجه اليمِّ سفينةُ

افترشوا برودةَ الرملِ ونداوةَ البرديِّ .

من البرِّ تأتي القوافلُ بحداءٍ بدويٍّ ، تتزود وتمسحُ خلفَها الخطى . من البحرِ تأتي المراكبُ بلهفةِ العشّاقِ ، يمتصها الشراعُ ويدفعها الظلامُ بعيداً .

اندحرَ الغسقُ .. انتصف الليلُ وانكشف صدرُ سهام :

أتأتي ؟

من أين يا جابري ؟

ها قد توزعَ أبناءُ السلالةِ بعيداً عن مضاربنا وضاقت الحدقُ . أتأتي ؟

طارت يداي للمسةٍ ، اتسعَ صدري لضمةٍ ، وارتجفت شفتاي لقبلةٍ . غبشاً سأزفُّ نفسي عليك يا جابري . لكن لا تتأخر عن الموعدِ ، فالأشياء رُتبت للحظةٍ في الغبشِ ، والروح ما عشقت بعد اليومِ غيرَ طلّةِ الغبشِ .

أ متعبٌ أنت يا جابري ؟

عيني فراشك ومأواك إنْ تعنّت بك التعبُ .

ظمآن أنتَ يا حبيبي ؟

سأصبّ في ثغرك كلَّ ما اختزنه من الشهد فمي .

أ جائعٌ أنت يا جابري ؟

امتلأت قدورُ الخلاسِ بالطيبات .

سيمضي الوقتُ ، وكلما مرت لحظةٌ ، خارت قواي وطار نحوك عقلي . ستأتي إذن ، نحن على موعدِ ، ولكن ما يصدمني يا جابري ، غياب المصور الجوّال ، بائعة الطيب بهية ، وخالتك عائشة ، هل انشغلوا أم خذلتهم النبوءةُ ؟

لكنك ستأتي يا جابري !

 

*  *  *

وجمت وجوهُ القومِ حينما دنا الغبشُ وتصوّبت العيونُ نحو سهام.. تقدم الغبشُ .. اختفى الكوخُ .. تمرد الرملُ ..اهتاجَ الموجُ.. ذُهل القومُ . جاء الغبشُ وتأخر جابرُ .. مرّ الغبشُ .. توغل بعيداً . عندئذٍ صرخت سهامُ وانفضَّ لصرختها الحشدُ . شخرت سهام .. تبخرت سهام .. لم تعد سهام . نظر الخلاسيون إلى اللا أثر . بكى طفلُ الصبحِ .. جُنت حليمة العذارية .. ضاع صوتُ المغني صانع الشِّباك .

 

*   *   *

 

 

 

 

 

غبشاً رُئِيَ جابر المسحور على ضفّةِ نهرٍ  .

 

 

 

 

 

*  *  *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انتهت  في

 

10 / 6  / 8 9 9 1

برلين

صبري هاشم

 

    للمؤلف :

ليلة ترخم صوت المغني      قصص      دار المدى

رقصة التماثيل                رواية       دار المدى

خليج الفيل                    رواية       دار المدى

جزيرة الهدهد                 شعر        دار كنعان

أطياف الندى                  شعر        دار كنعان

حديث الكمأة                  رواية        دار كنعان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن صبري هاشم

شاهد أيضاً

240484136

أيام الشارلستون

    اليوم الأول وبينما يلقى محمد شهدى كلمته الحماسية عن خطبة الأمس التى ألقاها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *