الرئيسية / رواية / غَـسـّـان والـعـاهـرات

غَـسـّـان والـعـاهـرات

خص الكاتب موقع أقلام بنشر الفصلين الأولين من روايته:

 

غَـسـّـان والـعـاهـرات

وابـنـه الأميركي و… الفـيرومـونـات

 

 

 مـاهــر ســعـدي 

 

رواية

 

ستصدر عن “دار الجديد” –  بيروت

في آذار (مارس) 2007

 

 

تـــنــــبــــيـــــه:

 

 

هذه الرواية من نسج الخيال.  أي وجه شبه قد يرد فيها مع أشخاص حقيـقيـيـن  أو حالات مـُعـاشة أو أماكن موجودة فعلاً، هو محض صـدفـة.

 


1

 

تخيل غسان جسد طليقته البلجيكية المترهل وهو ينظر إلى مرآة الخزانة المحاذية للسرير. وابتسم ابتسامة داخلية غير مرئية. تذكـَّر، خلال ربما أقل من عـُشر ثانية، جسم ماريكا، فخمـَّن أنه أصبح مكتنزاً، مطبـَّقاً شحماً، متورماً نوعاً ما. تراءى له ذا نتوءات غير متوقعة، هنا وهناك، وردفين مغطـَّيين بأمواج مائجة من آثار التهابات النسيج الخلوي. تذكر شعرها الذي باتت تصبغه بلون أشقر كئيب، مائل للصفار، للتستر على ما غزاه من شيب قليل. ابتسم حين قارن جسد ماريكا بمقومات الجسد الغض الطري الجديد الناعم الذي كان يراه من فوق منكباً على تهييجه شفوياً لكي يكون مستعداً للمرحلة التالية، وبالشعر الأسود السرح الطويل، المتدلي حدَّ منتصف ردفي الفتاة. سها وهلة:

 

هذه المقارنة، لوحدها، تكفي لتبرير صواب إصراري على الطلاق قبل خمس سنوات، وتوكيد أني كنت محقاً في المثابرة على استرداد حريتي في التحرك. إنها تكفي، وزيادة، لتحليل الـ55 دولاراً التي سأنقدُّها بعد قليل لهذه التاتارستانية الرائعة، طبعاً بالعملة المحلية: 200 دينارة عداً ونقداً. كلا، سأرفع المبلغ، سأهديها 20 دينارة إضافية، حق أتعاب هذه البسمة التي جلبتها إليَّ. إنها تستأهل، هذه المدعوة… ما اسمها بحق السماء؟ يا لمصائب السن، لقد نسيت! الوقت غير مناسب لسؤالها مجدداً عن اسمها، الذي ذكرته لي قبل ثلث ساعة وحسب، ونحن في السيارة آتيين إلى شقتي في حي الوليدية الهادئ والراقي من مدينة الريمية الوادعة. فلأدعـْها الآن تكمل ما بدأتـْه. لم أعد شاباً. لم أعد مثل عنقاء تكفيها لمسة لتتجسد من رمادها وتطير كالأسطورة. باتت تلزمني أكثر من لمسة الآن.

 

ثم أنه كان يعي بأن هذه الفتاة حانية الرأس بين فخذيه لن تفصح عن اسمها الحقيقي، كمعظم الأخريات. أكثرهن يستخدم أسماء مستعارة لأغراض المهنة. مارينا الجيورجية، مثلاً، بعدما عرفته إلى حد ما واطمأنت إليه، عقب لقائهما السادس أو السابع، اعترفت بأن اسمها الحقيقي فاطمة. لم يكن يدري أن في جيورجيا مسلمين، بما فيها العاصمة تبيليسي، أو تفليس. أعلمته أنهم أقلية هناك. بل لم يكن شكلها يوحي بأنها مسلمة… هذا إنْ كانت للأديان أشكال. تذكر حينها كيف روت له تركمانستانية أنها اعتادت أن تعرَّف نفسها باسم “فاطمة” للزبائن الأوروبيين “لأن ذلك يثيرهم”، وباسم “مارينا” للزبائن العرب “لأن ذلك يهيجهم”؛ في حين أن اسمها الحقيقي “أميرة”. لمس في ما بعد أن “مارينا” و”آليسا” أكثر اسمين مستعارَين شيوعاً بين عاهرات الريمية. أ لهذا يقول الإنجليز نيك نيم nickname بمعنى “اسم مستعار”؟

 

لكنَّ إيڤا، الروسية حد النخاع، أقرت منذ اللقاء الأول (والأخير) باسمها مثلما مسجل في هويتها: يڤغـينيا. درجت قـَوّادتها فريدة على تلقيبها “باربي” لشبهها بالدمية الشقراء الشهيرة. أما هو، فبدت له إيڤا، أو يڤغـينيا، مثل تلك الدمى المطاطية القابلة للنفخ التي يدُسـُّها البحارة غير اللوطيين في حقائبهم للاستمناء أثناء رحلاتهم الطويلة. ضاجعها وكأنه يرتمي فوق دمية مطاطية صامتة. “لا أشك في أن مصممي تلك الدمى الموجهة للعزاب والبحارة استنبطوا موديلات تطلق الآهات أثناء ولوجها. أما هذه الدمية الروسية، فلم يفطن أحد إلى إدخال نظام صوتي يجعلها تطلق ولو معمعة طفيفة. ثمة من يقال عنه أعمى القلب؛ هي خرساء القلب”. بعدما انتهى منها، بشق النـََّفـَس، سألها عن سنها، فأجابت أنها في السابعة عشرة. فذهل: “كيف تمكنتِ من دخول البلد وأنتِ قاصر؟”. ردت ببرود أن أمها هي التي “جلبتها” إلى الريمية قبل يومين، فسلمتها إلى فريدة وعادت حالاً إلى روسيا.

 

كان جاثياً على ركبتيه فوق الفراش، عارياً. وفي مثل تلك اللحظات، كان يحلو له أن يدير وجهه إلى اليمين لتأمل المشهد جانبياً، منعكساً في مرآة الخزانة القريبة. فمن فوق، ومن فوق فقط، لم تكن الصورة كاملة. كان يرى سـُمك أنف الفتاة التاتارستانية التي نسي اسمها شاطراً شفتها العليا من الوسط إلى شطرين، ويلحظ السطح الأعلى من عضوه يزداد وينقص طولاً، تباعاً، بحسب العمق الذي تصل إليه الصبية بفمها. أما المرآة، فتضمن المشهد نفسه، لكن من زاوية جانبية، تتيح رؤية أحد جانبي وجه الفتاة، وشفتيها كلتيهما وهما منكبتان على عضوه جيئة وذهاباً. المعضلة في هذه المرة: كان شعر الفتاة من الطول والغزارة والسواد بحيث بدا في المرآة مثل عباءة سوداء تغطي وجهها وكتفيها وجذعها. حجب شعرُها المنظرَ الذي ألفه واستأنسه، لاسيما وأن شبه عتمة كانت تلفع الحجرة. لم يكن المكان مضاءً سوى بنور مصباحَي الممر.

 

كان، كلما استضاف واحدة في شقته، يحرص على ترك باب غرفة النوم مفتوحاً، مع إبقاء مصابيح الصالون والممر مضاءة  لكي يرى ما فيه الكفاية. لا يروق له النور الشديد، لأن من شأنه فضح عيوب الفتاة… وعيوبه هو، خصوصاً الكرش الصغير الذي لم يعد قادراً على إذابته منذ وصل إلى الريمية، قبل ثلاث سنوات. وفي الوقت نفسه، لا تروق له الظلمة الكاملة، لأن من شأنها حرمانه من متعة تأمل الأجساد الفتية العارية، ورؤية قامته الأكثر من متوسطة والأقل من طويلة، عبر المرآة، جاثمة فوقها، صاعدة ونازلة. كما يعي أن أكثرهن يعاف النور الشديد، أو يخجل منه. يفضلن العتمة، أو النور الخافت في أفضل الأحوال، وكأن الظلمة سـِتـْر.

 

بدأ يشيح شعر الفتاة برفق. أخذ بيده اليمنى خصلة أولى، فأزاحها نحو الجانب المعاكس للخزانة، وقبض عليها بيده اليسرى ليثبتها خلف عنق الصبية. ثم أخذ خصلة ثانية، فثالثة، وأمسك بهما باليد اليسرى. بان له جانب وجه الفتاة اليافعة شيئاً فشيء في المرآة، وارتاح لرؤية ما لم يقدر على رؤيته من أعلى. زاده المنظر إثارة، فبدأ يـُحسُّ ذكـَرَه ينتفخ قليلاً. ارتاحت الفتاة من جانبها، إذ أدركت جدوى ما انكبـَّت على عمله بتواصل ومثابرة ميكانيكية منذ دقيقتين أو ثلاث. ظلت ممسكة بعضوه بيدها، لكنها أخرجته من فمها لكي تريح شفتيها وحنجرتها قليلاً، ثم جعلت تمرر لسانها على جلده، من أسفل إلى فوق، خشية أن يتبدد عملها السابق المضني في ثوانٍ إن هي تخلت تماماً عن متابعته.

 

وصلت الفتاة قبل أيام قليلة إلى الريمية، قادمة من تاتارستان، أحد أقاليم جمهورية روسيا. فكان أحد أول زبائنها. ارتاح لفكرة أن يكون من بين أول من زارت الفتاة مخدعهم. تاه فكره مجدداً.

 

قريباً، ستكون هذه العاهرة البديعة قد نامت مع مئتي شاب وكهل وعجوز من المدينة، أو ثلاثمائة أو أكثر. ما من شك، فجمالها وصغر سنها يرشحانها لنجاح باهر في المهنة، باهر وخاطف معاً. لن تبقى أكثر من عام، حالها حال معظم عشرات الأخريات اللائي عاشرتـُهن هنا منذ ثلاث سنوات إلا أربعة أشهر. قريباً، وهي تتنزه في المدينة أو تتغدى أو تتعشى أو تتمشى، أو تتبضع أو تلحس واجهات معارض سوق “الريمية مول” التجاري الفخم المكيف بطوابقه الأربعة، سيتعرف إليها هذا النادل الأعزب الذي ضاجعته في غرفته المستأجرة داخل شقة يتقاسمها أربعة شبان، أو ذاك المهندس المتزوج الذي اختلى بها في غرفة في فندق أو في شقة صديق أعزب ألحَّ أن يعيره إياها ساعة أو ساعتين. سيتذكرها صاحب المتجر ورب المطعم، وبائع الساندويتشات الذي جمع مالاً وفيراً من لفـّات الشاورمة والفلافل. سينتبه إليها الطبيب أو الموظف الوافد الذي “أخرجها” من العلبة الليلية، والسائق الباكستاني الذي أوصلهما إلى شقته. نعم، الوافدون بشكل خاص. ليس حصرياً، لكن بشكل خاص. أبناء البلد لهم أمكنتهم الخاصة، أنديتهم الخاصة، وغانياتهم الخاصات، الأغلى بكثير لأنهن عربيات.

يا للمفارقة! عادة ً، قيمة الإنسان العربي في العالم أقل. وسلوانا أن قيمة العربية أعلى من نظيرتها الأجنبية. وشيء خير من لا شيء. روت لي إلهام، صبية خارقة الجمال في العشرين (تتقاضى 1500 دينارة في الليلة، يعني 407 دولارات)، كيف غادرت المغرب قبل أسبوعين من لقائنا. كذبت على أهلها مدعية الذهاب إلى تونس لاستكمال الدراسة الجامعية. ووضعت خطة ملتوية للتهرب من خطيبها: أوهمته بأنها في المستشفى مع جدتها، في الوقت الذي كانت فيه في مطار الرباط. وطبعاً، لم تستقل طائرة إلى الريمية مباشرة، لأن رجال الجمارك يشكـُّون بكل مغربية تقصد منطقة الخليج، ويحققون معها، وقد يزجونها في السجن إذا تبين أنها تنوي الاتجار بجسدها هناك. إلهام الفاتنة أخبرتني بتفاصيل قصتها؛ إلهام الرائعة ذات “الجسد الفردوسي” (“un corps paradisiaque“، هكذا قلت لها بالفرنسية، فارتاحت لمديحي وانتشت). لا أعرف لماذا فتحت قلبها لي. ربما لأننا دردشنا ساعات بالفرنسية، فنسيت نفسها؟ شرحت لي كيف لجأت إلى التمويه، فذهبت أولاً إلى تونس، ومنها إلى بيروت، ثم إلى الدبـّانية، التي جاءت منها إلى الريمية بالسيارة. أعلمتني أن صديقتها هي التي كانت أقنعتها، وأنهما تسكنان عند قواد عربي مشرقي، يجيد اللهجة المغربية تماماً: سمعتها تتكلم معه في النقال، وكان صوته واضحاً جلياً في عز الليل. استفسر ما إذا كانت الأمور على ما يرام، وإن دفع لها “السيد” أجرها (يعني أنا). وأكد أنه سيبعث فؤاد، السائق المكلف بتنقلات عاهراته، وأن هذا الأخير سيصل بعد حوالي 25 دقيقة. “كي دايرة؟ … ما كاين والو مشكل؟ … خلـَّص لِك ذاك السيد؟ … واخـّا… مزيان. دابه ندوز الطوموبيل، فؤاد خصُّه يجي من بعد خمس أقسام ولاّ شي حاجة“. اعترضتُ بالقول: “إنه مغربي من لهجته، وليس مشرقياً مثلما تدعين”. ردَّت بأنه “يهدر” بالمغربية لأنه عاش في المغرب، وزوجته مغربية، كانت معه في الريمية، لكنها طردت من البلاد، فبات وحيداً مع عاهراته الأربع، منهن صديقتها – التي تنام معها في غرفة واحدة داخل شقة القواد – إضافة إلى خادمة إثيوبية. أكدت لي إلهام أنها ستمضي ما لا يقل عن شهرين من دون ادِّخار دينارة واحدة: الـ1500 التي تتقاضاها عن كل ليلة تناولها كلها للقواد، 50 في المئة حصته الطبيعية، و50 في المئة قسطاً لتسديد ثمن التأشيرة: 40 ألف دينارة. هذا يعني أن عليها أولاً جني 80 ألف دينارة، ما يوازي مردود 54 ليلة تمضيها مع الزبائن. وعند الانتهاء منها، وفقط آنذاك، ستوفر لنفسها 750 دينارة من كل ليلة عمل. ليس وحسب، فما يناولها القواد من مبالغ بسيطة من وقت لآخر لسد احتياجاتها الشخصية (ملابس، ماكياج، مأكل، بطاقات الهاتف النقال، “النزوات” البسيطة، إلخ) يخصمه من المبالغ المسددة، وعليه لن تكفي 54 ليلة عمل. “لابد أنه ثري”، علقتُ. ردت إلهام: “كلمة ثري لا تكفي”. ثم قبلتني بحنان ونزلت لكي يوصلها فؤاد، مندوب القواد، إلى شقة الأخير. كانت الساعة الخامسة صباحاً.

وهناك أيضاً نفر من إيرانيات وسوريات ولبنانيات وعراقيات، ونفر أندر من خليجيات. إي نعم، خليجيات. قبل أيام، أسرَّ إليَّ صديق من أبناء البلد، ميسور الحال، بأنه ضاجع بضعاً من مواطناته لقاء مبالغ تتجاوز إمكانياتي بكثير. لكنه شتمهن بتأفف، ولعنهن قائلاً إنهن غير مرغمات على هذه الدناءة، إذ توفر لهن أُسرُهن ما يلزم. الكماليات وحدها تزجهن في هذه الطريق. تلجأ الصبية إلى بغاء بالغ التستر والسرية، من وقت لآخر ومع نخبة قليلة – وعلى الأغلب من الفم والخلف فقط؛ فالعذريتان الشفوية والشرجية غير مهمتين بما أنهما غير مرئيتين للعضو المجرد، بعكس العذرية الفرجية. لا يبغين عن فاقة أو عوز، قال، إنما من أجل ساعة ذهبية مرصعة اقتنتها جارة ولم تتمكن هي من حيازة مثلها، أو عقد ثمين أهداه خطيب إحدى القريبات للأخيرة، في حين لا تقوى هي على شراء نظيره. أما نحن، الوافدين، فنكتفي معظم الوقت ببنات من بلدان تنتهي بـ”ستان”.

 

2

 

وهو يتمعن فاه الصبية التاتارستانية التي نسي اسمها فاغراً، وينظر بارتياح إلى شفتيها الملتصقتين حول قضيبه، ابتسم غسان مجدداً. تذكـَّر قهقهة زاهر، صديقه المقيم في ألمانيا، الحائز جنسيتها. حدثه يوماً عن تلك الفتيات الآتيات من بلدان لم يكن حتى ليشك بوجودها على الخارطة أثناء حياته البلجيكية، التي أخذت أكثر من نصف عمره. فقبل هربه من بلاده قبل ثلاثين سنة، في سن ثمانية عشر عاماً، وبُعيد وصوله إلى بروكسيل، لم تكن تلك الأصقاع سوى جزء من الإمبراطورية السوفييتية الشاسعة المهشمة.

 

أوضح لصديقه الألماني بالتجنس أن جل العاهرات اللائي ضاجعهن في الريمية ينحدرن من كازاخستان، يوزبكستان، قرغزستان، طاجيكستان، تركمانستان، داغستان، تاتارستان… لذا، بما أنه لم يعرف تلك الربوع القابعة في آسيا الوسطى وأقصى شرق أوروبا سوى عبر فروج غانياتها اليافعات، عهد على اختصار مجموع تلك البلدان بمصطلح جغرافي-سياسي استنبطه خصيصاً لتلك الغاية: “كـُسْـستان” (الممكن لفظه أيضاً بكسر الكاف، بحسب لكنة القائل).

 

ضحك زاهر، الكاتب المقيم في برلين، ضحكة متقطعة طويلة ومسموعة لسماع مفردة “كسستان”. كان وصل إلى الريمية بدعوة لحضور معرض كتاب سنوي ذائع الصيت، أهدى خلاله للقراء آخر رواياته. أتاحت إقامته عشرة أيام الدردشة طويلاً مع صديقه القديم، تارة في شقة الأخير، وتارة في حانات الريمية ومطاعمها، وأخرى في الفندق الفخم الذي نزل فيه على حساب “مؤسسة الريمية الثقافية”.

 

استطرد غسان:

 

–                             بَس، تريد الصدق؟ بعدني أتمنى أشوف ولو وحدة من جمهورية باشكردستان.

–                            باشكردستان؟ ما سامع بيها قبل أبداً.

–                            إي. زارينا، الداغستانية، هي اللي سولفت لي عنها.

 

زارينا، المتعلمة جداً كعاهرة، ولدت في تلك الجمهورية التابعة لروسيا والمتاخمة لتاتارستان. عاش والداها فترة في باشكردستان، التي ذكرت أنها تسمى أيضاً “باشكيريا” لأن غالبية سكانها الأصليين من قبائل باشكير؛ وأنها تلفظ أيضاً “باشكورتستان”، على الطريقة التركية؛ وعاصمتها يوفا؛ ومجموع السكان أربعة ملايين وكسور، أربعة أعشارهم من الروس والباقون من الباشكير والتاتار والشوڤاش… وغيرهم.

 

–                            لـَعـَد ليش تشكي، بما أنك نمت مع باشكردستانية بالتولد؟ النـِّصاب تام.

–                            أعتقد أكو ربوع كسستانية غيرها بعد ما استكشفت مغاراتها.

–                            المهم، على كلامك، أفهم أكو عاهرات مثقفات، مثل هذي الـ…؟

–                            …زارينا. إي صحيح. درست صحافة وإعلام سنتين بجامعة بموسكو. بعدين، أجـّلت الدراسة وإجت هنا للريمية حتى تجمع فلوس وتكمل الجامعة وتساعد أمها وأختها. تحكي إنجليزي بطلاقة، وبأي موضوع، مُو بَس النيك.

–                            ذكية؟ يعني أكيد خـُلفة سِز…

 

صحح غسان ظن صاحبه المغلوط من أن زارينا قبيحة الشكل، “خـُلفة سِز” مثلما قال أخذاً عن التركية. أكد أنها، على العكس، جميلة للغاية، أنيقة للغاية، مثيرة للغاية. حتى أن قوادتها فريدة، ممونته المعتمدة ومتعهدته الدائمة، لقبـَّتها “ڤاياغرا”. وفي هذا، هي محقة: فمع زارينا، لم يعانِ قط من أي حالة “فياسكو”، مثلما يقول الإيطاليون في الحديث عن استحالة الأداء الجنسي مؤقتاً لأسباب نفسية، يعني ليس العجز الجنسي الدائم. سأله زاهر:

 

–                            وينها “ڤاياغرا” هاي؟ ليش ما تتصل بيها وتعزمها على كاس؟ بس لا عَ بالك شي. تعرف زين آني ما أخون بانو، زوجتي التركية العظيمة. بس خليتني أصير فضولي، حبـّيت أشوف بعيني هاي القحبة الاستثنائية حتى أدرجها شخصية برواية من رواياتي.

–                            فات الأوان يا صاحبي. رجعت لموسكو بعد حوالي سنة قضتها هنا. قوادتها فريدة هي اللي قالت لي. بَس بما أنك تريد تستلهم من شخصيتها، أقول لك تعذبت هواي من أبوها. تركهم هي وأمها وأختها وهن طفلات.

–                            واي واي! لازم حكت لك قصة حياتها؟

 

في إحدى المرات التي زارته فيها زارينا، وصفته بالثري من باب المزاح، على أساس أنه أعزب وليس بعهدته أسرة ليعيلها. صحـَّح ظنها المغلوط بالقول إنه يبعث نقوداً من وقت لآخر لأخويه وأخته، وبشكل منتظم لماريكا، طليقته البلجيكية. استغربتْ أن يعين طليقته مع عدم وجود أولاد. فشرح لها الأمر بكل بساطة: انتاب ماريكا انهيار عصبي أفقدها عملها كرسامة صناعية. فشعر بالذنب لإصراره على الطلاق، أهم أسباب أزمتها العصبية باعتقاده. قبل ذلك، كانت ماريكا اشترت شقة صغيرة في بروكسيل، لم تعد قادرة على دفع أقساطها. وبما أنها أسندته كثيراً في أول عشرتهما – كان عاطلاً عن العمل حينذاك – وقبلتْ برجل لم يحو جيبه وقتها ثمن علبة سجائر، ارتأى من الإنصاف والعرفان بالجميل أن يساعدها بقسط الشقة لئلا يـُحجز عليها وتفقدها نهائياً، بانتظار استعادتها لعمل مستور ومورد كاف.

 

–                            شنو كان رد فعل “ڤاياغرا”؟ ما ازرَقـَّت لما سمعت حكاية الطليقة وانهيارها العصبي؟ أو يمكن احمَرَّت…؟

–                            لا: اصفرَّت.

 

رآها تشحب، وتعبيرات وجهها تتغير شيئاً فشيء وهي تنصت إليه. ثم لم تتمالك نفسها، فأجهشت ببكاء مرير دام دقائق، مـُبلـِّلاً صدره، ومعمقاً حيرته لجهله سبب نحيبها. ولما قدرتْ أخيراً على الكلام، بررتْ انفعالها، فقالت متأتئة: “المعـ…المعذرة.  تذ…تذكرتُ… إهي، إهي… تذكرتُ وضعنا، أنا وأمي وأختي الصغرى. هجرنا أبي الحقير ونحن طفلتان. أهملنا ولم يرسل روبلاً واحداً رغم أنه، على علمنا، في بحبوحة ويكسب كثيراً، ويركب السيارات الفارهة ويسافر ويرتاد صالات القمار ويغير العشيقات مثل القمصان. الآن هزني أن أرى رجلاً يساعد طليقته من دون أولاد، رغم كونه غير مرغم قانونياً وأخلاقياً، في حين تركنا والدي النذل في أسوأ حال، واضطرت أمي… إهي، إهي… اضطرت إلى العمل في تنظيف البيوت والمكاتب، أحياناً خمس عشرة ساعة في اليوم. عجـَّزتْ وانحنى ظهرها وهي الآن في الثالثة والأربعين. إنها ربما أصغر من زوجتك السابقة، لكنها تبدو عجوزاً”.

 

–                            الله يساعدها، علق زاهر.

–                            مُو بَس هاي. زارينا فاجأتني بذيك الليلة بشغلة عجيبة غريبة. سكتت شوية. بعدين، على غفلة، قالت: أعتقد أحسن ما نتشاوف بعد. هاي آخر مرة أشوفك.

دهش غسان من التصريح المفاجئ الذي أطلقته زارينا على حين غرة، وبنبرة درامية. فعبارة كهذه لا تقولها عاهرة لزبونها، إنما عشيقة لعشيقها، أو ربما زوجة لزوجها. سألها عن سر رغبتها المباغتة بألاّ يتقابلا، فأجابت: “لأنني متأكدة بأنني سأقع في غرامك. كنت مؤمنة بأن الرجال كلهم سفلة مثل أبي. الآن أتعرَّف إلى نقيضه التام للمرة الأولى في حياتي المليئة بالأحزان. فكيف لا أقع في غرامك؟ من الأفضل ألاّ أراك. هذا يتعارض مع مهنتي وطموحاتي. أنا أخطط للعودة إلى موسكو واستكمال الدراسة. أطمح إلى الشهرة كمقدمة برامج تلفزيونية”.

 

–                            إيه… لأهل الحظوظ الرِّطـَب وإحنا سهمنا نوى! توقع بغرامك بنت عشرين وأنت بالخـُمس الأخير من الأربعينات.

–                            لا مو غرام، مجرد إعجاب طارئ يزول بزوال المؤثر. أعتقد شي من قبيل البحث اللاواعي عن الأب الغائب الضائع…

–                            …يا معوَّد، خلـِّينا من هاي الفرويديات التافهة. بعلم النفس، آني ما أؤمن غير بالألماني العظيم كارل غوستاڤ يونغ. على أي، ما شفت “ڤاياغرا” بعد؟

–                            لا، ما طلبتها بعد من فريدة، رفقاً بها… أو يمكن رفقاً بنفسي. مثل ما تعرف، آني مقرر ما أدخل بمتاهات علاقة جادة حتى مع وحدة شريفة وبنت أوادم. بعد شلون تريدني أصاحب قحبة؟

 

علق زاهر قائلاً ما معناه: “إذن أنت أيضاً يا غسان أغرمت بها، والدليل: تهرُّبك منها”. أقسم غسان بأنه لم يغرم بها. لكن عفويتها الطفولية في تلك الليلة قادته إلى الظن أنه لو واصل الالتقاء معها، ربما سيجد نفسه منزلقاً في الإحساس بنوع من المسؤولية المعنوية تجاهها، وسيتحتم عليه الانتباه لتصرفاته وحركاته وكلامه للإمعان في لعب دور الشهم النبيل، نقيض أبيها التام، لكي لا يخيب ظنها. لم يكن مستعداً لمثل تلك التعقيدات. لم يشأ أن تتحول صلاته بالعاهرات من صفقات تجارية مريحة للضمير إلى التزامات مضجرة.

 

–                            زين وهيَّ، ما حاولت تتصل بيك؟

–                            تعرفتْ عليَّ بواسطة قوادة، مو مباشرة من البائعة إلى المستهلك. بهيك حالة، ما يحق لهن يتجاوزن الواسطة. ثم آني ما تركت لها رقمي حتى تتصل، مع العلم هي جازفت بذيك الليلة وانطتني رقم موبايلها. وتوسلت ما أقول لفريدة.

 

بعد مضي حوالي شهرين من تذبذبه إزاء فكرة الاتصال بها، سأل فريدة عنها لجس النبض، فأخبرته أنها عادت إلى موسكو لمواصلة الدراسة. ندم شيئاً ما على تكاسله، وتمنى لو ضاجع مرة أخيرة تلك الـ”ڤاياغرا” الحنون. لكن، وقتها، لم يكن ليدور في خلده أنه، بعد أكثر من سنة، سيعوض عنها نوعاً ما بمضاجعة أختها الصغرى.

 

عن مـاهــر ســعـدي

شاهد أيضاً

240484136

أيام الشارلستون

    اليوم الأول وبينما يلقى محمد شهدى كلمته الحماسية عن خطبة الأمس التى ألقاها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *