الرئيسية / كتب وأصدارات / الحقد والضغينة كانا مدخلاً لاستفحال الفاشية الهوية هي الحرب.. أوروبا ومخاطر الخطاب اليميني

الحقد والضغينة كانا مدخلاً لاستفحال الفاشية الهوية هي الحرب.. أوروبا ومخاطر الخطاب اليميني

عرف المشهد السياسي الفرنسي تحوّلاً كبيراً، بل منعطفا تمثّل في الصعود الكبير الذي حققه حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرّف بحيث إنه تحوّل من قوّة سياسية هامشية على مدى عقود من الزمن حيث لم يحصل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي وصل بنتيجتها فرانسوا ميتران إلى المنصب الرئاسي عام 1981، سوى على نسبة تقل عن واحد بالمائة من أصوات الناخبين. بالمقابل لم يعد هامشياً اليوم حيث حصل في آخر انتخابات محليّة على نسبة تقارب الـ 30 بالمائة من أصوات المقترعين، وغدا القوة السياسية الرئيسية في معسكر اليمين الفرنسي.

المحرّك الرئيسي الذي استطاع بواسطته اليمين المطرّف الوصول إلى كسب ثقة نسبة هامّة من الفرنسيين تمثّلت في جعل مسألة «الهويّة» في صلب برامجه الانتخابية. ونصّب من نفسه مدافعاً عن «الهوية الوطنية» الفرنسية في مواجهة الأخطار التي صوّر أنها تتهددها مما يجعل من الدفاع عنها واجباً وطنياً.

من هنا بالتحديد اختار «روجيه مارتيللي»، الباحث والصحفي ورجل السياسة الفرنسي، عنواناً لكتابه الأخير هو «الهويّة،هي الحرب». والحرب على أساس أن هويّة فرنسا «مهددة من جحافل البرابرة» حسب الخطاب السائد لدى اليمين الفرنسي المتطرّف. ذلك بالتواكب مع مقولة أخرى تتردد هي الأخرى من نفس المصادر مفادها «لم نعد في وطننا، فرنسا»، كما يشير المؤلف.

ويفتح «روجيه مارتيللي» في هذا السياق قوسين ليسأل:«عن أي فرنسا يتم الحديث؟ هل فرنسا ــ الثورة الفرنسية أم الثورة المضادة؟ وفرنسا التباين أم فرنسا التعاون؟ وفرنسا التي قاومت النازية أم فرنسا ــ فيشي التي تعاونت مع قوات الاحتلال؟.

وتحت الشعار الكبير«من أجل الدفاع عن الهوية الفرنسية والمحافظة عليها»، والذي يثير المشاعر ويعبئ الكثير من الطاقات لأغراض سياسية وانتخابية، يقوم اليمين المتطرّف المتزمّت على أساس نزعة قومية متشددة بزرع بذور«الحقد والضغينة» حيال الآخر، المختلف، كما يشرح المؤلف، مؤكّداً في الوقت نفسه أن دروس التاريخ علّمتنا أن «الحقد والضغينة وكره الآخر» تتأسس عليها باستمرار«جميع الفاشيات».

ويحدد المؤلف القول في تحليلاته أن مكامن الخـــــطورة في التلاعب بشعارات الهوية الوطنية واستخدامها كأدوات من أجل كسب أصوات الناخبين تتمثّل، أي مكامن الخطورة، في تقديم أوروبا في السياق الحالي وكأنها في«حالة حرب».

والتذكير في هذا السياق بالويلات التي جرّتها على القارّة القديمة تلك النزعات القومية المتشددة التي مثّلتها النازية والفاشيّة اللتان جرّتا أوروبا إلى حربين عالميتين انطلقتا من أراضيها ودفع الأوروبيون أكبر الأثمان فيهما من الضحايا والخسائر المادية الفادحة وكانت من«الأكثر قتلاً وتدميراً في التاريخ الإنساني».

المرجعيتان الأساسيتان اللتان يجد المؤلف فيهما ما يغذّي نزعات الانزواء على الذات ومواجهة الآخرين، تتمثلان في فرنسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون. الأوّل،فوكوياما، اعتبر أن الديمقرطية اللبرالية يمكن أن تكون، بعد سقوط المعسكر الشيوعي،« المحطّة الأخيرة للتطوّر الإيديولوجي للإنسانية.(….). والصيغة النهائية لكل حكومة في العالم».

والمرجعية الثانية «هنتنغتون«، ينتج تأثيرها، كما يشرح المؤلف، من عملية«الخلط» بين«الهويّة» و«القول بوجود حالة حرب» و«صدام الحضارات»،أي النظرية الشهيرة التي قال بها ذلك المفكّر الأميركي مشيراً أن الصدام سيكون في صميمه بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية.

بالمقابل لا يتردد المؤلف في التأكيد أيضاً بأشكال مختلفة أن فرنسا وأوروبا تعانيان من المشاكل والصعوبات، ولكن مردّ ذلك لا يعود إلى مسألة «الهويّة المهددة»، لكن بالأحرى إلى مشاكل تعود إلى طبيعة المنظومات السائدة.

وملاحظة أن اليمين المتطرّف على الصعيد الأوروبي كلّه يريد فرض فكرة أن الهوية هي«الرهان الحاسم في المجتمعات المعاصرة». وبالتالي«ينبغي الدفاع عنها أو النضال من أجل استعادتها» إذا كان هناك اعتقاد أنها مفقودة.

مقابل ذلك كلّه يحدد المؤلف الرهان الأساسي في هذا الكتاب أنه «رفض منطق أن الغرب في حالة حرب»، وخاصة «رفض أنه هناك حرب بين الغرب والإسلام» وقبل كل شيء « رفض الغوص في وسواس الهــــويّة». ذلك على خلفية التأكيد أنه مع سيادة منطــــق التعارض بين«هم»و«نحـــن»، و«عندهم»و«عندنا»، يغدو أفق التبعية أو الحرب مفتوحاً.

ويصل المؤلف إلى ما هو أبعد من ذلك للتأكيد أن تصادم النزعات القومية المتزمتة في عام 1914 دفع أوروبا إلى أتون حرب عالمية أولى،«الحرب الكبرى»، كما سادت التسمية. وصدام الهويات يمكن أن يخبئ ما هو أدهى وأسوأ.

عن البيان

شاهد أيضاً

souroud01

سرود : مجلة جديدة في السرديات والنقد الأدبي

سرود : مجلة جديدة في السرديات والنقد الأدبي صدر العدد الأول من مجلة سرود ( …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *