الرئيسية / قلم رصاص / هذه ليست سيرة… هذه مذكرة اتهام

هذه ليست سيرة… هذه مذكرة اتهام

 

 

 

هذه ليست سيرة..هذه مذكرة اتهام..!

 

 

زهير الهيتي

في الحقيقة أنا من المواظبين على قراءة عمود الرأي الذي يكتبه  حازم صاغية في جريدة الحياة اليومية اللندنية،وكذلك الكتب التي يصدرها ..وربما يكون هو من بين الصحفيين العرب القلائل الذين يمكن أن نطلق عليهم تسمية – صحفيين- وليس كتبة كما الأغلبية الساحقة المضجرة في واقعنا الصحفي اليومي البائس..كنت أقول لنفسي دائما ( قف عن متابعته هو الآخر،وأكمل مقاطعتك لكل ما يمت للصحافة العربية التي تفوقت على غوبلز في الكذب والتظليل!)..لكن وكما شهرزاد التي حيرت عشاقها،حيرني حازم صاغية!..انه يقف في منطقة رمادية ضيقة جدا ما بين الصحفيين العرب التقليديين،والذين يمكن أن نطلق عليهم تسمية ( الأعمدة المتآكلة )وبين فريق ظهر مع دخول قوات الاحتلال الأمريكية إلى قلب عاصمة العباسيين،بغداد!..أو ما اصطلح على تسميتهم ب(الليبراليين الجدد!)..فصاغية يؤكد بكتاباته دائما،خروجه النهائي من صف (الأعمدة المتآكلة) وعدم دخوله وبوعي شديد ضمن جوقة (الليبراليين الجدد)..فما بين اؤلئك الذين يصرون على اجترار زمن احمد سعيد بملل ورتابة هائلة،وبين مهرجين يبشرون بزمن أمريكي لا يدركون أبعاده ويصلوا بنا إلى حدود التفاهة،وقف صاغية في تلك المنطقة الرمادية الضيقة جدا وبدا يؤسس ،بحسب اعتقادي المتواضع،لليبرالية حقيقية نابعة من فهم حقيقي لواقع منطقة معقدة ومتشابكة ومظللة حتى لساكنها،واقع جغرافي وسكاني وسياسي وديني معجون بألف مشكلة ومشكلة،وبدأب نملة!..طبعا لا استطيع الجزم بأنه الوحيد،وهناك بالتأكيد غيره..لكنه الأبرز !

ألقى كتابه( هذه ليست سيرة) الصادر عن دار الساقي بعض الضوء على تلك المنطقة الرمادية المحيرة التي تحصن بها..وكنت قد قرأت كل كتبه التي أصدرها،ولكني في الحقيقة بقيت أميل إلى عموده غير المنتظم في جريدة الحياة اللندنية..فعموده الصحفي اخف دما وأكثر إيلاما واختصارا،من بعض كتبه التي كانت عاطفته تفيض في بعض فصولها حتى يصعب التمييز بين الشخصي والعام،فتشعرني بشيء اقرب إلى تصفية الحسابات ما بين المؤلف وتلك الشخصية أو ذاك الحزب أو تلك الطائفة!..أحيانا اشعر بأنه يحاول أن يسير على هدى المؤرخ الرائع ( حنا بطاطو ) الذي كان ولا يزال كتابه الكبير(العراق-من ثلاثة أجزاء) من أهم ما كتب عن هذا البلد،وهو الوحيد الذي استطاع بحيادية أكاديمية مطلقة من أن يخضع أنسجة مجتمع هذا البلد للفحص الدقيق،مدعوم بموهبة خلاقة تأخذ بلباب القارئ منذ أول فصل!..لكن صاغية ليس أكاديميا،وهذا ما يظهر جليا من خلال متابعة أعماله،انه صحفي من النوع النادر،ويمكن ومن خلال معرفته الكبيرة بتفاصيل المجتمع العربي السياسي والاجتماعي،أن يكون دليلا ماهرا جدا لإيصال القارئ إلى زوايا الوعي السياسي العربي المنسية أو المهملة!..لا ازعم من أن كتبه لم تكن قيمة بل العكس،لكني وربما لكوني عراقيا،فقد سئمت حد القرف من سماع اسم (حزب البعث)،تماما كما تدفع كلمة(نازي) الفرد الألماني إلى نفس ردة الفعل..وما يفعله صاغية في كتبه،هو عملية أرشفة للواقع السياسي في المشرق العربي الشائك،وهذا وحده عمل يستحق منا كل احترام..لكني أنا كعراقي ترك وراءه كل شيء لم اعد استطيع أن أخوض في هذا المستنقع!..إلى أن وقعت على كتابه الجديد (هذه ليست سيرة) كنت في مكتبة الساقي في لندن،وأنا اقلب في يدي هذا الكتاب، وأفكر،فيما إذا كان على نفس نهج كتبه السابقة،وعندها لن اقرأه!..ولكن بنظرة سريعة على محتوياته،أيقنت بأنه شيء مختلف،وهكذا كان الكتاب رفيقي في الطائرة العائدة إلى برلين.

بين أوراق هذا الكتاب يستطيع القارئ أن يتعرف على منطقة صاغية الرمادية القلقة التي يقف عليها..انه وبصراحة مكثفة يكشف مأزق خطير مر فيه ولا يزال يعاني منه ما يسمى ( جيل الثورة ) وما اعنيه هو ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر،هذا إذا كان يصح أن نطلق عليها اسم –ثورة- وليس شيء آخر!

جيل التهب بنار تأميم قناة السويس والاعتداء الثلاثي ونيران ثورة الجزائر واليمن وانفجار الثروة النفطية وصعود الأحزاب القومية العربية التي حاكت مثيلاتها الفاشية الغربية،ناهيك عن وصول طلائع الشيوعية الأممية إلى قلب المدن العربية العريق..حزمة من القيم الجديدة تصارع نظيرتها القديمة،منظومة أخلاقية جديدة اغلبها مستورد تريد الحلول محل القديم..أفكار وشعارات لم تتجذر لأنها أصلا تفتقد للجذور،فعلى سبيل المثال،أن نسبة تسعين في المائة ،أن لم تكن أكثر،من الشيوعيين العراقيين لم يقرؤوا كارل ماركس،لأنه ببساطة لم يترجم إلا في فترة متأخرة،ومع هذا صعدوا إلى المشانق التي نصبت لهم بقسوة،وبدوا وكأنهم يدافعون عن وهم!..وبقيت هذه الأفكار كواجهة مزخرفة جميلة،أمام جامع وكنيسة عمرهما أكثر من آلف عام! وقبيلة تمتد إلى ابعد من ذلك بكثير،أديان جردت من قيمها السامية وأصبحت مجرد ملاذ طائفي يتمترس فيها حتى من يدعي العلمانية بل الشيوعية بأقصى حالاتها وهو الإلحاد!

لقد قبل صاغية وبشجاعة نادرة،عند الكتاب العرب،أن يضع نفسه تحت المجهر ويقول للجميع..ها أنا انتم،وانتم أنا!..قلق فكري موجع واضطراب في الشخصية واهتزاز في القيم،جيل بهر بالأفكار والأعمال الثورية في زمن معاصر،لكن على طريقة عنترة ابن شداد والعروة بن الورد!..ما تزال المعلقات محفورة في وجداننا منذ أن علقت على جدران الكعبة،ولا يزال الخلاف قائما حول عددها وفرسانها!..

فحازم الشاب يتأرجح ما بين الانتماء الفكري والعاطفي للتيار العروبي الناصري،إلى القومي السوري،إلى الأممية الاشتراكية..وعندما أرى بعين خيالي،الشاب حازم صاغية يجري مارثونه هذا،أرى من خلفه آلاف من الشباب العربي جروا نفس المارثون هذا،ربما ابعد أو اقصر!..وها نحن نرى الكثير منهم في يومنا هذا وقد وصلوا إلى مرحلة الديني ثم الطائفي ولا ندري ما هو السوء القادم..نفس الشباب جروا خلفهم الأجيال التي تلتهم،ما عليهم سوى تغيير قمصان- المرحلة – يستمرون راكضين كقطعان الماشية نحو الهاوية تحدوهم رغبة كبيرة في تدمير الذات..فمن شعار( لا صوت يعلو على صوت المعركة) إلى شعار(انظر ورائك بغضب) إلى شعار(ياعمال العالم اتحدوا) وصولا إلى شعار(الإسلام هو الحل)!..أو (أمريكا هي الحل)..فراغ فكري كبير وموجع،واضطراب في تحديد الهوية أو الحفر بعيدا في الجذور!

لم يجروء احد من قبل على اعتراف صافي كما فعل مؤلفنا هنا،اعتراف الجري العبثي في هذا المارثون المهلك وإبدال قميص- المرحلة- لأكثر من مرة!..لكن في النهاية يدرك صاغية أن نزع القمصان هو الحل..التوقف هو الحل..التفكير والتقاط الأنفاس هو الحل..التقدم ولو بطيئا لكن بخطى ثابتة هو الحل!

يمتاز أسلوب صاغية الكتابي بشيء من التميز، فالقارئ العابر،يبدو له وكأن الكاتب يكتب بالعربية لكنه يفكر بلغة أجنبية – الانكليزية على الأرجح-..وتبدو له وكان المقالات مترجمة عن لغة أجنبية،والجمل واسعة واقرب إلى التفكك..انه لا يميل،لا في كتاباته الصحفية أو كتبه السياسية،إلى ما هو مألوف في اللغة وبناء جملها المتماسكة،انه يميل إلى تفكيك الجمل ونثرها بالتالي على اسطره،يحاول أن يلعب بالجمل ويعيد ترتيبها بشكل جديد،حتى نجح في خلق أسلوب خاص به،بحيث لا تحتاج كتاباته عند قراءتها إلى قراءة اسم كاتبها!..وفي هذا الكتاب اكتشف خاصية جميلة جدا في كتاباته،انه أسلوب السخرية المرة،من نفسه،من قيم مجتمعه،ومن طريقة تفكيره،والتي هي في الحقيقة ،نفسنا،قيمنا،طريقة تفكيرنا!

استطاع صاغية في هذا الكتاب أن يتخلص من (ثقل دم) المحلل السياسي الصارم الذي لا يترك شاردة أو واردة ألا ويقتلها فحصا وتمحيصا..وان يتحول إلى كاتب خفيف الظل اقرب إلى المرح،واقرب إلى الشخصية اللبنانية وما هو متعارف عليها من حب الحياة وصناعتها(بالتأكيد ليسوا كلهم هكذا!)

الكتاب تلخصه عبارة وردت في الصفحة الثامنة والتسعون بعد أن بلغت الخسائر النفسية والايدولوجية مبلغها..الهزائم تلد الهزائم وها هي الأحوال تصل به إلى الحرب الأهلية اللبنانية القذرة  فيقول متذكرا (وهو لقاء ملتبس قد يؤلف دمعة في العين هي حبة ماء محيرة تظل تبحث عن اسم لنفسها)..وهو كما نحن..نظل نبحث عن هوية..أي هوية!

أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت على ما يبدو-بروفة- بدأنا ننطلق منها نحو التعميم،فما حدث في لبنان إبانها،يحدث الآن في العراق وفلسطين والتجربة قادرة على الإفلات من عقالها وبسهولة مطلقة..لست من مؤيدي نظرية المؤامرة،لكنها على ما يبدو قابلة للتصديق في ليل العرب الطويل!..أن حازم صاغية الذي عاش مرحلة انطلاق هذه الحرب القذرة وذروتها،واعتقد بأنه قد افلت منها،أو هرب كما هرب الكثيرون منا وكما سيهرب الذين يستطيعون،عندما عنون الفصل الأخير من كتابه(من بيروت إلى لندن)..لكن الم يكن موت مي غصوب زوجته،متأثرة بجراح تلك الحرب اللعينة،دليلا على أنها سترافقه العمر كله وبأشكال مختلفة حتى ولو كنا في المنافي..أليست في النهاية لعنته هي لعنتنا جميعا!

 

عن زهير لهيتي

شاهد أيضاً

أضرار جانبية

أضرار جانبية جمانة حداد   “من السماء أتوا ليقتلوا الأطفال ودماء الأطفال سالت في الشوارع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *