الرئيسية / رواية / القيامة … الآن

القيامة … الآن

 

القيامة … الآن

 

 

 

رواية

 

 

 

 

 

ابراهيم درغوثي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

” لئن اتبعت الشيطان يا رب ، فإني أظل ابنك لأني أحبك ، ولأن في نفسي سبيلا إلى الفرح الذي لولاه ما وجد الكون “

 

دوستويفسكي

الإخوة كارامازوف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الأول

علامات القيامة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أنا الذي رأى كل شيء .

 

قال عني أشرار الخلق : هذا رجل مجنون .

وأدخلوني المارستان ، فعشت ” عاقلا بين” المجانين ” سنين وسنين . ثم هبطت إلى الأرض من جديد . أجوب الشوارع التي ما عدت أعرف أسماءها ، وأعيش حياة جديدة على وقع الكوابيس .

هل صادف أن عشت مرة كوابيس تتكرر كل ليلة – تعيد نفسها كما هي – ثم تعاودك من جديد ، وأنت يقظ مثل كلب الصيد ، فتراها كما يرى اليقظان السائر في الطريق :

– شرطيا ينظم حركة المرور .

– أو سائحا أشقر يقبل امرأة في فمها ويرضع لسانها في وسط الطريق .

– أو زبونا متعجلا يطلب سجائر من أمام كشك لبيع الجرائد .

– أو جنائنيا يسقي أشجار الحديقة .

ثم تسكن هذه الكوابيس رأسك إلى أن تتحول فوازير شريهان التي يعرضها التلفزيون بعد صلاة العشاء مباشرة إلى صور وأحداث لهذه الكوابيس ، فيغيب الرقص والهز والغمز وتمتلىء الشاشة الفضية بجنونك بالألوان .

أنا الذي رأى كل شيء .

صرت مجنونا يجري وراءه الأطفال في الشوارع ، وتتعلق الكلاب بتلابيبه .

وبعد أن صرت مجنونا ، تفتحت أمامي العوالم المغلقة بمفاتيح الرحمان .

تعال معي نفتح الأبواب .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يأجوج ومأجوج

 

ملأوا الدنيا .

حطوا في كل مكان .

أكلوا – كالجراد – كل شيء صادفهم في طريقهم .

شربوا مياه الأنهار ، من ” سيحون ” و” جيحون ” إلى

” المسيسيبي ” و” الأمازون ” ، حتى أن من وصل منهم متأخرا مص التربة الندية ، وقال :

– كان هنا ذات يوم ماء .

 

عود على بدء

 

” حتى إدا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون . ”

قرآن : سورة الأنبياء

الآية / 96

 

عندما وصل الإسكندر المقدوني المكنى بذي القرنين إلى آخر الدنيا بعد أن فتح كل العالم – من مقدونيا إلى سور الصين العظيم – ( هذا السور الذي يزوره الآن ملايين السياح بعدما صار واحدا من الأعاجيب السبعة ) .

قلت عندما وصل الغازي قريبا من السور / السد ، جاءه قوم يشتكون .

قالوا :

– يا مولانا وراء هذا السد ، قوم مفسدون . ما تركوا لنا الأخضر واليابس .

ماذا يا مولانا الجديد ، لو جعلت بيننا وبينهم سدا ؟

 

استطراد

 

أثبت التاريخ أن سور ابصين قائم قبل وصول ذو القرنين إلى أطراف الدنيا القديمة . وأنا أرجح أن عدة كيلومترات قد تهدمت منه – بين جبلين مثلا – بسبب العوامل الطبيعية ، كالزلازل مثلا . أو بفعل فاعل من البشر .

لهذا استجاب سيدنا الفاتح الجديد لرعاياه ، فشمر جنوده على سواعد الجد لبناء السد ودرء الفساد .

 

 

بدء على عود

 

قال ذو القرنين : آتوني بزبر الحديد ، فوضع القطع بعضها على بعض كهيأة البناء فيما بين الجبلين ، حتى إذا ساوى بينها قال أنفخوا ، فنفخوا إلى أن صار الحديد نارا . ثم أفرغ فوقه النحاس ليلتصق ويدخل بعضه في بعض .

وقام السد عاليا حتى السماء .

ومن يومها وقبائل ” يأجوج ” و” مأجوج ” ينقرون أسفل السد بمناقيرهم ، حتى إذا كادوا أن يخرجوا ، قالوا : نرجع غدا .

هكذا كل يوم .

مثلهم في ذلك مثل ” سيزيف ” . هو يحمل الصخرة من الهاوية إلى قمة الجبل . وتعود فتتدحرج من جديد .

وهم ينقرون السد ، حتى إذا قاربوا الخروج قالوا : نرجع غدا …

ونعم سكان السهوب بالهناء وراحة البال . ونسوا أن وراء السد قوما مناقيرهم تدق الحديد المقوى بسبائك النحاس المذاب .

وكما ثبت ” سيزيف ” الصخرة فوق جبل ” الأولمب ” . وهي اليوم ثابتة هنالك بشهادة سائح بلجيكي جلس فوقها ، فأخذت له صديقته ثلاث صور رائعة الجمال عرضتها المجلات المهتمة بالدعاية للسياحة في العالم .

قلت : وكما ثبت ” سيزيف ” الصخرة ، حفر قبائل ” يأجوج ” حفرة في السد .

وخرجوا إلى الأرض الحرام ….

كيف تم ذلك ؟

تخلف واحد من جماعة ” يأجوج ” . واحد في حجم حبة الأرز . له ذنب ذئب ، ونابي خنزير ، وقرن في وسط رأسه ، فوق الجبهة . صار ذلك الرجل / حبة الأرز يخبط السد بقرنه ، فيسمع له دوي كقصف الرعود . ويخبط ، ويعاود الخبط . والسد يترنح ويرتج ، ألى أن فتح الثغرة .

عوى الرجل / حبة الأرز كالذئب ، ومر إلى الأرض الحرام . فرد أذنه اليسرى ، ونام داخلها . فقد كان للرجل شعر كثيف يقيه الحر والبرد ، و أذنان عظيمتان ، إحداهما من وبر كوبر الجمل يشتي فيها .والأخرى من جلد يصيف فيها .

في غد يوم الفتح ، جاءت ” يأجوج ” و ” مأجوج ” . رأوا ضوءا ينبعث من وراء السد ، ورأوا الثغرة ، فوسعوها كما وسع جند ” داؤود ” ثغرة ” الدفرسوار” في الضفة الغربية لقناة السويس إبان حرب أكتوبر المجيدة التي انتصرنا فيها على كيان اليهود .

وخرجوا ، فملأوا الدنيا .

 

عود على بدء

 

قال الأوزاعي : الأرض سبعة أجزاء، فستة أجزاء منها

 ” يأجوج ” و” مأجوج ” وجزء فيه سائر الخلق .

 

عرضت قناة ال ” سي  آن  آن ” الاخبارية الأمريكية البارحة في شريط أنباء الساعة الثامنة مساء صورا لثلاثة من ” يأجوج ” و” مأجوج ” ، قال المذيع إن جنود ” المارينز ” الذين يجوبون البحار السبعة على ظهر المدمرة ” رونالد ريقن ” ، قد أسروهم في جزيرة ” سرنديب ”

كانوا هكذا على ثلاثة أصناف :

واحد في طول حبة الأرز .

والثاني طوله وعرضه سواء ، شبر في شبر .

والثالث في حجم صاروخ ” ديسكوفري ”

*****

وتفرق ” يأجوج ” و ” مأجوج ” في كل مكان .

روى صحافيون شاهدوهم عن قرب أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض ، من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله . وأنهم يتداعون تداعي الحمائم ، ويتسافدون تسافد البهائم ، حيث التقوا . ( صح أصله في كتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم ) . وأنهم يتكاثرون تكاثرا عجيبا . وليس لله خلق ينمو كنمائهم ( لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده ) .

كما تحدثت وكالات الأنباء عن أنهم يمتلكون أسلحة كثيرة تندرج من الحجارة المصقولة ، إلى القنابل الذرية ، مرورا بالهراوات ، فالفؤوس والدبابيس ، فالسيوف ، فالرماح ، فالنبال ، فالمنجنيقات ، فالبواريد والمسدسات ، فالمدافع والدبابات ، فراجمات الصواريخ والقنابل العنقودية ، فالطائرات والبوارج الحربية ، فحاملات الطائرات ، فالغواصات والصواريخ العابرة للقارات ، فما لا عين رأت ، وما لا أذن سمعت ، وما لا يخطر على بال …

 

بدء على عود

 

فيظهرون على الأرض، ويقول قائلهم : هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، لننازلن أهل السماء . حتى أن أحدهم ليهز حربته إلى السماء ، فترجع مخضبة بالدم ، فيقولون : قد قتلنا أهل السماء .

في هذه الأثناء ، عم الرعب سكان الأرض سكان الأرض القديمة والجديدة . وهبط من بقي منهم على قيد الحياة إاى المخابئ المعدة للحرب النووية .

وجابت طائرات ” الشبح ” التي ضرب بها الأمريكان مدن العراق في حرب الخليج الثانية ، الصحاري والمحيطات . ضربوا ” يأجوج : و: ومأجوج : بكل ما تملك التقنية الحديثة من ابتكار ، ولكن دون طائل ، فقد كانوا يتكاثرون تكاثر الجراثيم .

ووصل ” المجهود الحربي ” إلى حدود اليأس . وفكر سكان الأرض في الاستسلام على أن لا تكون معاهدة إنهاء الحرب مذلة للجنس البشري إذلالا كبيرا . ولكن المفاجأة جاءت من حيث لا يحتسبون ،فقد رأوا على شاشات الرادارات نوعا من الجراد يهاجم هؤلاء الذين قال عنهم كعب الأحبار إن أبانا آدم احتلم ، فاختلط ماؤه بالتراب ، فأسف كثيرا لذلك ، فخلق منه يأجوج ومأجوج .

حطت الدواب التي تشبه نغف الجراد على أعناقهم ، وامتصت منهم رحيق الحياة ، فصاروا يموتون يركب بعضهم بعضا .

وتكدسوا في مشارق الأرض ومغاربها .

وأنتنت الأرض من ريحهم . فبعث الله عليهم طيرا نقلت جثثهم إلى البحر . ونزل على الأرض طوفان كطوفان نوح ، فتطهرت من رجسهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

رواية ثانية للأحداث

 

عاد ” حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي ” إلى هرم السلطة فيما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي ، فضرب الأمريكان الأرض بالقنابل الذرية ، واتهموا ” يأجوج ” و

” مأجوج ” بإفساد الحياة على الأرض بعد ما أخرجوا الحكاية القديمة من بطون الكتب الصفراء .

ولنا عودة وتفصيل للأمر في مناسبة أخرى .

 

عود على بدء

 

قال كعب الأحبار:

ثم تسمعون الصيحة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأعور الدجال

أو الحاوي الذي علمهم السحر

 

جاء راكبا على حمار ما بين أذنيه أربعون ذراعا .

صحت :

– هذا هو الحاوي الذي رأيته على خشبة الركح يعرض ألعابه .

ما سمعني أحد سوى الملاك الماشي على يمين ” الدجال ” .

سمعني وهز رأسه أكثر من مرة ، ولسان حاله يقول :

– صدقت .

واقترب ” الدجال ” أكثر ، حتى ملأ وجهه شاشة التلفزيون .

رأيت عينه العوراء هامدة كقعر قارورة خضراء . وقرأت كتابة على جبهته :  كافر مكتوبة بكل لغات العالم ، من الهيروغليفية إلى الخط المسماري ، ومن العربية إلى الحرف اللاتيني .

ما عرفت من أين جاءني هذا الفهم باللغات القديمة والحديثة . فقد كانت كلمة كافر تضوي كما تضوي لافتات الإشهار. تشتعل وتنطفئ بسرعة كبيرة . وتتحول الكتابة من لغة إلى أخرى ، وأنا أترجم للخلق الذي تجمع حولي

وجاء صاحب الدابة ، فخطب فيهم :

– أنا ربكم الأعلى .

كان كلما وضع يده على حجر تحول إلى خبز حتى صارت الجبال خبزا . والناس جياع .والجوع عمر في كل مكان ، فجرى الأطفال وراء حماره يطلبون الخبز . تنادوا وجروا وراء الحمار ، فأعطى كل واحد منهم الخبزة  والخبزتين . وتنابحت وراءه الكلاب ، فألقمها خبزا سخنا ، فسكتت عن النباح المباح .

وسرى الخبر في كل مكان ، فجاءه الناس من أقاصي المعمورة يحلمون بالخبز.

جمع صاحب الدابة جمهور الخبز في ملعب كبير لكرة القدم ، وراح يعرض أمامهم ألعابه .

أخرج صندوقا خشبيا كصناديق حواة السيرك . كان الصندوق مزخرفا بصور لوحوش غريبة وورود عجيبة . وكان في مثل قامة الإنسان ، فعرضه فارغا على الجمهور . ثم صفق ، فخرجت حسناء تستعرض جمالها فوق الركح . كانت تلبس حمالتي نهد وتبانا قصيرا جدا . الحمالة والتبان يبرقان ويلمعان بضوء يعشي البصر . والصندوق الفارغ معروضا على الجمهور .

ابتسمت الحسناء واقتربت من الصندوق بثبات ، ثم تمددت داخله . فراح الحاوي يقص الصندوق من وسطه مصحوبا بلحن موسيقي صاخب .

قسم الحاوي الصندوق إلى نصفين متساويين ، وفرق بينهما بأن أبعد الجزء عن الآخر ، ومر بينهما يتهادى كالطاووس . ثم أعادهما كما كانا ، ولمسهما بعصاه السحرية ، فخرجت الحسناء توزع بسمة عريضة على الناس المتجمهرين حول الركح .

لم تعجب اللعبة الجمهور فصاح :

– هات الجديد يا حاوي . هذه اللعبة نعرفها .

ورددوا بصوت واحد :

– نريد خبزا . نريدك أن تحول مدارج الملعب وحيطانه إلى ” بسكويت ” .

نريد الجديد يا حاوي ، فلا تكرر ما سبقك إليه غيرك .

وصفقوا ، وصفروا ، وهاجوا ، وماجوا .

لم يظهر الغضب على ” سيد الحواة ” كما توقع الناس ، وإنما دعا بالحسناء من جديد ، فجاءت تتثنى كغصن البان . أرقدها فوق طاولة ، ثم نشرها على الملإ ، بالمنشار من الرأس إلى أن فرق بين رجليها . وأبعد نصفي الطاولة ذات اليمين وذات الشمال ، ومشى بينهما .

ساد صمت رهيب أرجاء الملعب . وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير مدة حسبتها دهرا ، ثم أرجع الحاوي جزأي الطاولة كما كانا . وقال :

– قومي أيتها المرأة ببركتي ، أنا رب الأرباب .

فقامت ، ومشت فوق الركح وآثار المنشار تضوي على جنبيها .

ثم أشار بيده ، فإذا نهران يجريان ، يشقان الملعب من اليمين إلى الشمال ، ومن الشرق إلى الغرب .

أحد النهرين ماء أبيض يلمع كعين القط صفاء . أبرد من الثلج . وأحلى من العسل .

والآخر ، نار تتأجج . يفور ويرغي ، ويقذف باللهب في كل الاتجاهات .

نهران يتقاطعان ، ولا يلتقيان . يمر أحدهما تحت الآخر مرة ، وفوقه مرة أخرى .

والناس في هرج ومرج ، وقد ضلوا سواء السبيل إلى أن نادى مناد أن تعالوا إلى ” رب العزة ” المسيح عيسى بن مريم البتول .

تعالوا إلى شفاء ما بعده مرض .

ولبس الحاوي لبوس الأطباء ، وصار يداوي مرضى السرطان بأنواعه المختلفة : سرطان المثانة والمهبل ، وسرطان الثدي والبلعوم ، وسرطان الكبد والأمعاء ، وسرطان الدم ، وسرطان العظام .

وداوى الأكمه والأبرص .

ثم نادى عن مرضى ” السيدا ” ، فكان يضع يده على رأس المريض منهم فتعود له صحته ويقوم واقفا يستعرض عضلاته كأنه العداء ” كارل لويس ” .

وعاد المنادي ينادي :

هذا ربكم ، فاتبعوه .

فجرى الناس وراءه يتصايحون :

أين الخبز الذي وعدتنا يا ربنا ؟ أين المن والسلوى ؟

فدعاهم إلى التطهر أولا في الوادي الجاري . وأشار بيده إشارة غامضة لم يفهم الناس مدلولها ، فارتموا في الماء الأبيض ، فغرقوا …

كانوا يتصايحون والغرق يأخذ بتلابيبهم . ويطلبون النجدة ولا من يسمع لندائهم . فطافت جثثهم فوق الماء ، يتقاذفها التيار .

كان الأعور الدجال يراقب المشهد من على ظهر حماره الأشهب الشبيه ببغل ، وما هو بالبغل .

ظل واقفا إلى أن اختفى النهران من الوجود ، وعادت ساحة الملعب كما كانت .

وعم الهدوء المكان ، فنخز الحاوي دابته وهو يصيح :

– أنا ربكم الأعلى ، فاتبعوني أهديكم سواء السبيل .

 

 

قال تميم الداري :

– وهذه واحدة من علامات قيام الساعة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدابة

 

” وإذا وقع القول عليهم

 أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم “

 

قرآن : سورة النمل

الآية / 82

 

يومها حدث زلزال عظيم . تحركت الجبال ذات اليمين وذات الشمال ، وطغى الماء في البحار والمحيطات . وتساقطت ناطحات السحاب الواقفة في شوارع” نيويورك ” على الأرض . وتحولت في غمضة عين إلى ركام من البلور المهشم والفولاذ والحديد .

وظهرت الدابة شيئا فشيئا ” حتى بلغ رأسها السحاب ، وما خرجت رجلاها من الأرض ” ( ذكره القتبي في عيون  الأخبار) . فهرب الناس في كل الاتجاهات ، وتنادوا إلى الفرار .

حينها فقط ، عادت بهم الذاكرة إلى الشريط السينمائي الذي صور العملاق ” كينغ كونغ ” وهو يهاجم مدينة نيويورك . لكنهم هذه المرة عايشوا الأحداث بأنفسهم . صاروا ممثلين حقيقيين فارين في كل صوب ، والدابة تجري وراءهم .

كانت تحمل خاتم سليمان بن داؤود وعصا موسى بن عمران . ولكم أن تتخيلوا خاتما في حجم ماسورة عملاقة وعصا مثل سارية من سواري السفن التي كانت تجوب المحيطات في عهد الصراع على أعالي البحار بين الإسبان والأنجليز .

جرت الدابة في كل مكان . كانت تسم بالخاتم الكافر ، وتجلو على وجه المؤمن بالعصا .

وهرب الناس إلى المخابئ ، والدابة وراءهم أينما حلوا .

كان المنظر مرعبا فاق في فظاعته أفلام هيتشكوك . فالدابة أهلب ، كثيرة الشعر . لا يدري الرائي ما قبلها من دبرها هي التي جمعت من خلق كل حيوان .فرأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هرة ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير .

وبين كل مفصل ومفصل من مفاصلها ، اثنا عشر ذراعا .

( ذكره الثعلبي والماوردي ) .

وحينما انتهت من أمريكا وما حولها ، طافت في بقاع الأرض الأخرى من ” سيبيريا ” إلى صحاري ” كالاهاري ” ومن جبال ” الهملايا ” إلى سهول ” الأنديز ” .

وتناقلت وكالات الأنباء خبر خروج ” الجساسة ” التي ستحمل على ظهرها الأعور الدجال .

وحدثوا عن مدينة ” نيويورك ” التي صارت أثرا بعد عين

لم يصدق أحد هذه الأخبار ، فوقع الاتهام على رأس القيادة الصينية .

قالوا :

– لقد انتقم الصينيون من أمريكا التي ضربت الاتحاد السوفياتي السابق بالقنابل ” الديموقراطية ” ، فرد عليها الرجال الصفر بالقنابل النووية .

وحركت دول حلف شمال الأطلسي ترسانات أسلحة الدمار الشامل ، ووجهتها نحو مدن الصين الكبيرة . ( كل هذا حدث في غمضة عين . في بضع ثوان لا أكثر ) . ثم ظهرت ” الجساسة “ على شاشات التلفزيون ، في كل بيت على ظهر المعمورة .

رأى جميع الناس هذه الدابة التي ” تعقا وتتكلم ” . قالت :

( حين تكلمت فهم كل واحد حديثها مترجما آليا إلى لغته الأم ، مع العلم أنها كانت تتكلم بالعربية ، أو ليست لغة القرآن ؟ ) .

أنا الفصيل الذي كان لناقة نبي الله صالح عليه السلام . فلما قتلت الناقة ، هربت بنفسي ، فانفتح لي حجر بالجبل ، فدخلت فيه ، ثم انطبق ورائي .

عشت في أعماق الأرض حتى أذن لي ، فخرجت من حيث فار التنور . تنور نوح عليه صلاة الله وسلامه .

قال الصحافي الذي حاورها لفائدة شبكة ” السي أن أن ” :

– هل فار تنور نوح في أمريكا ؟

ردت الجساسة :

– أفي ذلك شك ؟ نعم يا سيدي فار التنور هنا ، في مدينة نيويورك بالذات .

فحق القول على القوم الظالمين .

 

قال الحافظ ، أبو الخطاب بن دحية في كتاب ” البشارات والإنذارات ” :

 ثم ينفخ في الصور .

 

 

 

 

 

 

 

 

قرون الشمس

 

هذه السماء الصافية لم نعهدها منذ زمن طويل .

فقبل أيام ، تراكمت السحب حتى سدت الأفق ، ثم انهمرت الأمطار . هطلت أمطار طوفانية كادت تأتي على الأخضر واليابس . ولم يعد للسماء صفائها إلا هذا اليوم .

كانت سعادة الجميع كبيرة بعودة الصفاء  إلى السماء

فلم ينتبهوا في بادئ الأمر إلى أن شيئا خارقا قد وقع ، فظلوا في ممارسة أعمالهم الكبيرة والصغيرة التي اعتادوا عليها : يزرعون الحقول ويكتبون عرائض الاحتجاج ويمارسون الجنس ويدرسون في المعاهد ويتجولون مع الأحبة ويرشفون الشاي في المقاهي ويسوسون العالم ويدفنون الموتى ويسرقون المغفلين ويغتابون بعضهم و… فجأة انطلق صوت من حيث لا يعلم أحد :

– أين الشمس ؟ أين الشمس يا عباد الله ؟

ودوى الصوت في كل أصقاع المعمورة :

– أين ذهبت الشمس يا ترى ؟

بحث الناس عنها أولا بالعيون المجردة ، كما نبحث عن هلال رمضان في بلاد الإسلام ، ثم شغل العلماء التيليسكوبات العملاقة . ولكن بدون طائل ، فلا شمس هذا اليوم في السماء .

لا شمس في الغرب .

لا شمس في الشرق .

لا شمس فوق صحراء العرب .

لا شمس فوق الكرملين .

لا شمس فوق البيت الأبيض .

لا شمس هذا اليوم في السماء .

ومن جديد تناقلت وكالات الأنباء الخبر . فعم ذهول رهيب أرجاء المعمورة دام بعض الوقت ، ثم تحركت ماكينة الحياة :

خرج السحرة في الهند من معابدهم . رفعوا أيديهم إلى السماء وهم يتمتمون بأدعيتهم ثم تجمدوا في أماكنهم كالتماثيل .

وطاف كهنة اليهود بحائط المبكى .

ورتل الرهبان أدعيتهم في الكنائس الأورتدوكسية .

وخرجت العجائز بكوانين الجاوي والبخور في طول أرض العرب وعرضها .

ولكن عروس السماء ظلت غائبة . فلم تسمع نداءات المتلهفين ، ولم ترى التضرع والاستعطاف .

ظلت حيث لا يعلم أحد .

وساد ترقب مريع ، فقد مر اليوم الأول على الدنيا بدون شمس .

وجاء الليل ، فلم يطلع القمر أيضا .

وازداد الوجوم ، فصلى أئمة المساجد في كل العالم صلاتي الكسوف والخسوف .

ولكن لا حياة لمن تنادي .

ومما زاد في هول الموقف ، ارتفاع عواء الكلاب في كل مكان .

كان عواء مفزعا يقطع نياط القلوب .

وناح البوم فوق الأشجار .

وامتلأ الكون بالخفافيش الطائرة .

ومر اليوم الثاني كسابقه .

وجاء ليل الخفافيش مرة أخرى .

وما نام الخلق دقيقة واحدة . شغلوا أجهزة التلفزيون ، وترقبوا طلوع الشمس .

ظلوا سبعة أيام بليليها يتقلبون على الجمر ، إلى أن طلع القمر ، هلالا صغيرا كالعرجون القديم .

ثم طلعت الشمس وراءه .

كانا أسودين .

لا ضوء فيهما .

بلا نور ولا ضياء .

سارا متلازمين حتى بلغا سرة السماء ، فتوقفا .

لا ضوء فيهما .

لا نور .

لا ضياء .

ظلا هناك إلى أن وصل جبرائيل .

ملأ الملاك مابين الأرض والسماء ثم حط قربهما .

أمسك جبرائيل بقرون الشمس ، وأحكم قبضته على قرون القمر، وجرهما إلى المغرب .

عاد القمر صغيرا كالعرجون القديم ، ثم ذاب .

وطلعت الشمس من المغرب ، حمراء بلون الدم المراق على الأرض منذ ملايين السنين .

 

 

 

 

 

 

وقامت القيامة …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني :

البعث والنشور

 

 

 

 

 

 

النفخ في الصور

 

عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق ” الصور ” فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص ببصره إلى السماء ينتظر متى يؤمر .

قال ، قلت يا رسول الله مالصور ؟

 فقال القرن .

قال :

 قلت كيف هو ؟

فقال : عظيم .

والذي بعثني بالحق ، إن عظم دائرة فيه كعرض السماء والأرض . فينفخ فيه ثلاث نفخات :

الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين .

 

 

 

 

إنهم يسرقون القمر

 

وعن ” آدم ” بن ” آدم ” الآدمي قال :

سمعت دقا عنيفا على الباب ، وكان الوقت هزيع الليل الأخير . فقمت فزعا ، وفزع الأطفال النائمين جنب أمهم . وأصاب الفزع كلبنا الرابض الرابض قريبا من باب الدار ، فصار ينبح كالمجنون ، ثم عوى وخمدت حركته .

وانطفأ قمر آخر الليل ، فعم الظلام الكرة الأرضية .

قلت من وراء الباب :

– من الطارق في هذا الليل البهيم ؟

فسمعت همهمة وعزيفا كعزيف الجن :

– افتح يا ” آدم ” بابك .

قلت وقد رابني ما رابني من هذه الأصوات :

– ولماذا أفتح لكم الأبواب وقد سرقتم قمر السماء ؟

فقالوا في صوت واحد موحد كالرعد القاصف :

– افتح وإلا أوقعنا على رأسك السماء .

قلت ، وقد وضعت متاريس وراء الباب :

– جربوا .

ردت أصوات الجن ”

– سترى .

وانشق السماء …

وانخلع الباب … فداسوني بأحذيتهم ، وهم يمرون فوق جسدي .

وملأوا بهو الدار …

 

نفخة الفزع

 

قال أبو هريرة ” :

فيأمر الله ” إسرافيل ” بالنفخة الأولى .

فييقول : انفخ نفخة الفزع ، فينفخ نفخة الفزع . فيهرع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله . فيأمره ، فيمدها ويطيلها ولا يفتر …

فترتج الأرض بأهلها رجا ، فتكون كالسفينة في البحر تضربها الرياح .

 

ليلة الفزع

 

وارتجت جدران البيت . وتساقطت الكتب من فوق جدران المكتبة .

لست أدري لماذا يمقت هؤلاء الرجال الكتب ؟

رأيتهم يدققون في العناوين ، ثم يكومون الكتب كدسا كبيرا في ساحة البيت ، وينهالون عليها رفسا بأحذيتهم الثقيلة .

سال العرق على جبيني وأنا أستمع إلى الاحتجاجات تصلني من وسط النيران .

اختلطت أصوات كارل ماركس وأبي حيان التوحيدي وابن رشد وحسين مروة ونجيب محفوظ وتولستوي ويوسف القعيد ولينين ومحمود المسعدي ودوستويفسكي والطيب التيزيني وأبي الطيب المتنبي .

ونهنهت نوال السعداوي ، واحتجت ، وقالت إنها ستشتكي هؤلاء الهمج للجامعة العالمية للنساء الديموقراطيات .

والتهب كدس الكتب .

وفاحت روائح شواء اللحم الآدمي .

شممت روائح اللحم الطازج ، ورأيت حصان عنترة العبسي يتخبط وسط اللهب أمام عبلة التي كانت تمسح

دموعها بكف يدها المخضبة بالحناء .

ورأيت لينين كما كان وقت ثورة ” السبعطاش ” يرتفع فوق الحرائق ، ويخطب في الساحة الحمراء . سمعته يحرض الروس ومن والاهم من أمم الاتحاد السوفياتي السابق ضد يلتسين ومافيات مترو موسكو .

وسمعت التوحيدي يصرخ :

تعالوا أحدثكم عن ” الليلة الثامنة عشرة ” من كتاب الإمتاع والمؤانسة .

والرجال ، الذين كمردة الجن يدسون القمر في جيوبهم ، ويبقرون الحشيات ، ويفرغون الحقائب الملأى بالثياب الداخلية الوسخة ، ويفتشون داخل آلة الغسيل ، فيخرجون منها القمائط الملوثة بسلح الطفل الرضيع والسراويل الملطخة بدم الطمث . ويفتشون داخل القلب ، وفي وسط العيون ، في جيوب قمصان الأطفال وداخل أصص الأزهار ، بين حشائش الحديقة وداخل بيت الخلاء .

 

الشياطين الطائرة

قال أبو هريرة :

فتميد الأرض بالناس على ظهرها ، وتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة من الفزع .

 

” الشهيري ” يعاود الظهور

 

لمن لا يعرف ” الشهيري ” أقول

 إنه واحد من جلاوزة رواية عبد الرحمان منيف:

” الآن هنا … أو شرق المتوسط مرة أخرى ”

أما ” هلال ” فهو سجين سياسي مذكور في نفس الرواية .

 

وأخرج الشهيري المسدس الذي قتل به هلالا بدم بارد ، فلوح به في فضاء الغرفة ، ثم أعاده إلى غمده .

قال وهو يقطع كلماته تقطيعا مقيتا :

– أتعرف هذا المسدس يا ابن القحبة ، لقد قتلت به أكثر من واحد ، فلن يثقل على قلبي دمك الوسخ .

وامتدت دم الشياطين تصفع وجهي والقفا .

تخبط في كل الاتجاهات . تركل بالأحذية ملبين الفخذين ، وتضرب بعصي البلاستيك على الحاجب وفوق الأنف .

فيتدفق الدم من كل المخارج ، ويسيل على ثياب النوم البيضاء ، يلطخ الكراسي وأرضية الغرفة وبدلات الجلاوزة .ويبكي الأطفال بأصواتهم الحادة ، ويتشبثون برداء الأم ، فتربت على أكتافهم الصغيرة وتغمض لهم الأعين بيديها الباردتين ليصمتوا مدة قصيرة ، ثم يعاودهم البكاء ، فيزمجر الشهيري في وجوههم أن كفوا يا أولاد الزنى .

فتهمد الأصوات ،

والحركة .

 

نفخة الصعق

 

قال أبو هريرة :

فيمكث الخلق في ذلك البلاء ما شاء الله . إلا أنه يطول عليهم .

ثم يأمر الله إسرافيل ، فينفخ نفخة الصعق ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض .

 

 

 

 

 

الرقص مع الذئاب

 

أتذكر: ( من رواية ” الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى ) أن ” الشهيري ” جاءني بعد شهر من اغتيال ” هلال ” . لم يأت وحيدا . كان يحيط به عدد من رجاله ، ومع ذلك كان مرتبكا :

– ها يابن العريفي فتح الله عليك أم بعده عاصي قلبك ؟

نظرت إليه بسرعة ، ولم أجب ، فتابع :

– الظاهر بعده  الحصان خالك ، وظني أنك أبد ما تصير آدمي …

ابتسم ، ثم أضاف وهو يهز رأسه :

إذا ظليت ميبس راسك ، ترى دواك عندي . والدواء هذه المرة ما هو فشكة  وكفى المؤمنين القتال …  لا ، راح أموتك ألف موتة ، راح أموتك كل يوم …

 

ويأتيني صوت من حيث لا أعلم :

دلنا على مخبإ السلاح يا ” آدم ” .

ما عندك سلاح . طيب يا “آدم ”

وآلة سحب المناشير .

طيب ، ما عندك آلة لسحب المناشير .

قل لنا فقط من رمى كلاب فرق مكافحة الشغب بالحجارة ؟

قل هذه فقط يا “آدم ”

طيب لا تعرف . ومن ملأ الحيطان بكتابة ضد حكومة سيد الأسياد ؟

جميل . لا تعرف أيضا .

وهذه يا”آدم ” .

من سب الحبيبة أمريكا ؟

هذه أيضا لا تعرفها . معليهش . ومن حرض على الإضراب ؟

من لعب بعقل الشعب الكريم وجعله يخرج مهتاجا للشوارع فاضطررنا للقتل دفاعا عن النفس .

هم يطلقون علينا حجارتهم ، ونحن نطلق الرصاص . حجارة برصاص ، والبادي أظلم .

ولا تريد الكلام يا ابن الفاجرة . سترى . سأجعلك تتكلم من دبرك .

ويخرج صاحب الصوت من حيث لا أدري . يخرج

” الشهيري الجديد ” . يحرك عصاه ، عصا المايسترو ، ويرقص . فيرقص جلاوزته رقصة المجانين .

يدورون حولي في حلقات . حلقة داخل حلقة . يضربون بالسياط وبقضبان الحديد . ويملأون وجهي بصاقا . ويملأون الغرفة بالروائح الكريهة . روائح نتنة تخرج من أفواههم ومن تحت آباطهم .

ويضربون . ويضربون بلا كلل ولا ملل . يشدون شعر الرأس ، ويضربون .

ويضعون أصابعهم في عيني ، ويضربون .

ويضربون كمن يضرب حجرا في حجر .

ويضربون .

ويطلبون مني أن أدور معهم داخل الحلقة الكبيرة .

يضعون عصابة على عيني ، ويطلبون مني أن أدور داخل الحلقة دوران الدراويش ، أصحاب الطرابيش العالية .

وأدووووووووووووووووووووووووووووووووررررر….فيدور معي العالم .

 

 

 

 

 

انتحار ملك الموت

قال أبو هريرة :

فإذا خمدوا ، جاء ملك الموت إلى الجبار ، فيقول :

قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت . فيقول ( وهو أعلم ) : ومن بقي ؟ فيقول ملك الموت : أي رب . بقيت أنت الحي الذي لا يموت . وبقي حملة العرش ، وبقي جبرائيل وميكائيل واسرافيل . فيقول الرب : ليمت جبرائيل وميكائيل . وأقول : أي رب يموت جبرائيل وميكائيل ؟ فيقول اسكت .إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي . فيموتان .

ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول : أي رب قد مات جبريل وميكائيل . فيقول الرب ( وهو أعلم ) ومن بقي من عبادي ؟ فيقول ملك الموت : بقي اسرافيل ، وبقيت أنا . فيقول ليمت حملة عرشي ، فيموتون . فيأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور من اسرافيل .ثم يقول : ليمت اسرافيل . فيموت .

ثم يأتي ملك الموت ، فيقول : مات حملة عرشك ومات اسرافيل . فيقول ( وهو أعلم ) فمن بقي ؟ فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا يموت . وبقيت أنا .

فيقول أنت خلق من خلقي . خلقتك لما رأيت .فمت .

فأموت .

 

 

 

 

 

 

 

دراكيلا

 

 

 

 

محمد علي الحامي وفرحات حشاد : مناضلان نقابيان تونسيان . مات الأول في حادث مرور بالسعدودية بعدما نفته فرنسا من تونس في بداية القرن العشرين . واغتيل الثاني – وهو مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل – في تونس في أوائل خمسينات القرن الماضي

 

 

 

أفقت حين لسعتني صعقات كهرباء هزت بدني هزا ، فارتعشت كالمقرور رعشات خفيفة لكنها مؤلمة عدت بعدها للحياة شيئا فشيئا .

وجدت نفسي داخل قاعة نظيفة بها طاولة فوقها باقة أزهار اصطناعية ومنفضة سجائر وكرسيان ومكتبة صغيرة تكدست فوق رفوفها الكتب .

رأيت وراء الطاولة شبحا بدأت ملامحه تتكشف لي كلما أفقت من الدوار ، ولكنها تعود فتضطرب حين تغيم الرؤية وتبزغ نجوم شديدة اللمعان أمام وجهي .

وأخيرا تمثلت الشبح . هو رجل في الأربعين . يضع نظارة طبية على عينيه . ويلبس بدلة أنيقة يميل لونها إلى الرمادي .

قدم لي الرجل سيجارة ” مارلبورو ” وقهوة سخنة يصاعد منها البخار ، وحدثني بود كبير .

قال إنه ليس كالآخرين ، وطلب مني أن أنسى ما فات ثم تركني أترشف قهوتي على مهل وأعب من دخان السيجارة . وبهدوء شديد وقف ، واتجه نحو المكتبة ، ثم رأيته يختار كتابا مجلدا تجليدا فاخرا فيضعه فوق الطاولة ويعود للجلوس .

نظر في عيني بحنان كبير بعدما أنهيت قهوتي وسيجارتي وقال :

– هل تعرف أننا تحترم حقوق الإنسان أكثر من اللازم ؟

قلت ، وطعم السيجارة يخنق أنفاسي :

– أكثر من اللازم .

وتركته يتكلم عن الضمانات الموضوعة للمشبوه فيهم في حالات الاحتفاظ تقديسا لحرية الفرد وصيانة كرامنه الجسدية . عن التصديق على الاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الانسان وحرياته العامة بما في ذلك الاتفاقيات الخاصة بمنع التعذيب والعقوبات المهينة .

وقال كلاما كثيرا …

وعدت للدوران مع الدراويش أصحاب الطرابيش العالية .

والحلقة تضيق …

والسن المربوط في عنقي يؤلمني .

وعدت إلى رجلي المنتفختين من الضرب حد الانفلاق .

ولحمي المحروق بأعقاب السجائر .

وأنا أرقص مع دراويش ” قونيا ” رقصة ” الملوية ”

أدور معهم في حلقة الرقص .

أدووووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر

وأدوووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر

وأدوووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر

حد الإغماء …

والرجل الجالس قبالتي وراء الطاولة يقرأ في كتابه عن الرجم والقطع والقتل .

عن التعذيب والصلب والاحراق .

عن السلخ عند الفاطميين ، وحشو جلود بني آدم بالتبن وتعليقها فوق الأسوار .

عن جلد عظام الأموات .

عن قطع الغذاء والحشو بالماء المغلى .

عن الخنق بوسائد الحرير .

عن الشنق وسمل العيون ودس السم .

عن إدخال المغضوب عنه إلى حمام محمى ونسيانه هناك  يوما وليلة .

عن دفن الأحياء في سراديب .

والرجل الجالس فبالتي وراء الطاولة يحكي عن فضاعات المعتضد والمعتمد ، والقاهر ، والحاكم بأمر الله ، وعن سيف الدولة وعضد الدولة ، والناصر لدين الله ، والمستكفي ، والقائم بأمر الله .

وعن …القائمة لن تنتهي ، لهذا فضلت السكوت عن بقية الأسماء …. ) . ثم أدنى مني الكتاب وقال :

أنا مغرم بالمطالعة يا رجل . هل ترى تلك الكتب ؟ هي مكتبتي الخاصة . اشتريتها بعرق جبيني ، ولم تدفع الدولة فيها مليما واحدا .

أنا أعشق الأدب والتاريخ  . على فكرة . هل تعرف  “الشهيري ” بطل رواية عبد الرحمان منيف ” الآن هنا …. أو شرق المتوسط مرة أخرى ” ؟  أنا  متأكد من معرفتك به . لقد تدربنا سويا ب” أمريكا ” لكنني لا أحبذ طريقة عمله . هو لا يعجبني كثيرا ، فهو رجل جلف … بدوي يا أخي ..

لا يعرف القراءة ، ولا يحب الفنون .

ووضع الكتاب أمامي فقرأت الحروف المذهبة : ” الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، أو عصر النهضة في الإسلام ” .

تركني أقرأ عنوان الكتاب وأعيد قراءته إلى رأى الملل في عيني ، فرفعه من على الطاولة ، وأعاده إلى مكانه في الرف وهو يقول :

– ” آدم متز ” مستعرب ذكي أعطى الحضارة الإسلامية حقها ، ولكنه جعلنا نبلع الدواء المر بعدما غلفه بطبقة رقيقة من الحلوى . هل سمعت تلك القائمة من الفضاعات التي كان أمراء المؤمنين يمارسونها ضد السجناء ؟

ومع ذلك أنا أعشق كتابات هؤلاء المستشرقين . أحسهم يتحدثون عن حضارتنا وديننا بدون عقد ولا خوف من سيف الرقيب الذي سينهال على أعناقهم لو تحدوا الحد المسموح به لدى الباحث المسلم . و… فجأة ، التفت ناحيتي وبادرني بالسؤال :

ماذا لو حدثتني قليلا عن تاريخ ” الاتحاد العام التونسي للشغل ” ؟ عن محمد علي الحامي وفرحات حشاد ؟

لقد بلغ سمعي أنكم تؤكدون أن ” وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ” هي التي دبرت مقتل محمد علي الحامي في السعودية ، وأن فرحات حشاد قتله تونسيون ولم تقتله عصابة ” اليد الحمراء ” الفرنسية .

ما رددت على أسئلته واستفساراته فانتقل بالحديث إلى قلب الحدث . قال :

– من أين جئتم بالأسلحة التي كدسها أعضاء النقابات في مقرات الاتحاد بتونس وصفاقس وسوسة ؟

فانفجرت . جاء انفجاري عفويا . لم أخطط له . فقد عزمت على عدم الرد عليه ولو أرغمني على الكلام بفوهة المسدس ، ولكنني ما قدرت :

– هذا غير صحيح . إنه تدبير من ميليشيات ” الصياح ” . هذا افتراء على الشغالين .

فقال بهدوء عجيب :

– لا تغضب يا أخي . إنها مجرد أسلحة نارية خفيفة وبعض السكاكين والعصي الغليظة التي يمكنك أن تشاهد نماذج  منها معروضة أمام هذه الغرفة .

ولما سكت . واصل ساخرا :

– هل صحيح كنتم تنوون الاستيلاء على السلطة بهذه الأسلحة البدائية ؟

ثم أضاف بعد قليل من الصمت :

– وأنت ، هل كنت تطمع في وزارة أم سفارة ؟

ولما استفزه سكوتي صاح :

– تريد أن تنصب لأسيادك المشانق في الساحات العامة يا ابن الكلبة  الجرباء .

فجأة انتفض الرجل في مكانه ، وسال عرق غزير على جبينه وعلى عنقه ، واسود وجهه ، وانتفش شعر رأسه ، وكبر ناباه حتى أصبح الواحد في طول ناب ” دراكيلا ” ، وبدأت النيران في الخروج من خياشيمه .

قلت : هذا ” دراكيلا ” حقيقي .

واقشعر بدني ، فحاولت التماسك . لكنه لم يترك لي الوقت لشد أنفاسي ، فقد قام كالإعصار المدمر . اجتاحني بسرعة كبيرة ، فطرحني أرضا وغرز نابيه في عنقي .

وعضني عضا شديدا حتى فار الدم من الجراح ، فجثا على ركبتيه فوق جثتي ، وراح يلحس الدم ….

ودار دراويش ” قونيا ” حولي . حركوا طرابيشهم العالية ، وأمالوا الرؤوس يمنة ويسرة ، وبدأوا في الدوران . داروا  حول أنفسهم ثم داروا حول العالم .وحولوا الأفلاك السيارة في سماوات الرب إلى  تحت قدمي . ثم بدأت حلقة الرقص تضيق . وبدأت أختنق . والحلقة تزداد ضيقا . وأنا أزداد اختناقا ، فأحاول الصراخ لكن الصوت المقهور داخل الحلق لا يقدر على الاندياح . وأحاول مرة ومرة إلى أن ينفجر البركان ، فيغمر السهول والجبال ويغرق سفينة نوح وبوارج الأسطول السادس والغواصات الذرية والصواريخ العابرة للقارات وكل سفارات البيت الأبيض وجواسيس ” الكريملين ومعابد الرب ونواقيس العذراء والمخبرين الصغار بمعاطفهم الشهباء ونظاراتهم العمياء والمتاجرين بأنياب الفيل والمارغوانا والحشيش المغربي وبكلاسين الفتيات الصغيرات وأكلة لحوم البشر وقرصان المحيطات والعمائم الحريرية وكتب التدجيل الصفراء وكتب الخطب الرئاسية والأناجيل المحدثة وأصنام الرؤساء المنصوبة في الساحات العامة .

 

 

 

 

 

الأول والآخر

 

قال أبو هريرة :

ولم يبق أحد إلا الله الواحد الأحد . الصمد . الذي لم يلد ولم يولد .ولم يكن له كفوا أحد .

فكان آخرا كما كان أولا .

 فيطوي السماوات كطي السجل للكتاب ،

ثم يقول :

– لمن الملك اليوم ؟

لمن الملك اليوم ؟

لمن الملك اليوم ؟

ولا يجيبه أحد …

 

بعد أن عضني ” دراكيلا “وجدت نفسي كعصفور يقلى على المقلى أو كشاة حية تسلخ بيد القصاب ، ثم بدأ كل عضو من أعضائي يبرد إلى أن بلغت روحي الحلقوم .

أحسست بها تغادرني مرتعدة ، خائفة ، ثم رأيتها تحط كالخطاف على الأسلاك المتدلية بين عواميد الهاتف .

كان الفزع يهزها هزا . وكانت تنظر بحيرة إلى عصافير السنونو الجاثمة قربها هادحة هازجة ، تتبادل الغرام بالمناقير ، ويركب بعضها فوق بعض .

ظلت مدة تراقب المشهد المثير ، ثم طارت .

عادت من جديد إلى جثتي . حطت فوقي ، وحاولت أن تلجني ، فما قدرت . وحاولت مرات ومرات ، ولكن الجسد كان مغلقا في وجهها بمفاتيح السماء . كان مغلقا بألف مفتاح ومفتاح  .

ظلت الروح تحاول ولوج الجسد إلى أن دب فيها اليأس   ، فتركته لوحشته وطارت .

طارت سبعة أيام بلياليها . كانت كلما أصابها الإعياء ضربت بأجنحتها الشفافة الصغيرة وواصلت الطيران ،  إلى أن وصلت أبواب السماء الدنيا . رأت المصابيح التي تزين السماء تبرق . وسمعت تراتيل تعلو وتهبط ، فأعجبها اللحن ، فأدمنت الاستماع إليه . ظلت تستمع إلى تراتيل السماء مدة لا يعلم مقدارها إلا الله ( مقدار ألف ألف سنة مما يحسب أهل الأرض مثلا ، أو أكثر أو أقل ) . وكانت في كل مرة تطرق الأبواب ، تسأل من هي ؟ فتقول روح ضالة لم تعرف إلى أين تذهب . فلا يجيبها مجيب .

وكانت ترى الشهب ترجم الشياطين التي تحاول استراق السمع من  حديث الملإ الأعلى ، فتخاف أن يصيبها شواظ من نار يفتك بها . تخاف هذه الشهب المنطلقة في كل الاتجاهات تفتك بالشياطين الطيارة . والشياطين لا تنفك تعود ، فتقابل بوابل من رش كرش راجمات الصواريخ .

إلى أن يئست أخيرا من اجتياز حائط الدفاع عن السماء ، فعادت أدراجها إلى أرض الناس .

 

صاحب الدابة

 

في ساحة المدينة ،

في وسط الساحة ،

صنم مصنوع من البرونز .

الصنم راكب على حصان .

والحصان يدور في الساحة .

والساحة ملأى بالخلق .

والخلق من جميع الأجناس .

يتكلمون السيريانية

والأنكليزية

ويسجدون للشمس .

يسجدون لبعل حامون

وللدولار .

والصنم راكب على حصان

والحصان يدور .

والصنم يصيح داخل مكبر الصوت :

لمن الملك اليوم ؟

ولا مجيب .

 

 

عادت روحي إلى الأرض .

حاولت التعرف على الحي الذي كنا نسكنه ، فما قدرت لأن المنازل قد تغيرت هندستها ، ولأن العالم صار عالما آخر

دارت روحي المسكينة في الحواري والأزقة وهي تلتفت في كل الاتجاهات لعلها تعثر عن معلم يدلنا عن الحي ، ولكن بدون طائل إلى أن سربا من الحمام .

طارت مع سرب الحمام إلى أن وصلت ساحة كبيرة ، فرأت في الساحة معلما عظيما .

جذبتها هندسة المعلم وشكله ، فطافت حوله مع الحمام وهي تهلل وتكبر ، ثم حطت قريبا من شرفة صغيرة .

قابلتها جمجمة .

قابلتها جماجم كثيرة .

اندهشت الروح أمام المعلم المبني بالجماجم .

ورأت فوق كل جمجمة ” بنكارت ” مكتوب عليها اسم صاحبها .

حطت روحي على جمجمة ” عادل الخالدي ” السجين السياسي في رواية ” عبد الرحمان منيف ” ، ” الآن هنا … أو شرق المتوسط مرة أخرى ” ، فانتفضت وخرج منها دخان أزرق تحول إلى أشعة تبهر الرائي .

نفذ الشعاع في الروح ، فصار منها وصارت منه . اتحدا حتى كأنها شيء واحد . ثم  تكلمت جمجمة عادل فقالت :

– أنا عادل الخالدي ، هل عرفتني يا عزيزي ؟

قلت ، وأنا أضطرب اضطرابا شديدا :

– ها قد وجدت من يعرفني ، لن أتوه بعد الآن .

ثم تداركت اضطراني وأحسست وكأنني لم أفرح به كثيرا ، فاحتضنته .

أحسست وكأنني أحتضن تيارا كهربائيا . لكن ” عادلا ” طمأنني :

-لا تخف ، فهنا كلنا تحولنا إلى كهارب موجبة وسالبة تتدافع وتتجاذب .

وها قد تجاذبنا فلن نفترق بعد الآن .

ثم سألني بود :

– متى وصلت ؟

فقلت :

– اللحظة .

قال :

– وأنا هنا منذ ألف ألف سنة أترقب عودتك إلى الأرض ولم أيأس إلى أن جذبك تياري ، فحططت قربي .

ثم أضاف ”

تعال نشاهد هذه المسرحية التي قتلت بها كل هذا الوقت ، هذه المسرحية التي شغفتني حتى كأنني غادرت دنيا الناس البارحة فقط .

أنظر هذه الساحة يا صاحبي ، سترى عجبا .

 

 

 

نفخة البعث

 

قال أبو هريرة :

ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة ، فإذا هم في الأرض المبدلة في مثل ما كانوا فيه من الأولى . من كان في باطنها ، كان في باطنها . ومن كان على ظهرها كان على ظهرها .

ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال . ثم يأمر السماء أن تمطر أربعين يوما حتى يكون فوقهم إثنى عشر ذراعا . ثم يأمر الأجساد أن تنبت ، فتنبت كنبات البقل . حتى إذا تكاملت ، فكانت كما كانت ، قال عز وجل : ليحيا حملة العرش ، فيحيون . ثم يقول : ليحيا جبريل وميكائيل واسرافيل ، فيحيون . ثم يأمر اسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه . ويدعو عز وجل بالأرواح ، فيؤتى بها . أرواح المؤمنين تتوهج نورا على نور والأخرى ظلمة على ظلمة . فيقبضها الرب جميعا في كفه ، ثم يلقيها في الصور . ويأمر اسرافيل أن ينفخ نفخة البعث . فتخرج الأرواح كأنها النحل ، قد ملأت مابين السماء والأرض .فيقول الله

وعزتي وجلالي

وعزتي وجلالي

وعزتي وجلالي

ليرجعن كل روح إلى جسده .

فتدخل الأرواح في الخياشيم ، ثم تمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ

ثم تنشق الأرض ، فتخرجون منها إلى ربكم : حفاة ، عراة ، غرلا . ثم تقفون موقفا واحدا مقدار سبعين سنة .

 

 

مدينة الجماجم

 

وعاد الصنم الراكب على الحصان في ساحة المدينة إلى صمته . وعاد الحصان إلى الدوران .

وتجمهر الناس حول الساحة .

والحصان يدور .

والصنم صامت .

والنياشين المعلقة على صدر الصنم وعلى كتفيه تطن .

والحصان يدور .

والخلق يتكدس حول الساحة .

والخلق يهلل ويكبر للصنم .

والصنم لا ينظر إلى ” الشعب الكريم ” الذي أكثر من التهليل والتكبير .

فيبدأ ” الشعب الكريم ” في البكاء وفي طلب الرحمة .

والشعب لا يعرف ذنبه ، ومع ذلك يطلب الرحمة والغفران

ويركع الخلق . يخر الرجال والنساء والأطفال والشيب والشباب وكل من هب ودب على وجه الخليقة ساجدا لصاحب حصان البرونز.

فينزل الصنم من عليائه ليرفس السجد الركع بحذائه البرونزي .

يرفسهم على رؤوسهم وعلى ظهورهم وعلى الأرجل ، ثم يستل سيفا من غمده ويبدأ في قطع الرؤوس رأسا وراء رأس . فتسيل الدماء أنهارا . وتختلط بالبسمات الصفراء وبالعيون الساحرة الاحورار .

ثم يجمع الرؤوس ، رأسا فوق رأس يبني بها قصوره :

قصر الهناء وقصر السعادة وقصر الشعب وقصر الحرية وقصر الاستقلال وقصر الكرامة الوطنية وقصر الشتاء وقصر الصيف وقصر ال…

وتغني القيان في القصور على : ليل الصب متى غده ؟ …

ويلقي الشعراء قصائدهم العصماء : ( من مدح ابن هانىء الأندلسي في المعز لدين الله الفاطمي ) :

ما شئت ،

لا ماءت الأقدار ،

فاحكم فأنت الواحد القهار ،

وكأنما أنت النبي محمد ،

وكأنما أنصارك الأنصار .

وتحوك القهرمانات الدسائس .

و يشترين الخصيان المرد الصقالبة للأمراء ، والإماء الحبشيات لربات القصور .

ويتلاعبن بأسعار الصرف في أسواق العبيد . ويقدمن الرشاوي العظيمة لكبار النخاسة : سبائك من الذهب الخالص وعقود زمرد وياقوت وشيكات على بياض مسحوبة على بنوك نيويورك و لندن وباريس وجنيف وطوكيو …

ويقمن الحفلات الصاخبة في الملاهي الليلية ، يجملنها بألف راقصة وراقصة يحضرنهن من كل أصقاع الدنيا ، من الهند والسند وروسيا البيضاء والحمراء ومن أثيوبيا وجزر واق واق .

فترقص الجميلات طول الليل .

وعند الفجر ، يذبحن تحت أقدام الأمراء اليافعين بعدما يؤتين أجورهن براميل نفط .

فيبني الساسة الصغار أحلامهم الكبيرة .

وتسمي قهرمانات القصور الوزراء بجرة قلم ، ويعزلوهم بجرة قلم .

 

 

 

الشفيع

 

قال أبو هريرة :

والله ينظر إليكم ولا يقضي بينكم . ثم تدمعون دما ، فتغرقون فيه حتى يبلغ منكم أن يلجمكم أو يبلغن الأذقان .فتصيحون وتقولون : من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا ؟ فيقول قائل ، من أحق من أبينا آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ؟ . فتأتون آدم ، فتطلبون إليه ذلك ، فيأبى ، ويقول ما أنا بصاحب ذلك .ثم تأتون الأنبياء نبيا نبيا ، كلما جئتم واحدا يأبى عليكم .  قال رسول الله حتى تأتوني ، فـي معكم ” الفحص ” ، فأخر ساجدا .

قال أبو هريرة : قلت ما الفحص يا رسول الله ، قال قدام العرش .

قال حتى يبعث الله ملكا فيأخذ بيدي . فيقول لي يا محمد ، فأقول نعم يا رب . فيقول ما شأنكم ؟ ( وهو أعلم ) . قال ، فأقول يا رب وعدتني بالشفاعة وشفعتني في خلقك ، فاقض بينهم .

فيقول الله لقد شفعتك يا محمد . أنا آتيهم ، فأقضي بينهم .

قال رسول الله ، فأرجع ، فأقف مع الناس .

 

 

 

 

 

ذو الرجل الخشبية

 

رأيت الصنم الراكب على حصان يتحول إلى ” بشر ” .

كنت و” عادل ” قريبان من السياج ، وكان الحصان يدور ببطء تحت صرير اللجام . ثم توقف الصرير ، فتوقف الحصان عن الدوران .

رأيت ” البشر ” يترجل ، ويترك اللجام . والحصان واقف يصهل .

بدأت أتعرف صورة الرجل . إنه ” برجل واحدة والأخرى من خشب ” .

قلت : هذا ” سالم العطيوي ” آمر سجن ” العفير ” في رواية ” عبد الرحمان منيف ” ، ” الآن هنا … أو شرق المتوسط مرة أخرى ” .

قال عادل :

– ها قد عاد لك نعيم العقل يا صاحبي .

ثم سكت فجأة ، فقد اقترب منا ” العطيوي ” وهو يدق الأرض برجله الخشبية .

ظل آمر سجن ” العفير ” يدور ويدول ، وينتقل من مكان إلى آخر ، ويتفحص الجماجم المعروضة على يمينه وشماله إلى أن توقف قربنا . ثم نقر على جمجمة ” عادل ” بأظافره وأدخل سبابته في محجره .

فسمعت ” عادلا ” يصرخ من الألم و رأيته يلتهب كمن شب فيه مس من الكهرباء  زمن الدنيا الفانية ثم ينطفئ  بعد أن تحول إلى ذرات من نور ونار .

وسمعت ” سالم العطيوي ” يحدث نفسه :

–  تمنيت وأنا في سجن – العفير – أن أبني قصرا من جماجم المسجونين . وا أسفي على حظي المنكود .

تمتمت :

ابن الكلب … هو إذن كاذب حين كان في مشفى باريس … حين كان يأسف ويبكي ويقول عن نفسا إنه حيوان .

هو إذن كاذب حين قال إنه سيحج إلى بيت الله  الحرام بعد عودته إلى عمورية .

هو كاذب حين كان يقول إنه سيطلب من الرب أن يغفر له ذنوبه .

هو  كاذب ابن كل كذابي الدنيا . وأنا المغفل صدقته ، وأشفقت على حاله .

وعاد ” أبو مهند ” ينظر في الجماجم المعروضة في واجهة القصر المقابل للساحة .

حرك ” البنكارت ” الموضوعة قبالة عادل الخالدي وعوى ”

مسكين يا عادل ، ظننت أنني صادق حين عبرت لك على الندامة ونحن في باريس .

ما أكبر غباءك أيها الرجل .

لقد مثلت دوري معك بإتقان حتى النهاية ، وجعلتك تدفع بي العربة في مطار ” أورلي ” حين أزفت ساعة الطائرة ولم يصل المرافق الذي كلفته سفارتنا بإيصالي حتى مدرج الإقلاع .

تلك مسرحية يا حبيبي جعلتك تشاركني في إخراجها ، بإرادتك . فقمت بدور الأبله .

كم أضحكتني ، وأنت تدفع بي العربة .

أضحكتني حد البكاء يا رجل .

ولم أنسك .

فما نسيتك في الدنيا ، وها أنا أتذكرك الآن .

نحن لا ننسى أبدا يا سيدي .

فمن عمل خيرا نجازيه عن خيره ، ومن أساء فتلك الطامة الكبرى والبلاء الأعظم .

 

بعدها أخرج من سلة معلقة على جانب الحصان مطرقة انهال بها على ما بقي من جمجمة عادل الخالدي إلى أن حولها إلى رماد . ومد يده يحاول المساك بي . لكنني طرت والهلع يدفع بي إلى الفرار بعيدا عن هذا الرجل البرونزي . ومن خوفي زرقت فوق صلعته برازا كالماء ، فمسحه بيده وقال :

– سيأتي دورك يا ابن الكلب .

هل تظن أن التلصص على أبطال القصص يمر هكذا بدون عقاب .

والله لأشوينك في نار جهنم أيتها الروح القحبة .

وعاد إلى حصانه .

لبس البرونز ، وامتطى صهوة الجواد .

فعاد الحصان يدور في الساحة .

وعادت الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس .

والشمس تراقب الصنم من بعيد .

والصنم صامت .

والصنم ساكن .

وقصر الجماجم يراقب المشهد المثير …

 

 

 

 

سبحان الحي الذي لا يموت .

 

قال أبو هريرة :

قال رسول الله ، فبينما نحن وقوف ، إذ سمعنا حسا من السماء شديدا . فهال . فنزل أهل السماء الدنيا بمثل ما في الأرض من الإنس والجن . حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت بنورهم . فأخذوا مصافهم .

قال قلنا لهم ، دونكم الله . قالوا ، لا .

ثم نزل أهل السماء الثانية بمثل ما نزل من الملائكة ومثلي ما فيها من الإنس والجن . حتى إذا دنوا من الأرض ، أشرقت بنورهم . فأخذوا مصافهم .

ثم ذكر نزول أهل كل سماء على قدر ذلك من التضعيف .

قال ، ثم نزل ” الجبار ” في ظلل من الغمام والملائكة .

” ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ” .

والعرش على مناكبهم ، يقولون :

سبحان ذي العرش والجبروت  .

سبحان ذي الملك والملكوت  .

سبحان الحي الذي لا يموت  .

سبووووووووووووووووووووووح .

قدوووووووووووووووووووووس .

قدوووووووووووووووووووووس .

سبوووووووووووووووووووووح .

سبحان وربنا الأعلى .

رب الملائكة والروح .

سبحان الذي يميت الخلق ولا يموت .

سبحان الحي الذي لا يموت .

 

حفل ساهر على شرف الجماجم

 

جاء العبيد من كل أصقاع الدنيا : من صعيد مصر ومن بلاد الأنكا ، من جنوب الهند ومن ومن جنوب النهر الأصفر ، من غاليا ومن سكسونيا ، من البرازيل ومن بلاد الزولو ، من هنا ومن وراء سد يأجوج ومأجوج .

جاءوا من لا مكان .

جاءوا من كل مكان ، وصنعوا منصة كبيرة .

وسجد العبيد للصنم الراكب على الحصان .

والحصان يدور .

والأرض تدور .

والأرض تدور حول الشمس .

والشمس تدور حول الصنم ، ثم تتفتت ،  فتتحول إلى مصابيح تضاء بالكهرباء لتزين ساحة الجماجم .

عندها ترجل الصنم من على الحصان ، وذهب إلى المنصة ، فجلس على أريكة كبيرة مصنوعة من خشب ” التاك ” ومزركشة بالعاج المجلوب من إفريقيا السوداء .

وجاء عبدان يحملان مروحتين كل واحدة منهما تحمل ريش سرب من النعام .

انتصب العبدان بجانب الأريكة ، على اليمين وعلى الشمال ، وراحا يحركان المروحتين جيئة وذهابا ويرشان المسك على الأرض تحت قدمي ” ملك الملوك ” .

وجاء عبد ثالث بكانون تلمع جمراته لمعانا يخلب الأبصار فوضعه قريبا من الأريكة ، وراح يحرق أعواد الند والعنبر، والملك المصنوع من البرونز يغمض عينيه ويفتحهما .

ثم رأيته يحرك سبابته ، ويشير بها إلى وزير الميمنة ، فقام الوزير يتعثر في جلبابه الطويل .

اقترب من الصنم ، فجثا على ركبتيه وسجد مدة طويلة . ثم قام ، فقبل يد الصنم الباردة ووضع نعل سيده على رأسه .

وسيد الأسياد جامد في مكانه لا يريم …

ظل المشهد هكذا جامدا مدة لا يعلم طولها إلا علام الغيوب ، ثم فجأة هز الساحة دوي كالرعد القاصف :

– اضرب الندير يا وزير .

فيضرب الوزير البندير :

دج

دق

دج

دق

دج

دق

فعاد الصوت مزمجرا :

دق

دج

دق

دق

دج

دق

أكثر أكثر يا وزير :

دج، دق .

دج، دق ، دج .

دج ،

دج ، دج ، دق .

دق ، دج ، دق .

وتنهال أكف بقية الوزراء على البنادير تضربها بلا رحمة وتنهال الأكف على الأكف

ت – صفق .

تص- فيقا .

ت- تاء مربوطة .

ص – صاد منصوبة .

ف – فاء مكسورة .

ق – قاف – مربوطة .

وبين المربوط والمكسور والمنصوب والمربوط ، ترتفع المدائح والأذكار .

تمجد السيد الذي قهر الكفار .

وضرب الدينار

وحرر الصغار والكبار .

 

الخطبة

 

قال أبو هريرة :

فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ، ثم يهتف تبارك وتعالى قائلا :

” يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم مذ خلقتكم إلى يومكم هذا . أسمع أقوالكم ، وأبصر أعمالكم ، فاسمعوا إلي .

( ملاحظة : الصوت محال على الله سبحانه وتعالى ، والمراد ملك ينادي بأمره ، فيكون الصوت للملك ، ويضاف إلى الله لأنه يأمره .)

فمن وجد خيرا ، فليحمدني ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه .

 

 

وزيرة الرعاية الاجتماعية

 

وتتواصل السهرة في الساحة العامة تحت أنظار الجماجم ، والحصان يصهل ، وملك الزمان المصنوع من البرونز   فقد زمام نفسه فقام يرقص في الساحة الواسعة . والخلق يتفرج ولا يرى مجون الملك وجنون الوزراء والأرواح تطير وتحط قرب الجماجم ، تقرأ ” البنكارت ” وتتوارى داخل المحاجر .

كل روح تختار جمجمتها الخاصة بها وكأنها مسيرة إليها بجاذبية  جبارة .

والملك يصيح :

– يا كلب الوزراء ، زد في ضرب البندير .

فيدوي الضرب دوي الرعد في السماء ، ويعود فيخفت حتى السكون .

ويرتفع من وسط الساحة صوت تعتعه السكر :

– باش شاوش ، اكتب لها شيكا بألف دينار ، افتح لها خزائن بيت مال المسلمين ، اعطها جواهر الملكة نفرتيتي .

وتهتز بطون الراقصات الشرقيات ، تتحرك ، ترهز عشرين نوعا من الرهز . وترتعش النهود الطرية .

وتغني قينةابن الرومي ، في شعر للنواسي وضع لحنه سلطان الطرب عبد الوهاب باشا :

ألا فاسقني خمرا

وقل لي هي الخمر .

ولا تسقني سرا ،

إذا أمكن الجهر .

فعيش الفتى ،

في سكرة

بعد سكرة ،

فإن طال هذا عنده ،

قصر العمر .

فيقوم ملك الزمان المصنوع من البرونز يضرب صدره بجمع يده ويخور :

يا كبير الوزراء ،

يا خراء ،

سمها وزيرة للرعاية الاجتماعية .

 

العادل

 

قال أبو هريرة :

ثم يقضي الله بين خلقه حتى لا تبقي مظلمة عند أحد إلا أخذها المظلوم من الظالم .

 

” ثم إلى ربهم يحشرون ”

قرآن

 

قال أكثر المفسرين : تحشر الخلق والوحوش كلها وسائر الدواب حتى الذباب ، للقصاص .

وأسندوا ذلك إلى النبي .

” لسان العرب المحيط ”

الجزء الأول / في حرف الحاء

 

 

صيد الخنازير.

 

وتتواصل الفرجة :

رأيت ” الشهيري ” ، وقد تحول إلى خنزير بري يشخر وينخر ويضرب الأرض بحوافره ، و” طالع العريفي ” السجين السياسي في رواية عبد الرحمان منيف ” الآن هنا … أو شرق المتوسط مرة أخرى ” راكبا على جواد عربي أصيل وحاملا لعدة الصيد الكاملة .

كانت الكلاب السلوقية الأصيلة تمشي أمامه وخياشيمها مغروزة في الأرض كقفافي الأثر . والجند ، المدججين بالرماح والسهام والرشاشات الأوتوماتيكية يجرون وراءه .

ورأيت الكلاب السلوقية تجري وراء خنزير ذو وجه آدمي

كان الخنزير الحامل لوجه ” الشهيري ” آمر سجن العبيد يحاول الإفلات من أنياب الكلاب ، فيعدو عدوا منكرا ، كمن تجري وراءه الشياطين .

وكان ” طالع العريفي ” يتهلل وجهه بشرا ، فيلهب ظهر الجواد ويحرك المهماز تحت جنبيه . والجواد يحمحم ، ويعدو مسابقا الرياح .

والصحراء تمتد أمام الخنزير وسيعة ، لا هبة ، فيلهث ، ويتدلى لسانه .

والكلاب السلوقية تعض ردفيه ، وتعوي عواء منكرا .

والخنزير المنهوك ، المعضوض ، المكدود ، المنيوك ، التعب تعبا لا تتحمله الجبال يحاول الركض .

ولا عاصم له من الكلاب .

والحصان يصهل وراءه ، وأنفاسه الحارة تلهب مؤخرته .

و” طالع العريفي ” يخزه برمحه بين كتفيه ويرفض الإجهاز عليه ليطيل عذابه أكثر ، ثم يوقف حصانه فجأة ليترك للخنزير فرصة للنجاة بعد أن سدت أمام عينيه أبواب الرحمة .

ركض الخنزير دون أن يلتفت إلى الوراء .

ركض إلى أن وصل إلى سجن ” العبيد ” ، فوقف يلهث أمام أبواب السرداب .

رأى سلطان ” موران ” واقفا هناك بكامل نياشينه الملكية .

ناداه الخنزير الحامل لوجه ” الشهيري ” :

أنا عبدك ، أما عرفتني يا مولاي ؟

ما رد السلطان على ندائه ، فظل الشهيري  يترجى لفتة منه . لكنه أخرج من حزامه مفتاحا كبيرا وضعه في قفل باب السرداب ، وأدار القفل . فانفتح الباب على هاوية بلا قرار دفع فيها سلطان موران الخنزير ، ونزل وراءه درجات القبو ، درجة درجة .

فزلزلت الأرض زلزالها .

 

الصراط

 

قال أبو هريرة :

ويضرب الله عز وجل الصراط بين ظهراني جهنم ، كعقد الشعر أو كحد السيف ، عليه كلاليب  وخطاطيف وحسك كحسك السعدان . فيمر الخلق كطرف العين ،أو كلم البصر ، أو كجياد الخيل . فناج سالم ، ومخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم .

 

ملاحظة : وجدت في مخطوط مكتوب برسم فارسي حيث أن سرعة المار فوق الصراط يمكنها أن تفوق سرعة صاروخ من الصواريخ العابرة للقارات .

وقد أكد الشيخ الشعراوي هذا الخبر ووقع تحته .

ولم أعرف قصد كاتب هذه الإضافة ، أما أن أردت إيصالها  للقارئ الكريم عله يفهم ما فاتني فهمه .

والله ولي التوفيق .

 

عقارب جهنم

 

وقف ” سالم العطيوي ” فوق الصراط .

رأى العقارب التي كان يربيها في سجن ” العفير ” تكبر، وتكبر ، وتكبر حتى صارت في مثل حجم البغال .

وقفت هذه العقارب / البغال على الصراط . وقفت في وجه ” أبي مهند ” ، وما تركته يمر .

اعترضت طريقه شاهرة في وجهه سمها الزعاف ، فكان كلما راوغها ، ضحكت ضحك العقارب وغرزت في لحمه أشواكها المسمومة حتى صار أزرق كسماء الصحراء في  قائلة الصيف .

ورأى ” عادل الخالدي ” يقترب منه .

كان يحمل على محياه ابتسامة أعرض مما بين السماء والأرض . وكان الفل والياسمين يهطل عليه ويتساقط بين خطاه . ثم رآه يمر على الصراط كالبرق الخاطف .

قال : لقد هلكت ، وسقط في الجحيم .

فتلقفته الزبانية بكلاليب من نار .

 

 

الوعد الحق

 

قال أبو هريرة :

فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا :

– من يشفع لنا عند ربنا فندخل الجنة ؟

فيقول قائل : عليكم بمحمد ، فيأتوني ، ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدني بهن . فأنطلق ، فآتي الجنة . فإذا دخلت ، فنظرت إلى ربي تبارك وتعالى ، خررت ساجدا . فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ، ثم يقول :

– ارفع رأسك يا محمد ، واشفع تشفع وسل تعطى .

فإذا رفعت رأسي ، قال الله ( وهو أعلم ) :

– ما شأنك ؟

فأقول ، يا ربي وعدتني بالشفاعة ، فشفعني في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة .

فيقول عز وجل : قد شفعناك ، وأذنت لهم في دخول الجنة .

 

 

 

 

أبعد الأبعدين

 

لا أدري كيف وجدت نفسي مع النفري في موقف واحد .  كنت وإياه في مكان كالأرض وما هو بالأرض ، كالدنيا وما هو بالدنيا .

وكنت أرى الناس ، وأعجب لحالهم . فما هم بالناس الذين كنت أعرفهم . ناس كالناس وما هم بناس . ترى أشكالهم ، فتعجب لحالهم . كل واحد لاه عن غيره . لا يعرف إلا نفسه . يهرب من الحبيب وينكر القريب ويعيش كالغريب .

وكان النفري يغطيني بردائه ويرتل ، فأرتل وراءه :

 

أوقفني وقال لي : من أنت ، ومن أنا ؟ فرأيت الشمس والقمر والنجوم وجميع الأنوار .

وقال لي : ما بقي نور في مجرى بحري إلا وقد رأيته .

وجاءني في كل شيء ، حتى لم يبق شيء . فقبل عيني ، وسلم علي ، ووقف في الظل .

وقال لي :

– تعرفني ولا أعرفك .

فرأيته كله يتعلق بثوبي ، ولا يتعلق بي .

وقال : هذه عبادتي .

فمال ثوبي ، وما ملت . فلما مال ثوبي ، قال لي :

– من أنا ؟

فكسفت الشمس والقمر، وسقطت النجوم وخمدت الأنوار ، وغشيت الظلمة كل شيء سواه . ولم تر عيني ، ولم تسمع أذني ، وبطل حسي .

ونطق كل شيء : الله أكبر .

وجاءني في كل شيء وفي يده حربة ، فقال لي :

– اهرب .

فقلت :

– أين ؟

فقال :

– قع في الظلمة .

فوقعت في الظلمة ، فأبصرت نفسي . فقال لي :

لا تبصر غيرك أبدا ، ولا تخرج من الظلمة أبدا . فإذا خرجت منها أريتك نفسي ، فرأيتني . وإذا رأيتني ، فأنت أبعد الأبعدين .

 

النفري

المواقف والمخاطبات

موقف : من أنت ومن أنا ؟

 

 

 

 

حفل بالمسرح الروماني بقرطاج

 

1 – صراع

 

جاء عمال البلدية إلى ساحة الجماجم وقفوا مدة طويلة ينظرون في كل الاتجاهات ، ثم قاسوا الساحة بالعين المجردة وانصرفوا .

في الغد ، عادوا بكرة . هدموا ” قصر الفرجة  ” . كوموا الرؤوس في أكداس كالجبال ، ثم عادوا يبنون  بالجماجم بناية جديدة .

كانت البناية غريبة الشكل .بناية لم يعهد لها مثيلا في الزمن الحاضر .

سألت عنها أحد البنائين فقل إنهم يعيدون بناء المسرح الروماني .

… وامتد بهم العمل مدة طويلة . هطلت على الجماجم أمطار الخريف ، وتساقطت فوقها ثلوج الشتاء ، ونفخت عليها رياح الشهيلي الحارة . والبناية الجديدة تكبر وتكبر حتى سدت الآفاق .

كانت بناية في غاية الفخامة ، على شكل دائرة ، شرفاتها تطل على الساحة الكبيرة  ومقاصيرها جميلة بها عواميد من المرمر وسقوفها مدهونة بالذهب .

وعاد عمال البلدية إلى قراهم الصغيرة بعد أن أنهوا العمل . لم يعد منهم سوى طويل العمر ، أما البقية فقد ماتوا مطحونين تحت الحجارة العملاقة التي بنوا بها مسرح العجائب السبعة .

عادوا من حيث أتوا ، وتركوا القصر الجديد في عاصمة

” عمورية ” لترفرف فوقه الأعلام خفاقة .

ونفخ الموسيقيون في أبواقهم ، وضربوا الصنوج والدفوف ستة أيام .

في اليوم السابع جاء القيصر إلى القصر. وجاء معه الضيوف من كل أنحاء الأمبراطورية الرومانية ، فدخل قصر المسرح تحف به الخيالة من كل مكان ، ويتدافع الخلق لتحيته .

وامتلأت المدارج بالمتفرجين . وعم الهرج والزعيق والصفير إلى أن جلجل صوت يأمر الكل بالسكوت لأن الأمبراطور سيلقي كلمة في الحاضرين .

ساد صمت رهيب أرجاء المسرح حين بدأ القيصر حديثه ، فصلى على رسول الله، وأثنى على الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بإحسان إلى يوم الدين ، ثم تحدث عن إنجازات عهده الميمون : المدارس الحكومية والخاصة ، ومدارس المبشرين والآباء البيض ، وكتاتيب القرآن الكريم ، ورياض الأطفال ، والمستشفيات ، والمصحات الخاصة ، والمارستانات ، والمساجد ، والكنائس ، والمعابد ، وبيع اليهود ، والسجون للمجرمين والمارقين على القانون . قانوني أنا طبعا ، قال الأمبراطور . فصفق الحضور حتى انتفخت أصابعهم وزغردت النسوة ، ولعلعت البواريد .

قال : حتى يعم الأمن والرخاء في كل أرجاء البلاد .

وشكر مسؤولي ” البنك الدولي ” الذين لم يبخلوا يوما على الأمبراطورية بالمال والنصيحة إلى أن اكتمل هذا الصرح الذي لا يوجد له مثيلا في إفريقيا وآسيا وكل دول العالم الثالث .

هذا الصرح الذي سيرفع اسم دولتنا عاليا حتى نجوم السماء

وانهمر التصفيق من جديد والدعاء بحياة الأمبراطور

” يوليوس ” أمير البرين وخاقان البحرين . ولم يهدأ الهرج والصياح والتكبير والتهليل إلا حين عاد مذيع برامج الاحتفال بتدشين المسرح الجديد إلى النفخ في بوقه وعرض برامج السهرة .

وأطفأت أنوار فوانيس الكهرباء . وارتفعت المشاعل في أيدي العبيد . ووضع قفصان فوق خشبة المسرح .

كان بداخل كل قفص أسد .

فتح العبيد القفصين ، وابتعدوا شاهرين السيوف والرماح . وزمجر الأسدان وزأرا زئيرا يهد الجبال ، فعم السكون أرجاء المسرح إلى أن نشب صراع رهيب بين الأسدين . عض بالأنياب الحادة ، وخدش بالمخالب ، وكر وفر…

وسال الدم من الجراح بعد أن امتدت المعركة ردحا من الزمن ، وطالت صولاتها وجولاتها ، والأسدان في هياج كبير ، وكر وفر إلى أن برك أحدهما ، وراح يبصبص بذنبه كالكلب المضروب .

وقف الأسد الفائز يزأر ويشخر ، ووقف الجمهور الهائج يصفق ويصفر ، فعاد العبيد إلى الركح شاهرين بنادقهم .

أدخلوا الأسد المهزوم في قفص ، وأطلقوا عليه النار ، ووضعوا على رأس الأسد الفائز إكليلا من الغار ، فصفق الجمهور الهائج حد الجنون .

وعاد مذيع السهرة يطلب من الجمهور الكريم قليلا من الصمت والانتباه ويعلم الجميع بأن الأمبراطور سيرتاح في مقصورته حتى يحين موعد العرض الجديد .

وخرجت نساء جميلات بلباس السهرة من مقهى المسرح . كن يدفعن أمامهن عربات صغيرة فوقها مكسرات : لوز وجوز وفول سوداني وعلب عصير وكوكاكولا وبيبسي وفانتا ومانغا وأناناس ومثلجات أخرى .

ذهبت النسوة إلى المدارج يعرضن على المتفرجين بضائعهن . وذهب الأمبراطور إلى ” البار ” الصغير ليشرب مع حاشيته وضيوفه ، زجاجات ” البرة ” المثلجة وكؤوس ” الشمبانيا ” والخمور المعتقة .

دامت استراحة الأمبراطور نصف ساعة عاد بعدها المذيع يعرض على المتفرجين مفاجأة السهرة .

 

 

2 – مصارعة يابانية على ركح المسرح الروماني بقرطاج بمباركة أمبراطور الشرق والغرب

 ” يوليوس ”

 

فتح العبيد بابين على يمين وشمال الركح .

خرج من البابين مصارعان .

المصارع الأول يلبس تبانا مرقطا مصنوعا من جلد النمر ، والمصارع الثاني يغطي عورته بقطعة من جلد الأيل .

عرض المذيع المصارعين على الجمهور .

صفق الجمهور تصفيقا حارا ، فعادت فوانيس الكهرباء إلى الانطفاء وعادت المشاعل تلتهب في أرجاء المسرح .

عندها خرجت على الجمهور بنتان في زي ملكات جمال العالم .

كانت البنتان تدوران وسط الركح وتعرضان لا فتتين تحملان اسمي المتصارعين .

قرأت على اللافتة الأولى : وحش الركح ” الشهيري ” .

وقرأ عادل الخالدي على الثانية : المارد الجبار ” العطيوي ” .

صفق شق من المتفرجين ، الشق الجالس على يمين الركح وهلل لسالم العطيوي القادم من ” تدمر ” أميرة الصحراء .

وهلل الجمهور الجالس على يسار الركح وصاح مناديا باسم ” الشهيري ” .

وسكنت الحركة ، وساد صمت رهيب أرجاء المسرح إلى أن أمسك ” الشهيري ” ب ” سالم العطيوي ” من رقبته وراح يضغط بكل قوته .

ضغط حتى خرج الزبد من بين شدقيه  فصار ” العطيوي ” يرغي كالبعير . لكنه وبحركة يائسة ضرب خصمه برجله ، ما بين فخذيه . فصات ” الشهيري ” ، وانطرح أرضا فبرك ” أبو مهند ” فوقه وراح يضرب برأسه الركح . والجمهور الهائج يشجعه بكل قواه ويطلب منه أن يقضي عليه .

وافتك ” العطيوي ” نفسه من ” أبي مهند ” ورصع عاليا ، ثم سقط بكل ثقله على الركح ، فراوغه ” الشهيري ” ، ثم استل خنجرا من بين طيات ثيابه وأهوى به على قلب

” العطيوي ” .

تفجر الدم من القلب الذي صار كالنافورة ، فسجد

” الشهيري ” قريبا من الجسد السخن ، وراح يلعق الدم ويخور كما تخور الثيران المحبوسة منذ بداية الخليقة .

 

 

 

 

مشهد من النار

 

قال أبو هريرة :

ثم يدخل أهل النار إلى النار ، فمنهم من تأخذه إلى قدميه لا تتجاوز ذلك . ومنهم من تأخذه إلى نصف ساقه . ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه . ومنهم من تأخذه إلى حقويه . ومنهم من تأخذه في جسده كله .

ثم يأمر الله عز وجل في الشفاعة ، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع .

ثم يقول : بقيت أنا ، وأنا أرحم الراحمين .

 فيخرج منها ما لا يحصى عدده .

 

 

النار الأخرى .

 

راقبت الساحة ألف سنة . تغير لون الحصان من الأسود إلى الأبيض ومن الرمادي إلى البني ، وما تغير صنم البرونز .

كان كما رأيته أول مرة جديدا تماما ، يلمع نوره في النهار والليل . والخلق يباركونه في كل آن وحين .

ذبح له الفينيقيون الأطفال الرضع ، وأشعل له الفرس نارا لا تخمد . وعبده الروم في كنائس عظيمة .

وأنا ؟

أنا هناك في الساحة المقابلة للصنم ، أسكن خالدا ، وخالد يسكنني …

… إلى أن سئمت المشاهد المعروضة في ساحة الجماجم ، فعاودت الطيران من جديد . ذهبت أدق الخزان / السماوات ، واستمع إلى تراتيل الملإ الأعلى . فهاجمتني الشهب من كل مكان وطردت كما يطرد الجمل الأجرب من القطيع . تناوبت الملائكة والشياطين على طردي ، فعدت غريبا إلى الأرض الغريبة .

حطت روحي فوق هذه الأرض التي غادرتها منذ أسبوع ، سنة ، ألف سنة ، مليون سنة … رأت العالم وقد تغير … ولم تعد الأرض أرضنا ، فتحدت النواميس وعادت تطير من جديد في رحلة أبدية بين السماء والأرض إلى أن سمعت النفخ في الصور ، فجمدت في مكانها وتحجرت ، ثم هوت إلى أسفل سافلين …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الثالث

 

نعيم الفردوس

 

 

 

 

 

 

 

الكبش الأملح .

 

يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار .

فيقال : يا أهل الجنة ، هل تعرفون هذا ؟

فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم ، هذا الموت .

ثم يقال يا أهل النار ، هل تعرفون هذا ؟

فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم ، هذا الموت .

فيؤمر به ، فيذبح .

ثم يقال : يا أهل الجنة  خلود ، فلا موت .

ويا أهل النار  خلود ، فلا موت .

 

” حديث نبوي ”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكبش الأملح .

 

يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار .

فيقال : يا أهل الجنة ، هل تعرفون هذا ؟

فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم ، هذا الموت .

ثم يقال يا أهل النار ، هل تعرفون هذا ؟

فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم ، هذا الموت .

فيؤمر به ، فيذبح .

ثم يقال : يا أهل الجنة  خلود ، فلا موت .

ويا أهل النار  خلود ، فلا موت .

 

” حديث نبوي ”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصيبتان .

 

قال يحي بن معاذ :

لا تدري أي المصيبتين أعظم ، أفوت الجنان ؟ أم دخول النيران ؟

أما الجنة ، فلا صبر عنها .

وأما النار ، فلا صبر عليها .

وعلى كل حال ، فوت النعيم أيسر من مقاسات الجحيم .

ثم الطامة الكبرى والمصيبة العظمى هي الخلود ، إذ أي قلب يحتمله ، وأي نفس تصبر عليه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آدم بن آدم الآدمي يلتقي بحياة النفوس

بعد الانتهاء من أهوال يوم الحشر ، وبعد

غيبة مليون سنة ‘ إلا سنتين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قالت حياة النفوس :

– كيف دخلت الجنة يا آدم ؟

قال : لقد شفع لي حبي للفقراء ،

وصيري على عذاب الزنازين ،

وعشقي لورد الربيع ،

ونجمة الصبح الندية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قالت حياة النفوس :

لقد بحثت عنك يا آدم في كل مكان حتى أنهكني التعب وأعياني المسير .

طفت أرجاء الجنة جيئة وذهابا ، وسألت عنك خزنة النار ، فلم أجد لك أثرا .

أين كنت بالله عليك ؟

قلت : مسكينة يا حبيبتي . أنا من أصحاب  الأعراف . أنظري هذه الشامة البيضاء في نحري . لقد نبتت هناك بعد أن اغتسلت في نهر الحياة .

إنني من  مساكين الجنة يا حبيبتي .

قالت : وما الأعراف يا آدم ؟

قلت : هو ذاك السور . هناك . ما بين الجنة والنار

لقد عشت موقفا عصيبا يا حبيبتي حتى كدت أجن من الرعب ، فقد ترقبنا الرب ، بعد أن أمر بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار .

ترقبنا حتى بلغ منا اليأس مبلغه .

وأخيرا جاء الرب ، فقال لنا :

قوموا أدخلوا الجنة ، فإني قد غفرت لكم .

قالت : ما عرفت بذلك ، وإلا ما كنت أتعبت نفسي كل هذا التعب .

فقلت لها : لو تمنيت رأيتي بالقلب ، لرأيتني مرأى العين .

قالت : لم أفهم .

قلت : لم  تطلبي من واحدة من الحور أن تدلك على مكاني ؟

فهنا يا حبيبتي ، في هذه الدار الباقية ما عليك إلا أن تتمني ، فيتحقق مرغوبك في رمشة عين .

قالت : مازلت لم أتخلص بعد من مخلفات الدار الفانية .

وضحكنا ضحكا كالسكر المذاب في الماء الزلال . وغمزتها ، فأسبلت جفنين أسودين على عين حوراء تسبي فؤاد المعنى . فخاسرتها ودخلنا دارا حجارتها من ذهب وفضة ، وملاطها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران .

بهذه الدار سبعون بيتا من الزمرد الأخضر ، في كل بيت سرير ، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون ، وعلى كل فراش امرأة من حور العين .

قلت : أما تغارين يا حبيبتي من هذه النسوة ؟

قالت : لا والله . كيف أغار ممن وهبك الله ؟

وتجولنا داخل البيوت ، فوجدنا في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام .

وطفنا بأرجاء الدار ، فوقفت مبهورا أمام الأرائك والزرابي والوسائد ، وأواني الذهب والفضة ، والوصيفات المتأهبات للخدمة ، والولدان كأنهم اللؤلؤ والمرجان يطوفون بشراب العسل و بالخمرة المعتقة .

يومها ، تمنيت بالقلب ، فحطت وسط الدار مائدة مما لا عين رأت ولا أدن سمعت وما لا يخطر على بال أحد من أهل الدنيا ، فأكلت من لحم الطير حتى شبعت . ولم تأكل حياة النفوس سوى حبتي أناناص . وشربت كأسا من  البيرة  الخالية من الكحول ، فشربت حوريتي قارورة كوكاكولا وهي تعجب لحلاوة هذا المشروب الذي صحبنا حتى الجنة .

وتمددنا على فراش من إستبرق  ونحن نتحادث ونتهارش ونتضاحك حتى أغفينا إغفاءة كالحلم .

ولم أفق  إلا على مناد ينادي :

يا أهل الجنة أن لكم ، أن تحيوا  فلا تموتوا أبدا .

وأن لكم ، أن تشبوا فلا تهرموا أبدا .

وأن لكم ، أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آدم بن آدم الآدمي يريد شراء

سندات في بنوك ” وول ستريت “

وزوجته حياة النفوس تذكره

بأنهما في الجنة .

 

 

 

 

 

 

تلمست حيطان الدار فوجدتها ذهبا خالصا . ذهب أجود من ذهب مناجم دولة جنوب إفريقيا العنصرية ( سابقا) . ومشيت فوق الذهب . وفتحت أبوابا من ذهب . ونمت فوق سرير من ذهب . وشربت الشاي في كأس من ذهب .

وقضيت حاجتي في كنيف من ذهب . أليس كثيرا عليك أن تقضي حاجتك وأنت جالس فوق الذهب ؟ لذلك عاودني جنون الدار الفانية فقلت لحياة النفوس :

ما رأيك يا حبيبتي لو نبيع كل هذا الذهب ونشتري بثمنه سندات في واحد من بنوك ” وول ستريت ” ؟

ماذا سنفعل بكل هذه البيوت ؟

سنكتفي بشقة واحدة . ثلاث غرف ومطبخ و كنيف . ونبيع الباقي .

ماذا سنفعل يا حبيبتي بهذه القصور التي كقصور

السلاطين ؟

يا ليل …. يا عين

يا عين …. يا ليل

يا ليل … يا ليل

يا عين … يا عين .

فقالت ، وهي تضحك وتتلوى من شدة الضحك :

ما أطمعك يا آدم ، أنسيت بهذه السرعة أننا في دار

الخلود ؟

وعاد لي الرشد ، فاستغفرت الرب ، وعفرت وجهي

بالتبر .

ثم عدت أحدث نفسي من جديد بعدما خبا عن وجهي بريق الذهب :

لو كان عندي واحد من هذه الحيطان الذهبية عندما كنت في الدار الفانية ، لبعته وشريت بثمنه : قوتا لجياع الصومال وبارودا لثوار العالم ومنازل للمتشردين وحرية وبسمة للفقراء .

وبتوارد الخواطر سمعت حياة النفوس تقول :

ولماذا لم تهدم قصور السلاطين وتلبي شهواتك هذه وأنت في دار الفناء يا آدم ؟

لماذا تركتهم يقودونك إلى المارستان ، ويكتبون فوق جبهتك مجنون ؟

قلت : خفضي صوتك حتى لا يسمعك حراس المارستان .

ضحكت وقالت : حتى وأنت في الجنة ما زلت تخاف المارستان ؟

حقا ، ورب هذه الجنة ، إنك لمجنون .

وأنا أعشق جنونك هذا يا حبيبي .

وجاءت عندي تتثنى كغصن البان ، فقبلتها وأغلقت الستائر وأشعلت فانوس كهرباء بجانب السرير وتوسدت ذراعها ونمت .

ما أغباني . أحلم بالمارستان وأنا في الجنة .

 

 

 

 

الزواج في الجنة

 

 

قال رسول الله :

والذي بعثني بالحق ، ما أنتم أعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم . يدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله عز وجل ، واثنتين آدميتين ، من ولد آدم لهما فضل لعبادة الله في الدنيا . فيدخل غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ ، وعليه سبعون حلة من سندس وإستبرق . فيضع يده بين كتفي إحداهن ، فينظر إليها من صدرها ، من وراء ثيابها وجلدها ولحمها . وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت .

فبينما هو عندها – لا يملها ولا تمله – ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء . ما يفتر ذكره ولا يشتكي فرجها ، إذ نودي : إنا قد عرفنا أنك لا تمل ، إلا أنه لا مني ولا منية . وإن لك أزواجا غيرها . فيأتيهن واحدة واحة ، كلما جاء واحدة قالت :

والله لا أرى في الجنة شيئا أحب إلي منك … 

 

 

 

 

الجزء الرابع

 

أبواب الجحيم

 

 

 

تقارير من جهنم

 

” ناركم هذه التي يوقدها ابن آدم

 جزء من سبعين جزءا من نار جهنم “

( حديث )

 

 

” لو كان في المسجد ألف أو يزيدون ،

فتنفس أحد من أهل النار ،

فأصابهم نفسه ،

لأحرق المسجد وما فيه .

( حديث )

 

 

 

 

 

كنا نتمتع بأيامنا في الفردوس ، إلى أن بدأت تصلنا تقارير من النار.

لست أدري من كان يسرب هذه التقارير ولا كيف دخلت إلى الجنة . والجنة على أبوابها خزنة يفتشون الداخل إليها تفتيشا دقيقا .

كانت التقارير مكتوبة باللغة العربية لأنها لغة أهل الجنة . وكانت تصلنا تارة مكتوبة بالرسم المغربي وأخرى بالرسم الكوفي ، وفي أحيان كثيرة بالرسم الفارسي .

مدتني حياة النفوس بالمنشور الأول . قالت إنها وجدته تحت الباب . وبعد ثلاثة أيام وجدت منشورا آخر في حديقة البيت .

ثم توالت المناشير ، فوق السرير ، وفي قاعة الاستقبال . تحت جهاز التلفزيون وفوق سفرة الطعام .في المقعد الخلفي من السيارة وبين ثمار أشجار الحديقة . قرب جهاز الهاتف وفي صحن البيت . ثم في الشوارع الرئيسية وفي الساحات العامة …

كانت المناشير كلها تتحدث عن أهل النار وتصف ما يعانونه من عذاب أين منه عذابات الدنيا في زنازين  ومعتقلات الحكومات التي كانت تحكم باسم الشعوب من روسيا الحمراء حتى أمريكا البيضاء .

وكان مروجو هذه المناشير يدعون إلى تخفيف العذاب عن أهل النار ويطالبون بالعفو عنهم .

 

 

 

 

عقارب جهنم

 

منشور سري

 

” في النار ،

عقارب كالبغال ،

لها أنياب

كالنخل الطوال .

( بدون تعليق )

 

ذات يوم ، وأنا أتسلى بمشاهدة شريط سينمائي من أفلام أربعينات القرن العشرين من زمن الدنيا الفانية ، على شاشة عملاقة منصوبة بحديقة منزلنا ، إذ رأيت شبحا يقترب من سريري المعلق بين شجرتي ريحان لا يوجد مثيلهما في شجر الدنيا . كان الشبح ملثما بكوفية مرقطة بالأبيض والأحمر وينتعل حذاء رياضيا ويغطي عينيه بنظارة سوداء .

اقترب الشبح من سريري حتى وقف عند رأسي ، ثم لكزني بإصبعه في صدري وقال :

– أنت آدم بن آدم الآدمي ؟

قلت ، وأنا أتشاغل عنه بمتابعة مجريات قصة الغرام بين سامية جمال وممثل رشيق أنيق نسيت اسمه :

وما ذا تريد من آدم الآدمي يا سيدي ؟

قال :

– قم أيها المجنون لتنظر ما يجري وراء شاشتك العملاقة التي تعرض لك الأفلام والمسلسلات ، أنت يا من ادعيت أنك عانيت من العذاب والهوان .

استفزني حديثة فقمت ، وتبعته حيث قادني إلى كوة تطل على النار .

كان هذا الرجل وأصحابه قد حفروا الكوة خفية من وراء ظهور خزنة النار ، وأخفوها بقش الجنة ورياحينها .

نظرت من الكوة ، فشاهدت عجبا . بينما كنا نحن أصحاب النعيم على شاكلتنا في الدار الفانية ، صار الكفار عماليق ، غلظ جلد الواحد منهم اثنان وأربعون ذراعا . وضرسه في مثل جبل أحد . وما بين منكبيه ، مسيرة ثلاث للراكب . ومجلسه كما بين مكة والمدينة .

رأيت الكفار يصارعون العقارب ، فتصرعهم . ورأيت السم الزعاف يسيل داخل الشرايين هادرا كهدير مياه الفيضانات داخل الأودية الكبيرة .

وكانت العقارب تلسع في كل مكان من الجسم . و هم يتوجعون و يهاتفون الموت .

والموت الذي صار له شكل تنين ينفخ في وجوههم النيران ، فيلتهبون ولا يموتون . وكلما طلب منه أحدهم أن يقبض روحه زاده في حصته من العذاب .

 

” والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزي كل كفور “

 

سورة فاطر / الآية 36

 

قال :

هل رأيت ، أنت الذي رأى كل شيء حتى قيل عنك أنك مجنون ؟

قلت :

أجل ، رأيت بعين العقل يا صاحبي .

وذهب . تركني أشاهد هذا الفيلم الجديد ، وذهب في حال سبيله خفيفا بحذائه الرياضي وبكوفيته المرقطة بالأبيض والأحمر .

 

منشور آخر

 

” في جهنم ، سبعون ألف واد .

في كل واد ، سبعون ألف شعب .

في كل شعب ، سبعون ألف ثعبان

وسبعون ألف عقرب .

لا ينتهي الكافر حتى يواقع ذلك كله .”

 

( بدون تعليق )

 

 

وأدمنت النظر من الكوة التي تطل على جهنم ، فرأيت يوما ” الشهيري ” وقد لبس سبعين ألف وجه .

رأيت وجوهه في كل واد من أودية جهنم .

وشممت رائحة لحمه المشوي في كل شعب من شعابها .

ناديته :

يا هوووووووووووووووووووووووووووه.

أنت يا ” شهيري ” .

تجمعت وجوهه السبعين في وجه واحد كبير عرضه كما بين السماء والأرض ، أسود ، يسيل منه عرق غزير .

قلت له :

– هل عرفتني يا شهيري ؟

رد ، بعد أن حدق في وجهي بعيونه السبعين  ، وعرف النعيم الذي أعيش فيه :

نعم ، عرفتك . أنت من دسست في إسته عامود كهرباء .

وعاد يصعد شعاب جهنم ، وينزل وديانها في حركة أبدية لا تنتهي .

وعدت إلى مؤخرتي أحكها بيدي الاثنتين بعدما عاودني وجع الدار الفانية .

 

مناشير أخرى

 

1

” إن أهون أهل النار عذابا ، رجل في إخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل . ”

 

2

” ويل ” واد في جهنم يهوي فيه الكافر مقدار أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره .

 

3

” صعود ” جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا كذلك أبدا …

( بدون تعليق )

 

من الكوة التي دلني عليها صاحب الحذاء الرياضي والكوفية المرقطة بالأبيض والأحمر ، رأيت أيضا ” العطيوي ” .

كان كلما وضع يده على جمرة من جمرات النار ، ذابت . تحولت اليد التي طالما صفعت سجناءه إلى سائل لزج كاللصاق ، ثم تبخرت تاركة في الجو نتانة جيف ألف جثة في يوم حر .

فإذا رفعها ، عادت كما كانت ، يد سليمة كأيدي بني آدم .

وإذا وضع رجله على جمرات النار ، ذابت .

فإذا رفعها  . عادت كما كانت .

هكذا سبعين ألف مرة في اليوم الواحد .

كنت أحضرت معي كمبيوترا محمولا صغير الحجم في مثل كف اليد ، فكنت أعد للعطيوي :

واحد …

اثنان …

ثلاثة ….

ألف وأربع مائة …

ستة آلاف …

خمسون ألفا …

ستون ألفا وتسع مائة وتسعة وتسعون ….

سبعون ألفا …

ويدق ناقوس صغير أن عد إلى العد من جديد يا عادل الخالدي .

وأعود أعد :

واحد …

اثنان …

عشرون ألفا وأربعة ….

…..

سبعون ألفا .

والأيدي والأرجل تذوب فوق الجمر ….

وتعود من جديد إلى طبيعتها … ثم تعود إلى الذوبان …

وأنا أعد سبعين ألفا كل مرة .

ولا أتعب من العد .

لا أتعب أبدا .

 

منشور آخر

 

إذا ألقي الرجل في النار ، لم يكن له منتهى حتى يبلغ قعرها . ثم تجيش به جهنم ، فترفعه إلى أعلاها ما على عظامه مزعة لحم . فتضربه الملائكة بالمقامع ، فيهوي بها في قعرها ، فلا يزال كذلك أبدا …

( بدون تعليق )

 

 

تشف

 

نودي على ” الشهيري ” ، فجاء يتعثر ، فسلسات في دبره سلسلة حتى خرجت من منخره .

وجيء ب” العطيوي ” ، فسلسل معه ، وقصف بهما في النار كما يقصف الحطب .

 

منشور أخير :

 

يؤمر بناس من النار إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها ، واستنشقوا رائحتها ، ونظروا إلى قصورها وإلى ما عد لأهلها فيها ، نودوا :

اصرفوهم عنها ، فلا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وزقزقت

عصافير الذهب ،

فوق

أغصان الذهب .

 

 

 

 

 

 

النهاية .

 

 

 

 

 

 

نشرت هذه الرواية مرتين :

 

الأولى سنة : 1994 بدار الحوار / اللاذقية / سوريا .

والثانية سنة : 1999 بدار سحر / تونس .

 

وهذه النسخة الثالثة مزيدة ومنقحة ، لذا وجب التنويه .

 

ابراهيم درغوثي

عن ابراهيم درغوثي

شاهد أيضاً

240484136

أيام الشارلستون

    اليوم الأول وبينما يلقى محمد شهدى كلمته الحماسية عن خطبة الأمس التى ألقاها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *