الرئيسية / دراسات / فاضل العزاوي في رواية الاسلاف

فاضل العزاوي في رواية الاسلاف

فاضل العزاوي في رواية ( الأسلاف):مخلوقات نيتشه وماركيز.. أو مائة عام من الديكتاتورية في العراق! 

 نعمان الحاج حسين

( الأسلاف)رواية (فاضل العزاوي) – مؤلف (القلعة الخامسة) التي تم تحويلها إلى فيلم سوري!_ و مؤلف ‏‏..(الديناصور الأخير:مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة ).وتبدو(الأسلاف) رواية خيالية، لكن السرد الواقعي ‏لأحداث الرواية يكشف عن اللامعقول الذي عاشه العراقيون : “..في ذلك اليوم المشهود الذي أمطرت السماء فيه ‏ضفادع فامتلأت شوارع وبيوت وسطوح بغداد بها أثارت دهشة علماء الأنواء الجوية وتناقلت أنباءها الوكالات ‏العالمية ونشرت مقالات كثيرة عنها في الصحف المحلية ، حمل عادل سليم الأمير متاعه الضئيل..”-ص67- ، ولا ‏شك في أنها رواية(سيرة) ولكنها ليست ذاتية بل سيرة عامة ، حين يندغم ما هو شخصي بما هو عام ، ويتماهى ‏مصير الوطن بـ ( مصير الديكتاتور)!‏
و (عادل سليم الأمير) هو بطل (الأسلاف)، ودوره في الرواية أنه ..كاتبها، لكنه يقول أن الشيطان (!) قد كتبها ‏له، فأرسلها إلى الراوي لكي ينشرها باسمه. ويقول الراوي أنه يعرف حقا (عادل سليم الأمير) :”..بل وشاركته ‏الكثير من مغامراته أيضا..”هذا في الوطن ، وفي المنفى:” كنا نعيش في الحي ذاته في برلين ..إلا أننا لم نقترب من ‏بعضنا كثيرا هنا ، كما لو أننا كنا قد اتفقنا على المسافة التي ينبغي أن تظل قائمة بيننا.”-ص11- ثم تلقى منه عبر ‏البريد –يضيف الراوي –رسالة مرفقة بالرواية ..المنسوبة للشيطان. والمسافة الفاصلة بين الراوي و(عادل سليم ‏الأمير) تعادل الخيال الفاصل بين الراوي –الحقيقي-والواقع الذي هو مادة الرواية. ويرد ذكر الشخصية الرئيسية ‏دوما بإيقاعها الثلاثي : ( عادل .. سليم ..الأمير ) مما يشيع الإحساس بالمسافة التأملية الفاصلة والإيهام بإبطاء سير ‏الزمن.‏
و (العزاوي) الذي يعيش في المنفى حتى اليوم، غادر العراق سنة1977 ، أي في نفس السنة التي كان (صدام ‏حسين) يهيؤ نفسه فيها للانقضاض على السلطة، وقبل سقوطه بقليل تماهى (الديكتاتور) مع (الروائي) حين ‏صدرت رواية (زبيبة والملك) التي نسبت إلى ..(صدام حسين) الذي حاول أن يدخل آلته القمعية إلى الخيال ‏الأدبي..الحيز الأخير للعراقيين.وكأن (العزاوي)في روايته الجديدة قد قال لنفسه: تعالوا نتخيل أن كل ما عشناه في ‏العراق كان قصة- مخيفة ومأسوية- لكنها مجرد قصة وهكذا..نستطيع أن نرويها.!، ولأن الحكايات لا تحكى إلا ‏بعد أن تتم ،كان يجب أن ينتهي الديكتاتور لكي يبدأ الراوي ..الكلام.وزمن الرواية هو زمن مستعاد لكنه يبدأ من ‏الحاضر ثم يعود ليبدأ من البداية. يقول ( عادل سليم الأمير) في حوار مع إحدى الشخصيات الخيالية/الواقعية:‏
‏”.. ما تقوله يناسبني تماما ،سوى أنني لا أعرف كيف أنهي قصة تبدأ في الحاضر..”‏
‏”..لكل حاضر نهاية أيضا، كل ما ينبغي عليك فعله هو انتظارها ولسوف تأتي بالتأكيد”.(ص228).‏
ومثلما اعتقدنا جميعا، اعتقد (العزاوي) أن اللحظة الأخيرة لـ(الديكتاتور الأخير ) قد لاحت في سنة 1991 عندما ‏قام التحالف الدولي بمهاجمة العراق بعد احتلال الكويت ، ولا تكمن المفارقة في أن موت الديكتاتورية استغرق اثنتي ‏عشر عاما بعد ذلك– وهي مدة زمنية تكفي ديكتاتوريات أخرى لكي تعيش – بل تكمن في أن الرواية التي بدأ ‏المؤلف بكتابتها عام 1992 لم تكتمل إلا عام 2000 ، أي أن (العزاوي) احتاج المدة الزمنية ذاتها تقريبا لكي ينهي ‏روايته ، فكأن حدس العزاوي لم يخطئ إلا جزئيا بعد تحرير الكويت فراح يبني ويثابر على بناء روايته بينما كان كل ‏شيء في وطنه ينهار ويواصل انهياره –بالتناسب ذاته –ولكن لا أحد توقع نهاية مديدة إلى هذا الحد..وعندما اكتمل ‏الدمار كانت الرواية قد تمت وحلت مكانه..!‏
و بعد السقوط النهائي للنظام العراقي ، تمثل مدينة (كركوك) تلخيصا للأخطار المحدقة بالعراق ، و( كركوك) هي ‏المدينة التي تنطلق منها الرواية التي تمر على أسماء مثل (بعقوبة) و(تلعفر) باعتبارها أمكنة حياة وهي نفسها تتردد ‏كأسماء لأمكنة الموت في نشرات الأخبار اليوم .‏
الراوي في (الأسلاف) يروي إذن قصة (عادل سليم الأمير) الذي يحكي قصته مع الشيطان الذي ألف الرواية ‏التي..الخ .ويفتتح العزاوي روايته باقتباس شعري من (باتريك كافاناغ):‏
‏”مصغيا إلى الطيور تغني على الأشجار الندية
مرت علي مائة عام منذ الآن
لكني كنت خلالها ميتا وثمة شخص آخر غيري يصغي إليها”..‏

‏ * * *‏
هكذا تكلم..العزاوي:‏
في الرواية خليط بديع من الأصوات : الآشوري ..والأرمني..والكردي..والعربي والتركماني ، ضمن مزيج الخيال ‏والواقع ، بالإضافة إلى تعدد الأصداء ،فحيث نجد في (الأسلاف) أشخاصا يطيرون و..رجال شرطة يدبون على ‏الأرض ، نفكر بالواقعية السحرية ، بـ (مائة عام من العزلة) لـ(ماركيز) لكن ( العزاوي) يقودنا إلى صدى أكثر ‏عمقا إلى ..(هكذا تكلم زرا دشت) . ولأن (فاضل العزاوي) لا يفتقر – كما لا تفتقر الأسلاف بالذات – إلى ‏الأصالة فإننا أمام دلالة مضاعفة ، لأن هذا يعني إن المؤلف يوظف في روايته ما قد يبدو مجرد تأثيرات أدبية..‏
في فكر (نيتشه) –كما في الفيزياء- إذا قذفنا حجرا إلى الأعلى فإنه ، مهما ارتفع ، سيعود إلى الأرض ‏وكذلك..كل فكرة أو مبدأ مصيرهما الأرض التي هي (الأم) عند نيتشه. و(زرا دشت) الذي هجر البشر وعاش بين ‏ثعبانه ونسره في كتاب نيتشه ، يعود بعد عشر سنوات من العزلة إلى المدينة فيجد الناس مجتمعين لحضور ‏‏(سيرك)ويغتنم تجمهرهم لكي يلقي عليهم أفكاره.. وفي (الأسلاف) بينما يتسكع (عادل سليم الأمير) في شوارع ‏بغداد ):”..يجد نفسه في ساحة الميدان، حيث ساحر يقدم خوار قه التي اجتذبت الناس إليه فجعلتهم يحتشدون حوله ‏مكبرين الله مع كل حركة يقوم بها أو غارقين في الضحك . وقف عادل سليم الأمير يتفرج هو الآخر…فيما وقف ‏الساحر مناديا بصوت بائع يعلن عن بضاعته أن قرده لا يتقن الكتابة فحسب وإنما يتفوق بجودة خطه على هاشم ‏الخطاط ، وهو لا يتقن اللغة العربية وحدها وإنما…” الخ –ص60- “.. لم يكن القرد بالطبع قادرا على إنشاد ‏الشعر، إلا انه راح يخط بريشته على الورق الذي أمامه شيئا ما…وإذ انتهى من الكتابة نهض وناول الورقة لسيده ‏الساحر الذي أخذها منه …ثم راح يردد القصيدة التي كتبها القرد ..وهي قصيدة يحاكي فيها- القرد –شعر حافظ ‏الشيرازي الذي يبدو انه كان معجبا به :…”-ص61- وسوف نقتبس مقطعا من القصيدة لأنها توضح ما ذهبنا ‏إليه من توظيف لأفكار نيتشه . القصيدة تقول:‏
‏”سألني حافظ : ماذا يوجد هناك في السماء
قلت : الجنة
قال: نحن أيضا نستطيع أن نحول الأرض إلى جنة
فلنا هنا رياض وارفة كثيرة وانهار جارية
وحوريات من اجمل ما خلق الله ‏
والحية أيضا سوف نجلبها لتتسلق الشجرة ‏
ماذا سينقصنا بعد ذلك؟
عندما انتهى الساحر من إلقاء القصيدة انفجر الحاضرون بصيحة تهليل مدوية موحدة مأخوذين بسحر أبياتها التي ‏امتلكت قلوبهم وعقولهم..”-ص62- “..أما عادل سليم الأمير فقد بدا كمن ضربه الزلزال حالما سمع الساحر يردد ‏قصيدته التي كان قد نظمها في اليوم ذاته حين كان يجلس في المقهى ودونها في دفتره الصغير.لا يمكن أحد أن يكون ‏قد عرف بها أم تراه قد كتب قصيدة مكتوبة من قبل. ولكن لا فهاهو القرد يعلن أنها قصيدة لعادل سليم الأمير..”-‏‏63-‏
وفي (هكذا تكلم زرا دشت) فان الحشد الواقف في السيرك بانتظار خروج البهلوان من الكواليس يظن أن خطبة ‏زرا دشت عن الإنسان الأخير والإنسان المتفوق( السوبرمان) ما هي إلا تقديم لظهور البهلوان الذي سرعان ما يقفز ‏على الحبل ويقوم بحركاته الخطرة ثم وبسرعة يطير في الهواء ويدور ثم يسقط على الأرض..ميتا! فيحمله زرا دشت ‏ويعود به إلى عزلته الجبلية مع حيواناته البرية مرددا لنفسه(لقد عدت بصيد ثمين يا زرا دشت ..عدت بجثة)!‏
أما عادل سليم الأمير فيتبع الساحر وقرده بعد انتهاء العرض إلى إن:”..انتهى الساحر أخيرا بعد سير طويل إلى مغارة ‏في غابة بساتين على نهر دجلة يخترقها جدول هناك اخرج أفاعيه من قفصها..”-ص63- وعندما اظهر عادل سليم ‏الأمير نفسه للساحر الذي كان يتبع خفية قال الساحر الذي هو شيطان عادل سليم الأمير:”..جلست انتظرك هنا ‏حتى أصابني الملل.” –ص64-‏
الأسلاف رواية غنية وان كان من نقطة أخيرة، فهي قدرة النثر العراقي على إثارة إعجابنا حتى في زمن كزمننا، ‏ومنحنا الإحساس النادر بأننا ما نزال ..في زمن قراءة الأدب!‏

الأسلاف :رواية
تأليف:فاضل العزاوي
منشورات دار الجمل ألمانيا-2001‏

 2008

                                                                                   alhaj_naaman@yahoo.com

عن نعمان الحاج حسين

شاهد أيضاً

Logo-final-s55

قرآءة في قصيدة : باسل الطائي و سفانة الصافي

قرأة في قصيدة (عندما يبكي الوطن على خارطة الوأد مهند يحيى التكريتي) د. باسل مولود …

تعليق واحد

  1. ابراهيم عنان

    تحيتي لكم
    يسعدني باسم نعمان الحاج حسين اعادة نشر هذه المقالة (عن رواية الاسلاف لفاضل العزواي) المنشورة في مواقع اخرى سابقة..وكان ثمة موقع باسم الاقلام منذ عشر سنين لا اعرف ان كان موقعكم هو تحديث له ..ارغب في النشر لديكم
    وشكرا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *