الرئيسية / دراسات / دراسة حول كتاب: ألمانيا بين عقدة الذنب والخوف بقلم :أبراهيم نافع

دراسة حول كتاب: ألمانيا بين عقدة الذنب والخوف بقلم :أبراهيم نافع

كتاب: ألمانيا بين عقدة الذنب والخوف بقلم جمال قارصلي

https://docs.google.com/…/1iSIMo5y6CiIAbIRPCjvYq8_TU8…/edit

شيء من تجربتي الخاصة:
عندما قدم لى السيد جمال قارصلى النائب فى البرلمان الألمانى كتابه هذا طالباً منى كتابة تقديم له ، فكرت فى الأمر طويلاً ، فتجربة الرجل غنية وتكشف عن معدن أصيل لإنسان من أصل عربى هاجر إلى ألمانيا وحمل معه هموم أمته ، ولم تنسه السنوات التى عاشها فى ألمانيا قضايا وطنه الأصلى ، بل وقضايا أمته والحضارة التى ولد فى ظلها وعاش فيها سنوات عمره الأولى. فعادة ما تسلك الغالبية العظمى من المهاجرين العرب الطريق السهل الذى يتمثل فى الإنسلاخ التام عن الجذور، والعيش بالهوية الجديدة. كما يبالغ البعض أحياناً فى محاولة إثبات الولاء للهوية الجديدة عبر العمل مع قوى سياسية وثقافية تتخذ من العداء للهوية العربية والثقافية والحضارة العربية أهدافاً واضحة لها. لكن جمال قارصلى اختار الطريق الصعب ونجح فى ترسيخ معادلته التى تتمثل فى الإندماج فى المجتمع الألمانى مع عدم التفريط فى هويته الأولى أو الإنفصال عن قضايا وطنه الأصلى .
والحقيقة أننى ما أن انتهيت من قراءة الكتاب حتى وجدت مساحة كبيرة من الالتقاء فى الأفكار والرؤى بيننا ، فالرجل عانى كثيراً لدفاعه عن قضايا أمته العربية، لكن عزيمته لم تهن برغم الحملات الشرسة التى شنها ضده اللوبى الصهيونى فى ألمانيا وملاحقته له حتى فى وطن زوجته “إيطاليا”. ولم يتراجع عن أفكاره والطريق الذى اختاره حتى بعد اعتداءات الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 فى نيويورك وواشنطن وما جلبته هذه الأحداث من متاعب للعرب والمسلمين فى الغرب عموماً .
ولعل أبرز ما استوقفنى فى تجربة جمال قارصلى تلك المعركة الفكرية التى خاضها فى مواجهة اللوبى الصهيونى وإصراره على توضيح الخطوط الفاصلة بين السامية والصهيونية. متمسكاً بأن الثانية حركة سياسية سبق أن دمغتها الأمم المتحدة بالعنصرية عام 1976 ، ومن ثم فإن نقد السياسات الإسرائيلية وإدانة العدوان الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى لا يندرج ضمن “معاداة السامية” كما يروج اللوبى الصهيونى فى الغرب.
وفى تقديرى أن كتاب السيد جمال قارصلى يأتى فى توقيت مناسب لكى يطلع القارئ العربى على تجربة حية عاشها أحد أبنائه الملتزمين فى مجتمع غربى واشتبك فى معارك فكرية وسياسية مع المنظمات الصهيونية والمتعاطفة معها أو التى تخشى نفوذها دون أن يلين أو يتراجع .
لقد أثار كتاب السيد قارصلى لدىّ ذكريات التجربة التى قادتنى فى النهاية إلى تأسيس المنظمة العربية لمناهضة التمييز. فقد لاحظت مبكراً تزايد الحديث عن معاداة السامية ، واتجاه المنظمات الصهيونية إلى إستخدام هذا المصطلح وإشهاره كسلاح فى وجه أفراد وهيئات عربية عديدة وصل فى بعض الأحيان إلى رفع دعاوى قضائية. وبرغم أن مفهوم معاداة السامية له معان محددة ، ويعنى بالأساس الفعل أو القول العنصرى ضد مجموعة من البشر تنتمى إلى العرق السامى ، وهو العرق الذى يضم اليهود والعرب معا ، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية والقوى السياسية الإسرائيلية قد حرفت هذا المفهوم وشوهته من أكثر من زاوية.
فمن ناحية جرى إستبعاد العرب قسراً من هذا المفهوم ، وبرغم أنهم يمثلون قلب العنصر السامى ، فإن المنظمات الصهيونية والقوى السياسية الإسرائيلية عملت بشكل منظم على الاستئثار بالإنتماء إلى العرق السامى، ومن ثم فقد تم إستبعاد كل ما هو غير يهودى من إطار مكونات العرق السامى ، وبات مفهوم “السامى” قاصرا على اليهود فقط. وهو أمر أحسبه كان مقصوداً تمهيداً لإشهار السلاح فى وجه أبرز مكونات العرق السامى ، أى العرب. ومن ناحية ثانية تم توسيع مفهوم معاداة السامية لينتقل من كل الأقوال والأفعال التى تتم ضد أبناء العرق السامى ، لشمل كل كلمة نقد توجه للسياسة الإسرائيلية ، بل تم توسيع المفهوم تماماً بحيث بات يوظف لإرهاب كل من يتصدى بالنقد للسياسات العدوانية الإسرائيلية والممارسات اللاإنسانية التى ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلى بحق الشعب الفلسطينى. ومن ثم بات أى نقد سياسى لإسرائيل كدولة أو لأى من أعضاء الحكومة الإسرائيلية يعد نوعاً من ” معاداة السامية “.
ومن ناحية ثالثة بات مصطلح معاداة السامية يستخدم كنوع من “الردع الاستباقى” الذى يوجه لكل مصادر النقد المحتملة لسياسة إسرائيل أو ممارسات قوات الاحتلال ، وقد جرى عبر توظيف شبكة ضخمة من المصالح والعلاقات والمنظمات نشر حالة من الرعب فى مواجهة قوى سياسية ومنظمات مدنية دولية لمنعها من مجرد مناقشة السياسة الإسرائيلية أو الممارسات اللاإنسانية التى ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وفى مرحلة تالية تم فرض حظر على مناقشة قضايا معينة تاريخية وسياسية حتى من قبل الأكاديميين والباحثين واعتبر مجرد الاقتراب بالدراسة لقضايا معينة كفيلاً بإشهار سلاح معاداة السامية فى وجه الساعى إلى البحث والدراسة ، وهو الأمر الذى جعل مجالات معينة من البحث خارج سياق المطروق علمياً وأكاديمياً فى الجامعات الدولية. وما يهمنى تأكيده هنا هو أن المفهوم الحقيقى للسامية ، بمعنى أنه يشمل كل أبناء العنصر السامى ، ومن ثم يجمع اليهود والعرب معاً ، أمر معروف من الناحية التاريخية ، فالعرب ساميون مثل اليهود ، وهو أمر تقره دائرة المعارف العبرية على النحو الذى أشار إليه شموئيل جوردون فى مقال له بعنوان ” معاداة إسرائيلية للسامية ” والذى نشر على الموقع الإلكترونى لصحيفة معاريف بتاريخ التاسع من نوفمبر عام 2003 حيث كتب يقول ” وصفت دائرة المعارف العبرية معاداة السامية بأنها كافة ظواهر الكراهية والعنصرية الموجهة ضد الساميين ” ، وأضاف ” ومن هنا فإن معاداة السامية تشمل أيضا كل مظاهر الكراهية والعنصرية الموجهة ضد العرب ” وأضاف بعد ذلك ” لقد تطورت معاداة العرب فى إسرائيل وتكونت من الاحتقار لمظاهر التخلف والاستهانة بالطبيعة البشرية. لقد برزت شحنات عميقة من العنصرية فى صالونات مساء السبت ، وفى ملاعب كرة القدم وفى الأسواق ، حيث تسمع أقوالاً عنصرية من قبيل قتله عديمى الأخلاق ، والإرهاب هو سياستهم ، أو حذار من الثقة فيهم ، أو أن الورقة التى يوقعون عليها لا تساوى ثمنها الموت للعرب، والعربى الجيد هو العربى الميت”. وفى الحقيقة فإن ما قاله جوردون كنا نركز عليه فى العالم العربى ونقول لكل الذين أشهروا سلاح معاداة السامية فى وجه العرب ، أن العرب لا يمكن أن يكونوا معادين للسامية لأنهم ساميون ، ومن ثم لا يمكن للإنسان أن يكون معادياً لنفسه وعرقه ، وأنه إذا كانت هناك تجاوزات من جانب أفراد أو هيئات عربية وهى موجودة بالفعل ، فإنها تدخل فى باب آخر غير معاداة السامية، ويظل موقفنا بعد ذلك هو عدم الموافقة على إستخدام معاداة السامية كسلاح لإرهاب كل من يسعى إلى مناقشة قضية تدخل ضمن ما وضعته المنظمات الصهيونية فى إطار ” قائمة المحرمات ” ، فهذه القائمة تضخمت بشدة وباتت تنطبق على كل كلمة نقد سياسى لإسرائيل أو اختلاف مع سياسة دولة إسرائيل ، هذا بينما حرص قادة المنظمات الصهيونية على أن يكونوا جميعاً فوق مستوى النقد ، فكل نقد يوجه لهم يقابل بإشهار سلاح معاداة السامية ، وتدريجياً أعطى قادة المنظمات الصهيونية والقوى السياسية الإسرائيلية لأنفسهم الحق فى احتكار دور المحقق والقاضى فى كل الوقائع التى يرون أنها تتضمن ” معاداة للسامية ” ، وباتوا يوجهون التهمة إلى كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية. لقد أثار نشاط السيد قارصلى قلق وخوف المنظمات الصهيونية فى ألمانيا ، فهم يريدون ” العربى ” إما ” مستوعب مدجن ” أو ” متطرف متشدد منفصل ” عن المجتمع الذى يعيش فيه ، لكن أن يندمج فى مجتمعه ولا ينسلخ عن قضايا أمته ، وينشط فى الحياة السياسية ويوسع دائرة نشاطه وأصدقائه من غير العرب ، فذلك ما يمثل أزمة كبرى لهذه المنظمات ، ومن ثم فقد نشطت واستخدمت أساليب ملتوية فى مهاجمته وعملت على تشويه صورته. ولعل أبرز الدروس التى يمكن استخلاصها من تجربة السيد قارصلى هى الإيمان بسلامة الموقف وعدالة قضاياه وتوافر الإرادة القوية التى تمكنه من الصمود فى مواجهة الحملات المسعورة التى تشنها المنظمات الصهيونية. فلقد كرس جهوده من أجل حصول المهاجرين على حقوقهم مؤكداً أنها ليست منحة تعطى لهم بل هى نتيجة كفاحهم الشخصى من أجل الوصول إليها. إن تجربة السيد قارصلى تكشف عن عمق الرؤية وسلامة البصـيرة وأحســب أنها تمثل خبرة مفيدة ومليئة بالدروس للعرب الذين يعيشون فى الغرب ، فهى تقدم لهم دروساً فى كيفية الاندماج فى الغرب دون الانسلاخ عن قضايا الوطن الأصلى.
إبراهيم نافع
رئيس مجلس إدارة ورئيس تحريرالأهرام
رئيس إتحاد الصحفيين العرب
رئيس المنظمة العربية لمناهضة التمييز

عن أبراهيم نافع

شاهد أيضاً

654

لمحة في قصيدة “العودة ” للاديب المصري صابر حجازي بقلم – محمد أحمد الأعرج

اولا :- القصيدة العـــــــــودة ———– سيزيف* يعاود كرّته لكن في تلك المرّة لم تسقط من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *